مراجعة كتاب السودان والوحدة الوطنية الغائبة
المؤلف: يوسف محمد علي.
Raging Against the Machine: Political Opposition Under Authoritarianism in Egypt العنوان الأصلي: الناشر: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، أمدرمان، السودان.
عدد الصفحات: 225 صفحة. سنة النشر.2012: عدد الصفحات: 487 من القطع الكبير.
الكتب التي ناقشت مسارات السياسة السودانية لفترة ما بعد الاستقلال بنهج علمي موضوعي، قليلة جدًا، والتي تتسم منها بالجودة العالية وبالفائدة أقل بكثير. فالكتاب الذي أقوم بمراجعته هنا من الفئة الأقل التي اتسمت بالجودة وبالفائدة. فهو كتاب متميز، بذل فيه كاتبه جهدًا بحثيًا مقدرًا. كما أودع في نهايته وثائق تاريخية شغلت في ذيل الكتاب مئة وأربعًا وأربعين صفحة. وهذا يدخل الكتاب في باب الكتب المرجعية المهمة في بابها. يضاف إلى ذلك أن الكتاب كُتب بنَفَس هادئ، كما اتسم بالحيدة والموضوعية، وفي الوقت نفسه، بالقدرة على ملاحظة الأخطاء القاتلة في مسار السياسة السوداني لحقبة ما بعد الاستقلال، التي قادت في نهاية تداعياتها لانفصال جنوب السودان. قام الكاتب، بجدارة، بدور المؤلف الموثق، وكذلك بدور المحلل الذي لم تنسه التفاصيل النظر إلى الصورة الكلية وإلى ترابط الأحداث والمواقف وتداعياتها التي صبت في نهاية الأمر في نتيجة سلبية، هي تراجع الوحدة الوطنية في السودان.
يتكون الكتاب من سبعة فصول. اشتمل الفصل الأول على مدخل تاريخي لنشأة السودان الحديث. ويعطي هذه الفصل سردًا مجملا لتاريخ السودان، ينتهي بتوصل الحكومة المصرية إلى اتفاق مع الأحزاب الشمالية السودانية في القاهرة في عام 1952. جرى ذلك الاتفاق قبل أربع سنوات من إعلان استقلال السودان عن كل من بريطانيا ومصر في 1956. أما الفصل الثاني فاشتمل على مسار المفاوضات بين دولتي الحكم الثنائي؛ بريطانيا ومصر، وتوقيع وثيقة الحكم الذاتي للسودان في شباط/ فبراير 1953. أما الفصل الثالث فيعرض لفترة الحكم الذاتي الانتقالية التي انتهت بإعلان استقلال السودان، من داخل البرلمان، عن كل من بريطانيا ومصر. ويناقش الفصل الرابع الفترة الممتدة من تاريخ الاستقلال في أول كانون الثاني/ يناير 1956، مرورًا بحقبة الديمقراطية الأولى التي أعقبت الاستقلال، ثم انقلاب الفريق إبراهيم عبود الذي أجهض تجربة الديمقراطية الأولى في تشرين الثاني/ نوفمبر 1958، وحتى سقوط نظام الفريق عبود نتيجة للثورة الشعبية في تشرين الأول/ أكتوبر 1964. أما الفصل الخامس، فيشتمل على سرد وثائقي للمداولات والمقررات لمؤتمر المائدة المستديرة 1965، الذي جرى في فترة الحكومة الانتقالية التي أعقبت ثورة أكتوبر، وكان ذلك المؤتمر مخصصًا لمناقشة مشكلة الجنوب. ويعرض الفصل السادس سردًا وثائقيًا لمداولات ومقررات لجنة الاثني عشر التي انبثقت من مؤتمر المائدة المستديرة. أما الفصل السابع، فيغطي مؤتمر الأحزاب السياسية السودانية، وتكوين اللجنة القومية للدستور وما صاحب تشكيلها، ثم لجنة مراجعة