مراجعة كتاب الصين - عالم والإنسان الجديد
اليوتوبيا والواقع
المؤلف: أحمد الحارثي.
La Chine-monde et Le Nouvel Homme العنوان الأصلي: الناشر: نوافد للنشر، الرباط، المغرب.
تاريخ النشر.2012: عدد الصفحات: 225 صفحة.
يعد صعود الصين على المسرح الدولي بوصفها قوةً عظمى وفاعل كبيرًا في السياسة الدولية، بعد انعزالٍ دام عقودًا طويلةً، أمرًا لافتًا ومثيرًا ويستحق الدراسة والبحث من دون شك. فلا يمر يوم من دون أن تتصدّر أخبار هذا البلد العريق بتاريخه الحضاري النشرات الدولية الإخبارية، وبخاصة في السنوات الأخيرة. فقد بات للصين حضور وازن في العلاقات الدولية، ليس بفضل فاعليتها الاقتصادية المتزايدة في الاقتصاد الدولي واختراقها للأسواق العالمية فحسب، وإنما أيضًا باضطلاعها بأدوار سياسية ودبلوماسية غير مألوفة في تحركاتها على مستوى الأزمات الإقليمية. وقد لفت هذا الصعود انتباه شعوب الشرق الأوسط بخاصة، مع دخول الصين على خطّ الأزمة السوريّة إلى جانب روسيا وريثة الاتحاد السوفياتي وذات التقاليد العريقة في التدخل في الأزمات الدولية والتموقع في تناقضاتها وتحالفاتها المحلية. غير أنّ حضور الصين المتزايد شغل اهتمامات الناس جميعًا حتى العاديين منهم، وبخاصة في بعض البلدان التي تشكلت فيها صورة سلبية "للوحش" الصيني الذي يبتلع أرزاق صغار التجار من خلال إغراق الأسواق بالبضائع الرخيصة والمزورة، كما يحدث لأمثالهم في البلدان الرأسمالية المتقدمة. وقد أدى الإعلام دور المحرِّض على كراهية الصينيين عبر تصويرهم على أنهم "مافيات" تحترف سرقة منتجات الآخرين، وتقوم بتزويرها وبيعها بأبخس الأثمان، مع ما ينطوي عليه ذلك من تهديد للصحة العامة واستقرار فئات اجتماعية تضرّرت كثيرًا من المنافسة الصينية غير العادلة وغير المشروعة.
صعود اقتصادي ورهانات الدور الدولي
لا شك في أنّ الصين حققت في السنوات الأخيرة حضورًا لافتًا في السياسة الدولية بفضل تمكّنها من تحسين أدائها الاقتصادي والإستراتيجي. وقد جاء كل ذلك بفضل الانعطافة التاريخية الكبرى التي شهدها هذا البلد العظيم ابتداءً من الربع الأخير من القرن العشرين؛ وتجلت في عملية تحديثٍ مطّردٍ للبنى الاقتصادية والثقافية والعلمية، وأثمرت في النهاية عن ارتفاعٍ في مستوى الروح المعنوية للشعب العامل، على الرغم مما شكلته إصلاحات عام 1978 من ارتدادٍ عن نمط الاقتصاد الاشتراكي المخطّط، وبداية ظهور رأسمالية جديدة بملامح صينية عجيبة. وليس غريبًا أن تعرف الصين مثل هذا التحول المذهل في الأداء الاقتصادي؛ فهي وريثة حضارة عريقة كانت لقرون من الزمن أقوى وأمكن من الحضارة الغربية في ما يتعلق باستخدام العلوم، وبخاصة التطبيقية والتقنية منها، قبل أن تتخلف عنها بسبب العجز عن مواكبة نتائج الثورات العلمية الحديثة التي تفجّرت بالغرب الأوروبي؛ نتيجة المناخ السياسي الداخلي الذي عطّل حريات البحث العلمي والفكري، وكرّس الجمود العقلي والتقوقع في الماضي. وقد كان للصدمة الناتجة من الغزو الغربي للصين بداية من القرن الثامن عشر وقع كبير في نفوس قيادات الأمة الصينية وعقولها، المنقسمة والمتناحرة داخليًا، ما دفعهم إلى الاستنتاج بأنّ تخلّف البلد وتعطّل مسيرته الحضارية هو نتيجة مركبة لتخلّف البنى والهياكل الاجتماعية والتنظيمية وتصلّب الثقافة التقليدية وتحجّرها. وقد عمل هؤلاء بداية من ثورة 1911 مرورًا بحركة 4 أيار/ مايو 1919 والثورة الشيوعية الكبرى وليس انتهاء بإصلاحات 1978، على تقليم أظافر التقليد المنغلق والمتصلب، وأساسه الثقافي المتمثل في الكونفوشيوسية، وعلى فسح المجال أمام القوى التحررية للشروع في تنفيذ برنامج تحديث واسع للمجتمع الصيني على مدى طويل رشّح البلد لتبوّء مكانته بين قوى عظمى، وإعادة التألق والإشعاع الحضاريين له.
