السياسات الأميركية تجاه التحول الديمقراطي الأوروبي 1989() والعربي)2011(

غسان العزي

الملخّص

منذ عهد الرئيس توماس جيفرسون، مرورًا برؤساء القرن العشرين، ومنهم وودرو ويلسون، ورزوفلت، وترومان، وكيندي، ظلت الولايات المتحدة الأمريكية تتحدث عن نفسها على أنها ناشر للديمقراطية في العالم وحام لها ومدافع عنها. على الرغم من كل ذلك لم تخجل الولايات المتحدة يومًا من إقامة أحلاف عسكرية وسياسية مع أنظمة استبدادية في أميركا اللاتينية، وأوروبا، وآسيا، وأفريقيا (سالازار في البرتغال، والجنرالات في اليونان، والنظام العسكري في تركيا، وفرانكو في إسبانيا، على سبيل المثال.) وهي تبرر تحالفاتها الدولية هذه على أساس أنّ "الدكتاتوريات في العالم ليست كل ها أعداءً للولايات المتحدة، وأنّ أعداءها كل هم دكتاتوريات." وقد اتبعت في ذلك مسارًا دبلوماسيًّا مزدوجً ا؛ ففي الوقت الذي تعمل فيه على نشر الديمقراطية (مباشرة أو عبر مؤسسات دولية ومنظمات غير حكومية) لا تتردد في دعم حكومات أوتوقراطية لديها مصالح معها. فعلى أيّ نحوٍ كانت سياسات الولايات المتحدة تجاه التحول الديمقراطي في دول المعسكر الشرقي السابق الأوروبية، عشية انهيار جدار برلين عام 1989 ثمّ غداته، حينما اتفقت القيم والمصالح الأميركية، ثمّ تجاه ما سُ ميَ "الربيع العربي" عام 2011، وقد اتفقت في هذا السِّ ياق واختلفت بلد وأهميته الإستراتيجية من المنظور الأميركي؟ وما في ذاك، تبعً ا لحالة كل هي نتائج الملخص التنفيذي هذه السياسات؟ ثمّ ما   هي الفروق التي تخرج بها مثل هذه المقارنة بين الحالتين العربية والأوروبية - الشرقية؟

مقدمة

لفكرة النهوض بالديمقراطية جذور عميقة في الولايات المتحدة الأميركية، ربما تعود إلى عهد الرئيس توماس جيفرسون1. وقد ظل دعم الديمقراطية يرد في الخطابات الرئاسية طَوال القرن المنصرم، منذ تصريحات الرئيس وودرو ويلسون المتعلقة بتدخل بلاده في الحرب العالمية الأولى "حمايةً للديمقراطية"، مرورًا بروزفلت الذي اقترح عام 1940 تحويل بلاده إلى ترسانة كبيرة من أجل حماية الديمقراطية، والذي طرح في البند الثالث من ميثاق الأطلسي حقّ الشعوب في اختيار حكوماتها، الأمر الذي كان موجهًا ضدّ الإمبراطوريات الأوروبية والاستعمار2. في عام 1947 أعلن هاري ترومان اليونان "دولةً ديمقراطيةً في وجه الشيوعية" وبعدها بعام جرى إنشاء "منظمة الولايات المتحدة الأميركية" لحماية الديمقراطية من الخطر الشيوعي، كما وقَّعت واشنطن "وثيقة بوغوتا النهائية" Bogota of Act Final لحماية الديمقراطية وسيادة الحريات الفردية ومكافحة الشيوعية أينما وُجدت3. وعام 1961 أرسى الرئيس كينيدي "التحالف من أجل التقدم" المبنيّ على القواعد الديمقراطية والتقدم الاقتصادي ضمن في إع مؤسسات ديمقراطية، تبعه كارتر عام 1977 ناا المبادئ التوجيهية لسياسته الخارجية المتمثّلة بحماية الحقوق الفردية. وأنشأ ريغان عام 1983 "الصندوق الوطني للديمقراطية" NED National Endowment for Democracy، وفي العام التالي اجتمع قادة جماعة السبعة G7 في لندن لإعلان التزامهم الحريات العامة ودعم القيم الديمقراطية الأساسية. وفي غمرة انتصاره على العراق في آذار/ مارس 1991، أعلن جورج بوش الأب، عن قيام نظام عالمي جديد تسوده العدالة والحرية والديمقراطية. وكان فرنسيس فوكوياما قد، في مؤلفه الذائع الصيت "نهاية التاريخ بشَّ"4، بانتصار القيم الغربية من حرية وديمقراطية وغيرها. وعلى لسان مستشاره للأمن القومي أنتوني ليك، كشف الرئيس بيل كلينتون، عام 1993، عن إستراتيجيته القائمة على نشر الديمقراطية وتوسيعها في العالم بعد انتفاء الضرورة لمبدأ صد التمدد الشيوعي مع انتهاء الحرب الباردة. وعلى المنوال نفسه سوف تسير إدارتا بوش الابن وأوباما لجهة الإعلانات المتكررة عن التزام دعم الديمقراطية.

الولايات المتحدة الأميركية والتحول الديمقراطي في أوروبا الشرقية السابقة

يشير لفظ التحول لغةً إلى الانتقال من مكان إلى آخر، أو التغير من حال إلى حال5. وفي الإنكليزية تعني كلمة Transition المرور أو الانتقال؛ من مرحلة معينة، أو مكان معين، أو من حال إلى أخرى6. أمّا الدمقرطة Democratization، فيعرفها فيليب شميتر بأنها "عملية تطبيق قواعد الديمقراطية سواء في مؤسسات لم تطبق فيها من قبلُ، أو امتداد هذه القواعد لتشمل أفرادًا أو موضوعات لم تشملهم من قبل "7. وقد كتب عدد كثير من المفكرين في مجال الترنزيتولوجيا (أمثال روستو، ومور، وشميتر، وليبست، وأودونيل، وهنتنغتون.. إلخ) فاختلفوا بين المقاربات والمداخل البنائية، والوظيفية، والانتقائية، أو الانتقالية، لكنهم اتفقوا على أنّ مرحلة تعزيز الديمقراطية أو ترسيخها Consolidation (تثبيت قواعد الديمقراطية وإرساؤها لكي تصبح مستدامةً بحسب تعبير رولاند إنجلهارت8) هي الأهمّ والأصعب بعد مرحلتي ما قبل الانتقال pre-transition من نظام سياسي إلى آخر ثمّ التحول Transition؛ وهو مرحلة بناء مؤسسات جديدة بمعايير ديمقراطية.

  1. Christopher Hitchens , Thomas Jefferson: Author of America , 1st edn.,
  2. Daniel Silander, Democracy From the Outside-In?: The Conceptualization
  3. Francis Fukuyama, The End of History and the Last Man (London: penguin, 1992). 5 المعجم الوسيط (القاهرة: مؤسسة دار الدعوة للطباعة والنشر والتوزيع، )1989، ص .216 6  Oxford Wordpower Dictionary, 2nd ed (Oxford: Oxford University Press, 2006), p. 818.
  4. eminent lives (New York, Harper Collins Publishers, 2005), p. 92.
  5. and Significance of Democracy Promotion , (Sweden: vaxjo university press, 2005), p.141.
  6. Philippe Schmitter, ''Transitology: The Science or the Art of 9, at: Democratization?," in J. S. Tulchin, The Consolidation of Democracy in Latin America (Boulder, CO: Lynne Rienner, 1995), pp.11 – 44.
  7. نقلً عن زايد عبيد الله مصباح، "إشكاليات بناء الدولة الديمقراطية في ليبيا: القيم واتخاذ القرار"، المستقبل العربي، العدد 403 (أيلول/ سبتمبر 2012)، ص .68

على صعيد آخر انقسمت دراسات الترنزيتولوجيا بين رأيين؛ أحدهما يقول إنّ التحول الديمقراطي هو من صميم الشؤون الداخلية، في حين يقتصر الدور الخارجي - إن وُجد - على المساهمة في إيجاد بيئة مواتية أو غير مواتية للتحول. أمّا الرأي الآخر فيقول إنّ تحقّق الديمقراطية يعتمد على جهات فاعلة خارجية أكثر ممّ يعتمد على العوامل السياسية والاجتماعية. ويذهب هنتنغتون في المبالغة إلى حدّ القول إنّ "الديمقراطيات لا تُبنى بأسباب، بل بمسبِّبين"9)Democracies are created not by causes but by causers(، وهو يميز ما بين اللبرلة أو التحول الليبرالي Liberalization، والدمقرطة Democratization أو التحول الديمقراطي10، على الرغم من ترابط العمليتين ضمن مسار الإصلاح السياسي الجاري، بحسب إشارته.

ممّ لا   شك فيه أنّ البيئة الداخلية في بلدان المعسكر الشرقي الأوروبي كانت مواتيةً للتحول الديمقراطي، فقد كانت شعوب هذه المنطقة متعطشةً للخروج من النظام الشيوعي والهيمنة السوفياتية. لكنّ العنصر الخارجي كان حاسمً؛ إذ إنّ دولة عظمى (الاتحاد السوفياتي) كانت تمنع أيّ إمكانية لتحوُّل ما، ولو بالقوة العسكرية والاجتياح (بودابست، وبراغ)، في حين أنّ دولً أجنبية هي الأخرى (أميركا وأوروبا) كانت تحثّ على مثل هذا التحول الذي بدأ ما إن أرخت موسكو قبضتها على دول المعسكر المذكور. ما هي السياسات التي انتهجتها الولايات المتحدة تجاه التحول الديمقراطي ثمّ تجاه ترسيخه لاحقًا؟ أكانت مدفوعةً بالقيم أم بالمصالح أم بهما معًا؟

مرحلة الانتقال والتحول الديمقراطيين

استخدمت الولايات المتحدة في صراعها ضدّ الاتحاد السوفياتي كلّ أنواع الأسلحة الأيديولوجية، والإعلامية، والسياسية، والدبلوماسية، والاقتصادية (العسكرية كانت بالوساطة ولم تكن مباشرةً، بناءً على خلفية توازن رعب نووي) وغيرها. ومارست الضغوط على حلفائها ليحذوا حذوها، ولو على حساب مصالحهم في بعض الأحيان؛ من ذلك على سبيل المثال ضغوطها على أوروبا الغربية لمنع مرور أنابيب النفط السوفياتي عبر أراضيها، وعلى دول الخليج العربي لتخفيض سعر النفط وزيادة إنتاجه. ودعمت الأطراف المعارضة للشيوعية داخل المعسكر الشرقي نفسه، مثل بولونيا التي أرادت منها إدارة ريغان أن تكون حجر الدومينو الأول في محاولاتها خلخلة بُنى هذا المعسكر. كما دعمت الثوار الأفغان، مباشرةً ومداورةً، علاوةً على حرب النجوم التي أرادت منها إجبار موسكو على الخوض في سباق تسلُّح لا   قدرة لها على تحمُّل أعبائه. كلّ ذلك أنهك الاتحاد السوفياتي اقتصاديًّا وعسكريًّا، فساهم في سقوطه من دون أن يشكِّل سببًا مباشرًا لهذا السقوط. وإنّ تراكم الأسباب الداخلية والأعباء الناتجة عن الصراعات الدولية على خلفية الإصلاحات التي حاول الرئيس غورباتشوف القيام بها (البريسترويكا والغلاسنوست) هو ما قاد إلى تفكُّك الاتحاد السوفياتي على يد قادته أنفسهم وقد غدا أحدهم (بوريس يلتسين) زعيمً لما تبقى من الإمبراطورية البائدة.

