عرض كتاب

نيروز ساتيك

(مصر - المغرب - لبنان - البحرين)

المؤلّف: مجموعة من الباحثين. الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بروت.2011 - عدد الصفحات: 304 صفحة.

الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي

الثورة هي صرورة ناجمة عمّ قبلها من احتجاجات وتظاهرات، بما تحمله من مظالم ومطالب سياسية واقتصادية واجتماعية تعبِّ بها عن نفسها في شكل هبَّات شعبية وفئوية لمجموعات منظمة تناضل من أجل تحصيل حقوقها. وفي هذا السِّ ياق تأتي أهمية هذا الكتاب، لكونه يرصد الأشكال الاحتجاجية ويحللها ويوثِّقها عشية الثورات العربية؛ وذلك من خلال أربع دول عربية، هي: مصر، ولبنان، والمغرب، والبحرين. يُقدِّم الباحث ربيع وهبة في الفصل الأول مسحًا تاريخيا متعلقًا بظاهرة الحركات الاجتماعية، ونشأتها، وتطورها في العالم، ويعود إلى تاريخ الحركات الاجتماعية في التاريخ الحديث، ويبيِّ أنها بدأت في أوروبا، وتطورت في الأمركيتين الشمالية والجنوبية. ويخلص من دروس التاريخ إلى أنّ فاعلية الحركات الاحتجاجية ترتكز على المقومات والابتكارات المنبثقة من الواقع المحلي للشعوب والفئات التي ترزح تحت الاستغلال، والقهر، والظلم. ولكن كلّ ذلك لا يمكنه أن يصمد في وجه من يعرف حقوقه ويختار السبل الفعالة لنجاحه. أمّا في الفصل الثاني، فقد تناول الباحث فارس أشتي تاريخية الظاهرة في المنطقة العربية، محاولًالتعريف بجذورها وركائزها. فهو يُقدِّم هذا الفصل متابعًا الاحتجاجات منذ أواخر القرن الثامن عشر حتى نهاية القرن العشرين، ويوثِّق أهمّ الانتفاضات والثورات والاحتجاجات في الوطن العربي. وأمّا الفصل الثالث، فيعالج فيه الباحث عبد الرحيم منار السليمي الحركات الاحتجاجية في المغرب ومساراتها ومآلاتها. وقد أرَّخ الحركات الاجتماعية في المغرب منذ منتصف التسعينيَّات، وتحوّلها إلى احتجاجات سلمية غر عنيفة، على عكس ما كانت عليه سابقًا. ويُعزى ذلك إلى تحوُّلٍ في بنية النظام السياسي المغربي من نظام مغلق إلى نظام مفتوح نسبيًّا. وفي عام 2000 ظهرت نوعية جديدة من الحركات الاحتجاجية متمثّلة بالحركتين الإسلامية والأمازيغية. بدأت الحركات والأحزاب الإسلامية نشاطها بحلقات الوعظ الأخلاقي في المساجد، ومن ثمّة انتقلت إلى الاحتجاج على الأحوال المعيشية والاقتصادية، فوجدت أنّ النظام يقارعهم في ذلك، وانتهت بالاحتجاجات السياسية والأخلاقية. أمّا الحركات الأمازيغية ذات التاريخ الطويل من العزلة، فقد تحولت من حركات احتجاجية ثقافية إلى النزول الاحتجاجيّ إلى الشارع، مع بعض المظاهر المعبِّ ة عن الهوية الثقافية. ويبين الباحث أنّ النظام المغربي حاول أن يكبح تلك الاحتجاجات، وأنه عمل على التدخل في جغرافية الأماكن العمومية. فلقد قلَّل الكثافة السكانية وأقام الطرق الواسعة حتى تسهل متابعة أيّ احتجاج أو إضراب. وبالنسبة إلى الحركات الاحتجاجية في الحالة اللبنانية، وضّ ح الباحث فارس أشتي في الفصل الرابع أنّ الحركات الاجتماعية تأثرت بطبيعة نظامها السياسي منذ بدء التأريخ لمرحلة جديدة من الحركات الاحتجاجية، ومن جهة نوعية هذه الحركات وتأثّرها بالقوى السياسية اللبنانية. ويمكن تقسيم الاحتجاجات الاجتماعية في لبنان إلى حركات شرعية منظمة تنظيمً قانونيًّا، وأخرى غر شرعية، على أنّ الاحتجاجات الوطنية التي تنطلق من المصلحة العامَّة لم تسلَم من التسييس الطائفي، وقد أورد الباحث أمثلةً كثرةً متعلقة بذلك. وتخلص الدراسة إلى أنّ الحركات الاجتماعية انعكاس لصراع سياسي يدور بين تحالفي 8 آذار و 14 آذار، ولكن قد تخرج الحساسيات الدينية العابرة للتيارين بين المسلمين والمسيحيين وطوائفهما، في بعض الحالات، حتى لو كانوا منضوين تحت تحالف سياسي واحد. وفي الفصل الخامس الذي ورد تحت عنوان "الحركات الاحتجاجية في مصر: المراحل والتطور"، يذكر الباحث محمد العجاتي أنّ الاحتجاجات السياسية في مصر بدأت مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، ويُرجع الفضل في ذلك إلى حركة كفاية التي سِّ ست عام أ 2004؛ وذلك بنقلها مسار الحركة الاحتجاجية من التركيز على القضايا القومية إلى القضايا السياسية المحلية، وضرورة الإصلاح السياسي في البلاد. كما يذكر أنّ فئات المجتمع

