الحداثة السياسية والتحديث السياسي مقاربة نظرية ودعوة للتجاوز
الملخّص
تهدف هذه المقالة إلى الإسهام في النقاش العلمي الدائر حول مفاهيم الحداثة والتحديث السياسي؛ وبخاصة تناول النظريات والأطروحات التي تطرّقت لهذه الإشكالية، من حيث المنطلقات والأسس المعرفية. ومن هنا سيجري التركيز على أبرز ما طُ رح من داخل مدارس العلوم السياسية، مع استحضار تعق د طبيعة الموضوع، والتداخل القائم بين حقل الفلسفة والنظرية السياسية في هذا المجال. إنّ مبرّر هذا الاختيار لا ينحصر في طبيعة الموضوع والتطوّرات التي تخضع لها الأطروحات الغربية اللبرالية التي تمث ل مختلف مدارس العلوم السياسية المعاصرة، بل يتعدّاها إلى تنوّع التجارب المنجزة تاريخيًّا، وما مث لته القيم المجتمعية من مدخل لطرح الإشكاليات المفاهيمية، وبناء أشكال حديثة للسلطة السياسية تراعي الخبرة التاريخية لتلك المجتمعات.
ارتبطت الحداثة السياسية بالتطوّرات الأساسية للاجتماع السياسي الغربي. وذهب التاريخ الفرنسي إلى عدّها وليدة الثورة الفرنسية 1789؛ فقد "تحققت الحداثة السياسية عبر عملية فصل المجتمع عن الدولة، وانتقلنا من نظام قديم غابت فيه الدولة المعارضة والمجتمع المدني والحقوق الفردية"1، إلى نظام تغيّت فيه الحركية والدينامية الاجتماعية؛ وأثّر ذلك كلّه في المجال السياسي عبر فترة زمنية ممتدة، فأُخضع هذا المجال لمأسسة وترتيب، ومفاهيم جديدة؛ فمع الثورة "تأسّست في فرنسا دولة برجوازية حديثة مركزية وديمقراطية، اعتمدت نظامًا دستوريًّا وطنيًّا، وهيكلً سياسيًّا وبروقراطيًّا"2. صحيح كذلك أنّ ملامح الحداثة السياسية بدأت في إنجلترا، مع الإقرار ببعض الحقوق الفردية، وبروز مفكّرين من أمثال سبينوزا، ولوك، ومونتسكيو. وكذلك كان الشأن بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمركية التي انطلقت فيها الحداثة السياسية مع نهاية القرن الثامن عشر، بطريقة تختلف عن النموذج الفرنسي لاختلاف حالة الدولتين؛ في النموذج الأمركي تحقّق الجانب السياسي من الحداثة عبر استعدادٍ طويل زمنيًّا ولكنّه أنجز قطيعة؛ فمنذ القرن الثامن عشر، عرف المعمّرون الإنكليز في أمركا الحرية المعرفية والدينية التي كانت السبب في استقرارهم في الولايات المتحدة الأمركية. لم يمسّ الاختلاف طبيعة الحداثة السياسية المنتجة عبر مسار تاريخي خاصّ متباين، بل ظهر في تعريفات علماء السياسة والفكر السياسي في تعريفهم أثر الحداثة في المجال السياسي؛ فمعظم التعريفات ركّزت على الاختلافات القائمة بين النظام السياسي التقليدي والمعاصر3. ورأت أنّ الحداثة السياسية، هي العملية التي جرى بموجبها الانتقال من نظام تقليدي إلى آخر معاصر. في مناقشته ماهية الحداثة السياسية، يذهب صموئيل هنتنغتون إلى تصنيف الوجوه الأهمّ للعصرنة4 السياسية تحت عناوين ثلاثة أساسية: "أوّلً، تفترض العصرنة السياسية عقلنة السلطة، واستبدال عدد كبر من السلطات السياسية التقليدية والدينية والعائلية والعرقية بسلطة سياسية قومية علمانية واحدة. وثانيًا، تفترض العصرنة السياسية التمييز بين الوظائف السياسية الجديدة، وتطوير بنى متخصصة لتنفيذ هذه الوظائف. وثالثًا، تفترض العصرنة السياسية المشاركة المتزايدة في السياسة من قبل فئات اجتماعية من المجتمع ككل "6. في نقده الفرضيات الثلاث المذكورة، رأى هنتنغتون أنّ العصرنة لا تعني عمليًّا عقلنة السلطة و"تفصيل البنية وتوسيع المشاركة السياسية"؛ فمن الناحية النظرية، الحداثة السياسية تعني الانتقال من نظام حكم تقليدي إلى آخر عصري. أمّا الوجه العملي للعصرنة السياسية، فيصف "التغرات السياسية التي تحدث بالفعل في الدول المعصرنة"7، وتعرف مؤثّرات سياسية للعصرنة في الجانب الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. فالعصرنة من الناحية العلمية تفترض تغيّ النظام السياسي التقليدي وانحلاله، "لكنّها لا تفترض بالضرورة انتقالً واضحًا نحو نظام سياسي عصري"8.
