امتحان خارجي جديد تفشل فيه إدارة أوباما
الملخّص
يتفق الكثير من المراقبين الأميركيين أنّ العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة مث ل تحديا كبيرًا لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما؛ لأنه ضاعف الأزمات الدولية التي تواجه السياسة الخارجية الأميركية، وأعاد الأضواء من جديد على موضوع "تراجع الزعامة والقيادة الأميركية عالميًا." تناقش هذه الورقة تراجع قدرات الرئاسة الأمريكية في حقبة أوباما الراهنة، وتسلط الضوء على فشل أمريكا في التعامل كما ينبغي مع العدوان الإسرائيلي غير المسبوق حجمً ا ودمارًا ومدى زمنيًا على قطاع غزة.وتركز بصورة رئيسة على عجز الولايات المتحدة المتزايد عن مجابهة التعنت الإسرائيلي.
العدوان الإسرائيلي على غزة:
مقدمة أضاف العدوان الإسرائيلي على غزة وفشل الجهد الأميركي في وقفه، أزمةً أخرى إلى جانب أزمات أوكرانيا والتوتر مع روسيا بشأنها، وبحر الصين الجنوبي، وأفغانستان، والعراق، وليبيا، وسورية، والتي تؤشر - كما يقول ناقدو إدارة أوباما - إلى إدارة مرهقة وتقود بلدًا أرهقته الأعباء والحروب والالتزامات الكثيرة1. بل إنّ جدلية غياب الزعامة والقدرات القيادية لدى أوباما وإدارته، لا تتعلق بالسياسة الخارجية فحسب، فهي أيضًا تنسحب على صورته في الداخل الأميركي. وفي هذا السياق، فقد كان من اللافت نتائج الاستطلاع الذي أجرته جامعة كوينيبياك في حزيران/ يونيو الماضي، وأظهر أن %33 من الأميركيين يعتبرون أنّ أوباما أسوأ رئيس أميركي منذ الحرب العالمية الثانية، مقابل %28 فقط لجورج بوش الابن، والذي كانت هذه الصفة حكرًا عليه إلى أن ورثها أوباما2. إذًا، يتعلق الاستياء الشعبي من أداء إدارة أوباما بسياساتها الداخلية والخارجية، وهذا ما أكده استطلاع آخر للرأي أجرته شبكة إن بي سي نيوز التلفزيونية وجريدة وول ستريت جورنال في حزيران/ يونيو الماضي، وأظهر أن 37 في المئة فقط من الأميركيين يوافقون على طريقة إدارة أوباما للسياسة الخارجية في مقابل عدم رضا 57 في المئة3. وفي سياق مساعيه الحثيثة لتغيير هذا الانطباع السائد عنه، قال أوباما في مؤتمر صحفي في تموز/ يوليو: "نعيش في عالم معقد وفي مرحلة مليئة بالتحديات التي لا تقبل الحلول السهلة أو السريعة ولكن جميعها تتطلب قيادة أميركي"، وأضاف "بوصفي قائدًا أعلى، فإنني واثق من أننا سنتمكن في الواقع من التصدي لهذه التحديات إذا بقينا صابرين ومصممين"4. غير أنّ هذه التصريحات لم تغيّ شيئًا في الواقع الذي يبيّ أنّ إدارته تعيش حالة من التردد والارتباك على الصعيد الدولي.
