المشهد اليمني بعد سقوط صنعاء
الملخّص
حو الحوثي الذين يت خذون اسم "أنصار الله" على العاصمة صنعاء بالقوّة استولى مسل،. ومث ل هذا التاريخ علامة في الحادي والعشرين من أيلول / سبتمبر 2014 فارقة في مسيرة التحولّات التي شهدها اليمن خلال الفترة الماضية وارتسمت ملامحها منذ مطلع عام.2011 تقف هذه الورقة على العوامل والأسباب التي قادت إلى سقوط صنعاء في أيدي الحوثيين؛ مثل طبيعة الانقسامات المختلفة في اليمن، ودور الجيش والرئيس السابق علي عبد الله صالح والقاعدة، وحقيقة الصراع بين الحوثيين وحزب الإصلاح، والخلاف بين الرئيس عبد ربه منصور هادي ورئيس الوزراء محمد سالم باسندوة، ودور دول الخليج وإيران، والطموحات الملخص الحوثيّة. وتحاول الورقة أيض ا تلمّ س مآلات الصراع ومستقبل اليمن في ضوء استمرار الحوثيين في مساعيهم لبسط سيطرتهم على أكبر جزء ممكن من البلاد.
طبيعة الانقسامات
كرّس يوم 2011/02/11 خطًّا فاصلً بين منظومتين للقوى السياسية والقبلية والعسكرية والمالية في اليمن؛ مثّلت المنظومة الأولى مجموعة من القوى المنضوية تحت مظلّة السلطة الحاكمة آنذاك بزعامة الرئيس السابق علي عبد الله صالح، في حين مثّلت المنظومة الثانية مجموعة القوى التي كانت خارج إطار السلطة بمعناها التقليدي في اليمن، مع أنه يصعب أحيانًا تحديد الخطّ الفاصل بين من هم في السلطة، ومن هم خارجها في صنعاء. كان الصراع يدور بين شرعيتين؛ إحداهما شرعية انتخابية مثّلتها السلطة الحاكمة آنذاك وتظلّلت بها، والأخرى شرعية شعبية ثورية، حاولت أن تبرز بديلً عن الشرعية السياسية، مستفيدةً من رياح التغيير التي هبّت على المنطقة مع اندلاع الحريق في جسد التونسي محمد البوعزيزي. لم يكن الانقسام في حينه طائفيًّا - ولا هو الآن - على الرغم من بروزه بمظهرٍ طائفي، بل كان سياسيًّا، ومثّل أعلى درجات الصراع على السلطة. وقد اتّخذ الانقسام السياسي آنذاك طابعًا جغرافيًّا قابلً لقراءته في سياقات رمزية؛ فعلى مستوى العاصمة تموضع ثقل قوى المعارضة حول جامعة صنعاء وفي شارع الستين حيث سُمّيت تلك الساحة باسم "ساحة التغيير"، في حين تحشّد معسكر السلطة آنذاك في ميدان السبعين بالقرب من دار الرئاسة رمز المؤسسة الحاكمة، وغير بعيد عن نُصب الأهداف الستّة لثورة سبتمبر، في محاولة لبعث رسالة مفادها إنّ أصحاب "السبعين" يسيرون وفقًا لأهداف الثورة، في حين أنّ أصحاب "الستين" - بحسب قراءة السلطة - يقعون في الجغرافيا البعيدة عن هذه الأهداف. وتمخّضت الأحداث لاحقًا عن المبادرة الخليجية التي وُقّعت في 2011/11/23 لتؤسّس للمرحلة الانتقالية والحوار الوطني الذي لم يكن أكثر من مهدّئ لتفاعلات الانقسام الذي امتدّ إلى المؤسسة العسكرية. وبعد أن خرجت البلاد من مرحلة الحوار الوطني بالتوافق على مجموعة من الأطر النظرية التي من المفترض أن تؤسّس للبناء السياسي والدستوري في البلاد، أخذ الانقسام في الظهور بطريقة أكثر خطورة. وانفجرت الأوضاع عسكريًّا في دماج وبعدها عمران التي سقطت في أيدي الحوثيين مطلع تموز / يوليو 2014، ليتوّج ذلك بسقوط صنعاء، أواخر أيلول / سبتمبر 2014 1. وعلى الرغم من أنّ الحوثيين يمثّلون العنوان الأبرز للموجة التي اندفعت من "شمال الشمال"، للسيطرة على صنعاء، فهم لا يمثّلون فيها إلا عنوانها. وهناك "عناوين" تفصيلية كثيرة تحته تشير إلى انقسامات، أو مشاريع انقسامية لاحقة؛ فهناك أنصار الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وهناك خصوم قبليون لآل الأحمر الذين شكّلوا مشيخة قبائل حاشد لعقود طويلة، وهناك خصوم التجمع اليمني للإصلاح. وهناك أيضًا العامل الجغرافي الذي لا يمكن إغفاله بالنظر إلى الأحداث الأخيرة، وهو العامل الذي تجسّده المعادلة التقليدية في اليمن، والمتمثلة في "ثنائية الجبل والسهل:" الجبل الأعلى الحاكم في مقابل السهل الأسفل المحكوم. وهي معادلة جغرافية تجلّت في طبيعة الاصطفافات التي أفصح عنها توحّد موقف الحوثيين والرئيس السابق من اختيار الدكتور أحمد عوض بن مبارك لرئاسة الحكومة، إذ جرى رفضه على أساس أنّه ينتمي إلى الجنوب كما جاء في بيان المؤتمر الشعبي العام2. لقد حاولت ثورة الشباب أن تلغي معادلة الجبل والسهل، أو تحدّ من صراحتها الجارحة، غير أنّ ردّة الفعل فيما يبدو كانت قوية لفائدة إبقاء المعادلة المذكورة قيد التفاعل، على الرغم من أنّ هذه المعادلة قد تعرّضت لاهتزازات قوية.
موقف المؤسسة العسكرية
بعد توحيد اليمن في 22 أيار / مايو 1990 جرت محاولات عدّة لدمج جيشَ اليمن: الجنوبي والشمالي في حينها، غير أنّ انعدام الثقة بين القيادات السياسية والعسكرية، واختلاف العقيدة القتالية وبنيان جيشَ الشطرين حالَ دون إنجاز المهمة التي تعثّت، وتأخّرت إلى أن انفجرت حرب صيف 1994، وانهزم على إثرها المعسكر الذي أعلن "فكّ الارتباط" عن دولة الوحدة، وضُ مّت الوحدات والألوية القتالية التابعة له إلى الجيش الذي تحوّل فيما بعد إلى جيش النظام3، لا سيمّا بعد استبعاد قيادات عسكرية جنوبية. عدا عن ذلك، كان الانقسام واضحًا في الجيش بين ألوية الحرس الجمهوري المنحل، والذي كان يرأسه نجل الرئيس السابق العميد أحمد علي عبد الله صالح، وبقية القطاعات العسكرية، وعلى رأسها الفرقة الأولى مدرع
المنحلّة، وقائدها اللواء علي محسن الأحمر الذي قاد الحرب سابقًا من جانب الدولة على المتمردين الحوثيين. الأمر الذي جعل الحوثيين يتقصّدونه والفرقة الأولى التي كان يقودها أكثر من غيرها في مؤسسة الجيش اليمني، بعد دخولهم صنعاء دون مقاومة من الجيش. وتجدر الإشارة في هذا السياق أيضًا إلى أنّ الخصومة الشديدة التي بعد. كانت بين وزير الدفاع محمد ناصر أحمد واللواء الأحمر، قد أثّرت سلبيًّا في أداء الجيش في مواجهة الحوثيين في عمران وصنعاء، إلى درجة أنّ وزارة الدفاع صرّحت أكثر من مرّة بأنّ الجيش يقف على الحياد في الصراع الدائر الذي كان يحلو لوزير الدفاع حينها تصويره على أنّه صراع بين الحوثيين وحزب الإصلاح4. هيّأت الانقسامات داخل مؤسسة الجيش – على الرغم من إعادة هيكلتها - حدوث ظاهرة الاختراق الحوثي لبنيها. والواقع أنّ الاختراق كان موجودًا قبل اجتياح الحوثيين صنعاء بسنوات من خلال عناصر ترتبط بالحوثيين بشكل أو بآخر سواء مذهبيًّا أو سلاليًّا، وهو الأمر الذي وضّ حه رئيس جهاز الأمن القومي علي الأحمدي بقوله: "تهاوي بعض وحدات الجيش والأمن أمام الحوثيين نتج عن خيانات واختراق في هذه الوحدات"5. أضف إلى ذلك أنّ الفساد الذي ضرب بجذور عميقة بنية مؤسسات الدولة، لم تسلم منه المؤسسة العسكرية، ونالها النصيب الأوفر بفعل الميزانيات الكبيرة التي تصُرف على مجنّدين وهميين أو غير موجودين في الميدان، أو يتبعون شخصيات اجتماعية أو سياسية أو حزبية بعينها، ويدينون لها بالولاء، ما أضعف الجيش في مواجهة تحدّي الحوثيين.