الدستور، مرورا بانقلاب نميري في أيار/ مايو 1969، وتوقيعه اتفاقية أديس أبابا مع المتمردين الجنوبيين في عام 1972 التي أوقفت حرب الجنوب لفترة مؤقتة امتدت لما يزيد عن عشر سنوات. رجع المؤلف إلى جذر المشكلة الجنوبية التي أفضت في عام 2011 إلى انفصال جنوب السودان؛ فاستخدم ما كتبه المؤرخ البريطاني الشهير آرنولد توينبي في المقدمة التي كتبها لكتاب المثقف السوداني الجنوبي، أوليفر البينو الموسوم: "السودان: وجهة نظر جنوبية"، حيث قال توينبي: "ظل جنوب السودان معزولا عن العالم، بما في ذلك الجار المباشر، شمال السودان، خلال حقب عديدة. ولم يحدث له انفتاح على صنوف أخرى من البشر حتى الربع الثاني من القرن التاسع عشر.. وكانت التجربة الأولى غير سعيدة بالمرة. فقد تعرض الجنوبيون تحت الحكم المصري ثم المهدية إلى السلب والنهب، وكان الجناة، في المقام الأول، هو أقرب جيرانهم إليهم، السودانيون الشماليون. إذ تمكن هؤلاء الجيران من اختراق الموانع الطبيعية وقاموا بالإغارة على الجنوب للاستيلاء على سن الفيل والرقيق. وقد ترك ذلك اللقاء الأول مع العالم الخارجي انطباعات مريرة في ذاكرة الجنوبيين الجماعية." على خلاف ما هو شائع حول أن البريطانيين كانوا يسعون إلى فصل الجنوب عن الشمال، يورد الكتاب من الوثائق ما يدلّ على عدم دقة ذلك الانطباع الذي شاع وأصبح في حكم الحقائق التاريخية الثابتة. في صفحة 18 يورد المؤلف أن البريطانيين كانت لهم في عام 1945 ثلاثة آراء حول المصير السياسي لجنوب السودان. كتب البريطانيون إنهم يرون أن الطريقة لإعداد الجنوبيين للاعتماد على أنفسهم في المستقبل تعتمد على تقدمهم الاقتصادي والثقافي، سواء انتهى مصيرهم إلى الانضمام إلى السودان الشمالي، أو شرق أفريقيا، أو انضمام جزء منهم إلى شرق أفريقيا، وجزء آخر إلى السودان الشمالي. ويورد المؤلف ما يؤكد أن ذلك الرأي تغير بعد عام واحد فقط. فقد كتب البريطانيون في عام 1946، ما نصه: "سكان جنوب السودان في الحقيقة إفريقيون وزنوج خلص، ولكن العوامل الاقتصادية والجغرافية مجتمعة – كما
يتراءى في الوقت الحاضر – تجعل صلتهم بشمال السودان العربي، الذي بدوره متصل بأقطار الشرق الأوسط، وثيقة جدًا.. وعليه يجب التأكد بأنه يمكن عن طريق التقدم الثقافي الاجتماعي إعدادهم في المستقبل ليكونوا أندادًا متساوين مع الشماليين اجتماعيًا واقتصاديًا في سودان المستقبل." (ص. 18) غير أن أهم من كل ما تقدم أن البريطانيين سلموا السودان للسودانيين في عام 1956 قطرًا موحدًا، (ص. 22) فعلى الرغم من قانون المناطق المقفولة الذي قيد اختلاط الشماليين بالجنوبيين، وفسح المجال للمؤسسات الدينية التبشيرية الغربية، وعطل تواصل الشماليين مع الجنوبيين وامتزاجهم بهم، فقد استقل السودان وهو قطر موحد. فما الذي حدث وقاد إلى انفصال الجنوب في عام 2011، بعد خمسة وخمسين عامًا من الاستقلال؟ هذا السؤال الجوهري هو ما تجيب عنه الوثائق التي اشتملها هذا الكتاب والعرض الضافي الذي قام به المؤلف.