العجز أمام إسرائيل
يرتبط ما تقدم بحصاد فشل إدارة أوباما في الكثير من الملفات السياسية الخارجية، ومنها ملف الصراع العربي - الإسرائيلي، وبخاصة اصطدام جهد وزير الخارجية جون كيري بالعناد الإسرائيلي في أواخر آذار/ مارس الماضي، وسقوط مشروعه لتحقيق تسوية فلسطينية – إسرائيلية بشأن اتفاق إطار للمفاوضات النهائية خلال تسعة أشهر من المفاوضات /(تموز يوليو 2013 - نيسان/ أبريل.)2014
ويلفت الانتباه هنا أنّ أوباما وكيري سبق أن حذرا مرات عدة، خلال فترة الأشهر التسعة تلك، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أنّ تعنته في المفاوضات قد يقود إلى عزلة إسرائيلية دولية وانتفاضة شعبية فلسطينية5. غير أنّ نتنياهو لم يأبه لتحذيراتهما وضغطهما؛ فاستمر في بناء المستوطنات وتوسيعها في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وحطم بذلك فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة والمترابطة جغرافيًا، وأضعف أكثر موقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس. وبسبب عجز إدارة أوباما عن إقناع نتنياهو بالإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين أواخر آذار/ مارس الماضي، كما هو متفق عليه من قبل، فقد انهارت المفاوضات كليًا. ولم يجد
كيري، ولا المبعوث الأميركي المستقيل لعملية السلام مارتن إنديك، إلا تحميل إسرائيل ضمنيًا المسؤولية الأكبر عن انهيار المفاوضات6، ولكن من دون أن تتحول هذه الانتقادات إلى سياسيات عقابية بحقها.
انحياز من حيث المبدأ يضاعفه العجز
مع بدء إسرائيل عدوانها على قطاع غزة في 7 تموز/ يوليو 2014، أعلنت إدارة الرئيس باراك أوباما تأييدها لما أطلقت عليه "حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، مع التشديد "اللفظي" على ضرورة ممارسة أقصى درجات ضبط النفس حيال المدنيين7. ويبدو أنّ إدارة أوباما لم تكن راغبة في عملية عسكرية إسرائيلية بهذا الحجم؛ فبعد أقلّ من يومين من بدء العدوان، اتصل أوباما بنتنياهو وعبّ عن قلقه من التصعيد العسكري ضدّ غزة، وأبلغه بأنّ الولايات المتحدة مستعدة للتحرّك دبلوماسيًا من أجل العودة إلى اتفاق عام 2012، والذي قامت الولايات المتحدة ومصر تحت حكم الرئيس السابق محمد مرسي بدور الوساطة فيه لوقف إطلاق النار بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة8. ولكن مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية، وأداء المقاومة الفلسطينية الذي فاجأ كلً من إسرائيل والولايات المتحدة، فإنّ إدارة أوباما - الواقعة بين انتقادات جمهورية وضغوط الكونغرس من أجل دعم إسرائيل - بالغت في رفع سقف الانحياز لمصلحة إسرائيل، وحمّلت حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، المسؤولية كلها بشأن ما يترتب على العدوان الإسرائيلي من جرائم. بل سارعت إلى تقديم طلبٍ إلى الكونغرس لتخصيص تمويل إضافي بمئات ملايين الدولارات لدعم النظام الصاروخي الإسرائيلي وتطويره، والمعروف ب "القبة الحديدة" المخصّصة لاعتراض صواريخ المقاومة الفلسطينية. وبالفعل، أقر الكونغرس في مطلع آب/ أغسطس تخصيص 225 مليون دولار كتمويلٍ عاجلٍ لهذه المنظومة9. وقبل ذلك، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية، أواخر الشهر الماضي بأنّ الولايات المتحدة سمحت لإسرائيل بالحصول على ذخائر من مخزونٍ محلي للأسلحة الأميركية ضمن برنامج يديره الجيش الأميركي ويطلق عليه: "مخزون احتياطيات الحرب - إسرائيل"؛ لإعادة تزويدها بالقنابل وقذائف الهاون. وسمحت الولايات المتحدة لإسرائيل بالدخول إلى المخزون الإستراتيجي لإعادة التزوّد بقذائف من عيار 40 ملليمترًا وقذائف هاون من عيار 120 ملليمترًا لاستنزاف المخزونات القديمة التي سيتعين في نهاية الأمر تعويضها10. وحسب ناطق باسم وزارة الدفاع، فإنّ واشنطن تتعامل أيضًا مع طلبات إسرائيلية إضافية لذخائر مصنعة في الولايات المتحدة11.