الصراع الحوثي - الإصلاحي
إبّان فترة الحروب الستّ بين النظام السابق والحوثيين، كان موقف التجمّع اليمني للإصلاح المرتبط بالإخوان المسلمين في اليمن أو موقف بعض قياديّيه، أقرب إلى التعاطف مع الحوثيين، لمناكفة نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، ولارتباط الإصلاح مع أحزابٍ أخرى قريبة من الحوثيين ضمن تحالف اللقاء المشترك. إضافةً إلى ذلك، دخل الإصلاح والحوثيون في تحالف لإطاحة نظام الرئيس علي عبد الله صالح، وردّدوا الشعارات ذاتها في ساحة التغيير في العاصمة صنعاء6. غير أنّ عجلة الأحداث دارت لتندلع المواجهات بين قبائل موالية للإصلاح ومسلّحي الحوثي، ويُصدِّر الحوثي حربه على مؤسسة الدولة اليمنية باسم محاربة "التكفيريين والدواعش والإخوان المسلمين" فيما
ويبدو أنّ الحوثيين نجحوا إلى حدٍّ كبير في تصدير صراعهم ضدّ مؤسسة الدولة اليمنية على أنّه صراع بينهم وبين حزب الإصلاح تحديدًا من أجل تحييد أجهزة الدولة المختلفة في هذا الصراع الذي كان يستهدف مؤسسة الدولة اليمنية، متجاوزًا الإصلاح إلى السيطرة على المؤسسات العسكرية والأمنيّة والاقتصادية للدولة، وهو الهدف الذي انكشف بسقوط العاصمة صنعاء في أيدي الحوثيين. وفي واقع الأمر، انتهج الحوثيون سياسة ذكية في مراحل حروبهم المتعددة ضدّ فئاتٍ وشرائحَ مختلفة في اليمن؛ فعندما كانوا يحاصرون دماج، كانوا يؤكدون أنّهم لا يستهدفون إلا "التكفيريين الأجانب" الذين يدرسون في مركز أهل الحديث في دماج، ولم يكونوا يتعرّضون للإخوان المسلمين، وبعد أن تحقّق لهم ما أرادوا من إخراج أهالي دماج من قراهم، وبدأ مسلّحو الحوثي يتّجهون إلى بعض مديريات عمران، بدأ الحوثيون يصعّدون لهجتهم إزاء مشيخة قبيلة حاشد التي ينتمي إليها رجل الأعمال والقيادي في الإصلاح، حميد الأحمر. واشتدّت المواجهات التي انتهت في مطلع شباط / فبراير 2014 بسيطرة مسلّحي الحوثي على منطقة الخمري وتفجير منزل الشيخ الراحل عبد الله الأحمر الذي كان يرأس الهيئة العليا للتجمّع اليمني للإصلاح، وما تلا ذلك من أحداثٍ قادت إلى المواجهات المسلّحة مع اللواء 310 الذي كان يرابط في عمران بقيادة حميد القشيبي المحسوب على اللواء الأحمر المحسوب بدوره على الإصلاح. وبعد سقوط عمران، توجّه الحوثيون إلى صنعاء لحصارها بحجّة إسقاط الجرعة السعرية التي نجمت عن رفع الدعم عن مشتقات النفط، وإسقاط الحكومة، وتطبيق مخرجات الحوار الوطني. وكان أوّل ما استهدفوا هناك مقرّ الفرقة الأولى مدرع المنحلّة، والذي لم يعد كما كان قبل عمليات الهيكلة التي مرّت بها المؤسسة العسكرية اليمنية. ونهب الحوثيون أغلب المؤسسات التابعة لحزب التجمع اليمني للإصلاح، أو المحسوبة عليه مثل جامعة الإيمان وجامعة العلوم والتكنولوجيا، ومقار الإصلاح في العاصمة بما في ذلك الأمانة العامة، إضافةً إلى نهب جمعيات
خيرية تتبع الإصلاح، وبيوت قيادات إصلاحية في العاصمة، وعلى رأسها منزلَ حميد الأحمر القيادي الإصلاحي ورجل الأعمال المعروف، وتوكل كرمان الفائزة بجائزة نوبل للسلام. وإزاء هذه الأعمال التزم الإصلاح عدم الردّ في العاصمة صنعاء، معلّل ذلك بالحرص على تجنيب العاصمة حمّ م دم لو أنّه أمر أنصاره بالتصدّي للزحف الحوثي على صنعاء. وقد كانت هذه الخطوة تكتيكًا ذكيًّا جنّب الحزب المزيد من الخسائر، وربّ ا جعله يتجاوز ما خطّط له من قبل بعض القوى الداخلية والخارجية للزجّ به في معركة استنزافٍ طويلة.