التجاهل المصري والسوداني الشمالي للجنوبيين
يعرض الكتاب كيف تجاهل المصريون دعوة الجنوبيين السودانيين في المفاوضات التي أجروها مع الأحزاب السياسية السودانية عقب استيلاء الجيش المصري على السلطة في مصر، بقيادة محمد نجيب عام 1952. فقد دعت حكومة الثورة المصرية كل الأحزاب السودانية الشمالية؛ كبيرها وصغيرها، للقاء يعقد في القاهرة، غير أنه لم تتم دعوة جنوبي واحد. وكانت الحجة التي وقفت وراء عدم دعوتهم، أنهم لم يكن لهم حزب سياسي يمثلهم. هذا في حين كانت الجمعية التشريعية السودانية التي أنشئت قبل الاستقلال تضم ثلاثة عشر عضوًا من الجنوبيين. ويتساءل المؤلف، ما الذي كان يمنع الحكومة المصرية أن توجه لهم دعوات فردية؟ وفي ردة فعل على ذلك التجاوز، أصدرت لجنة سياسية في جوبا، أكبر حواضر الجنوب السوداني، مذكرة بتاريخ 13 كانون الأول/ديسمبر 1951، حملت توقيع باولو لوقالي، جاء فيها: "أثار أهل جنوب السودان المسائل السياسية القائمة، لأن قادة الأحزاب السياسية في شمال السودان، بعد توصلهم إلى اتفاق مع الجنوب عام 1947، عادوا فأبرموا اتفاقًا منفردًا مع اللواء نجيب دون التشاور مع الجنوب، الأمر الذي أدى إلى تشكك الجنوبيين في حسن نية القادة السياسيين الشماليين"، (ص. 26) يعرض الكتاب من خلال الوثائق والمداولات والرسائل المتبادلة أن البريطانيين كانوا يرون أن الجنوب يمثل حالة اجتماعية ثقافية خاصة. وبما أنه متخلف تنمويًا عن الشمال، لابد أن تخلق له وضعية خاصة تحمي خصوصيته. وفي تقديري، بناء على ما أورده هذا الكتاب من وثائق ونصوص شديدة الأهمية، أن المصريين ومن ورائهم القيادات السياسية الشمالية لم تفهم وجهة النظر البريطانية التي يبدو جليًا أنها بنيت على معرفة علمية بطبيعة الجنوب. ومعلوم أن البريطانيين بحثوا السودان أنثروبولوجيًا وأثنوجرافيًا، بصورة لا تضاهى. انحصرت الرؤية المصرية والسودانية الشمالية في اتهام البريطانيين بنية فصل الجنوب، لا غير. إذ جرى تجاهل كل النقاط الموضوعية التي كان يرمي البريطانيون لتحققها، بما يحمي الجنوب من التغول الشمالي في مرحلة البناء، إلى أن يلحق الجنوب بالشمال وبذلك يكون الاندماج تدريجيًا. ويبدو أن الوقائع التاريخية اللاحقة أثبتت عمليًا بُعد نظر البريطانيين، وقصر نظر المصريين والسياسيين السودانيين الشماليين. أكد البريطانيون للمصريين وللسياسيين السودانيين الشمالين أنه ليس في نيتهم فصل الجنوب عن الشمال؛ ففي جلسة جرت في 13 كانون الثاني/ يناير 1953، كرر السفير البريطاني أن حكومته لا تقبل التخلي عن الضمانات اللازمة للجنوب المشار إليها بالمادة 100 من مشروع الدستور، وإنها حرصًا منها على محو الشكوك التي تساور المصريين، في نيتها فصل الجنوب، تؤكد تأكيدًا قاطعًا أن ذلك ليس من سياساتها، وأن سلطات الحاكم العام تجاه الجنوب لن تستخدم على أية صورة تتعارض مع سياسة الوحدة، (ص. 27)
"السودنة" وبداية التغ ول
بدأ عدم الاعتراف بالوضع الخاص للجنوب وضرورة مراعاة ذلك الوضع الخاص، بصورةٍ عملية عندما جرت عملية "السودنة"، أي نقل الوظائف من البريطانيين والمصريين المغادرين، إلى السودانيين، تمهيدًا لاستقلال البلاد. أنهت لجنة السودنة عملها في 2 آب/أغسطس عام 1954، أي قبل أربعة أشهر من إعلان استقلال السودان. كان يعمل في السودان وقتها 1111 موظفًا بريطانيا، و 108 موظفًا مصريًا. اعتمدت اللجنة على المؤهلات والخبرة والأقدمية، في ملء الوظائف القيادية التي سوف تشغر. وبما أن الجنوبيين كانوا متخلفين في التعليم عن
الشماليين، وكانوا أصلا يعاملون معاملة جعلت أوضاعهم أقل في السلم الوظيفي، طوال فترة الحكم الثنائي، فقد انعدمت حظوظهم في عملية السودنة في ملء الوظائف القيادية، حتى في الجنوب نفسه. كان الأمر يتطلب تدخلا سياسيًا لترفيع الجنوبيين ودفعهم إلى أعلى لينالوا نصيبًا معقولا في الوظائف الشاغرة، على الأقل في الإقليم الجنوبي نفسه، منعًا للإحساس بالغبن، وطمأنةً للمخاوف.