لقد تراوحت السياسة الأميركية في مواجهة الاتحاد السوفياتي بين سياسات الاحتواء التي بدأت مع هاري ترومان والردع المباشر التي واصلها إيزنهاور، وصولً إلى المواجهة الدولية مع رونالد ريغان الذي وصف الاتحاد السوفياتي بإمبراطورية الشرّ وعقَد العزم على إنهاكه بكل السبل، وقد ساعده على ذلك تخبّط الجيش السوفياتي في أفغانستان ووصول قيادة شابة إصلاحية (غورباتشوف) مقتنعة

  1. Samuel Huntington, The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century (Oklahoma: University of Oklahoma Press , 1993) p. 34.
  2. Ibid., p. 116 – 117.

بضرورة إعادة النظر في كلّ السياسات الداخلية والخارجية التي كانت تتبعها موسكو حتى ذلك الحين. اقتنعت إدارة ريغان بنظرية أحجار الدومينو11، وبأنّ بولونيا التي كانت تغلي تحت وقع المواجهات بين العمال والحكومة، قد تكون حجر الدومينو الأول في المنظومة الشيوعية القابلة للسقوط. كما أيقنت بأنّ الفاتيكان قوَّة عظمى ثالثة تمتلك أسلحةً روحيةً قادرةً على قلب الموازين في الحرب الباردة. وقد وجد البابا يوحنا بولس الثاني - وهو بولوني الأصل - مصلحةً مشتركةً مع الرئيس ريغان في التعاون ضدّ الشيوعية. وهذا ما اتفقا عليه في خلوة عقداها في السابع من حزيران/ يونيو 1982؛ إذ اتفقا على دعم المعارضة البولونية المتمثّلة بحركة سوليدارنوسك (تضامن) واستخدام كلّ ما لديهما من موارد لزعزعة استقرار الحكومة البولونية12. كان هذا اللقاء والمعلومات المتبادلة خلاله غايةً في الأهمية، وساهم في بلورة قناعة ريغان بأنّ البابا سيكون له دور حاسم في إعادة رسم أوروبا الشرقية، وبأنه القوة الحقيقية داخل بولونيا "حتى وهو جالس في مكتبه في الفاتيكان"13. وكان البابا قد قام بزيارة تاريخية لبلده الأم، في الثاني من حزيران/ يونيو 1979، وهي أوَّل زيارة بابوية من نوعها إلى دولة شيوعية. وقد كشفت هذه الزيارة عن مدى ما يحظى به الكرسي الرسولي من شعبية ونفوذ في المجتمع البولوني. وهكذا أخذت المساعدات المادية والعينية14 تدخل إلى بولونيا عن طريق الكنيسة التي فتحت حسابات مصرفيةً سريةً لهذه الغاية، ونقابات عماليةً غربيةً و"الصندوق الوطني الأميركي" وعملاء ال "سي آي آيه"15، والحقيقة أنّ البابا لاحقًا لم ينكر البتة دوره في "تحرير شعبه وكنيسته من القبضة الشيوعية"؛ فعندما سُئل عن هذا الدور قال صراحةً: "أنا لم أتسبب في حدوث ذلك لأنّ الشجرة كانت فاسدةً. أنا أعطيتها هزةً قويةً فقط؛ فتساقط التفاح الفاسد منها"16. وكان الغرب عمومًا والولايات المتحدة خصوصًا قد بدؤوا بدعم الحركات العمالية في بولونيا منذ عام 1980، عبر التصريحات العلنية المنددة بالممارسات القمعية وغيرها، ولكن من دون أن يذهبوا أبعد من ذلك خشية عدِّ ذلك تدخلً في الشؤون الداخلية البولونية؛ ما قد يتسبب في ردّ فعل سوفياتي يهدّد استقرار الدول الأوروبية. لقد دانت واشنطن الجنرال ياروزلسكي غداة إعلانه الحكم العسكري، وحذّرت من أيّ خرق لاتفاقية هلسنكي17، ومن التعدي على الحقوق الإنسانية، ورحبت بطلب السفراء البولونيين في واشنطن وطوكيو اللجوءَ السياسي. بعد ذلك تطور الموقف، لتغدوَ السفارة الأميركية في وارسو صلة الوصل بين المعارضة البولونية والإدارة الأميركية، وذلك بين العامين 1983 و 1987 اللذين كانت تُجرى فيهما لقاءات سرية دورية. كما عملت واشنطن على الترويج للقضية البولونية عالميًّا، فجهدت لكي يمنح ليش فاليسا جائزة نوبل للسلام عام 1983، ثمّ جائزة كينيدي لحقوق الإنسان عام 1986؛ حتى تُ ارس ضغوطٌ دولية على حكومة ياروزلسكي من أجل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين18. بولونيا كانت المثال الأسطع على التدخلات الأميركية في قلب المعسكر الشرقي بغية إخراج دوله من الفلك الشيوعي. لكنّ هذا التدخل لم يقف عند الحدود البولونية؛ ففي منتصف عام 1982 تبنَّت واشنطن إستراتيجيةً مؤلفةً من خمسة مستويات عُرفت باسم NSDD32 19، وتتلخص أهدافها في ما يلي20: دعم وزارة الدفاع الأميركية في معركة سباق التسلح على نحوٍ غير مسبوق لجعل المنافسة السوفياتية مكلفةً جدًّا، وقد عُرف ذلك بحرب النجوم.

  1. كان الرئيس ترومان أول من أشار إلى هذا المصطلح الذي لم يصبح شائعًا إلا مع الرئيس إيزنهاور منذ خطابه الشهير عام 1954 الذي توجه به إلى البلدان المهددة بالوقوع تحت الهيمنة الشيوعية كفيتنام الجنوبية مثلً. وتقوم هذه النظرية على أساس أنّ الدول المتماثلة
  2. Carl Bernestein & Marco Politi, His Holiness John Paul II and the hidden history of our time (New York: Penguin Books, 1997), p. p. 355 – 361.
  3. Ronald Reagan and Pop", Time , 24/2/1992.
  4. 19 هو قرار سري أجاز للإدارة الأميركية مجموعة تدابير دبلوماسية واقتصادية تهدف إلى زعزعة استقرار النظام الشيوعي.
  5. 20  Peter Schweizer, Victory: the Reagan Administration's Secret Strategy That Hastened The Collapse of The Soviet Union ( New York: the Atlantic Monthly Press, 1994), p. 121.
  6. في البيئة السياسية والجوار الجغرافي تتشابه مع أحجار الدومينو التي تصطفّ إلى جانب
  7. بعضها، وما إن تسقط واحدة منها حتى يتوالى سقوط الأخرى تباعًا؛ ما يُحدث اختلالً عظيم في بنية ميزان القوى الذي يقوم عليه النظام الدولي.
  8. أمثال "جيريميك" المدير المالي لحركة تضامن، والمسؤول عن التمويل الخارجي الذي كانت الحكومة البولونية قد ألقت القبض عليه في تموز/ يوليو 1963. وقد أعلنت هذه الحكومة العفو العامّ في آب من السنة عينها؛ وذلك تحت الضغوط الأميركية والدولية.
  9. 14 على سبيل المثال كانت ماكينات الاتصال، والحواسيب، والإلكترونيات، وغيرها، تدخل مجزَّأةً، ويجري تجميعها داخل بولونيا.
  10. 15 أدَّت وكالة الاستخبارات الأميركية دورًا مهمًّ في نقل المعلومات من بولونيا وإليها عبر السفارة الأميركية في وارسو، وقد غدت محطة الاستخبارات المركزية هي المحورية والأكثر فاعليةً في قلب المنظومة الشيوعية. 16  Brnestein & Politi, Ibid., p. 358. 17 عام 1975، وقد جعلت هذه الاتفاقية موسكو توقِّع، إلى جانب 34 بلدًا من أوروبا الشرقية، والغربية، والولايات المتحدة، اتفاقًا تلتزم بموجبه احترام الحقوق والحريات الفردية.

دعم الحركات التحررية سرًّا في كلّ من المجر، وبولونيا، وتشيكوسلوفاكيا. تقديم مساعدات مالية لدول حلف وارسو من أجل حماية الحقوق الإنسانية والسياسية وإجراء إصلاحات اقتصادية. دعم وسائل الإعلام المسموعة خارج المنظومة الشيوعية في تشجيع الحركات التحررية والمعارضة الداخلية ونقل واقعها وهواجسها. حجب التكنولوجيا الغربية واليابانية والعمل على عزل الاتحاد السوفياتي اقتصاديًّا.