لا يحتاج موضوع الانحياز الأميركي التاريخي لإسرائيل والتحالف معها إلى أدلة كثيرة، فهو يعدّ فوق الخلافات السياسية والأحزاب. ولا تعد إدارة أوباما استثناءً في هذا السياق. ولكن ما يميّز انحياز إدارة أوباما إلى إسرائيل كونه يأتي في سياق العجز أكثر منه في سياق الاقتناع؛ فالرئيس وأركان إدارته، شدّدوا غير مرة على أنّ سياسات إسرائيل وتعنّتها في ملف التسوية مع الفلسطينيين تؤدي إلى نتائج سلبية تجاه المصالح الأميركية في الشرق الأوسط. وقد ألحّت إدارة أوباما على الجانب الإسرائيلي بشكلٍ غير مسبوقٍ لتحقيق تقدّم في هذا المسار، ولكنها اصطدمت بالعناد الإسرائيلي المدعوم من قبل تيارات وقوى أميركية إعلامية وسياسية واقتصادية ودينية ساهمت في ترويض "جموح" إدارة أوباما نحو إسرائيل كما يتهمها خصومها. وعلى الرغم من تحذيرات إدارة أوباما لحكومة نتنياهو بأنّ سياساتها المتصلبة في سياق التسوية المرجوة مع الفلسطينيين تعود أيضًا على
إسرائيل بالضرر، ومن ذلك احتمال خسارتها صبغتها "اليهودية" و"الديمقراطية"، كما يقول أوباما وكيري12، إن لم تقبل بحل الدولتين ما يؤدي إلى دولة واحدة عمليًا باستمرار احتلالها للضفة الغربية، فإنّ ذلك لم يُجْدِّ نفعًا مع تلك الحكومة. كما أنّ إسرائيل لم تلق بالً أيضًا للتحذيرات المتعلقة بأنّ عدم التقدم في مسار المفاوضات مع السلطة الفلسطينية باتجاه دولة فلسطينية مستقلة ومتواصلة وذات سيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة وحل مقبول من الطرفين بشأن القدس الشرقية وتوافق حول موضوع اللاجئين، قد يوصد أبواب الخيارات السلمية أمام الفلسطينيين ويدفعهم للقيام بانتفاضة ثالثة للوصول إلى حقوقهم13.
قاد الضعف والارتباك والتردد الذي لازم إدارة أوباما أمام حكومتي نتنياهو، إلى أن ترى أحد أهم أعمدة سياستها الخارجية تنهار أمامها جراء عجزها عن ممارسة أي ضغط على إسرائيل. وهكذا يضاف هذا الفشل إلى ملفات أخرى، فشلت السياسة الخارجية فيها، وجلبت انتقادات خصومها الداخليين، خصوصًا أولئك الذين يتهمونها بالتخلي عن إسرائيل، مع أنها أكثر إدارة أميركية قدمت مساعدات أمنية وعسكرية غير مسبوقة إليها.
القيادة من الخلف
يعدّ تحرّك إدارة أوباما المتأخّر لاحتواء التصعيد في قطاع غزة إحدى علامات الإعياء التي عانتها هذه الإدارة. فعلى الرغم من عدم انقطاع الاتصالات الأميركية - الإسرائيلية، والأميركية - العربية، وتحديدًا مع مصر في ظلّ حكم عبد الفتاح السيسي، الساعية لإعادة تأكيد النفوذ الأميركي الإقليمي عبر مدخله الفلسطيني - الإسرائيلي، فإنّ إدارة أوباما تركت لفترة طويلة إدارة ملف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ومحاولات التوصل لتهدئة إلى مصر، بالتوافق مع إسرائيل. ولم تتخلّ عن سياسة "القيادة من الخلف" ولم تبادر إلى التحرّك المباشر، إلا بعد نهاية الأسبوع الثاني من العدوان. وقد تمثّل ذلك بإرسال وزير الخارجية جون كيري إلى المنطقة في 21 تموز/ يوليو. لكنّ المهم هو السياق الذي