وفي العقود الثلاثة الماضية، عززت الصين مكانتها في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، مرتكزة على أداء اقتصاد رأسمالي يعتمد على التجارة الخارجية، وأجبرت على اتباع سياسة خارجية فعالة لضمان الحصول على الطاقة والمواد الخام الأخرى، وكذلك حماية وجودها في الأسواق لتصريف بضائعها المصنعة. ومن ثمّ، أصبحت الصين أكبر شريك تجاري في المنطقة، وأكبر مستورد للنفط منها، وبخاصة مع انخفاض واردات الولايات المتحدة من المنطقة بنسبة 50 في المئة. كما أصبحت أكبر مستثمر أجنبي في كل من إيران والعراق، خاصة صناعة الأسلحة الإيرانية. فمصنع الصواريخ في إيران، بوصفه أحد أكبر المصانع من نوعه في العالم، أنشأته الصين؛ فضلً عن مشاركتها في مشاريع كبرى للهندسة المدنية في عشرات الدول، بما في ذلك السعودية والجزائر، وتعزيز وجود البحرية الصينية في المياه الدولية
لمنطقة الخليج والبحر الأحمر وخليج عدن، ووجودها ضمن قوات الأمم المتحدة في لبنان، وإقامة علاقات وثيقة مع القوات المسلحة في عدد من البلدان الشرق الأوسطية وبيع الأسلحة لها. وسنقف عند أرقام دالة في هذا الباب في فقرة لاحقة. غير أنّ ما يستشعره الكثير من المهتمين والخبراء هو أنّ هذا الحضور، مع أهميته وتطوره الملحوظ، فإنّه لا يحسم القول بالدور القيادي للصين في المنطقة؛ إذ من السابق لأوانه الحكم على هذا الدور في ظل انتهاج الصين الحذر في سياستها الخارجية بسبب ثقافة نخبتها الحاكمة المتوجسة من الخارج كمصدر للخطر، وعدم حاجتها الماسة للتجارة الخارجية واعتمادها على اقتصاد قاري يمكنها من إنتاج كل شيء. إذ يلاحظ أنّ الصين تنتهج سياسة تحاول التقليل من الاعتماد على المصادر الخارجية للطاقة والمواد الأولية، وتتجنب التورط في النزاعات والصراعات خارج مجالها القومي، وتتوخى الكثير من المرونة في التموقع في بعض الملفات الحساسة، مثل الملف الإيراني، معتمدة على توجيه حلفائها وأصدقائها، أكثر من اللجوء إلى "التحرش" والاستفزاز والوقوف المتصلب إلى جانب الحلفاء.
الصين - عالم والإنسان الجديد
عكس الحضور المتصاعد للصين في المسرح الدولي أيضًا اهتمام مراكز البحوث بدراسة هذا البلد تاريخًا وحضارةً وثقافةً واقتصادًا؛ ما أتاح أمام المهتمين وأصحاب القرار كمً هائلً من الأعمال والدراسات لتكوين صورة أولية وأساسية عن طبيعة التكوين التاريخي للصين، وأسباب صعودها القوي وخصوصية نظامها الاجتماعي والديمغرافي، وغيرها من المعطيات الضرورية لفهمٍ إستراتيجي لهذا الحضور. غير أنّ هذا يبقى صحيحًا بالنسبة إلى الغرب أكثر من العرب والأفارقة؛ فالتفكير في الصين ليس بالأمر الهيّ ولم يكن كذلك يومًا، وبهذا يقول الباحث والمؤلف المغربي أحمد الحارثي، صاحب كتاب الصين - عالم والإنسان الجديد؛ بأنّ ذلك يتطلب جهدًا علميًا كبيرًا ومغامرةً استشكالية قد تكون متعبة، غير أنها، بالنسبة إلى العرب والأفارقة على وجه الخصوص، أضحت ضرورية لولوج مناطق بحث كانت حتى وقت قريب من احتكار الغربيين، واستثمار مزايا هذا النوع من البحث العلمي للتمكّن من مسالك الذكاء الإستراتيجي والخروج بالعقل العربي والأفريقي من المحلية ونزعة الانغلاق على الذات، والانفتاح على دروب الوعي العالمي وإعادة التفكير في العالم خارج الأطر السائدة في الغرب المهيمن، ونظرته المريبة في أغلب الأحيان لبلد مختلف عنه على نحو لافت. هذا الكتاب الذي سنعرض بعض أفكاره وأطروحته في هذه الورقة، يعتبر من الأعمال النادرة والقليلة جدًا كمً وكيفًا، والتي تجعل من الصين موضوع تفكيرٍ وتأملٍ واستشكالٍ لتاريخها وفاعليتها الاقتصادية في عالمنا المعاصر. وهو ثمرة جهدٍ فردي لباحثٍ تابع عن كثب تطور التجربة الصينية المعاصرة وانشغل بخصوصيتها ليس انطلاقًا من مواد البحث العلمي وأدواته فحسب، وإنما أيضًا بهواجس الملاحظ التاريخي والمنشغل بأسئلة التحرّر السياسي. يشتمل الكتاب على 246 صفحة، ويتوزع على قسمين وستة فصول، إضافة إلى مقدمة وملحق ببليوغرافي.
الصين والمسيرة الطويلة إلى الأمام: منعطفات وإصلاحات وإنجازات
أخطأت الصين موعدها مع التاريخ مرات عديدة حين كانت على مرمى حجر من أن تصير قوة دولية تفرض نفسها وسيطرتها على العالم. ففي مطلع القرن الخامس عشر كانت هذه الإمبراطورية الشرقية تمتلك أكبر أسطول بحري في التاريخ، ما كان يسمح لها بالتربع على عرش العالم. بل إنّ حملاتها البحرية كانت ترشحها لاكتشاف العالم الجديد قبل أن يفعل ذلك الغرب، والذي كان لا يزال يتلمس طريقه إلى عصر الحداثة وسط ظلام وتأخر خيّم على بلدانه قرونًا عديدة. لكنّ الصين فوتت على نفسها هذا الخيار، مع أنها امتلكت في العهد الإمبراطوري لسلالة "مينغ" أكبر سلاح بحري في الكون من حيث الحجم والهالة والفخامة، وهو لا يزال يثير إعجاب المؤرخين وعلماء الآثار إلى اليوم. فالحملات والكشوفات البحرية للصين، خصوصًا التي غطت بحارًا ومحيطات وجزرًا بعيدة على تخوم القارتين الآسيوية والأفريقية والخليج والبحر الأحمر والقطب الجنوبي وسواحل أستراليا، وبعضها تحقّق في عهد الإمبراطور "يونغل"، لم تكن بغرض البحث عن الخيرات المادية والهيمنة الجيوسياسية، بقدر استعراض عظمة البلد وهيبته وانتزاع الاعتراف بذلك. ويذكر المؤلف في هذا الباب أنّ أهم الرحلات والحملات البحرية التي تمت ما بين الفترة 1405 و 1433، قادها الأميرال "زينغ هي"، والذي تقول مصادر إنه مسلم، وربما يكون هو أول من اكتشف أميركا قبل كريستوفر