كانت موسكو تحاصر دول أوروبا الشرقية إعلاميًّا، إلَّ أنّ هذه الدول تمكنت من إسماع صوتها خارج الكتلة الشيوعية عبر إذاعة جرى إنشاؤها بدعم من واشنطن عام 1953، وهي "إذاعة أوروبا الحرة" التي كان يمولها الكونغرس، والتي كانت تبثّ من ميونيخ، وقد أوجدت مصدرًا للمعلومات المحجوبة عن الإعلام العالمي والمضلِّلة عبر الإعلام المحلي، فكانت تبثّ رسائل ووثائق وتصريحات للمعارضة مترجمةً إلى لغات عديدة، لتصل كلماتها إلى أبعد حدود ممكنة. وكانت تلك الإذاعة تستخدم لتحديد المكان والزمان التظاهرات التي كان يصعب تنسيقها ميدانيًّا. إضافةً إلى ذلك استثمرت واشنطن في أنواع متنوعة من الإعلام؛ ما أدَّى إلى إضعاف إمكانات استخدام الدول الشيوعية للعنف المفرط، فزادت إمكانات مطالبة المجتمع المدني بتطبيق اتفاقية هلسنكي واحترام الحريات بدرجة أقوى. وعلى الرغم من محدودية المصادر الإعلامية داخل المنظومة الشيوعية، استطاعت واشنطن أن تساهم في توسيع دائرة نقْل المعلومات داخل أوروبا الشرقية لتنتشر تجربة حركة تضامن البولونية بين باقي الدول. وعندما كانت الإدارة الأميركية تبدي تحفظًا في مساعدة الحركات المعارضة، خوفًا من استفزاز موسكو، كانت النقابات العمالية الأميركية تتدخل لدعمها من خلال "صندوق دعم العمال البولونيين" Fund Aid Workers Polish، ومن خلال التواصل المباشر مع المعارضة الخارجية، واتحادات العمال الدولية، والمنظمات الأهلية. كما قدمت المؤسسة القومية للديمقراطية National Endowment، وهي منظمة أميركية غير حكومية For Democracy يمولها الكونغرس هدفها نشر الديمقراطية عبر العالم، مساعدات متنوعة لتلك الحركات. وهكذا تدفقت المساعدات على حركة تضامن في وقت كانت البلاد تعاني فيه ترديًا اقتصاديًّا حادًّا؛ ما زاد الحركة قدرة على استقطاب المزيد من الناشطين والمؤيِّدين. كان دور واشنطن الاقتصادي ذا فاعلية أكبر من دورها السياسي في رسم مستقبل بولونيا وبعض دول المعسكر الشرقي في الثمانينيات؛ وذلك من خلال الإغراءات الاقتصادية (مساعدات طارئة واعتمادات وغيرها)، ثمّ من خلال العقوبات الاقتصادية بعد إعلان الحكم العسكري. وقد هدفت إلى إرغام وارسو على إطلاق سراح السجناء السياسيين والتفاوض المباشر مع ممثلين عن الشعب. وبدأت العقوبات بالتراجع مع الإصلاحات السياسية للحزب الحاكم حتى أعلن الرئيس ريغان رفْعها نهائيًّا، عام 1987، قبل أن يعود للتهديد بها مرَّةً أخرى بعد عام بغية إجبار الحكومة على التفاوض المباشر مع حركة تضامن المحظورة. وهذا ما حصل قبل أن يوسع الرئيس بوش الأب دائرة التعاون مع بولونيا لمساعدتها على تبني إصلاحات اقتصادية جعلتها تخرج تدريجيًّا من الاقتصاد المُوجَّه. وبالطبع استخدمت واشنطن نفوذها لدى نادِيَيْ باريس ولندن، والمؤسسات المالية الدولية في ممارستها لسياسة العصا والجزرة تجاه دول أوروبا الشرقية. وبما أنّ دول الكوميكون كانت قد غرقت في مستنقع الديون فإنها لم تعدْ سندًا يمكن الاتكال عليه بالنسبة إلى الدول المذكورة؛ لذا لم تجد من فرصة سوى التعاون مع الغرب للحصول على التمويل الدولي لسداد عجزها المتراكم. وقد أُسقط في يد الاتحاد السوفياتي الذي كان هو الآخر يعاني أزمات اقتصاديةً واجتماعيةً وسياسيةً جعلته يتخلى عن الضغوط التي اعتاد ممارستها على الدول الدائرة في فلكه. شكّلت بولونيا نموذجًا إيجابيًّا تمثّلت به دول المنظومة الشرقية الأوروبية ورأت فيه بابًا للمطالبة بالإصلاحات الداخلية التي ما لبثت أن تحولت إلى مطالبة بالاستقلال والتحول الديمقراطي. لم تكن عملية الانتقال في هذه الدول في البداية ثورات حقيقيةً، بل كانت مقتصرةً على كونها تظاهرات واحتجاجات سلمية الطابع. واعتقدت بعض النُّخب السياسية الأوروبية - الشرقية أنّ ما جرى في بولونيا لا ينطبق بالضرورة على باقي

دول المنطقة. لكنّ النموذج البولوني تحوّل بسرعة إلى حجر دومينو رمى بدول المنطقة بأسرها في ملعب الانتقال السياسي، وإن لم يكن هذا الملعب في المستوى نفسه من "السلمية" المذكورة.

مرحلة تكريس التحول الديمقراطي

حذّر بعض المفكرين من التحول السريع الذي قد يولد "ديمقراطية غير ليبرالية"21 تنفجر في بعض الأحيان في شكل صراعات عرقية كما حصل في يوغوسلافيا السابقة، أو قد يأتي بقادة منتخبين لكنهم مقيِّدون للحريات العامة ومستغِلون للسلطة، كما حدث في كازاخستان والفيليبين والأرجنتين. وثمَّة من اقترح تطبيق المعايير الديمقراطية ببطء؛ أي ما يسمى "التدرج" أو "التسلسل الديمقراطي"22. على الرغم من أهمية الدور الذي أدته الولايات المتحدة في تفكيك المنظومة الشيوعية، فإنها فوجئت بسرعة انهيار جدار برلين، في وقت لم تكن تملك فيه بعدُ إستراتيجيةً واضحةً لما بعد انتهاء الحرب الباردة. غير   أنها اعتادت ممارسة السياسة الاقتصادية المتمثِّلة بالعصا والجزرة مع دول كثيرة في العالم؛ لإرغامها على اتباع سياسات معينة، أو ردعها عن أخرى. وهذا ما سوف تستمرّ في ممارسته مع الدول الخارجة لتوها من الاقتصاد الموجه بغية مساعدتها على الانخراط في الليبرالية واقتصاد السوق، على أنّ الفارق هذه المرة يكمن في أنّ الفشل يحمل مخاطر عودة هذه الدول إلى النظام البائد. ترى المدرسة البنائية في العلاقات الدولية23 Constructivist Model أنه لا يمكن التأثير في عملية التحول الديمقراطي من أعلى إلى أسفل، بل ينبغي أن يبدأ التعاون الدولي بعمليات التنشئة الاجتماعية من خلال تبادل الثقافات، ونشر الأفكار الديمقراطية ومبادئها. وتجِدُ هذه المدرسة أنّ فعالية الدور الخارجي تنحصر في دعم المجتمعات المدنية والإدارات المحلية. أمّا المدرسة الواقعية24 Model Realist، فهي ترى أنّ حافز تعزيز الديمقراطية يكون من خلال فرْض شروط محددة، وأنّ محور العملية هو الإدارة المركزية أو الدولة التي تدرس مستوى المنفعة من وراء الشروط قبل تطبيقها، فتكون العملية الديمقراطية من أعلى إلى أسفل. وتطرح هذه المدرسة نظرية المشروطية Conditionality إستراتيجيةً لتحقيق الديمقراطية. والمشروطية "هي استخدام الوفاء بالالتزامات السياسية بوصفها شرطًا مسبقًا للحصول على المساعدات الاقتصادية، وتخفيف عبء الديون، ومنْح وضعٍ أكثر رعايةً للدولة، والحصول على قروض مدعومة أو عضوية في منظمة إقليمية"25. إنها عملية التوصل إلى اتفاق بين طرفين، يقدِّم الأول بموجبه مكافأةً للثاني في حال استيفائه شروطًا معينةً، ويحجبها عنه في حال عدم استيفائه إيَّاها (مشروطية إيجابية)، أو يعاقبه في بعض الأحيان (مشروطية سلبية.) ويفترض في الطرف الأول، بطبيعة الحال، أن يكون قادرًا على تقديم حوافز مغرية يكون الطرف الثاني راغبًا فيها، أو في أمسِّ الحاجة إليها. وبما أنّ المشروطية نهجٌ من أعلى إلى أسفل ومن جهة دولية إلى أخرى، فإنه يمكن عندئذ إحداث تغييرات على المستوى الحكومي فقط. فليس من المؤكد الوصول إلى المجتمع المدني، والأحزاب السياسية، والنُّخب الاقتصادية، والإدارة، والقضاء، وغير ذلك، من خلال تطبيق المشروطية التي تعمل على خط المفاوضات والإجراءات الرسمية وتعتمد على شروط واضحة؛ إذ يمكن قياسها لتقييم مدى شفافيتها، ويمكن تطبيقها من خلال إضفاء الطابع المؤسسي على الإجراءات الديمقراطية الرسمية، من دستور ديمقراطي، أو تدوين لحقوق الإنسان، أو إجراء لانتخابات حرَّة نزيهة. لكنها ليست بالضرورة سببًا مباشرًا لانتشار القواعد الديمقراطية، أو وجود مجتمع مدني، أو إنشاء نظام حزبي ذي جذور في المجتمع، أو نظام قضائي فعَّال، أو بناء ثقافة

  1. Farid Zakaria "The Rise of Illiberal Democracy", Foreign Affairs , vol.76 (Nov - Dec, 1997).
  2. Thomas Carothers, "How Democracies Emerge: The "Sequencing" Fallacy", Journal of Democracy, vol. 18, N1 (Janvier, 2007).
  3. 24  Ibid. 25  Philippe Schmitter, "International Context and Consolidation," in  The International Dimensions of Democratization: Europe and the Americas (Oxford: Oxford, University Press, 2001), p. 42.
  4. 23  Samuel Barkin, ''Realism, Constructivism, and International Relations
  5. Theory,'' University of Florida, Department of Political Science, APSA 2009, Toronto Meeting Paper. at: http://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=1451682

