تحليل الانحدار لنمذجة تأثير إنتاج النفط في الديمقراطية في سياق أطروحة "لعنة الموارد"

دحمان عبد الحق * - جواهرة إدريس

الملخّص

لم يتوقف النفط في عاقته بالجانب الاقتصادي، بل تعداه إلى عاقته بالتطور السياسي. وتبحث هذه الورقة أثر النفط في الديمقراطية؛ إذ تستند إلى دراسة نظرية وتجريبية باستخدام أدوات الإحصاء الوصفي وتحليل الانحدار والاختبار الإحصائي في ضوء الاقتصاد السياسي، وهي أطروحة "لعنة الموارد." وتدرس كيف استخدمت النظم السلطوية الموارد الهيدروكربونية للحؤول دون حصول تحوّل ديمقراطي من خال مجموعة من الآليات مثل: الأثر الضريبي، وتكوين المجاميع، وتأثير الإنفاق، والقمع. وقد أظهر التحليل الإحصائي أنّ هناك عاقة عكسية ذات دلالة إحصائية بين الديمقراطية وإنتاج النفط. لذلك، يمكن القول إنّ الدول النفطية هي أقل احتمال ا أن تصبح ديمقراطية. وعلى الرغم من أنّ أغلبية دول العالم الثالث قد أصابتها لعنة مواردها، فإنّه لا يمكن اعتبار "لعنة الموارد" مصيرًا محتومًا، بل نتيجة التبعية للمسار المتمث ل بالعجز وضعف تنويع الموارد؛ فهي لا تنطبق على جميع البلدان الغنية بالموارد الطبيعية كالنرويج مثل ا.

مقدمة

لم يقتصر النفط على علاقته بالجانب الاقتصادي، بل تعداه إلى العلاقة بالتطور السياسي؛ إذ اهتم الكثر من الباحثين بموضوع النفط وتأثراته في الديمقراطية، وكانت أغلب الكتابات في هذا الشأن أنكلوسكسونية1، فقد تناولت هذه الكتابات أيضًا نماذج لدول نفطية عديدة سواء في أمركا اللاتينية (فنزويلا)، أو في أفريقيا (نيجريا وغينيا الجديدة) أو أوروبا (النرويج)، أو في المنطقة العربية (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، أو آسيا (إيران وإندونيسيا وأذربيجان.) وهناك دراسات ربطت النفط بالحروب والصراعات سواء مع الدولة المنتجة والأطماع الخارجية، أو داخل الدولة من خلال الصراع على الموارد (الحرب الأهلية.) وهناك من ربطها بالاستقرار، ومن أعطى أبعادًا اجتماعية وثقافية للنفط. وقد استكشف بعض علماء السياسة، مثل مايكل رووس، كيف يمكن للوفرة النفطية على وجه الخصوص أن تضعف الاتجاهات نحو الديمقراطية.

ويشر هؤلاء إلى كيفية استخدام النفط من طرف النظم السلطوية للحؤول دون حصول تحوّل ديمقراطي. وجرى تشخيص هذه الظاهرة باسم "لعنة الموارد" التي تعني أنّ العملية الديمقراطية تسر عكسيًا مع ازدياد صادرات النفط.