كولومبوس. وقد كشفت جميعها، مع ما صاحبها من مغامرات واستطلاعات ضخمة ومبهرة، عن قوة البحرية الصينية والتفوق الكاسح للصينيين في مجال الملاحة وعلومها وصناعة السفن. وبسبب ابتعادها عن مشاغل الهيمنة السياسية والإستراتيجية وتقوية نفوذها الاقتصادي، لم تتردد الصين أثناء تألق ملاحتها في اتخاذ قرار غريب بتوقيف حملاتها البحرية، ما وضع حدًا لسياسة الانفتاح الخارجي للبلد وانغماسه من جديد في انعزاليته التقليدية، بل وتدمير أسطولها البحري والتخلي عن صناعة السفن. ومن سخرية الأقدار أنّ ما صنعه الصينيون من أدوات الملاحة المتطورة ووسائلها سيكون من نصيب الغرب الغازي الذي لن يتردد في استعمالها لغزو الصين وإخضاعها لسيطرته بموجب معاهدات ظالمة أو حروب طاحنة، لتفقد بعدها سيادتها وكرامتها، التي حرصت على إبرازها أمام العالم طوال سنوات المجد البحري. كان على الصينيين أن ينتظروا قرونًا بعدها ليستعيدوا مرة أخرى الشعور بعظمة أمتهم وكبريائها، خاصة لما بلغت الإهانة حدًا لا يطاق في العصر الحديث إثر الاحتلال الياباني لأراضي الصين، وبعد سلسلة من الحروب والثورات الداخلية التي أعقبت أفول عهد آخر سلالة حاكمة (كينغ)، وخلفت آثارًا مدمرة على المجتمع والاقتصاد. وكانت ثورة 1911 بقيادة سان ييت-سين قد مثلت طفرة نوعية في التاريخ الحديث للصين، بنجاحها في إرساء نظام جمهوري على أنقاض النظام الإقطاعي المنهار، وبما تلاها من أحداث ثورية ومواجهات عنيفة من أجل السلطة بين أمراء الحرب، أفسحت المجال لبروز تجارب ثورية جديدة، خاصة بعد الحرب العالمية الأولى التي وضعت البلاد في موقف كارثي استشعرته نخب المثقفين والبرجوازية الحضرية في وقت مبكر، ليكون بذلك بداية مسلسل طويل من الصراعات السياسية والأيديولوجية والعسكرية الدامية بين أجنحة الحركة التحررية، توّجت بداية حرب أهلية استمرت إلى غاية غزو شمال الصين ومنشوريا من قبل القوات اليابانية عام 1931. على أن ذلك لم يحدّ من الصراعات الداخلية، خاصة بين الجناح الشيوعي المتنامي بسرعة كبيرة، وورثة الكومينتانغ، إلى أن بدأت الحرب الصينية - اليابانية الثانية -1937(1945)؛ إذ أعيد بناء الجبهة الوطنية لتحالف الجناحين المتحاربين لمواجهة العدو الموحد. غير أنّ الجبهة سرعان من انفرطت من جديد إثر هزيمة العدو المشترك (اليابان) مع نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، لتبدأ حرب أهلية جديدة انتهت هذه المرة بنصر مكين وحاسم للشيوعيين الذين أمكنهم أخيرًا السيطرة والتحكم في مجموع التراب الوطني للبلد الشاسع عام 1949 بإعلان قيام جمهورية الصين الشعبية، باستثناء الجزء الذي هرب إليه تشانغ كاي-تشيك ليعلن منه جمهورية الصين الجديدة (التايوان.) وها هي الصين الشعبية المتوّجة أخيرًا بعد قيام الجمهورية الجديدة كقوة دولية صاعدة تستعيد ماضيها المجيد بوصفها وريثة إحدى أعرق الحضارات وأكثرها تقدمًا في العالم. ولكن هذه المرة بوصفها أمة موحدة أيضًا مرشحة لأداء دور تركيبي يجمع بين مكاسب الحضارة الغربية وما تزخر به حضارات الشرق من مؤهلات وطاقات (ص. 116) فهل هي مصادفة أن تكون الصين الأكثر تأهيلً من بين قوى الشرق وحضاراته لتولي مهمات حلّ تناقضات عالمنا المعاصر والاستجابة لتطلعات الإنسانية نحو غدٍ أفضل، أم أنّ الأمر لا يعدو أن يكون تحصيل مميزات ذاتية تفوّقت بها الصين على بقية الحضارات المجاورة في الشرق القديم؛ الأقصى منه والأدنى؟ تذهب إجابات المؤرخين والخبراء، كما مؤلف الكتاب، إلى اعتبار مكانة الصين اليوم في العالم، وما يبشر به صعودها المتواصل، كقوة جيوسياسية واقتصادية كاسحة، من آمال في إعادة بناء صرح حضارة عالمية جديدة وبديلة من العولمة الطاغية و"المتأمركة"، هو بالفعل نتاج مميزات ينفرد بها هذا البلد العظيم على أكثر من صعيد، فضلً عن ذكاء قيادته السياسية وتمتعها بحس إستراتيجي رفيع، وقوة ارتباط جالياته في العالم بالوطن الأم. وفي ما يلي بعض المزايا والخصائص التي تمتاز بها الصين وتفسِّ جزءًا من مسيرتها الطويلة نحو التقدم والتألق الحضاريين.