اجتماعية أو سياسية. فمثل هذه الثقافة، ونحوها، إنما تنتج عن الممارسة والتجربة. ولقد كانت ممارسة منظمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" المشروطية، في وسط أوروبا وشرقيِّها، بحَفْز من الولايات المتحدة، أكثر منها التزامًا بالمبادئ الديمقراطية. وقد سعت دول أوروبا الشرقية والوسطى لتطبيق المشروطية الأطلسية من أجل إثبات حُسن نيّاتها والاستفادة من الإغراءات. في المقابل سعى "الناتو" من خلال هذه المشروطية لفرض هيمنته على ما تبقى من أوروبا ومحاصرة روسيا لمنعها من العودة إلى ما كانت عليه من قوَّة دولية عظمى، والاستعداد لمواجهة تحديات جديدة في آسيا والشرق الأوسط. وعندما نتكلم على "الناتو"، فإننا نعني أيضًا الولايات المتحدة التي لم تدّخر جهدًا في سعيها لإقامة أنظمة سياسية موالية لها. فبعد انتهاء الحرب الباردة وحلّ حلف وارسو وزوال الخطر الشيوعي عن العالم وأوروبا الغربية بالتحديد، كان من الطبيعي أن يحلّ "الناتو" نفسه، أو أن ينصرف إلى مهمّ ت جديدة كأن تكون إنسانية مثلً. ولكن لم يحصل ذلك، بل عكسه هو الذي حصل؛ فقد أعلنت قمة الأطلسي المنعقدة في 7 و 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 1991 بروما، عن تمسكها بالهيكلية القائمة للحلف، وأعلنت علاوةً على ذلك عن توسيعه بانضمام دول جديدة إليه26. وأعربت معظم دول المعسكر الشرقي السابق عن رغبتها في الانضمام إليه. وراحت، لتحقيق ذلك، تطبِّق الإصلاحات الليبرالية الداخلية (المشروطية الأطلسية) وتسعى للتقرب من واشنطن ومن بعض الدول الأوروبية النافذة التي تقدِّم لها الدعم27. ففرنسا مثلً دعمت ترشيح رومانيا وسلوفاكيا، وإيطاليا حبذت ليتوانيا، وألمانيا راحت تمد نفوذها إلى معظم الدول الواقعة إلى شرقها. لكنّ الرئيس كلينتون وضع حدًّا لذلك عندما أعلن، في حزيران/ يونيو 1998، أنّ صوفيا وبراغ وبودابست هي التي ستنضم فقط إلى الحلف. أمّا فرنسا التي ظلَّت حتى اللحظة الأخيرة، تمارس ضغطًا لمصلحة بوخارست، وخصوصًا في قمة الحلف التي عُقِدت في مدريد، في تموز/ يوليو 1998، فإنها عجزت عن تغيير رأي الأميركيين الذين كانت لهم الكلمة الفصل. تركت هذه القمة انطباعًا سلبيًّا لدى الأوروبيين الذين راحوا يتحدثون علانيةً عن "العنجهية الأميركية." لكنّ الأميركيين طمأنوهم بأنّ هذه الدول الثلاث لن تكون آخر ما ينضم إلى الحلف، فالبقية ستأتي تباعًا، وفي وقت ليس ببعيد، قبل أن يؤكِّد الأمين العامّ الجديد ل "الناتو" خافيير سولانا أنّ "باب الحلف سيبقى مفتوحًا أمام جميع الديمقراطيات الناشئة في أوروبا الوسطى والشرقية التي تريد الانضمام إلى المؤسسات الأوروبية والأطلسية، والمستعدة لتحمل مسؤوليات ذلك وفوائده"28. وهذا ما حصل؛ إذ إنّ دول المعسكر الشيوعي السابق في أوروبا الشرقية والوسطى أخذت تنضم تباعًا إلى "الناتو"، وإلى الاتحاد الأوروبي أيضًا، بعد تنفيذها شروطَ مثل هذا الانضمام. ولا يتسع المجال في هذا السِّياق لعرض المساعدات المالية، والعينية، والفنية، وغيرها من المساعدات التي قدمها الحلف، والولايات المتحدة، والمجتمعات المدنية الغربية، والمؤسسات المالية العالمية، والاتحاد الأوروبي، لهذه الدول من أجل ترسيخ التحول الديمقراطي فيها، تمهيدًا لتحقيق شروط مثلِ هذا الانضمام. فتكون الولايات المتحدة بذلك قد اكتسبت حلفاء جددًا يمكنها عبرهم محاصرة أعدائها في الساحة الدولية. فعلى سبيل المثال خلال التحضيرات لغزو العراق عام 2003، وُوجهت واشنطن بمعارضة حلفاء قدامى لهذا الغزو؛ مثل فرنسا، وبلجيكا، وألمانيا، ثمّ إسبانيا. لكنّ عشر دول من المعسكر الشرقي الأوروبي السابق أرسلت للرئيس الأميركي بوش الابن رسالة تضامن تحضُّ ه فيها على الحرب وتعلن عن تأييدها الكامل له، الأمر الذي دفع الرئيس الفرنسي شيراك إلى استخدام عبارات لاذعة في انتقاده لهذه الدول التي كانت تستعد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في مطلع عام 2004. ومن المعروف أنّ توسع حلف الأطلسي في أوروبا الشرقية يساهم في محاصرة أعداء واشنطن وخصومها في الساحة الدولية، فهي اختارت الجمهورية التشيكية وبولونيا لنشر الدروع الواقية من الصواريخ. في حين ترى روسيا في ذلك تهديدًا لها، وخصوصًا أنّ دول البلطيق الثلاث التي دخلت في الحلف، وفي الاتحاد الأوروبي، تطلّ مباشرةً عليها، علاوةً على ما يشكِّله انضمام جورجيا

  1. International Herald Tribune, 9/11/1991.
  2. على سبيل المثال، لا الحصر، أعلن زعماء دول البلطيق الثلاث إستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، رغبتهم في هذا الانضمام في غير مناسبة، وكذلك أوكرانيا التي وقعت ميثاقًا أمنيًّا مع الحلف في صيف 1997. وقد اقترح الرئيس الجيورجي شيفارنادزة استبدال قوات السلام الروسية في جورجيا بقوات دولية أميركية، واعتماد الحل البوسني. كما أعلن الرئيس الأذري حيدر علييف استعداد بلاده للمشاركة في برنامج "الشراكة من أجل السلام" الأطلسي، ووقَّع مع واشنطن اتفاقًا للتعاون العسكري. وكان لدى واشنطن لائحة من الدول التي تنتظر دورها بفارغ الصبر تضمّ جمهوريات أوروبيةً شرقيةً وجنوبيةً؛ مثل رومانيا، وسلوفينيا، وسلوفاكيا، ومقدونيا، وألبانيا، وبلغاريا، وحتى جمهوريات من القوقاز، وآسيا الوسطى، وأعضاءً في "مجموعة الدول
  3. المستقلة." بل ثمَّة من طالب في داخل روسيا نفسِها بالانضمام إلى "الناتو." 28 النهار (بيروت)،.1999/3/13

وأوكرانيا - وقد دعمت واشنطن الثورات الملونة فيهما – إلى الحلف من خطر على الأمن القومي الروسي، وهو ما حدا بالرئيس بوتين إلى جعله خطالاًّ أحمر  يسمح بتجاوزه. يمكن القول إنّ الولايات المتحدة، بعدما قدمت مساهمةً أكيدة في الانتقال السياسي من المعسكر الشيوعي إلى الليبرالية السياسية والاقتصادية، استمرت في مساعدة دول أوروبا الشرقية والوسطى المتحولة على ترسيخ تحولها هذا، عبر تقديم مساعدات لها من خلال المشروطية، وعبر حَفْز الفاعلين الآخرين الأوروبيين والدوليين على ممارسة هذه المشروطية. وهكذا تعرَّض هذا المسار لنكسات فانفرط عقد يوغوسلافيا السابقة بأكثر الطرق دمويةً، وساهمت واشنطن في تفكيكها (اتفاق دايتون عام 1995، إضافةً إلى القصف الأطلسي العنيف لصربيا في ربيع عام 1999)، وفي مساعدة الدول الخارجة من رحمها على الاستقلال؛ تمهيدًا للانضمام إلى المنظومة الغربية المتمثّلة بحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي (كان آخرها كرواتيا في مطلع عام 2013.) وللتذكير فإنّ شروط الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من الصعوبة إلى حدّ أنه لم يكن ليحصل لولا المساعدات الهائلة، على جميع المستويات التي تلقتها الدول التي ظفرت في النهاية ب ""نعمة الدخول في الاتحاد، وفي الناتو. هذا باختصار ما كان عليه الموقف الأميركي من التحول في أوروبا الشرقية والوسطى بكلّ مراحله؛ من الانتقال السياسي، إلى التحول الديمقراطي، وصولً إلى ترسيخ هذا التحول وتعزيزه. فكيف كان الموقف الأميركي نفسه تجاه التحول الديمقراطي في العالم العربي؟

السياسات الأميركية تجاه التحول الديمقراطي العربي

خلال الحرب الباردة قامت أسس السياسة الخارجية الأميركية على الصراع مع الاتحاد السوفياتي ومكافحة ما سمَّته "الخطر الشيوعي"، على خلفية توازن رعب يمنع الحرب المباشرة بين العملاقين، لكنه لا يمنع أيّ جهد منهما لزعزعة استقرار المعسكر المنافس. وقد استخدمت واشنطن قيم الحرية والديمقراطية التي تفاخر بها أدوات في صراعها ذاك، ولا سيما حينما تتفق هذه الأدوات مع أهدافها ومصالحها. وقد حدث مثل هذا التوافق في أوروبا الشرقية والوسطى؛ فساهمت واشنطن في انتقال هذه الدول من الشيوعية إلى الليبرالية، كما أنها رافقت هذا التحول بغية ترسيخه وتعزيزه بإدماج هذه الدول في ما يسمى "العالم الحر" من بوابتي حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي. في الشرق الأوسط كان الأمر مختلفًا تمامًا؛ إذ إنّ صد المد الشيوعي، بموجب نظرية كينان، لم يكن يتطلب بالضرورة تغيير الأنظمة القائمة التي لم تمنع طبيعتها الاستبدادية من التحالف مع واشنطن، أو التعامل معها حين تفرض المصالح المشتركة ذلك، على الرغم من الخلافات الناشئة في بعض الأحيان. ما كان يهم واشنطن في الشرق الأوسط طَوال الحرب الباردة هو ضمان أمن إسرائيل وتفوقها العسكري على كلّ العرب، وضمان تدفق النفط للغرب الصناعي بأسعار مقبولة، وعدم تمدد الاتحاد السوفياتي إلى الشواطئ الدافئة29. وبعد انتهاء القطبية - الثنائية أخذت دول عديدة، من أوروبا الشرقية والوسطى، إلى آسيا، وأميركا اللاتينية، وأفريقيا، تدخل بمقدار أو آخر في النظام الديمقراطي، ما عدا المنطقة العربية التي ظلت عصيةً على التحول الديمقراطي. وعلى الرغم من أنّ إستراتيجية إدارة كلينتون قامت على أساس توسيع نطاق الديمقراطية ليشمل العالم، كما أعلن أنطوني ليك عام 1993، فإنها استمرت في التعامل مع الأوتوقراطيات العربية بمعزل عن تجاوزاتها وخروقاتها المستمرة لحقوق الإنسان. وكانت إدارة بوش الأب قد دعمت النظام الجزائري عندما ألغى الانتخابات التشريعية التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ عام 1991، فوضعت بذلك حدًّا للانفتاح الديمقراطي الذي بدأ عام 1988، وقد برَّر ذلك وزير الخارجية الأميركي آنذاك جيمس بيكر بقوله: "بوجهٍ عامّ عندما ندعم الديمقراطية فإننا نقبل بما تقدمه لنا... لم نطبق ذلك على الجزائر لأنّ الخيارات الأصولية كانت معاكسةً لقيمنا وما نعدّه مصلحتنا"30. يبدو أنّ هذه الانتخابات بعد عقد ونيف من انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، ثمّ بزوغ أحزاب إسلامية في عدد من الدول العربية، ونجاح الأوتوقراطيات العربية في مكافحة ما كانت النخبة السياسية في الغرب تسميه "الخطر الأصولي الإسلامي" قد أقنع هذه النخبة بأنّ الأنظمة القائمة هي الضمان للاستقرار، وأنّ البديل منها

  1. انظر: مجموعة من الباحثين، السياسة الأميركية والعرب، سلسلة كتب المستقبل العربي 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1982
  2. Interview with J. A. Baker III, in D. Pipes, "Looking Back on the Middle East", Middle East Quarterly, Vol. 1, N 3, (1994).