جاء ضمنه هذا التحرك؛ فقد جاء أولً بعد سقوط مئات الشهداء من المدنيين الفلسطينيين جراء استهداف الآلة الحربية الصهيونية للتجمعات السكنية في القطاع الصغير جغرافيًا والمكتظ سكانيًا. وقد عبّ أوباما، ضمنيًا، في مؤتمر صحفي في البيت الأبيض، في 21 تموز/ يوليو، عن امتعاضه من حجم الخسائر في صفوف المدنيين الفلسطينيين، وأبدى "القلق العميق" جراء ذلك، لكنّه - ضمن الانحياز المبدئي الأميركي - أكد على ما أسماه "حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها"14. وقد فعل كيري الأمر نفسه قبل ذلك بيوم واحدٍ، وذلك عندما التقط ميكروفون مفتوحٌ، أثناء مقابلة تلفزيونية مع محطة فوكس نيوز، حوارًا هاتفيًا له مع أحد مساعديه، يتهكم فيه على مزاعم إسرائيل بقيامها بعمليات دقيقة تستهدف المقاتلين وليس المدنيين15. وسواء أكانت تلك "صدفة" التقطها الميكرفون والكاميرا التلفزيونية، أم أنها أمر محسوب بهدف ممارسة ضغوط على إسرائيل، فإنها في كل الأحوال تعبّ عن اقتناع هذه الإدارة بأن إسرائيل ذهبت بعيدًا في عدوانها على قطاع غزة، حتى إن لم تكن إدارة أوباما قادرة على قول ذلك علنًا. وجاء هذا التحرّك – ثانيًا - بعد الأداء الفلسطيني المقاوم المشرِّف الذي فاجأ الجميع، والذي تمكّن من إيقاع خسائر عسكرية كبيرة في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي بعد أن بدأ معركة برية في 17 تموز/ يوليو، وذلك بعد فشل هجماته الجوية والمدفعية والبحرية في وقف إطلاق الصواريخ الفلسطينية التي طالت مدن إسرائيل الرئيسة. وثالثًا، لم يأت هذا التحرّك إلا بعد فشل نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي في إرغام حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى على الموافقة على "مبادرته" للتهدئة بين الطرفين، والتي لم تُستشر فيها هذه الفصائل، وساوت بين المعتدي والضحية، وتجاوزت كل ما ترتّب
من آثارٍ على العدوان الأخير من قتلٍ وتدميرٍ واعتقالات، واقترحت "هدوءً مقابل هدوء "، وبعد ذلك يجري التباحث في القضايا الأخرى، وتحديدًا رفع الحصار عن قطاع غزة وفتح المعابر مع إسرائيل، والتي ترهنها المبادرة ب "تحقق الاستقرار الأمني على الأرض"، وهو الأمر الذي ربطه بعضهم بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية16. وهكذا، ومع تزايد التكاليف البشرية الباهظة فلسطينيًا بسبب العدوان، وفشل إسرائيل في سحق المقاومة، وفشل ضغوط نظام السيسي على حماس، لم يعد أمام الإدارة الأميركية إلا التحرّك مباشرة. ولكنّ هذا التحرك توِّج بفشل مهين واجهه كيري شخصيًا، وإدارة أوباما عمومًا، لا على يد إسرائيل فحسب، بل أيضًا على يد بعض الحلفاء العرب الذين ضغطوا من أجل إفساح المجال والوقت أمام إسرائيل لتدمير حركة حماس وسحقها. لقد تعلّمت بعض الأنظمة العربية التحالف مع إسرائيل في وجه النقد الأميركي أثناء الثورات العربية، لأنّ إسرائيل تعرف المنطقة أكثر من أميركا، ولأنها تدرك أنّ الخطر على الأنظمة يعدّ خطرًا عليها أيضًا.