1. البنية الديمغرافية والموارد الطبيعية
عامٍ لسنة يرصد آخر إحصاء 2010 عدد سكان الصين بنحو 1.335 مليار نسمة، مع استثناء الجهات الإدارية الخاصة مثل هونغ كونغ وماكاو وإقليم تايوان؛ إذ بلغ عدد السكان الحضر 662 مليون نسمة بنسبة 46.59 في المئة وعدد القرويين 713 مليونًا بنسبة 53.41 في المئة، فيما يبلغ عدد الأشخاص البالغين 65 سنة فما فوق نحو 113 مليونًا بنسبة 8.5 في المئة، وذلك حسب المكتب الوطني للإحصاء الصيني. ويمثل سكان الصين خمس سكان الأرض بمعدل تزايد سنوي يبلغ 0.56 في المئة مقابل 1.19 في المئة في العقد السابق؛ فيما يظل أغلب السكان شبابًا على الرغم من بروز علامات الشيخوخة مع ارتفاع نسبة متجاوزي سن 60 سنة إلى 13.26 في المئة، بعدما كانت في حدود 33.10 في المئة قبل عشر سنوات، أي بنسبة زيادة بلغت 28.36 في المئة. أما مستوى التمدّن فقد عرف تسارعًا ملحوظًا، إذ قارب نسبة 50 في المئة 49.7(في المئة)؛ أي بنسبة تزايد بلغت 37.7
مقارنة مع عام 2000، عندما لم يتجاوز المعدل نسبة 37.67 في المئة. وقد تم التحكّم في التزايد الديمغرافي بشكل ملحوظ مع اعتماد التوجيهات الإصلاحية ل "دينغ هيساوبينغ"، وسنّ سياسة الطفل الواحد وإخضاع التخطيط العائلي لمقتضيات التنمية الاقتصادية بتناغم مع التحديثات الأربعة. وهو الذي شكل منعطفًا في هذا الاتجاه ابتداءً من عام.1980 أما نسبة السكان النشيطين فقد تجاوزت 798 مليون نسمة بنهاية عام 2009 حسب الإحصائيات الرسمية، مع استثناء الجهات الإدارية المشار إليها سابقًا، مسجلة بذلك نسبة زيادة 2.5 في المئة تقريبًا مقارنة مع عام 2005. وقد بلغ العدد الإجمالي للعمال 780 مليونًا، يعيش 40 في المئة منهم في المدن، فيما تدور نسبة البطالة في حدود 4 في المئة. وتظل الوحدات الإنتاجية المملوكة للدولة والجماعات الأكثر تشغيلً لليد العاملة، بينما المقاولات الخاصة في نمو متزايد بحيث بلغ عدد المدمجين فيها 86 مليون شخص مع إضافة 66 مليون فرد يعملون لحسابهم الخاص، بما مجموعه 152 مليون عامل، مقابل 228 مليونًا تستوعبها المؤسسات والوحدات في الدولة والملكيات الجماعية والتعاونيات، فيما يتوزع الباقي على الشركات الأجنبية والمجموعات القابضة والشركات الكبرى والمشاريع المختلطة. ولا يعود الفضل في ما حققته الصين - حسب المؤلف - إلى اتساع مواردها البشرية فحسب، وإنما أيضًا إلى جودتها وفاعليتها، بفضل تطوير منظومة التعليم والقضاء التام على الأمية وتعميم التمدرس الإلزامي، إذ استفاد السكان النشيطون الجدد من مدة تعليم بلغت 12.4 عامًا في المتوسط، في حين أنّ معدل حائزي الشهادات الجامعية ارتفع بين عامي 2001 و 2009 من 110 إلى 568 مليونًا. ومع نهاية عام 2008، بلغ عدد الأشخاص الأكثر تأهيلً وكفاءة 114 مليونًا؛ ما يشكل قاعدة نخبة عالية التكوين ورفيعة المستوى وقادرة على استثمار قدراتها ومؤهلاتها وكفاءاتها في مختلف الحقول والنشاطات وفضاءات اتخاذ القرار ذات الطابع الإستراتيجي. ويضاف إلى ذلك عوامل أخرى، مثل ارتفاع مستوى الدخل والتغطية الصحية والحماية الاجتماعية وتوزيع ال وررات. وعلى الرغم من بروز التفاوتات الاجتماعية وتفاقمها، فإنّ نسبة نمو الدخل لم تتراجع؛ إذ يبلغ المعدل السنوي ما بين 7 و 10 في المئة على التوالي في الوسطين الحضري والقروي. وقد أدت الموارد الطبيعية الضخمة والمتنوعة التي تتوافر عليها الصين دورًا لا يستهان به في ما وصلت إليه من تقدم ونمو، بفضل مساحة البلاد الشاسعة، فضلً عن التطور المذهل الذي تحقّق على مستوى البنى التحتية والتجهيزات الأساسية والشبكة الاتصالاتية المتنوعة الخدمات، وتطوير أنظمة التعليم والتربية والتكوين العصريين. وتعد الأرقام في هذا الباب غنية عن كل تعليق لمن أراد التأمل والمقارنة (انظر الصفحات 127-122 في الكتاب.) 2. النظام السياسي من الثورة إلى الإصلاح على مستوى المؤسسات السياسية التي ما فتئت تثير الجدل والخلاف بين أنصار التجربة الصينية الحديثة وأعدائها في الداخل والخارج، يسجّل الباحث أنّ نظام الدولة الحالي في الصين، وريث آلاف السنين من عمر النظام الإمبراطوري، يعد ثمرة الاصطدام مع الغرب الغازي ابتداءً من القرن التاسع عشر وانتشار الأفكار الثورية التي هزت أركان العهد القديم، وحملت الصين إلى عهد جديد لا يخلو من سمات خصوصية شديدة الصلة بالتركيبة التاريخية والنفسية والثقافية للإنسان الصيني، مع نجاح الثورة الشيوعية وقيام جمهورية الصين عام الشعبية. فبعد وفاة ماو تسي تونغ 1976، وضع شو إن لاي اللبنة الأولى لما عرف بالإصلاحات الكبرى التي وضعت الصين على سكة عهد جديد من التطور السياسي والاقتصادي الشامل، والتي تولى قيادتها وتنفيذها دينغ هيساوبينغ. تبلورت في هذه المرحلة سياسة بناء "اشتراكية ذات خصوصية صينية"، عمادها التجديد والتفتح والتقدم الاقتصادي ونهج دبلوماسي جديد يرتكز على مناهضة الهيمنة وحماية السلم الدولي، فيما فرض إيقاع نمو الإصلاحات وتقدمها في المجال الاقتصادي (مع إصدار قانون الشركات المختلطة الذي يسمح لرأس المال الأجنبي بالمساهمة في حدود 49 في المئة والتحريض على الاغتناء وسنّ سياسة تصديرية ابتداءً من عام 1984 وإحداث المناطق الاقتصادية الخاصة واعتماد سياسة بلد واحد بنظامين)، الانتقال إلى الموجة الثانية من الإصلاحات بدءًا من عام 1992 في الاتجاه نفسه، والظهور الرسمي لمفهوم "اقتصاد السوق الاشتراكي." وقد اعتمد نجاح هذه الإصلاحات على الدراسة الدقيقة واتباع خطة إستراتيجية شاملة تقوم على الواقعية والحذر والفاعلية والتدرّج في التطبيق، ما مكّن الصين من بلوغ الأهداف المركزية المخطط لها قبل انتهاء الآجال المحددة من دون تغيير في الوسائل المعتمدة. ففي وقت وجيز، استطاعت الصين تحقيق طفرة كبيرة في تاريخها وانتقال هادئ ومتحكم فيه، ساعد على فرز نموذج من التنمية يجمع بين مزايا الاقتصاد المركزي المخطط ومردودية السوق. فرض هذا التحول بالضرورة البحث له عن تكييفات مؤسساتية وسياسية وأيديولوجية. فعلى الرغم من استمرار الحزب الشيوعي وحيدًا في الحكم بالمرجعية التاريخية نفسها التي تأسس عليها والمنصوص عليها في أدبياته
ووثائقه الرسمية، فإنّ واقع الحال يشير إلى ابتعاد الحزب عن مكاتب الدولة، باستثناء الجهاز الحكومي، وتراجع ظاهرة الزعامة والقائد الواحد، وإعلان الحزب رغبته في تأسيس جبهة سياسية عريضة ومفتوحة على القوى الديمقراطية.