يقول المؤلف إن مثل هذا الإجراء الذي يطمئن الجنوبيين ويهزم مخاوفهم من الشماليين، كان متوقعًا. فقد ورد في نشرة للحزب الوطني الاتحادي حملت توقيع رئيسه، السيد إسماعيل الأزهري، أن معالجة الحزب لموضوع السودنة ستكون عادلة وديمقراطية، وأن الأسبقية لمنح الجنوبيين وظائف في الحكم والإدارة سوف لن تنحصر في الإقليم الجنوبي وحسب، وإنما سيكون هناك تشجيع لتوظيف الجنوبيين في الشمال، خاصة في الوظائف الكبيرة وفي خدمة الحكومة المركزية. ولكن عندما ظهرت نتائج السودنة لم يحصل الجنوبيون سوى على أربع وظائف لمساعدي مفتش مركز، أضافةً إلى مأمورين فقط. صدمت تلك النتيجة الجنوبيين صدمة كبيرة، فقاموا بعقد اجتماع في جوبا أعربوا فيه أن هناك قلقًا شديدًا في الجنوب وحالة من التململ. وأوصى المجتمعون من الجنوبيين الذين أشاروا إلى عدم رضا الجنوبيين، بأن يقوم رئيس الوزراء بسن تشريع خاص للإسراع بترقية الجنوبيين وتعيينهم في الوظائف الكبرى في الإدارة. ويقول مؤلف الكتاب إن من المؤسف أن رئيس الوزراء، إسماعيل الأزهري، لم يستجب لتلك التوصية رغم أنها صدرت من الجنوبيين المنتمين إلى حزبه (الوطني الاتحادي.) ويقول مؤلف الكتاب: كان على رئيس الوزراء أن يصدر منذ البداية ذلك التشريع الخاص الذي يضمن للجنوبيين مواقع في الوظائف العليا في عملية السودنة. فقد فارق الحكمة اعتماد السودنة على الإجراءات الإدارية العادية التي ظلت تضبط إجراءات ترقية الأفراد في الظروف العادية كالأقدمية والخبرة والمؤهلات. ولو التزمت الحكومة تلك المعايير الإدارية البحتة واستبعدت العامل السياسي، لفشل كثيرٌ من الشماليين أنفسهم في استحقاق كثير من الوظائف التي أسندت لهم. ويبدو مما ذكره المؤلف أن ما تم تطبيقه على الجنوبيين بحرفية، استنادًا على المعايير الإدارية البحتة، وتسبب في استبعادهم، لو جرى تطبيقه على الشماليين بالصورة نفسها لظهر جليًا أن عددًا كبيرًا منهم قد تسنم الوظائف في مخالفة لتلك المعايير، (ص. 34) وبالفعل، فقد حصل شماليون كثيرون على وظائف لم يكونوا مؤهلين لها. وقد لعبت المحسوبية دورًا كبيرًا في تسنمهم لها. في اجتماع اللجنة التي شُكلت للنظر في إعلان الاستقلال من داخل البرلمان، عبر العضو الجنوبي بنجامين لوكي في الاجتماع الذي جرى يوم في 12 كانون الأول/ديسمبر 1955، عن رأي قطاع من الجنوبيين بقوله:، "إذا أراد المجتمعون أن يُعلن الاستقلال بواسطة البرلمان فلا بد من الموافقة على اتحاد فدرالي بين الشمال والجنوب داخل السودان الموحد بحدوده الحالية." وجرت مناقشات لتلك الرؤية في جلسة مجلس النواب بتاريخ 19 كانون الأول/ديسمبر 1955 أجمع فيها السياسيون السودانيون على قيام حكم فدرالي للمديرات الجنوبية (ص. 39) ولكن الذي حدث أن اللجنة القومية للدستور التي تشكلت بعد الاستقلال، ولم يكن فيها من الجنوبيين سوى أربعة أعضاء فقط من الجنوبيين من مجموع عضويتها البالغ أربعين. هذا في حين أن عدد الجنوبيين في البرلمان كان 22 نائبًا من مجموع 98. وهم بهذا يمثلون أكثر من خُمس أعضاء البرلمان. أكثر من ذلك، لم يتم اختيار بنجامين لوكي، صاحب اقتراح الحكم الفدرالي للجنوب، الذي تم قبول اقتراحه من قبل السياسيين الشماليين قبل الاستقلال بنحو عشرة أيام، من بين الجنوبيين الأربعة الذين جرى اختيارهم. وحين بدأت مداولات اللجنة القومية للدستور طفت إلى السطح نزعات "إسلامية" الدولة، وظلت الأمور في شد وجذب، وظل المشهد السياسي مليئا بالانقسامات وبمختلف صور الاستقطاب، حتى حدث انقلاب تشرين الثاني/ نوفمبر 1958، بقيادة الفريق إبراهيم عبود، وتم وأد الديمقراطية السودانية الوليدة، بعد أقل من ثلاث سنوات من نشأتها.