أول ا: أطروحة "لعنة الموارد:" المفهوم والأبعاد

صاغ ريتشارد أوتي في عام 1993 مصطلح "لعنة الموارد الطبيعية"، وقدّمه للنقاش العلمي2. ورجع الكثر من الباحثين في مناقشاتهم إلى هذا المصطلح سواء من حيث تأكيده أو نفيه، وكذلك ربطه بأحد المتغرات الاقتصادية أو السياسية. فهناك من يرى أنّ اكتشاف النفط واستخراجه يتعين أن يؤدي إلى المزيد من التنمية المتوازنة والمستدامة بدلً من أن يكون معوقًا في كثر من الأحيان3، ومنهم من يرى نقيض ذلك في مناقشته للجوانب الاقتصادية للعنة الموارد الطبيعية، مثل العلاقة السلبية الموجودة بين وفرة الموارد الطبيعية والنمو الاقتصادي4، أو ما يسمى ب "المرض الهولندي"، أو اضطراب تأثر تقلبات الأسعار في السلع الأساسية، أمثال فاوندر بلاوغ و ستيفن بول هيج5. وقد درس باحثون غرهم الجوانب السياسية للعنة الموارد، مثل تأثر النفط في الديمقراطية، ومن بينهم مايكل رووس6، وهورويش، وواغلي7، وهاربر، ورونالدو8، أو علاقة النفط بالفساد، مثل أسلاكسن9، ومنهم من ذهب إلى دراسة علاقة النفط بالصراعات والحروب الأهلية، ومن بينهم بول كولير، وأنك هوفلر10. يرى تري لينكارل أنّ نتائج التنمية القائمة على تصدير النفط سلبية من حيث بطء النمو الاقتصادي وضعف التنوع الاقتصادي. ويأتي هذا نتيجة لحركة أسعار النفط ارتفاعًا وانخفاضًا مع الاعتماد عليه بوصفه موردًا أساسيًا من دون التنويع؛ وهو ما يؤدي إلى تراجع مؤشرات الرفاهية الاجتماعية، وارتفاع مستويات الفقر واللامساواة

  1. Michael L. Ross, “The Political Economic of Resource Curse,” World politics , vol. 51 (January 1999); Julie Gauthier, Prospects for Democratization in the Oil Monarchies of Persian Gulf (Louisiana: Louisiana State University,
  2. Ingrid Kruger, Oil Revenues and Gasoline Subsidization, Norway: University of Oslo, May 2010, at: http://www.cerdi.org/uploads/ sfCmsContent/html/333/Kruger.pdf
  3. Macartan Humphreys, Jeffry D. Sachs and Joseph E. Stiglitz, Future Directions for the Management of Naturel Resources (New York: Colombia University Press, 2007), p. 23.
  4. Jeffry Sachs and Andrew Warner, “Naturel Resource Abundance and Economic Growth,” NBER Working Paper no. 5398 (Cambridge, Massachusetts: National Bureau of Economic Research, 1995), p. 18.
  5. Frederick van der Ploeg & Steven Poelhekke, “Volatility And The natural Resource curce,” University of oxford, department of economics oxcarre, Oxcarre Research Paper No. 2008- 03.
  6. Michael L. Ross, “Does Resource Wealth Cause Authoritarian Rule?” University of Michigan (May 2000).
  7. Horiuchi, y. & Waggle, S, “100 years of oil: Did it depress democracy and sustain Autocracy?,” Paper present at the annual meeting of the APSA 2008 Annual Meeting. 8  Stephen Haber and Victor Renaldo, “Do Natural Ressources Fuel Authoritarianism?,” A Reappraisal of the Resource Curse’ Working Paper, 2008, No. 351, Stanford University. 9  Silje Aslaksen, “Corruption and Oil: Evidence from Panel Data, Department of Economics, University of Oslo,” PB 1095 Blindern, 0317 OSLO. 10  Paul Collier and & Anke Hoeffler, “Resource Rents, Governance, and Conflict,” Journal of Conflict Resolution , vol. 49 (2005), p. 9; Paul Collier and Anke Hoeffler, “Greed and Grievance in Civil War,” Oxford Economic Papers, no. 56 (2004), pp. 563-595.
  8. 2007); Terry Lynnkarl, Oil Led Development: Social, Political And Economic Consequences (Stanford: Stanford University, January 2007); Jeffry Frankel, The Natural Resource Curse: A Survey (Harvard: Harvard University,
  9. September 2010); Kevin Tsui, “More Oil, Less Democracy? Theory and Evidence From Crude Oil Discoveries,” Chicago: University of Chicago, January, 21 2006. at:
  10. http://www.webmeets.com/files/papers/ERE/WC3/168/tsui-kevin-wc3.pdf

مع الاستخدام غر العقلاني للموارد الطبيعية. وينعكس ذلك سلبيًا على البيئة، واستشراء الفساد، والتسلط في الحكم، وانتشار الصراعات والحروب. لذلك يرى أنّ البلدان التي تعتمد على النفط في معيشتها تصبح في نهاية المطاف ما بين المضطربة اقتصاديًا وأكثر سلطوية11؛ إذ يبدو أنّ البلدان الغنية بالموارد الطبيعية كان أداؤها أسوأ من البلدان الأقل غنى مقارنة بما تملكه من موارد؛ وهو ما يصطلح عليه ب "مفارقة الوفرة"12.