3. المنجزات
كانت ثمرة الإصلاحات الكبرى مبهرة بجميع المعاني؛ فمستوى الناتج الداخلي العام ارتفع منذ عام 1978 بمعدل الضعف بعد عقد من الزمان، وثلاث مرات بعد العقد الثاني، فيما تضاعف بسبع مرات خلال عشرين سنة. لقد بلغ عام 1978 نحو 147.3 مليار دولار، في حين قفز إلى 307.2 مليار دولار عام 1988، وبلغ عام 1998 نحو 1019.5 مليار دولار، أي بنسبة ارتفاع بلغت 108.5 و 231.8 في المئة على التوالي. وفي السنوات نفسها، قفزت نسبة الادخار العائلي الإجمالي من 55 مليار دولار إلى 113 مليار دولار، ثم إلى 422 مليار دولار، مسجلة نسبة زيادة 105.45 و 273.45 في المئة على التوالي. بينما ارتفع معدل الاستثمار من 44 مليار دولار إلى 97 مليار دولار ثم إلى 345 مليارًا، أي بنسبة زيادة متتالية من 120.45 إلى 255.67 في المئة.
المئة. وبتحقيق معدل نمو سنوي بنحو 10 في المئة على امتداد ثلاثة عقود متتابعة، نجحت الصين في صعود سلم التراتبية الاقتصادية لدول العالم بسرعة مذهلة إن لم تكن مخيفة، فتجاوزت دولً غنية كبرى مثل فرنسا وبريطانيا. واعتبارًا من عام 2008 تجاوزت ألمانيا أيضًا، فيما اليابان التي شغلت المركز الثاني منذ عام 1968 تركت مكانها للصين منذ عام 2010، والتي حلت في هذا المركز بوصفها قوة اقتصادية صاعدة عالمية ومنافسة، وبمستوى ناتج داخلي إجمالي بلغ 5878.6 مليار دولار، أي بعد الولايات المتحدة 14660.2(مليار دولار.) وفي عام 2011 قارب هذا الناتج 7000 مليار دولار مقابل 15000 مليار دولار للولايات المتحدة، فيما لم يتجاوز عند اليابان 5800، وفرنسا 2808، وبريطانيا 2481 مليار دولار. والمثير أيضًا أنّ حصّة الصين في الاقتصاد العالمي قفزت من 1.8 في المئة عام 1978 لتستقر عند حدود 10 في المئة حاليًا، وتصاعدت نسبة مساهمتها في النمو الاقصادي العالمي من 11.8 في المئة خلال تنفيذ المخطط الرباعي)1989/1985(إلى 23.1 في المئة خلال المخطط الرباعي الموالي، لتتجاوز في وقتنا الحاضر نسبة الثلث، أي بما يتعدى المساهمة المتراكمة للولايات المتحدة واليابان وأوروبا مجتمعة. وعلى صعيد التجارة الدولية، تحتل الصين مكانة مهمة، إذ إنّ نسبة التدفقات العالمية لتبادل السلع تزايدت بشكل ملموس من 0.8 في المئة عام 1978 إلى نحو 9 في المئة عام.2008 وعلى امتداد ثلاثين عامًا ارتفع حجم التجارة الخارجية من 20.64 مليار دولار إلى 2563.26 مليار دولار، بما يوازي معدل زيادة يقدر ب 124 ضعفًا، أو بنسبة زيادة متوسطة سنويًا تبلغ نحو 411 في المئة. بينما بلغت الصادرات عام 2008 نحو 1430.70 مليار دولار، والواردات 1132.56 مليار دولار، والميزان التجاري 298.14 مليار دولار. تميز عام 2009 بانكماش غير مسبوق للتجارة الدولية منذ الحرب العالمية الثانية، ما أتاح للصين ظروفًا مناسبة لتتحول إلى الأمة التجارية الأولى في العالم، بعدما أخذت مكان ألمانيا، وأضحت أول مصدِّر في العالم وثاني مستورِد. وفي هذا المجال، بلغ الحجم الإجمالي للتبادلات الخارجية للبضائع ما مجموعه 2207.54 مليار دولار، بما في ذلك 1201.61 مليار دولار بالنسبة إلى الصادرات و 1005.92 للواردات، وبفائض 195.59 مليار دولار. وفي السنة الموالية، وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة، حقّقت التجارة الخارجية للصين مبلغ 2970 مليار دولار، مسجلة بذلك ارتفاعًا مهمً بلغ نسبة 34.7 في
وقد أدت الجالية الصينية في الخارج دورًا مهمً في تطوّر الصين الحديث، بفضل السلطة والنفوذ اللذين توافرا لديها على المستوى الاقتصادي. فهي تمسك مثلً ب 75 في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي لسنغافورة، و 60 إلى 70 في المئة لأندونيسيا وتايلاند وماليزيا، و 75 في المئة من الاستثمارات الخارجية في الصين، و 70 في المئة من رقم المعاملات العائد ل 250 من أكبر الشركات في الفلبين. وقدِّر ما يوجد تحت تصرف هذه الدياسبورا من السيولة بنحو 2000 مليار دولار عام 1990، فضلً عن حجم التحويلات المالية نحو الصين التي بلغت عام 2009 نحو 49 مليار دولار من مجموع التحويلات في العالم البالغة
443 مليار دولار؛ أي بنسبة 11 في المئة. وبلغت الاحتياطيات النقدية للصين رقمً قياسيًا عام 2010 بنحو 2847 مليار دولار، بنسبة زيادة 18.7 في المئة، مقارنة مع عام 2009. وفي عام 2012، تجاوزت 3000 مليار دولار. وتناهز هذه الاحتياطيات ثلثي الاحتياطيات العالمية؛ ما يعكس الدور الكبير للصينيين في ما وراء البحار في تمويل الاقتصاد وإنتاج الثروات الضخمة، فضلً عن دورهم السياسي المهم والمتزايد في الخارج. وقد وصفت الجاليات الصينية ب "القبيلة العالمية" نظرًا إلى خطورة ما تؤديه من أدوار القوة السياسية والمالية العالمية. فبفضلها، تمارس الصين اليوم حضورها اللافت، وتترك بصمتها في كل مكان، ما يجعل الدول تضع لها "ألف حساب." وهي كذلك تسهم في تغيير وجه العالم، بل إنها أضحت مؤهلة اليوم لتولي قيادة العالم على جميع الصعد. صحيح أنّ هيمنتها الأيديولوجية لا تبدو قريبة، ولا نظامها السياسي ونمط حكمها كذلك. لكن، يقول الكاتب، تزايد نفوذها وتأثيرها في الخارج يفرض نهج إصلاحات سياسية بالداخل وتحديث وتطوير بنى السلطة وجعلها متماشية مع المعايير القائمة في مجالات الحكامة والدمقرطة.