هو الإسلام السياسي، وهو خيار لا يمكن للغرب تبنيه31. وهكذا راجت في الأدبيات السياسية الغربية مقولة أنّ الإسلام لا   يتفق مع الديمقراطية الغربية، وأنّ الشعوب العربية عصية على مثل هذه الديمقراطية، وهو ما سُميَ "الاستثناء العربي" في ذلك الوقت. غير أنّ إشكالية الاستقرار والديمقراطية في الشرق الأوسط عادت مرَّةً أخرى بطريقة مختلفة جدًّا، مع تفجيرات 11 سبتمبر 2001، لتطبع عهد المحافظين الجدد بطابعها، قبل أن تفاجَأ إدارة أوباما بما سُميَ "الربيع العربي" الذي تعاملت معه، هذه المرةَ، من خلال معضلة التوفيق بين القيم والمصالح.

أميركا "الثورية" وإشكالية الاستقرار والديمقراطية في الشرق الأوسط

كشفت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 أنّ استقرار الأنظمة العربية الموالية لا يعني بالضرورة أمن الولايات المتحدة. وقد عبَّ الرئيس بوش عن ذلك بقوله: "الحقيقة أنه خلال الستين سنة الماضية كانت الأمم الغربية متعايشة مع نقص الحرية في الشرق الأوسط، وأنّ ذلك لم يكن كافيًا لضمان أمننا. إنّ الأمن والاستقرار لا يمكن تحقيقهما من دون حرية ولا على حسابها"32. وهذا ما كررته وزيرة الخارجية كوندليزا رايس على مسامع طلاب جامعة القاهرة في حزيران/ يونيو 2005 حين قالت: "من الآن فصاعدًا تُفضِّ ل الولايات المتحدة الحرية على الاستقرار." وقد وعدتهم بأنّ "كل الأمم ستكون إلى جانبهم عندما ا من التمتع بحريتهم سيتمكنون أخ"33. وكانت قد تفوهت بكلمات مماثلة أمام طلاب معهد العلوم السياسية في باريس عندما وصفت إصلاحات حسني مبارك بأنها غير كافية، مضيفةً أنه "يجب أن تحلّ دولة القانون محل حالة الطوارئ، وأن يحلّ النظام القضائي المستقل محلّ العدالة الانتقائية، ويجب أن تؤمن الحكومة المصرية بشعبها"34. كما أعلنت عن تبني إدارتها لدبلوماسية جديدة وصفتها Transformative Diplomacy، وهي دبلوماسية 35بالتحويلية تقوم على أملٍ في التغيير الديمقراطي في المنطقة على المدى الأطول. لكن هذه الإعلانات التي تكاثرت على ألسنة كبار المسؤوليين الأميركيين في ذلك الوقت، لم تقنع الشعب المصري؛ فقد كشفت استطلاعات الرأي عن كُره الشعوب العربية للولايات المتحدة. وعلّق حسين عبد   الرازق الأمين العام لحزب التجمع المصري المعارض بالقول إنّ "واشنطن تريد بعض التغييرات ذات المظهر الديمقراطي لكنها لن تذهب إلى حدّ دعم تغييرات جوهرية نحو ديمقراطية حقيقية قائمة على تداول السلطة يمكنها أن توصِ ل إلى الحكم قوى معاديةً لسياساتها في المنطقة"36.

والحقيقة أنه كان من الصعوبة أن تصدِّق الشعوب العربية أن ما   تسعى له إدارة المحافظين الجدد هو تحريرها من الأنظمة الاستبدادية. فمشروع الدمقرطة الأميركي لم يكن سوى غطاءً لغزو العراق أصرت عليه عام 2003، على الرغم من معارضة الأمم المتحدة وحلف الأطلسي وأقرب حلفائها إليها؛ من فرنسا، إلى بلجيكا وألمانيا، ثمّ إسبانيا، لاحقًا. ولقد استخدمت واشنطن في البداية ذريعتين لهذا الغزو هما: وجود أسلحة دمار شامل في العراق، وتعاونه مع تنظيم القاعدة. وإذْ تبيَّ بعد وقت قصير أنّ هذا غير صحيح، لجأت إلى ذريعة الدمقرطة فكشفت، في شباط/ فبراير 2004، عن مشروعها "الشرق الأوسط الكبير" أو "الأك الشهير ل "رر الذي يهدف بعد دمقرطة العراق إلى تغيير وجه المنطقة بكاملها. وقد نشرت صحيفتا واشنطن بوست والحياة37 تفاصيل هذا المشروع الذي يتضمن بنودًا

  1. في هذا الوقت، في تسعينيات القرن المنصرم، انتشرت انتشارًا لافتًا للانتباه الكتابات في الدول الغربية، عمومًا، عن الخطر الأصولي الإسلامي وراجت أطروحة هنتنغتون حول صدام الحضارات. كما أنّ مراكز العصف الفكري في الولايات المتحدة اجتمعت على أنّ الخطر الإسلامي حَلَّ محلّ الخطر الشيوعي، الأمر الذي يفرض الانكباب على مكافحته كما كان الشأن مع مكافحة الشيوعية في السابق. لقد وجدت القوة العظمى نفسها من دون عدوٍّ يبرر لها
  2. His discourse in National Endowment for Democracy, "Forward
  3. https://www.aidh.org/txtref/2005/us-02.htm 34  Le monde , 9/5/2005. 35  Cf. Philippe Droz - Vincent "Du 11 septembre aux révolutions arabes: les États Etats - Unis et le Moyen-Orient," Politique étrangère , (Mars 2011), pp. 459 – 506. 36  Ibid.
  4. ميزانيات دفاعيةً مرتفعةً، وسياسات هيمنة في العالم، وما إلى ذلك؛ فكان لا بدَّ لها من اختراع
  5. مثل هذا العدو، ووجدت ضالتها في الإسلام السياسي، على الرغم من أنه حليف سابق في أفغانستان على الأقل، وفي غيرها.
  6. Strategy foe Freedom in the Middle East", 6/11/2003.
  7. في.2004/2/7

متعلقةً بالحكم الرشيد، وحرية المرأة، والحريات العامة، والانتخابات، وغيرها. لكنّ سياساتها في العراق نفسه كانت تتجه نحو فشل ذريع توقعه كلّ المراقبين، فضلً عن حلفائها قبل خصومها. فلقد كان العراق تحت الاحتلال الأميركي يعيش كارثةً حقيقيةً، ويتجه صوب التفكُّك، والانحلال، والتشرذم العِرقي والمذهبي، والإرهاب، في وقت كانت تتعرض فيه قوات الاحتلال الأميركي لمقاومة شرسة سوف تجبرها أخيرًا على الانسحاب. تعرض مشروع الشرق الأوسط الأكبر لمعارضة النُّخب العربية (وثيقة اجتماع مكتبة الإسكندرية في نيسان/ أبريل 2004) والأنظمة أيضًا. فقد ذهب إلى واشنطن تباعًا زعماء عرب، منهم الرئيس مبارك والملك حسين، لإقناع الإدارة الأميركية بأنّ الديمقراطية لا تُرمى من الطائرات الحربية، وبأنها لا يمكن أن تُفرض فرضًا من الخارج. إضافةً إلى ذلك أعلنت قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، في آذار/ مارس 2004، أنّ المشروع في صيغته الأميركية غير قابل للتطبيق، وأنّ الأوروبيين يدعمون الديمقراطية في العالم العربي، ولكنهم لا يدعمونها بالغزو العسكري. في هذا الوقت كانت إدارة بوش قد أهملت كليًّا الملف الفلسطيني، الأمر الذي يحصل للمرة الأولى في تاريخ التعامل الأميركي مع المنطقة، ثمّ دعمت العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز/ يوليو 2006 الذي هو، بحسب ما أعلنته رايس، المدخل إلى "الشرق الأوسط الجديد." علاوةً على ذلك لم تعترف رايس في العام نفسه بالانتخابات الفلسطينية التي فازت فيها حماس. وهذه سلبيات كثيرة تعوق مشروعها المعلن للمنطقة الذي لم يحظَ بأيِّ دعْم شعبي أو رسمي عربي، بل إنّ استطلاعات الرأي التي كانت تقوم بها مؤسسات أميركية وغربية كانت تؤكِّد في كلّ مرة سلبية النظرة الشعبية للولايات المتحدة حتى في أكثر دول المنطقة تحالفًا معها. فبعد أن أيقنت واشنطن بأنّ الأحزاب الإسلامية المناوئة لها هي التي تحظى بالتعاطف الشعبي كما كشفت عن ذلك الانتخابات في مصر (الإخوان المسلمون)، وفي ولبنان (حزب الله وغيره)، وفي فلسطين (حماس)، قررت التخفيف من لهجتها تجاه الديمقراطية في العالم العربي خلال السنة المتبقية من ولاية بوش الثانية. في هذا الوقت كان تقرير هاملتون - بيكر عام 2007 (الأول ديمقراطي والثاني جمهوري)، بطلب من الكونغرس، يعلن فشل السياسة المتبعة في العراق ويقترح إستراتيجيةً للخروج. وهكذا لم يعُد للديمقراطية مكان في جدول الأعمال الأميركي (هذا إن كان لها وجود بالفعل ولم تكن ذريعةً فحسب) ولا سيما بسبب الكلفة المرتفعة في العراق 4.97( مليار دولار شهريًّا) وفي أفغانستان (5.76 مليار دولار شهريًّا) التي تتحملها الميزانية الدفاعية (رقم 4000 مليار دولار في عشر سنوات هو الرائج يتحمل نصفه البنتاغون تقريبًا)38، وبسبب تخبطها في المستنقعين، يُضاف إلى ذلك وجود توترات من حيث علاقة الولايات المتحدة بالحلفاء، ومن حيث الجانب الأمني، وتصاعد الإرهاب الذي كرّس بوش ولايتيه كلّها لمحاربته. كان من الطبيعي بعد إخفاقات إدارة بوش في سياساتها الخارجية أن يَعِدَ المرشّح الديمقراطي باراك أوباما بإحداث قطيعة بينها وبين إدارته في حال وصوله إلى البيت الأبيض. وهذا ما حصل. فترتّب على ذلك ترْك منطق بوش الأحادي؛ من قبيل "من ليس معنا فهو ضدنا"، و"الحرب الشاملة على الإرهاب"، و"الحرب الصليبية والاستباقية"، مكانَه لمنطق الضرورة المتمثل بقيادة حربين وإنهائهما، والتطبيع المعارض لثوروية المحافظين الجدد39. لقد كانت النظرة الأميركية للمنطقة، على الدوام من فوق؛ فهي استعلائية خارجية لا تهتم بالمجتمعات ودينامياتها المحلية بقدر اهتمامها بالمصالح العليا الأميركية (الحرب الباردة، وأمن إسرائيل، والنفط وأسعاره وممارّه الآمنة، والإرهاب، وانتشار أسلحة الدمار الشامل.. إلخ.) وتعبِّ هذه المسافة عن أسلوب أميركي خاص سبق أن شرحه ستانلي هوفمان من خلال تحليله للعلاقة الأميركية - الأوروبية40. وقد دفعت إدارة بوش بهذا الاستعلاء إلى حدود بعيدة؛ ما أفقد ادعاءاتها بالدمقرطة كثيرًا من الصدقية والفعالية. لذلك جاء الرئيس أوباما ليعيد ترميم الصدقية؛ فاعترف بدور اللاعبين الآخرين من دول، ومنظمات دولية، وأمم متحدة، ومجتمعات مدنية. فشكّلت خطاباته عام 2009 (خطاب التنصيب، واستلام جائزة نوبل للسلام، وخطاب إسطنبول، ثمّ القاهرة، وتهنئته للإيرانيين شعبًا وقيادةً بعيد النيروز) قطيعةً واضحةً بينه وبين العهد السابق، وحملت تعابير مثل "الانفتاح"، و"الحرية"، و"الاحترام المتبادل"، و"الاستماع"، وغيرها من