تعني "لعنة الموارد" في أضيق أشكالها العلاقة العكسية بين زيادة الاعتماد على إيرادات الموارد الطبيعية من جهة، ومعدلات النمو الاقتصادي من جهة أخرى13، وتحديدًا تلك الموارد غر المتجددة مثل المعادن والنفط والوقود عمومًا. وتشر دراسات عديدة إلى أن أداء البلدان النامية الغنية بالموارد كان أضعف من نظره في البلدان الفقرة بالموارد؛ فقد أظهرت دراسة تناولت أعضاء منظمة أوبك في الفترة 1998-1965 أنّ معدل دخل الفرد فيها تراجع بمعدل %1.3 سنويًا، في حين حققت البلدان النامية غر النفطية نموًا بمعدل %2.2 في الفترة نفسها14. وهناك العديد من الأمثلة عن دولٍ أصابتها لعنة مواردها مثل نيجريا الأكثر سكانًا في أفريقيا 160(مليون نسمة)، وثامن أكبر مصدر للنفط في العالم. فقد حصلت على عوائد من النفط تقدر بنحو 223 مليار دولار بين عامي 1999 و 2007؛ إذ يشكّل النفط %90 من صادراتها15. وعلى الرغم من ذلك، فقد فشلت البلاد في تعزيز سيادة القانون والابتكار وروح المبادرة، وعجزت عن تنويع الاقتصاد. وعلى الرغم من تدفق مليارات الدولارات منذ السبعينيات، نجد أن %70 من النيجريين يعيشون على ما يعادل أقل من دولار واحد في اليوم، ويأتي ترتيب نيجريا 159 من أصل 197 في مؤشر التنمية البشرية التابع للأمم المتحدة. ويشر تقرير الاستخبارات الأمركية لعام 2005 إلى أنّ نيجريا قد تكون في طريقها للتحول إلى دولة فاشلة16. كما يوجد في

  1. Ibid.
  2. تري لينكارل، مفارقة الوفرة: ازدهار النفط والدول النفطية (بركلي: مطبوعات
  3. المرجع نفسه، ص.24 الشكل)1("القانون الأول للسياسات النفطية" لتوماس فريدمان
  4. كسافير سالال مارتن وارفد سوبرامانيان، "مواجهة لعنة الثروات الطبيعية: مثال من نيجريا"، ورقة عمل صندوق النقد الدولي (تموز/ يوليو 2003)، ص.4 15 “ Mission Impossible, Nearly,” The Economist , August 2, 2007.
  5. جامعة كاليفورنيا، 1997)، ص .23
  6. “ Hints of a New Chapter,” The Economist , November 12, 2009. الجدول)1(التحليل الوصفي لبيانات مؤشر الديمقراطية وإنتاج النفط الجدول)2(مؤشر الديمقراطية وإنتاج النفط لبعض البلدان المتقدمة
الإحصاءاتمؤشر الديمقراطيةإنتاج النفط (مليون برميل في اليوم)
القيمة الدنياالسعودية 1.17ليبيا 1.48
القيمة القصوىفنزويلا 5.15السعودية 11.72
المتوسط الحسابي3.463.14
الدول النفطية التابعة للعالم المتقدممؤشر الديمقراطيةإنتاج النفط (مليون برميل في اليوم)
روسيا3.7410.93
النرويج9.931.9
كندا9.083.58