هل حانت نهاية الغرب وبدأ العالم القديم يحتضر؟
يقول المؤلف إنّ العالم القديم الذي يمثله الغرب الأوروبي يشعر بالخوف والقلق وهو يرى نفسه متجاوزًا من طرف العالم الجديد للحداثة. ومع ذلك تقاوم نزعة التمركز الأوروبي من أجل طرد هذا الخوف في محاولة يائسة لإبعاد شبح الموت من أفق غرب بدأت تظهر عليه منذ مدة طويلة علامات الشيخوخة، إن لم يكن قد دخل فعل مرحلة الاحتضار الطويل، قبل أن يسلم "روحه" للعالم الجديد الذي تمثله القوى الصاعدة مثل الصين والهند والبرازيل. فأوروبا فقدت سيطرتها في الغرب منذ تحولت إلى تابع ذليل للولايات المتحدة إبان الحرب الباردة، وصارت ميدان عمليات الصراع والمجابهة بين القوى العظمى؛ الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، باستثناء ما مثّلته حالة ألمانيا النازية من تحدٍ وخروجٍ عن الحالة السائدة قبل سقوطها الكارثي. وزيادة على الفكر الوحيد، تتغذى نزعة التمركز الغربي من الهواجس الهوياتية داخل أكثر الفضاءات هشاشة على مستوى إدماج الآخر واستيعابه في أوروبا، مثل فرنسا على وجه الخصوص. وتنزع أكثر نحو الشوفينية والانغلاق داخل أطر أيديولوجيا وطنية يمينية ومتطرفة. ومع اشتداد الأزمات المالية والاقتصادية الأخيرة التي اجتاحت العالم الرأسمالي، وجدت هذه النزعة ضالتها أخيرًا في تجسيد الشر في التشدد الإسلامي والصين والمهاجرين. فقد جهد الخطاب المحافظ في الغرب الأورو-أميركي على تهريب أسباب الأزمة المتفاقمة لنموذجه الرأسمالي المعولم في شكل ليبرالي متطرف، إلى الخارج بتصيّد أعداء على المقاس. وهكذا وجدنا أنه بعد التشدد الإسلامي الذي صنعته أجهزة أمنية لمواجهة المدّ الشيوعي، جاء الدور على الصين ليرمي الغرب عليها أزماته واختلالات نظامه الاقتصادي والاجتماعي. فمثل قميص عثمان، أصبحت الصين ودول الاقتصادات الصاعدة وجهةً مناسبةً لتصدير هواجس المواطنين ومخاوفهم من مستقبل مجهول وتحريف النقاش حول أزمة الرأسمالية المتوحشة. ولإضفاء صدقية على خطاباتهم، يركز المحافظون الجدد كل جهدهم على إدانة النموذج الصيني من خلال استثمار ذكي لانتهاكات حقوق الإنسان المدنية والسياسية وحقوق الأقليات الدينية والإثنية والبيئية وكلفة الإنتاج الاجتماعية. على أنه لم يعد هناك إلا القليل ممن تنطلي عليهم تحيّزات هؤلاء الأيديولوجية وتجنُّدهم لخدمة أجندات المجمع الصناعي - العسكري. فإذا كان من المعقول أن تتجنّد قوى الرأي العام لفضح الانتهاكات التي ترتكبها الأنظمة الديكتاتورية والشمولية في مجال حقوق الإنسان، فإنّ أمر تنفيذ الردع يجب أن يوكل للمؤسسات الدولية المسؤولة، والتي يعلم الجميع أنها فاقدة اليوم للوسائل والقوة اللازمة لردع المنتهكين وملاحقتهم، إلا في حال توافق مصالح القوى الكبرى مع تدخلات مبرمجة، والتي غالبًا ما تستهدف وتنشط بجدية عندما يتعلق الأمر بعرقلة صعود قوة جديدة منافسة على الصعيد الدولي مثلما يحدث مع الصين حاليًا. وإلا كيف نفسِّ دعم القوى نفسها المهيمنة لديكتاتوريات دموية فائقة الشهرة وعلى نحو علني، وفي أحيان كثيرة ضد الرأي العام الداخلي. ولا تنقص الأمثلة في هذا الباب بالنسبة إلى كل من أميركا وفرنسا وبريطانيا مع أنظمة عسكرية وعنصرية مقيتة في أميركا الجنوبية وأفريقيا على سبيل المثال. بالنسبة إلى المؤلف، لا يبدو من المنطقي أن تطرح المسألة الديمقراطية في الصين من دون مراعاة كثافة سكان بلد شاسع المساحة (خمس سكان العالم على مساحة 7 في المئة من الأراضي المعمورة في الأرض)، وأهمية الثورة الاجتماعية التي أنجزتها ببعديها المزدوج: التحرر الوطني، والقطيعة مع الرأسمالية، وقبل كل شيء تخلصها من الإرث الاقطاعي بفضل دعم الفلاحين، ما سمح للصين بإرساء نظامٍ جديدٍ يقوم على نوع من الديمقراطية الشعبية وانتهاج سبيل مختلف نحو الحداثة. إلا أنه لا ينكر مع ذلك أنّ النزعة