حلفاء ضد ضغوط حليفهم
في سابقة قد تكون الأولى من نوعها في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي، تقف مصر الرسمية مع إسرائيل ضد الولايات المتحدة في ما يتعلق باتفاقات التهدئة المقترحة لإيقاف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. فقد اصطدم جهد كيري، خلال زيارته للمنطقة من أجل الوصول إلى هدنة أو تهدئة بين الطرفين، بالرفض الإسرائيلي لما قدمه من أفكارٍ ومقترحات خلال جولته في المنطقة17؛ إذ أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سلسلة من اللقاءات مع محطات التلفزة الإخبارية الأميركية، في 27 تموز/ يوليو، بأنّ المبادرة الوحيدة التي تقبل بها إسرائيل هي المبادرة المصرية18. والمفارقة الأكثر أهمية هنا، هي إعلان الرئاسة والخارجية المصريتين غير مرةٍ، وفي تناغمٍ واضح مع الموقف الإسرائيلي، أنهما لا تقبلان بأيّ تعديلات على مبادرتهما الأصلية لوقف إطلاق النار، حتى بعد زيارة كيري إلى القاهرة في 21 تموز/ يوليو19. فما هي الأفكار التي تضمنتها وثيقة كيري، والتي سربتها الحكومة الإسرائيلية إلى الصحافة العبرية بشكل أثار الجانب الأميركي ووصف كيري ذلك بأنه "تصرفٌ مؤذ"ٍ20، وبماذا تختلف عن المبادرة المصرية؟ استنادًا إلى الخطوط العامة للمبادرة الأميركية المسربة إسرائيليًا والتي سُلِّمت لنتنياهو في 25 تموز/ يوليو بوصفها "مسودةً خاصةً" تحت عنوان "إطارٍ لوقف إطلاقِ نارٍ إنساني في غزة"، اقترح كيري وقف إطلاق النار من الجانبين ولمدة أسبوع ابتداءً من يوم 27 تموز/ يوليو. وبعد 48 ساعة من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تقوم القاهرة بتوجيه دعوة إلى إسرائيل والفصائل الفلسطينية للدخول في مفاوضات حول "وقف إطلاقِ نارٍ مستدامٍ" و"حلٍ دائمٍ " لما وصفتها الوثيقة ب "الأزمة في غزة"، وبما يتضمن ترتيبات لفتح المعابر، والسماح بدخول البضائع وحركة الناس، وضمان الأحوال المعيشية والاجتماعية لسكان غزة، فضلً عن السماح بتحويل الأموال إلى غزة لدفع رواتب الموظفين العموميين. كما أشارت الوثيقة المسربة، إلى أنه خلال "وقف إطلاق النار الإنساني"، فإنّ الأطراف كلها ستمتنع عن القيام بأي عمليات عسكرية أو أمنية تستهدف الطرف الآخر، كما أنها ستسمح بإيصال المساعدات الإنسانية، والتي تتضمن، من دون أن تكون مقتصرة على، الطعام والدواء والمأوى للفلسطينيين في غزة21. وأكدت وثيقة كيري أنّ أعضاء الأسرة الدولية، وتحديدًا الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وقطر وتركيا وغيرهم، سيدعمون أيّ وقف لإطلاق النار بين الطرفين، وسيساهمون في المبادرات الإنسانية للاستجابة للحاجات العاجلة لشعب غزة22. وفي مقابل ذلك، فإنّ وثيقة كيري أشارت إلى أنّ المفاوضات المقترحة في القاهرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين بدعوة مصرية "ستناقش كلّ القضايا الأمنية." وكان الرهان الأميركي على أنّ العبارة الأخيرة: "ستناقش كل القضايا الأمنية"، بالإضافة إلى الإحالتين السابقتين ل "وقف إطلاقِ نارٍ مستدامٍ" و"حلٍ دائمٍ "، يمكن أن تسهم مجتمعة في تجاوز أي اعتراضات أو عقبات من قبل إسرائيل وحركة حماس.
فحسب منطق مساعدي كيري عند تقديمهم لتلك الوثيقة، قد تقرأ حماس مثل هذه الإحالات على أنها تتضمن رفع الحصار عن قطاع غزة، في حين يمكن لإسرائيل أن تقرأها على أنها دعوة لنزع سلاح المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة23.