فنزويلا ثروة نفطية تفوق أي دولة أخرى في أمركا اللاتينية، ومع ذلك يعيش ثلثا السكان في فقر. وغالبًا ما تكون الموارد مصدرًا للصراع الداخلي، ومصدرًا أيضًا للموارد المالية الضرورية التي تمكن الجهات المتصارعة من الاستمرار في الصراع. وهناك أمثلة واضحة على ذلك في أنحاء أفريقيا، كما هو حال القتال بين الحكومة والمتمردين في سراليون خلال العقد الأخر من القرن العشرين على الماس الذي أدى إلى 75 ألف قتيل و 20 ألف جريح ومليوني نازحٍ وأعدادٍ كبرة من الأطفال الذين أجبروا على القتال أو على ما هو أسوأ منه17. لذلك يرى بول كولير وأنك هوفلر، المختصان في علاقة النفط بالصراع، أنّ البلدان التي تستمد نسبة كبرة من دخلها القومي من الموارد الطبيعية هي أكثر عرضة للانخراط في الحرب الأهلية18. وعلى النقيض من ذلك، يرى ريتشارد أوتي أنّ لعنة الموارد ليست مصرًا محتومًا، بل نتيجة التبعية للمسار19. فلعنة الموارد لا تنطبق على جميع البلدان الغنية بالموارد الطبيعية؛ إذ تعد النرويج استثناءً، فالنفط يولد نحو %20 من إجمالي الناتج المحلي و%45 من الصادرات. وتعد شركة النفط فيها مملوكة للدولة (ثم جرى تخصيصها جزئيًا) وتتميز بالكفاءة. كما أدركت الدولة الكمية المحدودة لمواردها الطبيعية؛ إذ من المتوقع أن ينضب نفطها وغازها في غضون 70 سنة،

  1. جوزيف أي. ستيجليتز، كيف نجعل العولمة مثمرة، ترجمة فايزة حكيم (القاهرة: الدار الدولية للاستثمارات الثقافية، 2009)، ص.153
  2. Collier and Hoeffler, “Greed and Grievance in Civil War.”
  3. Annika Kropf, The Patterns of Economic Diversification in the States of the Gulf Cooperation Council: Natural Resources, Democracy and Islam, University of Vienna, 2010; at: http://www.soas.ac.uk/lmei/events/ ssemme/file67883.pdf

لذلك وضعت الكثر من الإيرادات في صندوق للاستقرار برأسمال 150 مليار دولار يشكّل في الوقت الحالي نحو %50 من إجمالي الناتج المحلي للدولة20.

وتشكّل بوتسوانا أيضًا قصة من قصص النجاح القليلة في العالم النامي، ولا سيما في الطريقة التي تولت بها إدارة ثروتها من الماس؛ فقد نما اقتصاد الدولة بمعدل متوسط يبلغ %09 في السنوات الثلاثين الماضية، منافسةً بذلك نمور شرقي آسيا. والتزمت حكومتها الديمقراطية أن تبني إجماعًا بين السكان حول السياسات المطلوبة لنمو ناجح؛ تضمنت استخدام صندوق استقرار للتعامل مع العواقب المترتبة على التقلب في أسعار الماس. وتعد ماليزيا الغنية بالموارد الطبيعية قصة ثالثة للنجاح؛ إذ استخدمت وفرة مواردها الطبيعية كأساس للانضمام إلى الدول الصناعية الجديدة، وأصبحت تندرج ضمن "الديمقراطيات النفطية."

ثانيًا: البعد السياسي لأطروحة "لعنة الموارد"

ترتبط الديمقراطية بالتنمية الاقتصادية ارتباطًا وثيقًا21. لذلك فالبلدان التي شهدت تنمية اقتصادية ستتجه نحو نظام ديمقراطي بصورة تدريجية. ومع تحول الدول من فقرة إلى غنية، يرتفع مستوى التعليم وتتغر أحوال السكان ما يعطي قيمة أعلى للاستقلال والحريات، ومن ثمّ، يزداد الطلب على الديمقراطية مع المستويات الأعلى من التنمية الاقتصادية. لذا، فتأسيس الديمقراطية والقبول بمبادئ حقوق الإنسان يستلزم النمو الاقتصادي وزيادة الدخل الوطني أو الدخل الفردي وتحسين مستوى التربية والتعليم. وتؤكد "نظرية التحديث" على دور التنمية الاقتصادية في التحرّر السياسي دور التنمية الاقتصادية في التحرر السياسي؛ إذ قامت دراسة أجراها آدم برزيوورسكي، ومايكل ألفاريز، وخوسيه أنطونيو شيبوغ، وفرناندو ليمونجي، بمقارنة تجربة التنمية الاقتصادية والسياسية في 141 دولةً، منذ الخمسينيات إلى غاية التسعينيات. وأكدت الدراسة أنّ الدول الأغنى قادرة على جعل الديمقراطية مستدامةً؛ وهم يناقشون فكرةً مفادها أنّ الديمقراطيات تكون منيعةً وثابتةً في حال وجود مستوى معين من التنمية الاقتصادية آلاف دولار من الناتج المحلي الإج يفوق نحو 4 لياا للشخص الواحد. أما تحت هذا المستوى، فقد وجدت الدراسة أنه يمكن للديمقراطيات أن تزدهر، أو تذبل وتموت22.