أسلمة الجنوب وتعريبه و التبشير القهري
بعد حل الأحزاب والجمعيات ومنع النشاط السياسي، لجأت الحكومة العسكرية إلى كبت الآراء وإلى الزج بالمعارضين في السجون. يقول المؤلف تبنت حكومة الفريق عبود سياسة "عربنة" و"أسلمة" الجنوب، اعتقادًا منها أن ذلك سوف يحقق الوحدة مستقبلا. وفي سعيها لتحقيق ذلك الغرض أنشأت ستة معاهد دينية متوسطة في المدن الكبيرة في الجنوب، وآخر ثانويًا في جوبا، أكبر مدن الجنوب.
كما أقامت عددًا من مراكز الوعظ والإرشاد الإسلامية. ولقد بذل الحكام العسكريون جهودًا كبيرةً، وأنفقوا وقتًا معتبرًا لنشر اللغة العربية والإسلام في الجنوب. وكما مارس الحكم العسكري الضغط والاقصاء للساسة الشماليين، مارسهما أيضا على المثقفين الجنوبيين، فاضطرهم لمغادرة البلاد. وأصبح الساسة الجنوبيون، منذ تلك اللحظة، هدفًا للاستقطاب بواسطة القوى الإقليمية والدولية. ولما قام بعض القساوسة الكاثوليك بالاحتجاج، جرى اعتقالهم. كما مُنعت الاجتماعات الدينية للصلاة، إلا داخل الكنائس. جرى أيضًا منع مبشرين كانوا في عطلات خارج السودان من العودة للبلاد. وفي عام 1962 طردت الحكومة المبشرين المسيحيين العاملين في جنوب السودان. وكان عدد المبشرين المسيحيين العاملين في السودان 612. عامًا. يعمل 335 منهم في الشمال و 282 منهم في الجنوب. واقتصر أمر الإبعاد على أولئك الذين يعملون في الجنوب وحدهم، (ص. 61-62) ويضيف المؤلف قائلا، كما هو المعهود والمتوقع من العسكر قررت الحكومة، بعد أن تفاقم التمرد، أن الحل الوحيد لمشكلة الجنوب هو الحل العسكري. وكان من نتائج حرب الجنوب أن اشتد الغضب في الشمال نتيجة لسياسات الحكومة الباطشة في الجنوب. وانتهى الأمر بقيام ثورة أكتوبر 1964 التي أطاحت نظام الفريق عبود.