هناك جانب آخر من التطوّر العملي للحداثة السياسية، يظهر أن الفرضيات التي تحدّث عنها هنتنغتون نسبية في تفسرها الواقع؛ ذلك ما يظهر في موجة بين النزعة القومية للقرن العشرين في أوروبا، والتي تحوّلت إلى التوليتارية متناقضة مع العصرنة السياسية9. في آسيا، وعلى الرغم من هذا المسار الطويل لأوروبا وشمال أمركا في الحداثة السياسية، توجد تجارب أوروبية مختلفة تعاني من مصاعب تحقيق كلّ أوجه العصرنة السياسية؛ بسبب الاختلافات الإثنية والثقافية، كما هو الشأن بالنسبة إلى أيرلندا الشمالية وإسبانيا10.
هناك دول أخرى خارج القارتين الأمركية والأوروبية حقّقت تقدّمًا في إنجاز الحداثة، لكنّها إنجازات متباينة وغر كافية للحديث عنها بوصفها دولً تعيش الحداثة السياسية11. ومن الغريب أن نجد ضمنها اليابان، التي يزعم باربييه أنّها دولة تخلط بين النظام القديم، وإخضاعه للظروف المعاصرة، "دون فصلٍ بين الدول والمجتمع"12.
أمّا في العالم الإسلامي، فإنّ غياب الحداثة السياسية يرجع إلى عاملين بحسب باربييه؛ الأوّل "هو دور العامل الديني في تحديد الوطنية، وارتباط ذلك بالدولة. والثاني، صعود الإسلاميين، ما يعطي الدين دورًا كبرًا في الشؤون الاجتماعية والسياسية"13. لكن هذا لا يعني أنّ إمكانية دخول العالم الإسلامي "نادي" الحداثة السياسية أمرٌ مستحيل، بل ستواجهه صعوبات كبرة ناتجة من علاقة الدين بالدولة. وكما هو الشأن في فرنسا حيث كان الدين الكاثوليكي متداخلً مع الدولة، فإنّ العالم الإسلامي يعرف اليوم المسار نفسه الذي عرفته فرنسا في علاقة الدولة بالدين؛ وإن كان في بدايته، يبقى أن تتحقّق إنجازات في ما يخصّ فصل الدولة عن المجتمع، وفصل الإسلام عن الدولة14 ليحدث تقدّم أوسع نحو الحداثة السياسية. وبذلك يكون العالم الإسلامي منسجمً مع موجة (التنمية السياسية)15 التي يخضع لها منذ أمدٍ بعيد، لأسباب داخلية وخارجية. إجمالً يمكن القول إنّ الحداثة السياسية هي استقلال للمجال السياسي، بوصفه "مجال صراع حول الخرات والسلط والرموز، وهذا التصوّر للسياسة يضمن نوعا من نزع القدسية في المجال السياسي، ويمكن أن نضيف أيضًا سمات أخرى كتوسيع المشاركة السياسية"16؛ فجوهر الحداثة السياسية هو الانتقال من المشروعية التقليدية إلى المؤسسية بالتعبر والمفهوم الفيبري.