ويفسر صامويل هنتغتون ذلك بأنّ التنمية الاقتصادية قد أوجدت تغرات في البنى والقيم الاجتماعية؛ ما أدى إلى تشجيع التحول إلى الديمقراطية23، واستدل بتجارب عديدة من العالم ككوريا الجنوبية، وإسبانيا، واليونان، والمكسيك. لكن على الرغم من كل ذلك، فإنّ بعض الدول المصدرة للبترول، وهي جزء من العالم النامي وتمتلك

  1. ستيجليتز، ص.168
  2. سيمون مارتن ليبست، رجل السياسة: الأسس الاجتماعية للسياسة، ترجمة خري حماد (بروت: دار الآفاق الجديدة، 1960)، ص .36-23
  3. بيبا نوريس، "دور الديمقراطية في تحقيق وتحسين المساواة والتطوير المستدام واستئصال الفقر"، ورقة قدمت للمؤتمر الدولي السادس للديمقراطيات الجديدة أو المستعادة، الدوحة 29( تشرين الأول/ أكتوبر 2006)، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ص .7
  4. صامويل هنتغتون، الموجة الثالثة: التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين، ترجمة عبد الوهاب علوب (الكويت: دار سعاد الصباح، 1993)، ص 120 - .133

مستوى دخل فردي أعلى من بعض الدول الرأسمالية المتقدمة، شأن دول مجلس التعاون الخليجي مثلً، غر ديمقراطية؛ ومن ثمّ تصبح "نظرية التحديث" عاجزة عن تفسر سبب ذلك. ولذلك، لا يمكن تسمية الدخل الناتج من الثروة النفطية تنميةً، بل هو استنفاد لمورد هيدروكربوني كان من المفترض استخدامه لأغراض التنمية. وقد اكتشف بعض علماء السياسة كيف أنّ وفرة الثروة النفطية على وجه الخصوص يمكن أن تضعف الاتجاهات نحو الديمقراطية؛ فاستنادًا إلى الأبحاث التي أجراها مايكل رووس في عام 2011 بجامعة كاليفورنيا باستخدام التحليل الإحصائي ل 113 دولة بين عامي 1971 و 1997، وجد أنّ اعتماد الدولة على أي من الصادرات المعدنية يجعلها تميل إلى أن تكون أقل ديمقراطية24. لذلك يرى أنّ الدول الغنية بالموارد الطبيعية هي أقل احتمالً بأن تصبح ديمقراطية مقارنة بتلك الفقرة بالموارد25.

وفي السياق نفسه، قدم توماس فريدمان دراسة بعنوان "القانون الأول للسياسات النفطية"26 يرى فيها أنّ هناك علاقة ارتباط بين سعر النفط ووترة استدامة الحريات السياسية والإصلاحات الاقتصادية. ويفترض هذا القانون ما يلي: يتحرك سعر النفط ووترة الحرية دائمًا في اتجاهين متعاكسين في الدول الغنية بالنفط؛ فكلما ارتفع متوسط سعر النفط الخام العالمي، تتعرض حرية التعبر والصحافة والانتخابات الحرة واستقلال القضاء وسيادة القانون للتآكل (انظر الشكل 1.) وعلى العكس من ذلك، فانخفاض أسعار النفط يدفع الدول النفطية نحو نظام سياسي ومجتمع أكثر شفافية وتركيزًا على بناء القانون والهياكل التعليمية التي من شأنها تعظيم قدرة شعوبها. وبحسب فرديمان، فإنّ الدول التي يشكل النفط الجزء الأكبر من صادراتها أو الناتج المحلي الإجمالي مع وجود مؤسسات ضعيفة أو حكومات استبدادية هي التي تخضع "للقانون الأول للسياسات النفطية." وتأتي على قائمة الدول: أذربيجان، وأنغولا، وتشاد، ومصر، وغينيا الاستوائية، وإيران، وكازاخستان، ونيجريا، وروسيا، والسعودية، والسودان، وأوزبكستان، وفنزويلا. أما الدول الراسخة في الديمقراطية ولها اقتصادات متنوعة مثل بريطانيا، والنرويج، والولايات المتحدة - على سبيل المثال - فلن تكون خاضعة لأحكام هذا القانون27.