مؤتمر المائدة المستديرة
في عام 1965 انعقد ما سمي ب "مؤتمر المائدة المستديرة"، وهو المؤتمر الذي جرى عقب ثورة أكتوبر 1964 لمناقشة مشكلة الجنوب. فقد كان من ضمن الأسباب التي وقفت وراء اندلاع ثورة أكتوبر، النهج العنيف للحكم العسكري للفريق عبود في مواجهة التمرد. استخدم نظام الفريق عبود سياسة الأرض المحروقة لقمع حركة التمرد في الجنوب، وتأثر بذلك المدنيون الذين فروا إلى الأقطار المجاورة، ما فاقم المشكلة، وجعل الجنوبيين يميلون أكثر فأكثر نحو خيار الانفصال. لذلك كان من أولويات حكومة أكتوبر الانتقالية التصدي لمشكلة الجنوب. ولذلك انعقد ما سمي بمؤتمر المائدة المستديرة في الفترة القصيرة التي أدارتها الحكومة الانتقالية في عام 1965. وقد حضر ذلك المؤتمر السياسيون الشماليون والجنوبيون إضافة إلى مراقبين من الدول الأفريقية. شغل مؤتمر المائدة المستديرة وتداعياته الفصول الخامس والسادس من الكتاب. وقد اتسم الفصل الخامس بتوثيق دقيق لوقائع ذلك المؤتمر والمداولات التي جرت فيه، والصعوبات التي واجهته. وإثبات المؤلف حرفيًا لبعض المداولات المهمة التي جرت يمثل واحدةً من أهم ميزات هذا الكتاب. ومما يعطي هذا الكتاب قيمة خاصة أن مؤلفه كان ضمن سكرتارية المؤتمر كما أصبح رئيسًا للجنة الاثني عشر التي انبثقت عن المؤتمر. ولقد كتبت الصحف السودانية، التي غطت المؤتمر مشيدةً بكفاءته وحياده. وكون الكتاب قد كُتب بواسطة شخص عايش المؤتمر لحظةً بلحظة، من موقع السكرتارية، وشاهد ما جرى في ذلك المؤتمر العاصف الذي اتسم بحدة الخطاب وبالمواقف المتصلبة، بل وبالهتر أحيانًا، فإن شهادته في هذا الكتاب كانت من الناحية التاريخية، وعالية القيمة من حيث إتاحتها للأكاديميين، وغيرهم من المحللين، الفرصة لكي يعيدوا قراءة تلك الحقبة المهمة، بناءً على الوثائق نفسها التي مضى عليها حتى الآن ما يقارب الخمسين
يقول المؤلف، تباعدت مواقف الجنوبيين والشماليين في مؤتمر المائدة المستديرة، منذ البداية، إذ تقدم حزب سانو وجبهة الجنوب بمقترح لإجراء استفتاء في الجنوب، وهو ما ظل يعترض عليه السياسيون الشماليون طوال جلسات المؤتمر، ويطرحون إزاءه حكمً إقليميًا. ويبدو أن تجربة الجنوبيين مع الساسة الشماليين التي اتسمت بتنصلهم المتواتر عن وعودهم للجنوبيين، جعلت الجنوبيين لا يصدقون كل ما يطرحه الساسة الشماليون. ويبدو هذا هو ما حدا بالمثقف والقانوني الجنوبي، أبيل ألير، أن يصدر كتابه الذي أسماه، " جنوب السودان: التادي في نقض المواثيق والعهود." كتب المؤلف عن المؤتمر وتعثره ووقوفه على حافة الانهيار. وقد ساعد كثيرًا في إنقاذ المؤتمر من الفشل حرص المراقبين الأفارقة على ألا ينفض بغير نتيجة. ولذلك فقد أنقذ المؤتمر تشكيل لجنة سُميِّت ب "لجنة الاثني عشر" عهد إليها بمناقشة القضايا المستعصية وتقديم توصياتها للحكومة. وكان الرأي العام أيضًا مهتمً بالمؤتمر اهتمامًا كبيرًا، وكان يعلق عليه آمالا عراضًا، ما جعل المؤتمرين يخشون أن يدمغوا بالتسبب في فشله. أورد المؤلف، بعد إيراده لجزء وافٍ من الوقائع والمداولات، تقييم بعض الأكاديميين والشخصيات العامة لنتائج المؤتمر. ومن بين الآراء التي أوردها رأي محمد عمر بشير، الأكاديمي السوداني البارز، الذي كتب مبكرًا جدًا عن مشكلة الجنوب. وكان رأي