  1. Amy Belasco, "The Costs of Iraq, Afghanistan and other Global War on Terror Operations Since 9/11", Congressional Research Service, 28/9/2009, at: http://www.comw.org/pda/fulltext/CRSbelasco.pdf; Project Costs of War Report, Brown University, Waston Institute for International Studies (July 2011), at: http://costsofwar.org
  2. Richard Haas, War of necessity, War of Choice (New York: Simon &Schuster, 2009).
  3. Stanley Hoffmann Gulliver's Troubles: Or, the Setting of American Foreign Policy," (New York: Mc Graw - Hill, 1968).

تعابير المصالحة مع العالمين الإسلامي والعربي. وارتبط هذا الخطاب بإجراءات عملية لحلّ المشكلة الفلسطينية (دعوة محمود عباس إلى البيت الأبيض، وتعيين جورج ميتشل مبعوثًا خاصًّا للسلام.. إلخ) كان من شأنها فتْح آمال عريضة بإدارة جديدة تعيد تموضع القوة الأميركية، مع الاهتمام بما أهملته إدارة بوش؛ أي اللاعبين المحليين وتطلعاتهم. فباتت أميركا أوباما قوَّةً "عاديةً" ولم تعُدْ "ثوريةً"، الأمر الذي لا   يعني البتة تخليها عن المصالح ولا   عن القوة العسكرية بدليل الاحتفاظ بالميزانية العسكرية الهائلة 750(مليار دولار)، وبالقيادة المركزية في الشرق الأوسط مع جيل جديد من الجنرالات النافذين في فلوريدا (مركز قيادتها)، والبنتاغون، وعلى الأرض؛ إذ احتفظت واشنطن ببنية عسكرية ضخمة، وتعادل تلك الميزانية خمس عشرة مرةً ميزانية وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية معًا. لم يطل الأمر حتى بدأت الآمال بالتبخر تدريجيًّا، مع عجز أوباما عن لَ ذراع نتنياهو في   ما يخص الاستيطان الإسرائيلي المتسارع في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وجاءت استقالة ميتشل، في أيار/ مايو 2011، لتؤكِّد الفشل في الموضوع الفلسطيني، وهو أمرٌ يحمل رمزيةً خاصة بالنسبة إلى الشعوب العربية. فلقد عادت استطلاعات الرأي لتبرهن عن عدم ثقتها بالإدارة الجديدة التي اتبعت التقليد الأميركي في دعم إسرائيل بكل الوسائل وفي كلّ الأحوال. ثمّ إنّ أوباما فوجئ في النصف الثاني من ولايته الأولى باندلاع الثورات الشعبية العربية انطلاقًا من تونس، من دون أن يكون جاهزًا للتعامل معها، على الرغم من أنّ كلّ الدراسات الأكاديمية وتقارير الاستخبارات كانت تؤكِّد أنّ الوضع لم يعُدْ محتملً في عدة دول عربية باتت تعيش على فوهة بركان انفجار غضب شعبي قد يتحول إلى ثورات حقيقية.

الربيع العربي وإشكالية المصالح والقيم الأميركية

يصعب توقع حدوث الثورات، فهي كالزلازل التي يقول عنها علماء الجيولوجيا إنها ستحدث في مكان معيَّ، ولكنهم يجهلون متى ستحدث بالتحديد. فعلى الرغم من أنّ الإدارة الأميركية، كما دلَّت برقيات ويكيليكس41على الأقل، كانت على علمٍ تامٍّ بتدهور الحالة الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية في تونس ومصر وغيرهما، فإنها فوجئت، مثل غيرها بما حدث. لقد كانت مفاجأةً ومفارقةً لأوباما الذي لم تكن الديمقراطية من أولويات سياسته الخارجية، سواء كانت في الوطن العربي أو في غيره. وهو لم ينسَ أنّ تأييده، ولو اللفظي، لتظاهرات الإصلاحيين الإيرانيين، في صيف عام 2009، عاق سياسة اليد الممدودة لطهران التي تمكنت في النهاية من السيطرة على الانتفاضة الإصلاحية. أوباما لا يريد تكرار التجربة نفسها مع العرب، وهو الذي وعدهم في خطاب القاهرة في حزيران/ يونيو 2009 بفتح صفحة جديدة معهم بعد طيِّ صفحة سلفه بوش. لكن الثورة الشعبية التونسية كانت جارفةً وتمكنت في أسابيع ثلاثة من إطاحة الرئيس بن علي. وأوباما الذي يريد أن يقف في "الجانب الصائب من التاريخ"، على حدّ تعبير الوزيرة الخارجية كلينتون، ووفيًّا للقيم الأميركية، أعلن وقوفه "إلى جانب الشعب التونسي وتطلعاته الديمقراطية" بعد أن أبدى بعض الحذر في وقت كان الإعلام العالمي ينقل وقائع التظاهرات الصاخبة والضحايا الأولى للقمع البوليسي في تونس. ففي خطابه السنوي عن حال الاتحاد، في 14 كانون الثاني/ يناير 2011، بعد مرور ساعات على فرار بن علي، أعلن عن دعمه للثورة التونسية وتهنئته للشعب التونسي بكرامته وشجاعته. ويشرح المراقبون هذا الموقف بقلة الأهمية الإستراتيجية لتونس الواقعة في أطراف العالم العربي، وبخاصة أنّ واشنطن تعدُّها من ضمن مناطق نفوذ حلفائها الفرنسيين والأوروبيين. تجاه الثورة الشعبية المصرية كان الوضع أكثر تعقيدًا. فمصر هي حجر الزاوية في الإستراتيجية الأميركية المتعلقة بالمنطقة، وهي البلد العربي الأهمّ والمتلقي الثاني في العالم للمساعدات الأميركية بعد إسرائيل (باستثناء العراق وأفغانستان) منذ عام 1979 (ما يعادل ملياري دولار سنويًّا)، وهي طرف السلام مع إسرائيل، كما أنّ استقرار المنطقة يتعلّق بها، علاوةً على أنّ حسني مبارك بقي طَوال عقود ثلاثة طويلة من أوفى الحلفاء لواشنطن. وأمام الحشود الهائلة في ميدان التحرير وعمليات القمع البوليسي التي يتعرض لها متظاهرون سلميون يطالبون بإصلاحات داخلية، ولا يطالبون بحكم إسلامي أو بإلغاء كامب دافيد أو ما شابه ذلك، كان على أوباما أن يجد صيغة للتوفيق ما بين القيم والمصالح الأميركية. لقد لاذ بالصمت في البداية، ثمّ أخذ يطالب مبارك بالحوار مع المعارضة، وبإصلاحات حقيقية بعد ذلك، ثمّ بالإشراف على انتقال سلمي للسلطة قبل أن يطلب منه الرحيل. وهكذا يكون أوباما بذلك قد رافق التطورات الميدانية التي كانت تتجه صوب انتصار الثورة الشعبية؛ فهو قد اختار، مرَّةً أخرى، "الوقوف في الجانب الصائب من التاريخ"، من دون المجازفة بالمصالح.

  1. Philippe S. Golub, "les Etats - Unis face aux révolutions démocratiques arabes, vol.2, N. 66, Mouvements, pp. 127 – 134.