وتأييدًا لهذه الفكرة، يرى ريتشارد يونغ أنّ ارتفاع أسعار النفط والغاز على ما يبدو ساعد في دعم الاستبداد28. لذا تتناسب العلاقة بين العملية الديمقراطية عكسيًا مع ازدياد صادرات النفط. وهذا على عكس ما يجري في البلدان المتطورة؛ فحال الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات السياسية فيها يتناسب طرديًا مع زيادة الناتج الإجمالي الداخلي ومع دخل الفرد. وعلى خلاف ما يجري في الدول المتطورة، لا تؤدي الزيادة في مداخيل الدولة في الدول الريعية إلى التطور السياسي.

ثًالث ا: التحليل الإحصائي لأطروحة "لعنة الموارد"

سنحاول إجراء التحليل الإحصائي على البلدان النامية المنتجة للنفط باستخدام الإحصاء الوصفي إلى جانب نموذج الانحدار من أجل إظهار تأثر إنتاج النفط في الديمقراطية في سياق لعنة الموارد. ويجري

  1. Ross, “The Political Economic,” p. 297-322.
  2. Ross, “Does Resource Wealth,” p. 7.
  3. Thomas Friedman, “The First Law of Petro Politics,” Foreign Policy (April 2006).
  4. Ibid.
  5. Richard Young, “Energy A Reinforced Obstacle to Democracy?” Center for European Policy Studies, C.E.P.S. Working Document (July 2008), p. 1. الشكل)2(سحابة النقاط لإنتاج النفط ومؤشر الديمقراطية المصدر: الشكل من إعداد الباحث، استنادًا إلى بيانات مؤشر الديمقراطية  2012 Limited(Unit Intelligence Economist)The، وبيانات إنتاج البلدان النامية للنفط عام).U.S Eneregy Information Administration(2012 الجدول)3(نتائج نموذج الانحدار المصدر: الجدول من إعداد الباحث، استنادًا إلى بيانات مؤشر الديمقراطية  2012 Limited(Unit Intelligence Economist)The، وبيانات إنتاج البلدان النامية للنفط عام).U.S Eneregy Information Administration(2012
المتغير التابع: مؤشر الديمقراطية
الطريقة: المربعات الصغرى العادية
التاريخ: 2014/5/10، الوقت: س: 09 و49 دق
العينة: 1 12
الملاحظات المدرجة: 12
مؤشر الديمقراطية = س)1(+ س 2() * إنتاج النفط
الاحتمالإحصائية ستودنتالخطأ المعياريالمعامل
0.000010.132350.4132144.186830س)1(
0.0451-2.289320.099881-0.22866س)2(
3.460833المتوسط للمتغر التابع0.343874معامل التحديد
1.080197الخطأ المعياري للمتغر التابع0.278262معامل التحديد المعدل
2.817084معيار أكاييك0.917684المجموع المفسر للانحدار
2.897901معيار شوارنز8.421432مجموع مربعات الباقي
2.787162معيار هنان وكوين-14.9025لوغاريتم المعقولية
2.224709إحصائية دربن واتسون5.240984إحصائية فيشر
0.045066الاحتمال (إحصائية فيشر)