التحديث السياسي بوصفه سيرورة انتقالية
يشر مفهوم التنمية السياسية إلى مفهومٍ آخر ويتقاطع معه، هو التحديث السياسي. ويقصد به تلك الحركية المستمرة التي يجري بواسطتها الانتقال من الأشكال القديمة للتنظيم السياسي إلى الشكل الحديث. فهو بذلك عملية مطّردة غر نهائية، تُكسب النظام القائم فعالية جديدة تؤهّله للتكيّف والملاءمة مع الراهن، من خلال اكتساب الخصائص الجديدة التي تستجيب للتحدّيات الحادثة في واقع الاجتماع السياسي. للتحديث السياسي سمتان بارزتان يُعرف بهما؛ الأولى تتعلّق "بتوسيع السلطة وتركيزها، وتوافر التمايز والتخصّص وتكامل البناءات السياسية"؛ وإضافةً إلى المؤسسات السياسية الجديدة، يتضمّن التحديث السياسي سمةً ثانية، "تعتبر المشاركة السياسية مظهرًا مميزًا للتحديث"17. وعلى الرغم من كلّ ما سبق ذكره، يمكن القول إنّه "من الصعب التمييز بين التحديث السياسي والتنمية السياسية والنموّ السياسي، وتُستخدم غالبًا كمرادفات"18؛ ذلك أنّ منظّري نظرية التحديث، ودارسي ظاهرة التخلّف والقائلين بالتنمية السياسية، رسّخوا "اعتقادًا مفاده أنّ التكنولوجيا والنظام العالمي الكريم لا يهدف سوى إلى
إفادة بلدان العالم الثالث، لذا يجب نقل المؤسسات السياسية اللازمة للديمقراطية اللبرالية إلى هذه البلدان"19. مثَّل هذا الطرح الذي يطلق عليه ريتشارد هيجوت "أيديولوجيا النزعة التنموية"، أساس نظرية التحديث عامّة، وكذاك ما يهمّ الجانب السياسي. تعرّضت نظرية التحديث لانتقادات بسبب عدم صدقيتها، واختلاف معياريتها ووضعيتها مع واقع العالم النامي. كما توهّمت هذه النظرية في الستينيات، "أنّ الجهود التي بذلتها العلوم الاجتماعية أفضت إلى الانتقال من المجال "الميتافيزيقي" إلى مجال "التحرّر من القيمة"20.
من جهةٍ أخرى، كرّس تنظر مفكّري التحديث السياسي أطروحة الخطّ الأحادي للتاريخ والتقدّم المجتمعي، لاعتقادهم بضرورة مرور "المجتمعات النامية" بالمراحل نفسها التي مرّت بها المجتمعات المتقدمة. ويؤكّدون أنّ الأمر مسألة وقت لا غر، يجري فيه تغير القيم إلى قيم أخرى "قائمة على الإنجاز والعمومية والتخصّص والحياد الوحداني والمصالح الجماعية. لهذا فإنّ أبتر Apter يرى أنّ عملية التحوّل في المجتمعات النامية لم تكتمل بعد نحو التحديث، ولا سيمّا تلك المرتبطة بالبنى الاجتماعية والثقافية، وهذه بدورها ترتبط بالنسق السياسي"21. تبعًا لذلك، اكتست قضية التحديث السياسي أهمية قصوى، انطلاقًا من حاجة الجماعات السياسية في العالم النامي إلى المزيد من تنظيم السلطة و"ترشيدها"، وضمان توازنها؛ بما يتيح فرصًا أكثر للمشاركة في الحياة العامّة، وصنع القرار السياسي في الدولة. واتّخذ مفهوم التحديث السياسي كذلك طابعًا عمليًّا ووظيفيًّا اختصر في عملية التغير الضامنة للتحوّل من نظام سياسي تسلّطي قمعي واحتكاري للسلطة، إلى آخر مفتوح وتداولي للسلطة عن طريق آليّة الديمقراطية.
للحديث عن التحديث السياسي، والاعتراف بالانتقال إلى مجتمع مشاركة، لا بدّ من وجود مؤسسات سياسية حقيقية ومتوازنة داخل الدولة، ونسق سياسي مفتوح للتنظيمات السياسية المجتمعية التي تمثّلها الأحزاب أساسًا. كلّ هذا يختلف عن فسح المجال أمام المشاركة السياسية، وبناء نظام سياسي مركزي ومؤسسات تنفيذية مسيطرة على القرار العامّ؛ فهذا الشكل من التحديث يؤدّي حتمً إلى تفويض التحديث السياسي ومؤسساته السياسية22. نستنتج من ذلك أنّ نظرية التحديث السياسي تؤكّد على ثلاثة عناصر أساسية. العنصر الأوّل هو النسق القيمي؛ بحيث تدعو إلى تفعيل القيم وجعلها فعّالة وقادرة على توزيع القوّة في المجتمع لتحقيق ديمقراطية حقيقية، وليست شكلية مؤسساتية. وهذا بدوره يتحقّق عن طريق الإقرار بالتعددية داخل نسقٍ قيمي فعّال. ويتعلّق العنصر الثاني بالنخبة؛ إذ تؤكّد نظرية التحديث السياسي أهمية دور النخبة في صناعة سلطة سياسة تشاركية، تدعم المشاركة السياسية لعموم فئات المجتمع داخل الدولة، بصورة موسّعة. أمّا العنصر الثالث، فهو طرح التحديث السياسي العامل الاقتصادي، وعدّه مركزيًّا في تطوّر الدولة ككلّ من نظام تقليدي إلى آخر حديث24. إنّ التحديث السياسي يعني قدرة النظام السياسي على التكيّف مع التغرات الحاصلة في النظام نفسه؛ فتصبح التحولّات الاجتماعية احتياجات ومتغيّ ات سياسية. إلا أنّ هذا التطوّر السياسي العام
يحتاج إلى ظرفٍ لاستيعابه وإرساء سياسات عامّة، وبنى جديدة تحمي عملية التطوّر من التفكّك، والانقلاب على نفسه، عن طريق إنتاج شكل جديد للنظام السياسي، لا يملك قدرة الاستجابة لتحدّي التحديث25. ولعلّ هذا التحدّي، هو ما دفع علماء السياسة في مرحلة ما بعد السلوكية إلى التأكيد على "التنمية السياسية26، بوصفها تجسّد قدرة النظام السياسي على التعامل / أو التكيّف مع خمس مشكلات أساسية هي: الشرعية، والهويّة، والمشاركة، والقدرة على التغلغل والتوزيع"27. وبذلك يكون التحديث السياسي هو الانتقال من نظام سياسي ديكتاتوري إلى نظام سياسي دستوري ديمقراطي مجتمعي، لا يخلو من صعوبات.