التسلطية غالبًا ما تركب مزاعم التميّز التاريخي للبلد لشرعنة نفسها والحفاظ على نظام الاستبداد الفردي، وتأبيد نظام مركزي لا يزال بعيدًا عن الدمقرطة. هذا على الرغم من التقدّم النسبي الذي تحقّق على مستوى الديمقراطية المحلية بفضل اعتماد جهوية متقدمة. ولا يبدو أنّ المؤلف متردّد في كشف خواء الحجة التاريخية التي تلجأ إليها الأنظمة الاستبدادية للالتفاف على المطلب الديمقراطي في بعده الشامل بدعوى التميّز الذاتي وسلوك سبيل مختلف للتقدم الحضاري، وما يترتّب عليه من ضرورة إدانة الانحراف السلطوي للنظام الصيني على غرار ما حصل مع "الاشتراكيات القائمة أو الفعلية" المنهارة بذريعة رفض الديمقراطية الشكلية. إنما مثل هذه الإدانة لا يجب أن تبرّر أيضًا الارتداد على المكاسب المتحقّقة، بتدخل وضغط قوى رجعية وإمبريالية لا تتردد في معاقبة أي نموذج مغاير للتنمية والتقدم غير النموذج الغربي السائد. وبالمقابل، لا تغفل أيضًا عن حقائق قائمة بشأن استفراد الحزب الشيوعي بالحياة السياسية وتماهيه مع سلطة الدولة على نحوٍ يهدِّد بتجذّر التطلعات الديمقراطية، والتي قد تضع في النهاية كامل النظام على حافة الهاوية، كما حدث مع البيروقراطيات السابقة في الاتحاد السوفياتي وملحقاته في أوروبا الشرقية، ومن ثم، التعرّض لخطر التفتت الداخلي والفوضى الشاملة. إنّ الرهان على تطور مغاير للصين في اتجاه ديمقراطية "شاملة"، هو أيضًا رهان على دور مفترض لبلد كبير لإرساء دعائم حضارة كونية جديدة لن تكون بديلة فعلً من الحضارة الغربية المهيمنة من دون أن تتشبع بالمثال الديمقراطي. وإلا، فإنّ خطر الاندحار إلى وضع تغلب فيه السلطوية ويتمكن منه التسلط على الحياة السياسية والعامة، قد يدخل بلدًا كبيرًا ومؤثرًا إلى دائرة المجهول. فهل تمضي الصين قدمًا، بعد استيعاب مكاسب الحضارة الكونية التي يجسدها الغرب، إلى القطع مع ماضيها الإمبراطوري واستبدادها الماضي، أم أنها ستعود إلى جذورها العريقة ومصدر أخلاقها وتتمسك بحضارتها الألفية وتنزوي في حضارتها الشرقية الأليفة؟ هذا سؤال ستجيب عنه فقط الأيام القادمة بالتأكيد.
نحن والصين
لماذا الاهتمام اليوم بالصين؟ وكيف ينظر العرب والأفارقة إلى هذا البلد الكبير ونموذجه في التقدم الاقتصادي والإشعاع الحضاري؟ وأي علاقة يتطلع هؤلاء لبنائها مع الصين، وعلى أي أسس ومعايير؟ بعيدًا عن الهواجس الاقتصادية والاعتبارات التجارية الصرف، فإنّ أهم ما يميز علاقتنا - عربًا وأفارقة - بالصين، على صعيد النخب والدول، هو نوع من اللامبالاة والتجاهل في ظل استمرار حالة من الفراغ الرهيب على مستوى الفكر الإستراتيجي. إنّ التفكير في الصين، يقول المؤلف، هو اليوم تفكير العالم، إذ لم يعد من الممكن تجاهل ما يجري بهذا البلد العظيم وما تفكر فيه الأمة الصينية وما تخطط له وتفعله، باعتبار ما تمثله التجربة الصينية من آفاق واعدة على صعيد بناء حضارة كونية جديدة، وما تقدمه من دروس ومعان ما أحوجنا لتمثلها بحكم القرب من الدينامية العالمية التي تتجه نحو الشرق كبؤرة كون جديد. ولا يمكن بأي حال من الأحوال الارتكان إلى الأسباب التاريخية والذاتية التي تجعل انخراطنا في الشأن العالمي أمرًا دائم التأجيل، على نحو ما يتصورنا الآخر الغربي كعاجزين عن تفكير العالم والتفكير على نطاق عالمي، بل حتى تولي مهمات التفكير في ما يخصنا على المستوى المحلي.