التحليل الإحصائي باستخدام بيانات مؤشر الديمقراطية29، والبيانات المقابلة لإنتاج النفط من عام 2012 للبلدان النامية30 المنتجة للنفط التي أخذت في الاعتبار في هذه الدراسة، وهي: السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، والعراق، وإيران، وقطر، وأنغولا، والجزائر، وليبيا، ونيجريا، وكازاخستان، وفنزويلا. ومؤشر الديمقراطية هو متوسط مؤشرات متعددة للديمقراطية مثل العملية الانتخابية، والتعددية، وعمل الحكومة، والمشاركة السياسية، والثقافة السياسية، والحريات المدنية. إنّ نتائج الإحصاء الوصفي للبيانات المقابلة لهذه الدول مبينة في الجدول 1(.) أما الإحصاءات الأخرى المقابلة للدول النفطية التابعة لدول العالم المتقدم فمبينة في الجدول.)2(نلاحظ من الجدول 1() أنّ متوسط ​إنتاج النفط في البلدان النامية يتأرجح في حدود 3.14 مليون برميل يوميًا مع أقصى قدر من الإنتاج يصل إلى 11.72 مليون برميل يوميًا)في المملكة العربية السعودية، وبحد أدنى ينخفض حتى 1.48 مليون برميل يوميًا في ليبيا (متوسط مؤشر الديمقراطية في الدول النامية يتأرجح في حدود 3.46، وهو مؤشر ضعيف جدًا مقارنة مع الكمية الكبرة من الإنتاج النفطي يوميًا في هذه البلدان ومع متوسط ​الإنتاج أيضًا البالغ 3.14 مليون برميل يوميًا.) وتعدّ القيمة القصوى لمؤشر الديمقراطية في البلدان النامية منخفضة جدًا 5.15() مقارنة بمؤشرات الديمقراطية لبلدان أخرى مثل النرويج 9.93() وكندا 9.08() ذات الإنتاج النفطي الكبر أيضًا (انظر الجدول 2.) لذلك يبدو من هذا التحليل الوصفي أنّ البلدان التي تقوم بإن ت اج نفطي ك ب ر يكون لديها ميول لامتلاك مؤشرات دنيا للديمقراطية. ومن أجل معرفة تأثر إنتاج النفط في الديمقراطية نقوم بتقدير نموذج الانحدار؛ إذ إنّ مؤشر الديمقراطية يعبِّ عن المتغر التابع، ويعبِّ "إنتاج النفط" عن المتغر التفسري المستقل. ويقدَّر نموذج الانحدار باستخدام طريقة المربعات الصغرى العادية؛ وذلك باستخدام برنامج Eviews6. وتظهر النتائج على شكل سحابة نقاط في الشكل 2()، ونموذج الانحدار في الجدول.)3(بحسب سحابة النقاط (الشكل 2)، نلاحظ أنّ المستويات العليا لإنتاج النفط في البلدان النامية تقابل مستويات منخفضة من الديمقراطية، مع خط انحدار بميل سالب؛ ما يدل على العلاقة العكسية بين المتغرين. وبحسب نتائج نموذج الانحدار (الجدول 3)، نلاحظ أنه، في مستوى %5 من الدلالة، هناك علاقة عكسية ذات دلالة إحصائية بين إنتاج النفط والديمقراطية وذلك باستخدام اختبار الدلالة لفيشر. Prob (F-statistic) = 0.045066 < 0.05 [إحصائية فيشر]Prob) =(وتعطى معادلة الانحدار ب: مؤشر الديمقراطية = 0.22-* إنتاج النفط + 4.18 هذا يعني أنّ الزيادة بوحدة واحدة في إنتاج النفط يؤدي إلى انخفاض يقدر ب 3.95 وحدات 4.18-0.22() في مؤشر الديمقراطية، والذي يعطي نتائج كافية ومطابقة لأطروحة "لعنة الموارد." بمعنى أنّ هناك علاقة عكسية بين إنتاج النفط والديمقراطية في سياق أطروحة "لعنة الموارد."

رابعًا: التفسير السياسي لأطروحة "لعنة الموارد"

وضع مايكل رووس في تحليلاته آليات شكلت العلاقة بين الوفرة النفطية وغياب الديمقراطية وهي: الأثر الضريبي: ففي حين تقود الضرائب عادة إلى إقامة المجالس التمثيلية، يرى ج. لوشياني أنّ الريوع النفطية تكسر هذه الصلة31؛ لذلك فإنّ جمع الضرائب لا يصبح من ضمن أجندة الدولة واهتماماتها. واستنادًا إلى ذلك، فإنّ الحكومة تتحرر من المحاسبة والمساءلة إلى درجة تمكنها من أن تصبح مستقلة عن المجتمع32؛ ما يثبط المشاركة السياسية. ومن هنا جاء شعار الثورة الأمركية "لا ضرائب من دون تمثيل." أما شعار الدول النفطية الاستبدادية فهو "لا تمثيل من دون ضرائب"33.