لكنّ إسرائيل رفضت المبادرة واعتبرت أنها تساوي بينها وبين حماس في الخطاب والمطالب. وأبدت امتعاضًا كبيرًا، وبخاصة لجهة عدم إشارة مقترحات كيري إلى مسألة أنفاق المقاومة الفلسطينية، والتي كان لها دور كبير في إحداث إصابات في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي، على الرغم من أنّ الوثيقة لم تشر أصلً إلى ضرورة توقف إسرائيل عن البحث عن هذه الأنفاق وهدمها خلال فترة التهدئة الأولية التي تقترحها لمدة أسبوع24. وبعد تسريب هذه الوثيقة بشكل متعمّد إلى الصحافة الإسرائيلية، شنّت الأخ ةرر هجومًا حادًا على كيري متهمة إياه بعدم صلته بالواقع25، كما نقلت تصريحات عن مسؤولين إسرائيليين من دون أن تحددهم، يتهمون فيها كيري وأوباما بعدم التزامهما الجاد أمن إسرائيل26. وكان ردّ الإدارة الأميركية على هذه الإهانات هو التعبير فحسب عن "انزعاجها"، مع إعادة التأكيد على انحيازها لمصلحة إسرائيل، والتأكيد على أنّ كيري هو أحد أبرز أصدقائها في واشنطن27. تمثلت المعضلة الأخرى التي واجهها كيري في هذا السياق في ضغط مصر وحلفائها من دول "الاعتدال" العربية عليه لعدم "إنقاذ" حماس من "ورطتها"، وضرورة الإصرار على المبادرة المصرية. ومما زاد في استفزاز القاهرة هو اجتماع باريس الذي ضمّ في 26 تموز/ يوليو، بالإضافة إلى كيري، وزراء خارجية كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وقطر وتركيا، إضافة إلى وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، ولم تُدعَ له إسرائيل ولا مصر ولا حتى السلطة الفلسطينية28. وبرّرت واشنطن دعوة كل من قطر وتركيا بحاجتها إلى قنوات اتصال مع حماس التي تسيطر على قطاع غزة لإدماجها في أي صفقة سياسية لتهدئة قادمة29. وعلى الرغم من أنّ الأميركيين ظلّوا يشددون على "الدور المركزي" لمصر في جهد "التهدئة" وعلى أنّ المبادرة المصرية تشكِّل الإطار للمقترحات الأميركية، فإنّ ذلك لم يغيّ موقف مصر ولا إسرائيل. فالمبادرة المصرية تقدّم لإسرائيل أكثر مما تقدمه المقترحات الأميركية، كما أنها تعزّز جهد نظام الرئيس السيسي في حربه على جماعة الإخوان المسلمين، والتي تعدّ حماس – برأي القاهرة - أحد امتداداتها. ولذلك لم يكن من المستغرب أن نقرأ في الإعلام الأميركي أنّ إسرائيل ومصر هما من أخّرتا قدوم كيري إلى المنطقة لمدة أسبوعين بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، على أساس أنّ مصر تتولى مسألة "الوساطة" بين الطرفين30. بل إنّ السفير الإسرائيلي السابق في أميركا، مايكل أورين، لم يتردّد عشية إعلان كيري عن نيته زيارة المنطقة في القول بأنّ الأخير "غير مدعوٍ" للمحادثات بشأن مبادرات التهدئة في غزة، منتقدًا إدارة أوباما بسبب ما وصفه بتوتر علاقاتها مع مصر وإسرائيل، وموقفها من "الربيع العربي" وتحميلها إسرائيل مسؤولية انهيار المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية في نيسان/ أبريل الماضي31. غير أنّ فشل الجهد المصري في استدراج المقاومة الفلسطينية لاتفاق ترى فيه المقاومة الفلسطينية، اتفاق استسلام، وقبل ذلك فشل العدوان الإسرائيلي في كسر إرادة المقاومة، وفضلً عن ذلك أداء المقاومة الفلسطينية والذي فاجأ إسرائيل ومحور حلفها العربي، بالإضافة إلى