محمد عمر بشير أن المؤتمر كان فاشلا. ومن الأسباب التي عددها لفشله: الانقسامات بين الأحزاب الجنوبية ما أدى إلى تبني دعوة الانفصال والاستقلال عن القطر السوداني، مضيفًا أن المؤتمر انعقد عقب انحسار مشاعر الوحدة الوطنية التي كانت عالية جدًا عقب ثورة أكتوبر مباشرة. كما أن الأحزاب التقليدية الكبيرة أخذت تزحف على روح أكتوبر لتزهقها، وتعيد الأمور إلى ما كان عليه الحال عقب الاستقلال مباشرة. وقد حدث ذلك بالفعل في وقتٍ وجيزٍ جدًا. أيضًا، اهتبلت مجموعة "أنانيا" الجنوبية المتمردة انشغال البلاد بأحداث ثورة أكتوبر، والظرف الانتقالي المضطرب الذي كانت تمر به البلاد، فعززت تسليحها وأخذت تشن الهجمات على الجيش في الجنوب ما سمم الأجواء فأصبحت غير مواتية لمؤتمرٍ انعقد من أجل الوصول إلى سلام، (ص. 134)
الكسب الحزبي الضيق يطغى على مشكلة الجنوب
سيطر على حكومة ثورة أكتوبر الانتقالية اليسار. وقد ضاق الحزبان التقليديان، "الأمة" و"الاتحادي" بتلك الحكومة الانتقالية وأخذا في الضغط على رئيسها، سر الختم الخليفة، إلى أن استقال. أخذت الأحزاب التقليدية تدفع باتجاه إجراء انتخابات لتصل هي إلى السلطة معتمدةً على رصيدها الجماهيري الجاهز. وفي عجلتها للإمساك بدفة السلطة اقترحت أن تجري الانتخابات في الشمال ويستثنى منها الجنوب الذي كانت ظروف الحرب لا تسمح بإجراء الانتخابات فيه. كانت وجهة النظر الأخرى تقول بضرورة تأجيل الانتخابات وحل الإشكال في الجنوب بإقامة حكم فدرالي، لأن إقامة انتخابات عامة في الشمال دون أن يشارك فيها الجنوب تمثل في حد ذاتها بادرة خطيرة. والغريب أن الجنوبيين صوتوا لمصلحة إجراء انتخابات في الشمال دون أن يشارك فيها الجنوب. ويورد المؤلف ما كتبه السياسي الجنوبي بونا ملوال في نقد ذلك الموقف الجنوبي حيث قال: "الجنوب لم يكن يرغب في إجراء الانتخابات عندئذٍ، بل كان يفضل تأجيلها إلى أن يتم إيجاد حل لمشكلة الجنوب. وكان الحزب الشيوعي وحزب الشعب الديمقراطي يعارضان الانتخابات لأسباب تخصهم، وكان بإمكان هذه الجهات الثلاث إضافة إلى رئيس الوزراء حسم الموقف لصالحهم وتأجيل الانتخابات. ولكن وزراء جبهة الجنوب ارتكبوا خطأ مأساويًا بتأييد إجراء الانتخابات الجزئية في الشمال فقط دون الجنوب. وكانت النتيجة أن جاءت حكومة الحزبين الائتلافية إلى الحكم نتيجة خطأ جبهة الجنوب"، (ص. 143) وبالفعل قامت الانتخابات واستولت الأحزاب التقليدية على الحكم، وفي أول سنة لاستيلائها على الحكم جرى حل الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه من البرلمان. كانت لجنة الاثني عشر سوف ترفع تقريرها بمداولاتها وتوصيتها لتقوم الدورة الثانية لمؤتمر المائدة المستديرة كما كان مقررًا. وكان التخوف أن اللجنة سوف ترفع ذلك التقرير لحكومة محمد أحمد محجوب، التي عرفت بعدائها لتلك اللجنة، وبإيمانها بسياسة القبضة الحديدية تجاه الجنوبيين. غير أن حكومة محمد أحمد محجوب سقطت فجأة، فانتعشت الآمال بسقوطها وبتولي الصادق المهدي الوزارة. غير أن ذلك الانتعاش ما لبث أن خبا حين تسلم الصادق المهدي التقرير عقب تسلمه الوزارة. فلقد جاء رده بألا حاجة لعقد الدورة الثانية لمؤتمر المائدة المستديرة، (ص. 256) ويعلق المؤلف أن ذلك الرد غير المتوقع لم يعد الأمور إلى ما كان عليه الحال قبل مؤتمر المائدة المستديرة وحسب، وإنما عاد بها القهقرى إلى فترة ما قبل الانقلاب العسكري عام 1958. بل روى المؤلف أن الصادق المهدي ألغى بأوامر منه برنامجًا تلفزيونيًا، بعد إذاعة الحلقة الأولى منه. وكان ذلك البرنامج قد أُعدّ من أجل أن تقوم لجنة الاثني عشر بتعريف الرأي العام بحقائق الموقف، (ص. 266)
