عرض كتاب الحركة الوطنية السعودية

زياد منى

المؤلّف: سيد علي السيد باقر العوامي. الناشر: رياض الريس للكتب والنشر، بروت.2012 - عدد الصفحات: 658 صفحة.

لا شك في أنّ الكتابة عن حركة وطنية في المملكة العربية السعودية أمر شاقٌّ، إذا أخذنا في الحسبان أنّ الحكم فيها، كسائر الأنظمة العربية، سلطويّ أمنيّ. هذه بعض الأسباب التي أخَّرت ظهور هذا الكتاب، وفق ما يرد في مقدمة المراجعين، إذ إنّ الكاتب تُوفيَ قبل صدور كتابه هذا؛ ما يشرح، أيضًا، توقف تأريخ ما يسميه الكتاب "الحركة الوطنية" عند عام .1973 في هذا السِّياق، لا بدَّ من لفت الانتباه أوَّلً إلى أمر يخص عنوان الكتاب الذي يشر إلى "الحركة الوطنية السعودية"، وربما كان من الأفضل القول "الحركة الوطنية في المملكة العربية السعودية." فالحركة الوطنية ليست سعودية، إلا من منظور كونها وقعت في تلك الدولة. هذه ملاحظة أولى بشأن العنوان. وأمَّا الملاحظة الثانية فهي أنّ الكتاب يتحدث عن الحركة الوطنية في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية؛ ولذلك نرى أنّ العنوان الذي اختاره المراجعون غر دقيق. وقد لفت انتباهنا قولهم في ختام مقدمة الجزء الأول أنهم سمحوا لأنفسهم بإضافة إلى عنوان الكتاب كلمة "شرق"، وهذا الأمر لا يرد في الطبعة التي بين أيدينا. ولربما كان لبّ هذه المشكلة كامنًا في اختيار الناشر عنوان الكتاب؛ ما أدَّى إلى هذه التناقضات أو الاختلافات، أو إلى ضرورة إضاءة مداخل أخرى لتبلورها، تخص الطابع الديمغرافي والطائفي لسكان تلك المنطقة. من المشكلات الأخرى ذات الصلة بالكتاب ما واجهه المؤلف الراحل من صعوبات في حفظ الوثائق والمحافظة عليها، وفي الوقت نفسه عدم تعريض الأشخاص الذين وردت أسماؤهم فيها لخطر الاعتقال، علمً أنّه تعرض للاعتقال فترات طويلةً في المملكة. ذِكر هذا ضروري لشرح بعض أسباب تأخر ظهور الكتاب. على أيّ حال، القارئ سيعرف كلّ العوائق التي ذكرها الكاتب في المقدمة، وفي مقدمة المراجعين أيضًا. يؤرِّخ الجزء الأول من الكتاب لمرحلة "نضالية" في المنطقة الشرقية تمتدُّ من عام 1953 إلى عام 1956. والتأريخ الذي اختاره المؤلف مرتبط بالحركة العمالية الأولى، ونشوء الأحزاب عام 1953، والإضرابات العمالية التي شهدتها المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية وما تلا ذلك من قمع متفاقم فيها، حتى ولادة الحركة العمالية الثانية عام 1956 ونهايتها. ضمّ الجزء الأول من الكتاب خمسة فصول، هي: أوَّلً، الوضع العامّ في المنطقة [الشرقية] قبل النفط. ثانيًا، ما بعد ظهور النفط. ثالثًا، الحركة العمالية الأولى (أحزاب عام .)1953 رابعًا، ما بعد الإضراب. خامسًا، الحركة العمالية الثانية وأحداث عام .1956 في الجزء الأوَّل من هذا الكتاب فائدتان إضافيَّتان؛ إحداهما من جهة اشتماله على الأحوال التي كانت سائدةً في المنطقة في تلك المرحلة (القطيف والأحساء.) فقد خُصّص قِسم من الفصل الأول للحديث في الأحوال التي كانت سائدةً هناك؛ منها التعليم، والصحة، والمواصلات، والفكر، والثقافة العامَّة. ومن الضروري، في هذا السِّياق، التنويه بأنّ الكاتب الراحل لم يحاول تجميل صورة المجتمع، بل نقلها بكل سلبياتها على الرّغم من أنّ ذلك قد يستفز بعض أهلها. هذا العرض كان سريعًا، لكنه مهمّ؛ ذلك أنّه يشرح، إلى حدّ ما، البيئة التي نشأت فيها الحركة الوطنية. وأمّا الفائدة الإضافية الأخرى فهي متمثّلة بإثراء الكاتب في هذا الجزء من مؤلَّفه بصُوَر ووثائق متعلّقة به. وفي الجزء الثاني من الكتاب خصَّص الكاتب حديثه عن الحركة الوطنية في المنطقة الشرقية، وعن "جبهة الإصلاح الوطني" تحديدًا. وضمّ هذا الجزء توطئةً وثلاثة فصول تتحدّث عن القمع، هي "الاعتقالات" و "السجن العام"، "وأحداث كبرى وتطورات في المنطقة"، "واعتقالات واسعة." أمّا الفصل الثالث فضم ملاحق وصور وثائق ذات صلة بأحداث هذا الجزء. من المواد الأساسية في هذا الجزء أخبار الاعتقالات التي شهدتها المملكة في ستينيات القرن الماضي في حق قوى وشخصيات وطنية قومية ويسارية، وقد تناولها ضمن الأوضاع المحيطة بالمنطقة؛ من ذلك على سبيل المثال المشاريع "الإمبريالية" للمنطقة، مثل مشروع آيزنهاور، ومحاولة الانقلاب في المملكة العربية السعودية عام 1955 التي قادها الراحل عبد الرحمن الشمراني، وتأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثي على مصر والوحدة المصرية - السورية، إضافةً إلى التطورات الثورية في اليمن والقضاء على حكم آل حميد الدين وقيام الجمهورية العربية اليمنية، ودخول القوات المصرية إلى اليمن، وتأثرات كلّ هذه التطورات والأحداث وغرها في الوضع العامّ في المملكة العربية السعودية، وتفاقم قمْع الوطنيين والقوميين فيها. كما يعرض الكاتب أوضاع الاعتقال في مختلف السجون التي ألقته بها سلطات آل سعود، وأحوال هذه السجون عرضًا تفصيليًّا؛ من ذلك نوعية الطعام والمأوى، علاوةً على أساليب الاستخبارات السعودية في التحقيق؛ مثل التعذيب النفسي، والتعذيب الجسدي أيضًا. هذا الجزء من الكتاب مهمّ لأنه يذكر أسماء المعتقلين والتُّهم التي وُجهت إليهم، وأسماء المحقِّقين، وفترات الاعتقال والأحكام، ونشاط أهالي المعتقلين في سبيل إطلاق سراحهم. وقد اتَّسمت هذه المرحلة بنوع من التعقيد بسبب الصراعات الداخلية التي شهدتها المملكة، خصوصًا بين الشقيقين سعود وفيصل، وبسبب نشوء ما عُرف باسم الأمراء الأحرار (أي الناصريين)، ومنهم على سبيل المثال الأمر طلال، ولا سيما أنه كانت لهؤلاء نشاطات داخل المملكة وخارجها. الكتاب مهمّ لأنه يملأ بعض الفراغ في المكتبة العربية بخصوص الموضوع المذكور، ولأنه بقلم ناشط في الحركة الوطنية في المملكة العربية السعودية. وهوامش الكتاب تُضفي أهميةً أخرى عليه؛ لأنها تشرح أمورًا كثرةً غر واردة في المتن.