وصول شلال الدماء الفلسطينية من المدنيين إلى مستويات لا يمكن التغاضي عنها، دفع بالإدارة الأميركية إلى ذاك التحرك المتأخر، ولكن الفاشل، جراء العناد الإسرائيلي، مدعومًا هذه المرة، بمحور عربي شرس. وحسب دانييل كيرتزر، وهو سفير أمريكي سابق في إسرائيل ومصر، فإنّ النفوذ الأميركي من دون شك يتراجع في العالم العربي32. وهو في ذلك يحيل إلى اتهامات خصوم إدارة أوباما وناقديها، داخليًا وخارجيًا، والتي تشدّد على تقويض الصدقية الأميركية وتراجع زعامتها في المنطقة، بسبب عدم استعدادها للتدّخل في الصراع السوري، وفشل مساعي كيري في نيسان/ أبريل في إبرام اتفاق سلام أشمل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، إلى جانب الاضطرابات في العراق على الرغم من التدخل الأميركي على مدى عشر سنوات. أضف إلى ذلك استياء حلفاء واشنطن من العرب وإسرائيل من المفاوضات مع إيران بشأن برنامجها النووي، والذي قد يفضي إلى تقارب مع طهران. ويشدّد كيرتزر على أنه "يبدو الأمر كأنّ الولايات المتحدة لا تدرك بشكل كامل مدى تعقيد الأوضاع في المنطقة"، وأشار إلى أنّ هناك فكرةً بدأت تترسّخ لدى بعض الدول في المنطقة وهي أنّ بإمكانها تحدي الولايات المتحدة من دون أن تدفع الثمن. وع ىى الرغم من أنّ أوباما سخر في مؤتمر صحفي في مطلع آب/ أغسطس من فكرة أنّ الولايات المتحدة خسرت نفوذها، فإنه أقرّ في الوقت ذاته بأنّ "أميركا بوصفها أقوى دولة على وجه الأرض ما زالت لا تتحكم في كل ما يجري في أنحاء العالم... مساعينا الدبلوماسية كثيرًا ما تستغرق وقتًا. وكثيرًا ما نشهد تقدمًا ثم تراجعًا. هذه طبيعة الشؤون الدولية. ليست منظمة ولا سلسة"33.
مباركة الهدنة من مقاعد المتفرجين
بعد نحو خمسين يومًا من بدء إسرائيل عدوانها على قطاع غزة، تمكنت الدبلوماسية المصرية في 26 آب/ أغسطس، من إقناع الوفدين المفاوضين في القاهرة الفلسطيني الموحد والإسرائيلي، بالتوقيع على هدنة طويلة الأمد بين الطرفين. واللافت أنّ الولايات المتحدة باركت الاتفاق، ولكن من مقاعد المتفرجين هذه المرة؛ بمعنى أنها لم تكن حاضرة مباشرة في تفاصيل الاتفاق على عكس سوابق أخرى مماثلة، وإن كانت دفعت باتجاهه.
واستنادًا إلى الخطوط العامة للاتفاقية34، فإنّ الطرفين وافقا على وقف متبادلٍ وطويل الأمد لإطلاق النار؛ فمقابل وقف المقاومة الفلسطينية إطلاق الصواريخ والقذائف على إسرائيل، فإنّ الأخيرة توافق على فتح المزيد من المعابر مع قطاع غزة وتسمح بدخول المعونات الإنسانية ومعدات الإعمار ومواده، شرط أن تتولى السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس تنسيقها مع المانحين الدوليين والإشراف عليها، فضل عن تسلّم مسؤولية حدود القطاع مع مصر وإسرائيل. كما التزمت إسرائيل أيضًا توسيع نطاق الصيد البحري للصيادين الفلسطينيين من ثلاثة أميال إلى ستة أميال مع احتمال توسيعه تدريجيًا في المستقبل ليصل إلى اثني عشر ميل. وحسب بنود التفاهم، يدخل ما سبق ضمن الخطوات الفورية، ولكن القضايا المركزية الأكثر تعقيدًا تُركت لمفاوضات لاحقة، يفترض أن تجري في القاهرة في غضون شهر من توقيع هذه الاتفاقية. وأهم ما تمَّ تأجيله إلى المفاوضات اللاحقة الإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين الذين اعتقلوا في الضفة الغربية منذ حزيران/ يونيو الماضي، فضلً عن قدامى الأسرى الذين كان ينبغي أن تفرج عنهم إسرائيل في أواخر آذار/ مارس الماضي، بحسب خطة كيري سابقة الذكر، لاستئناف المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. كما أُجِّل موضوع تبادل الأسرى بين الجانبين إلى المفاوضات اللاحقة، وكذلك رواتب موظفي حكومة حماس السابقة في القطاع، والميناء
البحري والمطار، بالإضافة إلى نزع سلاح المقاومة في قطاع غزة، وهو ما تطالب به إسرائيل35.