صحيح أنّ العالمين العربي والأفريقي لا يزالان بعيدين عن التأثير في مجرى الزمن العالمي بالنظر إلى ثقل التأخر التاريخي الذي تعانيه بلدانهما، وتخلف بنى هذه البلدان الاجتماعية والاقتصادية واستبداد نظمها السياسية وتصلب التقاليد داخل مجتمعاتها، لكنّ الصين هي الأخرى لم تُبد استعدادًا كافيًا ولا فعليًا لبناء علاقة شراكة إستراتيجية مع هذين العالمين (ص. 226) واكتفت حتى الآن بالتركيز على مصالحها الاقتصادية أكثر مع البلدان الغنية بالمواد الأولية ومصادر الطاقة التي هي في أمس الحاجة إليها. وفضلً عن ذلك، أضحت تدعم أنظمة سلطوية على حساب تطلعات الشعوب، متجاوزة حيادها الشكلي وسياسة عدم التدخل في الشوؤن الداخلية للبلدان، فيما لا تعدو أن تكون بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا في الواقع مجرد إكسسوارات لاقتصاد العالم الصيني (ص. 229)، وهوامش بعيدة وفقيرة. لكن يفترض في الصين أن تتصرف كقوة عظمى مسؤولة عن أفعالها ومدركة للرهانات الإستراتيجية لعلاقاتها الدولية، ومسؤوليتها العالمية في تشييد صرح نظام عالمي جديد يحترم القيم الكونية
الحديثة ويقطع مع أساليب الهيمنة القديمة. لكنها حتى الآن لم تبعث بإشارات واضحة في هذا الاتجاه، ولا تزال على مستوى سياستها الخارجية أسيرة الممارسات القديمة للقوى الغربية. وكذلك الحال في ميدان التعاون الاقتصادي، إذ تتصرف بنفس أساليب الغرب وأنظمة تمويله في عهد الحرب الباردة. وبينما طوّر الغرب على الأقل منظومته في هذا الباب، مستحدثًا معايير دعم المشاريع التنموية (الدمقرطة واحترام حقوق الإنسان والبيئة)، ووضع آليات صارمة للتتبع والمراقبة في حدود معقولة إلى حد ما، فإنّ الصين تغمض عينيها عن كل ذلك، مؤْثرة نموذج تعاون جنوب- جنوب متحرر من أي شرطية وقائم على شراكة إستراتيجية، يتفق مع نهجها البراغماتي وحيادها الصوري الذي لا يعير أهمية كبيرة لطبيعة النظام السياسي لشريكها الاقتصادي. ولعل هذا ما ينطبق على علاقاتها مع دول ديكتاتورية وتسلطية مثل السودان وإيران وسورية وكوريا الشمالية وقبلها ليبيا. وقد تسببت الثورات التي أطاحت بعض أنظمة المنطقة (تونس ومصر وليبيا حتى الآن) في إرباك واضح لأولويات السياسة الخارجية للصين، بل دفعتها إلى معاداة المسلسل الثوري المتواصل مخافة أن تنتقل العدوى إلى داخلها.
لقد اختارت الصين منذ انطلاق الإصلاحات الكبرى لسنوات الثمانينيات نهج سياسة خارجية ودبلوماسية جديدة هاجسها الأساس هو خدمة مصالحها الحيوية وتنفيذ إستراتيجيتها الاقتصادية، برفع كل التحفظات من النوع الأيديولوجي والسياسي في علاقتها التعاونية مع البلدان السائرة في طريق النمو. وابتداءً من تسعينيات القرن الماضي أولت أهمية متزايدة للقارة الأفريقية والعالم العربي لتصريف إستراتيجيتها الجديدة، مستحضرة إلى جانب الاعتبارات الجيوستراتيجية، ما تحوزه بلدان العالمين من مواد أولية ومصادر الطاقة. ولهذه الغاية، أرست الصين إطارًا مؤسساتيًا وقانونيًا لتمتين صلاتها بالأفارقة والعرب، من خلال إنشاء منتدى التعاون الصيني - الأفريقي ابتداءً من عام 2000 (عقدت أول دورة في بكين في تشرين الأول/ أكتوبر 2000، والثانية بأديس أبابا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2003.) وقد أسفر هذا التعاون - على الرغم من أنه لا يزال محدودًا ولا يمثل أكثر من 4.3 في المئة من مجموع التجارة الخارجية - عن زيادة حجم التجارة الصينية مع أفريقيا باثني عشر ضعفًا، من 10.6 مليار دولار عام 2000 إلى 127 مليارًا عام 2010. ولا تزال حصة الصين من التجارة الخارجية الأفريقية متواضعة وتمثل 10 و 11 في المئة من مجموع الورادت والصادرات الأفريقية على التوالي، بينما تظل التبادلات التجارية لأفريقيا مع بقية العالم دائمًا تابعة لأوروبا التي تستحوذ على حصة 40 في المئة تقريبًا، فيما تتراوح حصة الولايات المتحدة في حدود 7 إلى 8 في المئة. وبينما لم تتجاوز الاستثمارات المباشرة للصين في أفريقيا عام 2010 نحو 1280 مليون دولار، بعدما بلغت 1311 مليونًا عام 2009، وهو ما يمثل أقل من 1.2 في المئة من مجمل الاستثمارات الخارجية المباشرة، في حين أنّ الأخيرة سجلت ارتفاعًا مهمً من 91.8 مليار دولار إلى 108.8 مليار دولار بين عامي 2009 و 2010، بنسبة زيادة 18.5 في المئة. ينطبق الأمر ذاته على علاقة الصين الاقتصادية بالعالم العربي على الرغم من التقدّم النسبي الذي شهدته منذ افتتاح منتدى التعاون الصيني - العربي في القاهرة عام 2004. فالتبادلات التجارية تضاعفت أربع مرات بين عامي 2004 و 2010، وقفزت من 36 مليار دولار إلى 145 مليار دولار، مع أنها لا تمثل سوى 4.8 في المئة من الحجم الإجمالي للتجارة الخارجية للصين. في حين يلاحظ أنّ أهم شركائها في المنطقة هم من الدول المنتجة للنفط، وتأتي في المقدمة السعودية، تليها الإمارات وعمان والعراق والسودان والكويت ومصر وليبيا، فيما تمثل حصة بلدان شمال أفريقيا نسبة متواضعة من إجمالي التبادلات التجارية بين الصين والعالم العربي 13(في المئة.) ومع ذلك، لا يعدم المؤلف أملً في أن ينجح هذا الفضاء المركب الذي تمثله الصين – عالم، في إطلاق مسلسل بناء عالم أفضل ارتكازًا على قيم وآفاق جديدة تضع في الاعتبار ضرورة تجاوز كل عيوب النظام الحالي ونواقصه ومساوئه، بدلً من الاستسلام لنهج تطوير رأسمالية عالمية على أسس أكثر تسلطية وبعيدة كليًا عن الروح الاشتراكية المعلنة لخط "الاشتراكية ذات الخصوصية الصينية." ولا شك في أنّ العرب والأفارقة هم أكثر من سيستفيد من الإسهام بشكل أفضل في صيرورة هذا البناء، واستعادة دورهم الحضاري واستثمار أحسن لمؤهلات شعوب المنطقة ومقدراتها وما تزخر به بلدانها من موارد طبيعية وحيوية.