بالنسبة إلى آلان تورين، فمن الأهمّ الاعتراف بوجود التوليفات القائمة اليوم بين الحداثة و"الإرث الثقافي أو النظام السياسي في العالم أجمع"، وتنوّعها. وهذا يسمح لنا بالحديث عن أنواع من التحديث؛ "فكما أنّه لا توجد طريقة فضلى (الطريقة الوحيدة الفضلى للعمل، كما كان يظنّ ف. تايلور)، كذلك لا توجد طريقة واحدة للتحديث"28. إنّنا على الأقلّ أمام ثلاثة نماذج في العالم الغربي الحديث؛ "لقد اعتمد التحديث في البلاد الواطئة وبريطانيا العظمى على الترشيد الاقتصادي والتطوير القانوني، وهو نهج مختلف جدًّا عن النهج الفرنسي في التحديث الإرادي volontariste الذي تديره الدولة، وأشدّ اختلافًا عن النموذج الألماني المبنيّ على المطالبة بالعودة إلى تاريخ الأمّة الثقافي"29. إنّ مزاعم النموذج الواحد للحداثة أو التحديث، لا تعدو أن تكون مقولات غر مسنودة بالتاريخ والواقع الاجتماعي؛ ذلك أنّ التعددية الثقافية عنصر مركزي ومهمّ في التكوين والتفاعل مع التحديث. وعندما نتحدّث عن طرقٍ متعدّدة للتحديث، فذلك يعني "الاعتراف بكثرة السبل التي تمكّن شعبًا ما من الدخول في الحداثة، ولكن دائمًا من خلال المزج بين مبادئ شاملة وخبرات تاريخية شديدة التنوّع"30، سواء كانت غربيّة أو عربية إسلامية. يعتقد إيزنستات أنّ التحديث هو عملية الانتقال من نمطٍ أو أنماط نحو الأنماط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تطوّرت خلال القرن السابع عشر والتاسع عشر، في كلٍّ من غرب أمركا وشمالها. وامتدّ انتشارها إلى أوروبا، لينتقل إلى أمركا الجنوبية وآسيا وأفريقيا، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين31. وعلى الرغم من هذه الأصول التاريخية، فإنّ التنوّع الحضاري استطاع أن يبقى جزءًا راسخًا من عملية إنتاج النموذج التحديثي نفسه.
التحديث السياسي: من التعدّد إلى التجاوز
يثر الحديث عن التحديث عامّةً والسياسي على وجه الخصوص، تساؤلً أكثر دقّة ذا صلة بعلاقته بالعلمنة، وما تتطلّبه من ترشيد وتغريب في ظلّ مرجعية اللبرالية السياسية. يضاف إلى ذلك إصرار التنظرات الأيديولوجية للتحديث عربيًّا وغربيًّا على حتمية العلاقة بين تلك المفاهيم، مستبعدةً بذلك النموذج الياباني والهندي، وعودة الموجة الدينية منذ الثمانينيات عالميًّا. يأتي كلّ هذا في سياقٍ "عالمي" يعاكس نبوءات نظرية التحديث المعَلمن، والتي زعمت أنّ اكتساح
التحديث المجال العامّ يقوّض أركان الدين، ويعزّز تهميشه في الحياة الفردية والعامّة32.