  1. The Economist Intelligence Unit Limited, Democracy index 2012
  2. U.S Eneregy Information Administration, 26/2/2013, at:
  3. Democracy at a standstill , A report from The Economist Intelligence Unit, pp. 03. 08, at: http://www.eiu.com/public/topical_report.aspx?campaignid=D
  4. emocracyIndex12
  5. http://www.eia.gov/countries/cab.cfm?fips=SA جياكومو لوشياني، "دول رصد التخصيصات مقابل دول الإنتاج: إطار نظري"، 31 المستقبل العربي، العدد 103 (أيلول/ سبتمبر 1987)، ص.86 32  Lisa Anderson, “The State in the Middle East and North Africa,” Comparative Politics , vol. 20. no. 1 (Octobre 1987), p. 72. 33  Friedman, p. 32.

تأثير الإنفاق: يوفِّر الحصول على المداخيل النفطية للدولة إمكانية جلب رضا الرأي العام؛ إذ إنّ توجيه خزينة الدولة نحو الإنفاق الجاري أو حتى الإنفاق على التوظيف قصر الأمد لا يوفِّر الإمكانية للإنفاق على البنى التحتية. كما أنّ الدولة تستطيع عن طريق زيادة الإنفاق الجاري إيجاد فرص عمل كاذبة والتستر على البطالة المقنعة.

تأثير القمع: يمكن لعوائد النفط أن تنفق بشكل مفرط على النفقات العسكرية وعلى الشرطة والأمن الداخلي والاستخبارات التي يمكن أن تستخدم لخنق الحركات الديمقراطية. تكوين المجاميع Group Formation: ويجري ذلك عبر تقديم الامتيازات والتسهيلات المالية. كما من شأن ذلك أن يقف حائلً أمام التنظيمات المستقلة عن الحكم، وفي الوقت نفسه تنظِّم الدولة أنصارها في إطار أجهزتها ليأتمروا بأمرها. لذلك من الصعب تشكيل مجتمع مدني مستقل عن الحكم، فكل فروع المجتمع المدني مثل الأحزاب والمؤسسات المدنية وغر الحكومية هي منظمات شكلية ليس لها القدرة على المساءلة والشفافية في العلاقات الاجتماعية والقيام بالرقابة على مؤسسات الحكم.

خاتمة

سعت الدراسة لاختبار فرضية أنّ وجود النفط يؤدي إلى غياب الديمقراطية. وتعتبر أطروحة "لعنة الموارد" من أهم وجهات النظر المفسِّة لهذه العلاقة من خلال العلاقة العكسية بين الوفرة النفطية وغياب الديمقراطية. وقد تم تفسر ذلك من خلال مجموعة من الآليات تستخدمها الدولة للحؤول دون حصول مشاركة سياسية فعالة. ولا يساعد هذا على بناء نظم ديمقراطية وضمان حريات الأفراد. ومع ذلك، لا يعني هذا أنّ "لعنة الموارد" قدرٌ محتومٌ لجميع الدول النفطية، بل هناك دول استطاعت أن تدير ثروتها النفطية بطريقة عقلانية ورشيدة حققت بها ديمقراطية؛ وأبرز مثال على ذلك هو النرويج. وبناء عليه، فالقاعدة التي يمكن استخلاصها هي أنّ الدول النفطية هي أقل احتمالً أن تصبح ديمقراطية؛ فالعلاقة بين تطور الديمقراطية تتماشى عكسيًا مع ازدياد صادرات النفط؛ أي أنه كلما ازدادت المداخيل النفطية للدول المنتجة للنفط، تصاب العملية الديمقراطية بالخلل وتتراجع الحريات السياسية. ويرجع هذا إلى استخدام الريع الناتج من النفط من خلال الآليات التي تناولتها الدراسة للحؤول دون قيام إصلاحات اقتصادية وسياسية حقيقية من شأنها أن تؤدي إلى تفعيل المشاركة السياسية للمواطنين في توجيه سياسات حكوماتهم.