مات مؤتمر المائدة المستديرة وذهبت جهود لجنة الاثني عشر أدراج الرياح. قفز الصادق المهدي على المؤتمر وتوصيات لجنة الاثني عشر والدعوة لانعقاد الدورة الثانية للمؤتمر بإقامة مؤتمر أسماه "مؤتمر الأحزاب السودانية"، واحالة توصيات لجنة الاثني عشر للجنة القومية للدستور. من المواد التي أجازتها اللجنة القومية للدستور مادة تقول: "الإسلام هو دين الدولة الرسمي، واللغة العربية هي لغتها الرسمية." ومادة أخرى تقول: "تسعى الدولة جاهدة لبث الوعي الديني بين المواطنين وتسعى إلى تطهير المجتمع من الإلحاد ومن كافة صور الفساد والانحلال الخلقي." واقترح بعض الأعضاء تعديل تلك المواد من تلك الصيغة التي جعل فيها الدستور الدولة السودانية دولة دينية، تخص المسلمين حصرًا، غير أن اقتراحهم لم يجد تثنية من أحد، فجرى اعتماد المادتين على تلك الهيئة، (ص. 301) وقبل أن تصل
الأمور نهاياتها جرى انقلاب أيار/ مايو 1969 الذي قاده العقيد جعفر محمد نميري، وقضى به على التجربة الثانية للديمقراطية في السودان
خاتمة
يقول المؤلف إنّ التحديات التي كانت تواجه الدولة السودانية الوليدة متعددة؛ على رأسها بناء الوحدة الوطنية وإرساء الديمقراطية، غير أن الأقدار ضنت على السودان بقيادة سياسية في مستوى تلك التحديات؛ فالأحزاب انقادت لنداء الإخوان المسلمين للدستور الإسلامي، رغم أن الأعضاء المستقلين في لجنة الدستور تقدموا بأسئلة للإخوان المسلمين وغيرهم من الواقفين بقوة وراء فكرة الدستور الإسلامي عن طبيعة الدولة الإسلامية التي يريدونها. سألوهم: هل هي ما ورد وصفها في مؤلف سيد قطب "معالم في الطريق"، بأنها دولة لا تحدها أرض، ولا تحدها جنسية، ولا تحدها قومية؟ ويقول المؤلف إنهم لم يحاروا جوابا، (ص. 312) ويروي المؤلف أن اجتماعات اللجنة كانت مفتوحة للجمهور وقد استغل الإخوان المسلمون ومن كانوا معهم في الدعوة للدستور الإسلامي السماح بحضور الجمهور لاجتماعاتها، فحشدوا أتباعهم في القاعة وأصبحوا يهددون كل من يعارض فكرة الدستور الإسلامي. بل يروي المؤلف بوصفه شاهد عيان، أن ذلك الجمهور المعبأ، أوشك أن يعتدي على عضو عارض فكرة الدستور الإسلامي. ويؤكد المؤلف أن الوحدة الوطنية كانت هاجسًا مؤرقًا لكثير من أعضاء اللجنة القومية للدستور، إدراكًا منهم لأخطار الدعوة الدينية في بلد متعدد الأديان والثقافات. ولكن الأحزاب الرئيسة تبنت الدعوة للدستور الإسلامي لاتخاذها مطية للوصول إلى الحكم. وهكذا ذهبت نداءات الوحدة الوطنية سدى. وتداعت الأمور حتى بلغت بعد بضعة عقود انفصال جنوب السودان عن شماله. يغطي هذا الكتاب من حيث توفير الوثائق الأصلية فجوة في الذاكرة السياسية السودانية. فهو يسهم، بما قدمه من عرض متسلسل، ومن نشر للوثائق الأصلية في ملحق الوثائق الكبير المثبت في ذيل الكتاب، في إتاحة الفرصة للأكاديميين وللباحثين ملء الفراغات في قصة انفصال الجنوب. كما أنه يعرض وبصورة منهجية متماسكة؛ سردًا، وتوثيقًا، وتحليلا، قصة عجز النخب السودانية عن إنجاز البناء الدستوري لدولة ما بعد الاستقلال، ما قاد إلى اضطراب البلاد وتباعد شعوبها، وانخراطها في النزعات المسلحة، ومن ثم وقوفها اليوم على حافة التشظي، بعد أن ذهبت كل جهود التنمية أدراج الرياح بسبب اضطراب الأحوال المستمر.