وخصوصًا أنّ الجيش المصري الذي تسلَّم السلطة الانتقالية يعرفه الأميركيون جيدًا منذ عقود طويلة، وأنهم يقدمون له المساعدات ويثقون به إلى حدّ كبير. لقد أخاف تخلي واشنطن عن حليفها المصري القديم والموثوق به دول الخليج العربي، ولا سيما السعودية، وألَّب عليها الجمهوريين الذين اتهموها بأنها بصدد خسارة مصر كما خسر ترومان الصين عام 1949، وكارتر إيران عام 1979. واضطرت واشنطن لتبديد هذا القلق من خلال العزوف عن دعم التظاهرات في البحرين، الأمر الذي سبَّب لها انتقادًا في أوساط المراقبين الدوليين الذين اتهموها بالكيل بمكيالين. لكن ينبغي أن نتذكر أيضًا أنّ الولايات المتحدة لا   تستطيع المجازفة برحيل النظام البحريني الذي يفتح الباب واسعًا أمام النفوذ الإيراني في الخليج العربي، وربما قلاقل داخلية، وتوترات أمنية في دوله الضعيفة، علاوةً على أنه يغلق الباب أمام الأسطول الأميركي الخامس الراسي أمام الشواطئ البحرينية. وفي هذا السِّياق، وجَّهت المصالح الأمنية الموقفَ الأميركي الذي تكرر تقريبًا تجاه اليمن؛ إذ إنّ خروج على عبد الله صالح من هذا البلد للعلاج - وهو الذي كان يحارب القاعدة ويحافظ على المصالح الأميركية - كان فرصةً لواشنطن كي تشجِّع على بدء المرحلة الانتقالية، وقد تركت واشنطن للرياض ودول مجلس التعاون الخليجي قيادة الأزمة إلى خواتيمها كما فعلت تقريبًا تجاه البحرين. هذا الاضطراب بين المصالح والقيم سوف نلاحظه في خطاب أوباما في 19 أيار/ مايو 2011 بشأن الشرق الأوسط42. وإذا كان من المؤكد أنّ لواشنطن مصالح أمنيةً، وإستراتيجيةً، وغيرها، في المنطقة، فإنه في مواجهة فرصة تاريخية كهذه يصعب التمسك ب "الستاتيك"؛ لأنه سيؤثر سلبيًّا في كلّ العلاقة العربية -الأميركية، عدا أنه لا يمكن لواشنطن إدارة ظهرها لتطلعات الشعوب التي تطالب بتطبيق قيمٍ طالما فاخَر الأميركيون بترويجها والدفاع عنها. ولكنّ هذه المصالح الأمنية تفرض الحذر والبراغماتية، وأحيانًا الكيل بمكيالين كما عبَّت عن ذلك وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون علنًا حين قالت: "كوننا بلدًا ذا مصالح عديدة ومتشعبة، علينا دائمًا أن نفعل أكثر من شيء واحدٍ في الوقت نفسه. هنا يكمن التحدي بالنسبة إلينا تجاه بلد مثل البحرين"43. وأمّا ليبيا، فلا قيمةَ إستراتيجيةً مهمّةً لها بالنسبة إلى واشنطن. وقد كمنت المعضلة في ضرورة منْع قوات القذافي من الدخول إلى بنغازي التي كانت تحاصرها، ولكن من دون تدخُّل عسكري مباشر (وزير الدفاع غيتس أبلغ أوباما بأنّ هذا الأمر هو قرار البنتاغون.) وعندئذ لجأ أوباما إلى مجلس الأمن فحصل على القرار 1970، ثمّ على القرار 1973. كما أنه لجأ إلى حلفائه الأوروبيين في "الناتو"، فأوكل إليهم مهمّة التدخل، مع وعدهم بالمساعدة وب "القيادة من الخلف"44 behind from leading. ويشرح هذا المفهوم محاولة التوفيق بين البراغماتية تجاه الشرق الأوسط من جهة، والاستدارة نحو آسيا من جهة مقابلة. وتعني فكرة الاستدارة نحو آسيا، ببساطة، الاهتمام الأقل بالشرق الأوسط؛ إذ يريد أوباما التوقف عن إنفاق الأموال الطائلة، ورصيد بلاده السياسي، وصورتها، في حروب غير مجدية، علمً أنه من السذاجة أن نظنّ أنّ واشنطن ستتخلى نهائيًّا عن هذه المنطقة حيث إسرائيل، وإيران، والنفط، والإسلام السياسي، والممارّ الإستراتيجية، وغيرها. وهذا الأمر يساهم في شرح الموقف من الثورتين الليبية والسورية؛ فأوباما لم يعُدْ يريد أن يفعل في الشرق الأوسط شيئًا كثيرًا، في الوقت الذي ما تزال فيه أشياء كثيرة جدًا ينبغي أن يفعلها. وإذا كان الأوروبيون يريدون أن يفعلوا شيئًا ما بشأنه بشروط معينة، فهذا أفضل45. لقد شكلت سورية مأزقًا حقيقيًّا لأوباما الذي تدرج في مواقفه، هذه المرةَ أيضًا؛ بدءًا من مطالبة الأسد بالإصلاحات الديمقراطية الحقيقية، ثمّ بالحوار مع المعارضة، وصولً إلى مطالبته بالرحيل والبدء بفرض عقوبات على نظامه47. ولم تحظ المعارضة السورية سوى بإعلانات تأييد، وبعض المعونات العسكرية الخفيفة، ومعونات أخرى "غير قاتلة." أضحت رغبة واشنطن عن أيّ تدخل عسكري مباشر واضحةً للجميع، سواء كان ذلك في سورية أو في غيرها. وقد وضع أوباما خطارًّ أحم

  1. 46 انظر: "الطريق إلى جنيف وتعثر السياسة الأميركية"، سياسات عربية، العدد 3 /(تموز يوليو 2013)، ص 60 – .67
  2. Remarks by the President on The Middle East and North Africa," The White House, Office of the Press Secretary, 19/5/2011.
  3. من خطابها أمام المعهد الوطني الديمقراطي في واشنطن في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر .2011
  4. Frédérick Douzet, "Obama, le président du pivot," entretien avec Justin Vaisse, Hérodote , N. 149 (Février/ 2013), p.7.
  5. كان هذا موضوع المكالمة الهاتفية لأوباما مع كل من البريطاني كاميرون والفرنسي ساركوزي يوم صدور القرار 1973 في 17 آذار/ مارس 2011. قال أوباما إنه موافق على الذهاب إلى ليبيا على أن ينسحب بعد عدة عمليات عسكرية، وإنه سيقدِّم دعمً لوجستيًّا بطائرات "الدرون"، ولكن على الأوروبيين أن يقوموا بالمهمة بأنفسهم. هذه هي "القيادة من الخلف:" التوصل إلى التوفيق بين القدر الأقل الممكن من الانخراط العملي، مع الاحتفاظ بالزعامة في المنطقة. انظر المرجع السابق.

أمام النظام السوري، وهو أنّ استخدام السلاح الكيماوي في حربه على المعارضة سيدفع واشنطن للتدخل. لكنّ هذا السلاح استُخدم مرات عديدةً (بموجب تحقيقات أجرتها صحف أوروبية، منها لوموند الفرنسية، ونشرتها على موقعها الإلكتروني48)، من دون أن تحرك واشنطن ساكنًا. وإزاء انتشار الصور المريعة لجثث الأطفال، والمسنين، والنساء، من الذين قضوا اختناقًا وتشوهًا بالسلاح الكيماوي في غوطة دمشق في 21 آب/ أغسطس 2013، في وسائل الإعلام والاتصال في العالم أجمع، لم تستطع الإدارة الأميركية التزام السكوت، ولا سيما أنها كررت الكلام على الخط الكيماوي الأحمر مرارًا وتكرارًا. وهكذا حشدت الأساطيل في المتوسط وهددت بقصف مراكز النظام السوري في دمشق، لتتراجع في اللحظة الأخيرة وتوقع اتفاقًا مع موسكو يجبر دمشق على التخلي عن مخزونها من السلاح الكيماوي في فترة لا تتجاوز حزيران/ يونيو 2014. وقد عدَّ الباحث الفرنسي فرانسوا هايزبورغ هذا التراجع المهين أسطع مؤشر على التراجع الإستراتيجي الغربي في العالم49، وشرحه زميله فرانسوا غوران من خلال أربعة عوامل50، هي: شخصية أوباما المترددة وسلوكه الضعيف في السياسة الخارجية. وقد نشرت النيويورك تايمز، يوم 22 تشرين الأول/ أكتوبر 2013، تقريرًا مثيرًا عمّ سمته "هاملت البيت الأبيض" المتردد الضعيف لا يأبه للفاجعة السورية على المستويين الذي   الإنساني والإستراتيجي، وحوله مستشارون يعانون مثله الافتقاد لشجاعة اتخاذ القرار وصَوْغ الإستراتيجيات. وقد كان أحدهم، وهو دنيس ماكدوناف، يذهب إلى الكونغرس ليكرر على مسامعه مقولةً إسرائيليةً مفادها أنه لا بأس بأن يتقاتل في سورية البعثيون، والجهاديون، وحزب الله، وإيران وغيرهم من أعداء أميركا. ما العراق" (وأفغانستان)، "عقدة  وما بعد بعد   الثورات العربية. فكلّ استطلاعات الرأي والنقاشات البرلمانية تبرهن على أنّ الرأي العامّ الغربي يعتقد أنّ كلّ تدخل في أرض الإسلام يقود - لا محالة - إلى كوارث؛ فالتطورات الليبية اللاحقة (مقتل السفير الأميركي في بنغازي)، إضافةً إلى التطورات التونسية والمصرية (فوز الإسلاميين في الانتخابات) تفرض الحذر تجاه الثوار السوريين، وخصوصًا أنّ الجهاديين المتطرفين أخذوا يحتلون المشهد. الغموض الذي يكتنف الرهانات الحقيقية للصراع السوري، أهو انعكاس للتوتر المذهبي السني - الشيعي في المنطقة أم لتنافس بين الإخوان المسلمين والقوميين العلمانيين أو لتنافس سعودي  –  قطري؟ على أل   ننسى أنّ نظام الأسد نجح في تصوير نفسه محاربًا للإرهاب، وذلك بعد أن أخرج من سجونه قادة الجماعات الجهادية الأساسية الثلاث، وعددًا كبيرًا من المتطرفين الإسلاميين الذين تمتنع طائراته الحربية - وهي التي تلقي بالبراميل المتفجّرة على المدنيين51 - عن ضرب مراكز قيادتهم في الرقة مثل. الحذاقة الدبلوماسية للرئيس الروسي بوتين ووزير خارجيته لافروف اللذين وفَّرا باب الخروج لأوباما من مأزق وضعَ نفسه فيه. فلقد تمكنت موسكو من العودة بقوَّة إلى الساحة الدولية من الباب السوري؛ إذ استطاعت مع حليفها الإيراني إنقاذ الأسد من السقوط، وفرضت نفسها قوَّةً عظمى لا يمكن للأميركيين تجاهلها. ففي مقابلة صحافية، في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2013، على هامش قمة مالي قال لافروف إنّ الاتفاق الكيماوي بين موسكو وواشنطن يعني أنّ الولايات المتحدة أذعنت لقراءة روسيا للحدث السوري52. وهذه القراءة تعني أنّ ما   يجري هناك ليس سوى حرب على الإرهاب الجهادي الإسلامي، وهو أمر لا قِبل لواشنطن بمعارضته. خلاصة الأمر أنّ أوباما حاول أن يضع نفسه في الجانب الرابح بقدر ما يستطيع؛ لأنه براغماتي جدًّا. إنه النموذج الأسطع في الواقعية السياسية القائلة بالذهاب إلى حيث تسير الأمور وتفادي التوجه إلى حيث تتعقد. مشكلة هذه الإدارة أنها لم تتمكن من وضع مبادئ أو قواعد واضحة يمكن الدفاع عنها، فكان التكيُّف مع كلّ حالة على حدة وفقًا للمصالح الأميركية، بل كان النفاق - كما يقول بعض المراقبين53 - هو سيد الموقف الأميركي تجاه الثورات العربية. فعلى سبيل المثال تكيَّفت هذ الإدارة مع وصول الإخوان

  1. Armes chimiques en Syrie: 'La ligne rouge a été franchie'," Le Monde , 1/5/2013, at: http://goo.gl/qQs2QF
  2. François Gorand, "peut - on encore sauver la Syrie ?," N.144 (4/ 2013),
  3. Ibid., pp. 794 – 795.
  4. Syrie. Les vrais ennemis de Bachar al-Assad, pas les 'amis de Sadnaya," mais les révolutionnaires et les démocrates," at: http://syrie.blog.lemonde. fr/2013/10/19/; Ibid., p.795. 51  Ibid.
  5. p.794.
  6. Douzet, Ibid.