وعلى الرغم من أنّ تصاعد موجة التديّن وعودة الدين للحياة العامّة أصبحت واقعًا "عالميًّا"، فإنّ هناك من يربط بين التحديث والعَلمنة بصورة غامضة؛ مستندًا في ذلك إلى الخبرة التاريخية الخاصّة بفرنسا المخاصمة للدين. ثمّ سرعان ما تجنح هذه الرؤية لأسلوب التعميم، من خلال تأكيدها "أنّ مسرة العلمنة في البلدان الغربية على الأقلّ، أقدم بكثر من مسرة التصنيع"33، وأنّ قيم العلمنة هي التي أنتجت دينامية بناء المؤسسات السياسية. في المدرسة الغربية نفسها، نجد أطروحة مخالفة أيديولوجية العلمنة ودورها في التحديث السياسي؛ من ذلك ما يطرحه المؤرّخ الأمركي المعاصر جون و. وفول Voll O John.(أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة جورج تاون)، من أنّ سياق الحداثات المتعددة في عالم اليوم، يؤكّد "أنّ الدين لم تتضاءل مكانته بل كان بالمقابل وفي بعض الحالات ذا أهمية متزايدة (وهو واقع الوطن العربي بعد الانتفاضات الشعبية الأخرة.) ويرفض بعض الباحثين نظام الافتراضات الخاصّ بحتمية التحوّل إلى العلمانية". ويستدلّ فول بأحد أبرز منظّري نظرية التحوّل نحو العلمانية عن طريق التحديث، ومؤيّديها؛ فقد تراجع بيتر برغر عن نظريات علم السياسة السائدة خلال الستينيات؛ إذ أكّد أنّ "كلّ الأدبيات التي صاغها المؤرّخون وعلماء الاجتماع المصنّفة تحت اسم (نظرية التحوّل العلماني) تعدّ في الأساس خطأ". من الواضح أنّ الخبرة التاريخية وتنظرات علم السياسة، تؤيّد القول بأنّه لا يوجد نمط واحد للتحديث، كما لم يهتمّ مفكّرو السياسة كثرًا بإيجاد تعريفٍ واحد وموحّد للتحديث السياسي؛ بل نجد زوايا الدراسة تختلف لعدم وجود تعريف شامل متّفق عليه. وهذا ما يؤثّر في محدّدات التعريف، ويجعل الاستخدام المجالي للكلمة أكثر دلالة. ولصعوبة تحديد ماهيّة المفهوم، كثر استخدام مفاهيم؛ كالتحديث الاقتصادي، والتحديث التكنولوجي، والتحديث الإداري، والتحديث السياسي. كما زخر التنظر السياسي بالحديث عن التحديث بصيغته الرأسمالية والاشتراكية في اع اررفٍ منه بالتنوّع والتباين القيمي. وتبعًا لذلك يصبح من الصواب العلمي الحديث عن أطروحة تحديثية عربية إسلامية، تتجاوز حمولة العلمنة الغربية، وتنشئ مدخلً جديدًا يتجاوز الطرح اللبرالي في معالجة إشكالية التحديث السياسي وارتباطه بالخبرة الغربية. ونقترح لذلك عدّ المرجعية الإسلامية، وخبرتها التاريخية مرجعية أعلى من الطرح اللبرالي والاش ارركي؛ لما قامت به القيم الدينية من دورٍ في بناء المجتمع العربي الإسلامي، ونقله من الطور القبلي إلى الطور المجتمعي الجامع والمتعارف في ظلّ جماعة جامعة. لقد أصبح من الواضح أنّ النظرية التحديثية عامّة ومنها التحديث السياسي، قد خضعت لتطوّرات فلسفية وتاريخية مهمّة؛ ما يفرض علينا إعادة النظر ومراجعة مبادئها الأساسية، ومسلماتها المرجعية التي اكتسبتها من الفكر السياسي الغربي الذي خلق خلفيتها الحضارية والفلسفية. إنّ التحديث كما أنتجته المدركات الأساسية الغربية، هو واحد من "الأيديولوجيات" التي تحدّرت إلينا من الفكر التنويري، ومدارس علم السياسة التي تنطلق من قواعد قيمة خاصّة بخبرة مجتمعية وتاريخية مغايرة لمجتمعاتنا. كما أنّها لم تعد تستجيب بدقّة لتطوّرات المجال العربي الإسلامي من الناحية الفكرية والواقع المجتمعي السياسي. ويدعونا هذا كلّه للاجتهاد المعرفي، وتجاوز الأطروحة الغربية في هذا الموضوع.