المصري تعرفت ما سمَّ ه "مردود الاحتجاج" الذي تزامن مع إضراب موظفي الضرائب العقارية. فنجاح الإضراب امتدّ تأثره إلى مساحة أخرى تمثّلت بتشكيل أوّل نقابة مستقلة زادتها الاعتصامات والإضرابات العمالية المتتالية قوَّةً، وجعلت مردودها إيجابيًّا. ولعل ما ميّز مطالب الجيل الثاني من الاحتجاجات أنها جزئية، أو فئوية، وقابلة للتحقّق؛ بمعنى أنها تركّز على مطالب تخص مصالح شريحة من المجتمع المصري؛ كأنْ تكون شركةً، أو نقابةً، أو غر ذلك. في الفصل الأخر من الكتاب رأت الباحثة هبة رؤوف عزت، ضمن عنوان "الحركات الاحتجاجية في البحرين: الجديد في حركة المجتمع السياسي في البحرين، التنازع على حدود المكان والمكانة"، أنّ معادلة الاحتجاجات الاجتماعية في البحرين تدور على ثنائية الصراع بين أقلية مذهبية مسيطرة على مقاليد الحكم والسلطة، وأغلبية مستبعدة منهما. وعلى الرغم من أنّ المعادلة ليست صفرية، ومن وجود التنوع المذهبي في الحكومة والمعارضة، فإنّ جانبًا كبرًا من الصراع يقوم بين سلطة تمتلك وتجنس، وأخرى تحتج على هذه السياسات وترفضها. وتحصي الباحثة بين عامي 2001 و 2004 خمس عشرة جمعيةً غر مرخص لها جرى تأسيسها، وتذكر أنّ هذه الجمعيات قد طرحت نفسها بديلً من الأحزاب التي ليس لها وجود في النظام البحريني. وتطرح الدراسة مشكلتين أساسيتين في البحرين، مردّهما إلى طبيعة النظام البحريني؛ هما "الدفان" و"التجنيس." ف "الدفان" هو ردم البحر، على أنّ توزيع الأراضي يجري وفقًا لإرادة الملك. وأمّا "التجنيس"، فهو إعطاء الجنسية لوافدين من دول أخرى - على أن يكونوا من السنة – ومنْحهم مزايا عديدةً لا يحصل عليها البحرينيون أنفسهم، وتخصيص أراضٍ لهم من الدفان. كلّ ذلك أدَّى إلى ظهور حركات احتجاجية عديدة بأشكال ووسائل مختلفة (عرائض، وشكاوى، وتظاهرات، وأعمال شغب.) وتوثِّق الباحثة تظاهراتٍ وإضراباتٍ كثرةً، احتجاجًا على مطالب فئوية متعدّدة أهمها؛ مسرة لقمة العيش بسبب الاعتراض على رفع أسعار البنزين، واحتجاجات حركة الصيادين ردًّا على أعمال الدفان. لقد أفضت الدراسات المذكورة إلى أنّ الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي غر قادرة في أوضاعها تلك على أن تقود عملية إصلاح أو تغير واسع، لكنّها ستمثّل جماعات ضغط وتصدّع للنظم الحاكمة، وستفرض عليها، عاجلً أو آجلً، إصلاحات ليست جذريةً إلا في الحالة المصرية؛ بسبب شدة الضغوط الاجتماعية والفئوية المتزايدة فيها.