المسلمين إلى الحكم في مصر إلى درجة أنّه ثمّة من اشتبه في وجود اتفاق سري ما معهم في سبيل مواجهة الإسلام الأصولي والمتشدد. طيح الرئيس مرسي، في حزيران وعندما أ/ يونيو 2013، عادت الإدارة الأميركية لتتكيف من جديد مع الجيش المصري الذي تسلّم السلطة موقّتًا. حدث ذلك بعد مرحلة قصيرة من الخلافات حاولت خلالها ممارسة الضغوط والتهديد بإيقاف تقديم المساعدات له، وهي تبلغ 1.3 مليار دولار سنويًّا. وكذلك الشأن تجاه حركة النهضة في تونس؛ فقد حصل مثل هذا التكيف حتى إذا أُطيحت، سارع أوباما إلى استقبال رئيس الوزراء التونسي الجديد محمد جمعة في البيت الأبيض ليَعِده بالدعم والمساعدة. وفي ليبيا، أُصيبت واشنطن بنكسة حقيقية؛ إذ قتل سفيرها، وارتفعت الشعارات المعادية لها. وفي سورية أذعنت للضغوط الروسية والإيرانية، وللخوف من أن تتحول سورية إلى موطن لتنظيم القاعدة، على حدّ قول دنيس روس54.

إنّ سياسة أوباما لم تعدْ عليه بنفعٍ كثير، ولا على بلدان "الربيع العربي"؛ إذ تدل استطلاعات الرأي على عدم ثقة شعوب هذه البلدان بالولايات المتحدة (آخرها استطلاع أجرته مؤسسة غالوب في نيسان/ أبريل 2014.) علاوةً على ذلك، لم تحظَ سياسته برضا إسرائيل التي وقف رئيس وزرائها في وجه أوباما على الرغم من كلّ مواقفه المؤيّدة للرغبات الإسرائيلية، ومن ضمنها مسألة يهودية الدولة. ولم تحظَ سياسته أيضًا برضا الفلسطينيين الذين ملُّوا انتظار شيء   ما من واشنطن، فتوجهوا مباشرة إلى الأمم المتحدة على الرّغم من أن أوباما حاول ثنيهم عن ذلك. وبعد إيران، فإنّ سورية برهنت على أنّ أميركا لم يعُد يخشاها أحد، فهي قد أضحت عاجزةً. وهذا ما أكدته أيضًا الأزمة الأوكرانية. وحتى السعودية تمردت على الإدارة الأميركية؛ بسبب مواقفها من إيران، وسورية، وفلسطين. وفي الداخل الأميركي يعاني الرئيس صعوبةً في علاقته بالكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون على خلفية أزمة مالية ما تزال عصيةً على الحل.

خاتمة

في الحالتين الأوروبية – الشرقية، والعربية، فوجئت واشنطن بتسارع التطورات. لكنْ إذا كانت لها في الحالة الأولى مساهمة كبرى في التحولات، فإنّ الثورات العربية قد كانت صناعةً محليةً؛ من غير إيعازٍ، أو تشجيعٍ، أو تدخلٍ خارجيٍّ. لم يكن لهذه الثورات قادة معروفون من الخارج، وكانت مطالبها ذات طبيعة داخلية خالصة، اختصرتها بشعار "إسقاط النظام" (اِرحل.) في الحالة الأولى، رعت واشنطن التحول، ورافقته، مقدمةً له كلّ أسباب الدعم والمساندة، وصولً إلى تعزيزه وتكريسه؛ فكسبت دول جديدة تدور في فلكها. أمّا في الحالة الثانية، فإنها تعاملت معه بحذر وتردد وفق الأوضاع، والمصالح، والحالات المختلفة، من بلد عربي إلى آخر؛ فلم يكن لها فضل فيها ولا مساهمة، بل إنّه ثمَّة من يرى أنْ لا   مصلحةَ لها البتة في تحوُّل ديمقراطي عربي صحيح55. إنّ تنوع الحالات واختلافها بين تونس، وليبيا، والبحرين، وسورية ليس خصوصيةً عربيةً. فالحالات كانت مختلفةً هي الأخرى بين الدول الأوروبية – الشرقية. فمنها ما عبَ بعضها بسلاسة سبيلً مستقيمة من التحول الديمقراطي (بولونيا، والجمهورية التشيكية، وسلوفينيا، والبلطيق، وكرواتيا.. إلخ)، ومنها ما عرف مسارًا متعرجًا كان فيه خوف من رجعة ما (هنغاريا، وبلغاريا، ورومانيا.. إلخ)، ومنها ما بقي تحت هيمنة توتاليتارية لمسؤولين سابقين في الحزب الشيوعي السابق (بيلاروسيا وبعض الجمهوريات السوفياتية السابقة)، ومنها ما يزال ينتظر تحت خطر التفكُّك والهيمنة الروسية (أوكرانيا وجورجيا)، ومنها أيضًا ما غرق في حرب أهلية (صربيا، وكوسوفو.. إلخ.) في الحالة العربية كانت إدارة الولايات المتحدة لاحتلال العراق وأفغانستان كارثيةً. إضافةً إلى ذلك، فإنّ الفشل الذريع للتحول الديمقراطي في البلدين ستكون له ارتدادات سلبية جدًّا بالنسبة إلى الصدقية الأميركية تجاه تحولات عام 2011. كما أنه لم يحدث، في هذا العام، أيّ اتفاق غربي على عمل جماعي لدعم التحول العربي. في حين

  1. محمد المصري، "سياسات الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط" سياسات عربية، العدد 7 (آذار/ مارس )2014 ص .60
  2. هذا، على سبيل المثال، رأي نوعام تشومسكي الذي عبر عنه في محاضرة له بالجامعة الأميركية في القاهرة، في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 2012. ففي رأيه أنّ الديمقراطية التي تعني استقلال الشعوب وسيطرتها على ثرواتها لا   يريدها الغرب في هذه المنطقة التي تكتنز بأهمّ الاحتياطات من الطاقة في العالم. هذا الغرب مقتنع بأنّ الرأي العامّ العربي ينظر إليه بسلبية؛ ومن ثمّة فإنّ الديمقراطية لا بد أن تترجم النزعات السلبية إلى مواقف عملية سياسية ستكون كارثية على المصالح الأوروبية – الأميركية، والإسرائيلية.

جرى إنشاء البنك الأوروبي للتنمية BERD  المخصص لمساعدة أوروبا الشرقية في تحولها الديمقراطي في أسابيع قليلة من خريف 1989، ولم ينجح الغرب في فعل الشيء نفسه تجاه العرب. ولقد أ سندت إلى هذا البنك المهمّة نفسها في العالم العربي؛ ففقدَ بذلك هويته الأوروبية من دون أن يكسب في مقابل ذلك الصدقية ولا الشرعية الضروريتين للاهتمام بجدية بهؤلاء "الزبائن" الجدد، على حدّ قول جاك أتالي56 الذي عهُيِّ مديرًا لذلك البنك عند تأسيس.

من ناحية أخرى، لا بد من الإشارة إلى مواطن الاختلاف بين الحالتين الأوروبية والعربية، وإلى الأوضاع المحيطة بهما والمساهمة في صَوْغ الموقف الأميركي المختلف منهما. ففي أوروبا الشرقية، لم يترك انهيار النظام الشيوعي الشعوب أمام المجهول؛ لأنّ النموذج (الاستهلاكي الليبرالي) الغربي فرَض نفسه فورًا بديلً جاهزًا كانت هذه الشعوب تودُّه وتتمناه، بل تحلم به. وإنّ هذا النموذج، في مرحلة ريغان – تاتشر، لم يكن يعاني ما يعانيه اليوم من أزمة مالية واقتصادية واجتماعية خانقة. بل إنّ النموذج الشيوعي هو الذي كان يعاني آفات أودت به في نهاية المطاف. وأمّا في الحالة العربية، فلم يكن ثمَّة من نموذجٍ تسعى له الثورات؛ فقد كانت تريد إسقاط النظام القائم فقط. وبعد سقوطه، انفتح باب الصراع بين "الإسلام هو الحل" وأيّ إسلام؟ أهو السلفي أم الأصولي أم المعتدل؟ من جهة، والتيارات القومية والعلمانية بألوانها المختلفة، من جهة مقابلة. يُضاف إلى ذلك تربص "الفلول"؛ أيْ بقايا النظام القديم الذين يسيطرون على مفاصل "الدولة العميقة." لقد صار الصراع دمويًّا في بعض الحالات، وصار يشكل تهديدًا حقيقيًا لوحدة الدولة في حالات أخرى، على خلفية تدخلات خارجية ليست بالضرورة في مصلحة التحول الديمقراطي. وإنّ هذا التحول لم يعُدْ يرد في التصريحات والخطب (خطاب الرئيس عن حالة الأمة مثل)، والتقارير الأميركية (تقارير وزارة الخارجية السنوية على سبيل المثال) منذ بداية عام 2004، بعد أن كان خطاب دعم الديمقراطية يتردد في العالم العربي في مثل هذه التقارير، وفي التصريحات منذ بداية عام 2011. لذا، يبدو أنّ مسار التحول الديمقراطي العربي قد انتهى بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، وأننا بتنا إزاء أزمات أكثر من كوننا إزاء مخاض تحوُّل ديمقراطي. في حالة أوروبا الشرقية لم يكن ثمَّة من نفطٍ، أو ثروات، تخشى عليها الولايات المتحدة، كما هي الحال في الشرق الأوسط. والأهم من ذلك ليس ثمَّة من إسرائيل التي تمارس أبلغ التأثير في القرار الأميركي المتعلق بالمنطقة العربية، من خلال اللوبي الصهيوني في واشنطن، ولا يبدو أن لإسرائيل مصلحةً في أن تخسر الفرادة الديمقراطية التي تفاخر بها إزاء الغرب الذي تدعي اعتناقها لقيمه في وسط عربي تحكمه دكتاتوريات متخلفة. إنّ إسرائيل التي تدعمها الولايات المتحدة، وتؤمِّن لها كلّ أسباب التفوق على العالم العربي، وتنحاز إليها، على الرغم من احتلالها، وتعدياتها على الحقوق الإنسانية في فلسطين، وعلى القانون الدولي، تقف عقبةً كأْداء في وجه أيِّ دعم أميركي لتحولٍ ديمقراطي عربي لا مصلحة لها فيه.