سارعت الخارجية الأميركية مباشرة، وبعد إعلان توقيع الهدنة، إلى إعلان تأييدها ودعمها لها، مؤكدة أنها عملت على مدى أسابيع مع مصر وإسرائيل والسلطة الفلسطينية وقوى إقليمية أخرى للوصول إلى هذه المرحلة. وعلى الرغم من أنها أكدت على ضرورة السماح بإدخال المساعدات الإنسانية العاجلة إلى قطاع غزة، والعمل مع شركاء دوليين آخرين لإعادة إعمار القطاع، فإنها شدّدت، في الوقت ذاته، على ضرورة ألا تستفيد حماس من هذا الجهد، وأن يجري ذلك كله عبر الشراكة مع السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس36. إنّ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة يؤكد مرة أخرى على أنّ الولايات المتحدة بقيادة أوباما فقدت الكثير من زعامتها دوليًا، كما أنها أصبحت في وضع أكثر عجزًا أمام تعنّت إسرائيل. ولعل التقرير الذي نشرته جريدة وول ستريت جورنال عن تصاعد التوتر بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو خلال العدوان، وتجاوز الأخيرة للبيت الأبيض والخارجية الأميركية، يوضح جانبًا من التداعيات السلبية التي أثارها أسلوب إدارة إسرائيل للعدوان الأخير على القطاع على علاقة الطرفين. وبحسب هذا التقرير، فإنّ إسرائيل فتحت خطوطًا مباشرة مع الكونغرس الأميركي، المؤيد لها بشكل مطلق، للضغط على إدارة أوباما. ولكنّ أهم ما جاء فيه هو التأكيد على أنّ حكومة نتنياهو فتحت خطًا مباشرًا عبر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مع المؤسسة العسكرية الأميركية متجاوزة صانعي القرار السياسي من المدنيين في واشنطن. وقد تُرجم ذلك بحصول إسرائيل على ذخائر هجومية أميركية، وبخاصة القذائف التي استعلمت في العدوان وقصف المنشآت المدنية الفلسطينية، بما في ذلك بعض مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، والتي لجأ إليها النازحون الفلسطينيون خلال العدوان وقتل وأصيب عدد منهم. ونتيجة لذلك، فقد صدرت توجيهات من البيت الأبيض إلى جميع الوكالات الأميركية العسكرية بطلب الحصول على موافقة مسبقة من البيت الأبيض والخارجية قبل تسليم إسرائيل أي أسلحة إضافية، بما في ذلك تلك "المعتادة" التي كانت لا تحتاج إلى موافقة مباشرة من البيت الأبيض أو الخارجية في الماضي37. وهكذا، فعلى الرغم من أنّ إدارة أوباما رفعت من حدة النبرة مع إسرائيل ومارست ضغطًا غير مسبوقٍ عليها، فإنّ ذلك لم يفضِ إلى نتائج تذكر. إنّ العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة أظهر عجز هذه الإدارة أمام حكومة نتنياهو اليمينية. بل إنّ التقرير ذاته، ينقل على لسان مسؤولين إسرائيليين، بأنّ نتنياهو يمكنه أن يعتمد على دعم الكونغرس وعلى حلفاء آخرين له في واشنطن، إلى حين انتهاء رئاسة أوباما، وبخاصة بعد أن نجح في تحييده وإدارته طوال فترة العدوان38.