دور الرئيس السابق
دخل الرئيس السابق علي عبد الله صالح ستّ جولات من الحرب مع الحوثيين عام 2004 انتهت عام 2010. وعلى الرغم من هذا السجلّ الحربي مع الحوثيين، استطاع الرئيس السابق - فيما يبدو - بناء إستراتيجية جديدة للتعامل مع هذه القوّة الصاعدة تقوم على نوعٍ من التحالف غير المباشر، أو غير المعلَن. ويبدو أنّ صالح سعى إلى تحقيق هذا التحالف عن طريق شيوخ قبائل مؤيّدين له في قبيلة حاشد وغيرها؛ إذ أعطاهم الضوء الأخضر للتنسيق مع جماعة الحوثي من دون أن يكون بارزًا في الصورة، والتي لا تزال حتى الآن تُظهره والحوثيين خصميَن لدودين. وتحدّثت تقارير كثيرة عن تعاون صالح مع الحوثيين، وعن تسهيلات قدّمها حلفاؤه لهم، مكّنتهم من دخول صنعاء، وهو ما أكّده ضمنيًّا المتحدث باسم الحوثيين محمد عبد السلام7. لقد حُذّر الرئيس السابق من محاولة عرقلة عملية التحوّل السياسي. ونصّ بيان مجلس الأمن الدولي على اسمه واسم نائب الرئيس السابق علي سالم البيض بوصفهما معرقليَن للمبادرة، في جلسته المنعقدة بتاريخ 2014/02/15. وقد أشار المبعوث الدولي إلى اليمن جمال بن عمر في حوارٍ متلفز إلى أنّ أطرافًا سهّلت دخول الحوثيين صنعاء. وذكر أنّ أطرافًا تعمل في الخفاء ساعدت الحوثي ومهّدت له احتلال العاصمة صنعاء8. وشهدت أروقة مؤتمر الحوار الوطني في اليمن الذي انتهت أعماله في كانون الثاني / يناير 2014، وجلساته، تنسيقًا واضحًا بين جناح المؤتمر الشعبي العام الموالي لصالح وفريق الحوثيين في المؤتمر. وتعزّز التنسيق بين الطرفين بعد انتهاء مؤتمر الحوار الوطني ضدّ ما أصبح خصمً مشتركًا لهما، وهو التجمّع اليمني للإصلاح. وذكرت تقارير أنّ أحد الشيوخ القبليين البارزين من عمران، وهو قيادي في المؤتمر الشعبي العام، قد شارك في اقتحام الحوثيين صنعاء. وقبل ذلك كان لحلفاء صالح دورٌ بارز في حسم المعارك في عمران، وهزيمة اللواء 310 المرابط هناك، وقتل قائده حميد القشيبي الذي كان خصمً لصالح، واشتبك مع قوّات الحرس الجمهوري إبّان أحداث الثورة الشبابية.9 أضف إلى ذلك، مشاركة أنصار الرئيس السابق في التظاهرات التي نظّمها الحوثيون، والتي رفعت مطالب ثلاثة تمثّلت ب: إسقاط الجرعة السعرية التي نشأت بسبب رفع الدعم عن المشتقات النفطية، وإسقاط حكومة الوفاق، وتطبيق مخرجات الحوار الوطني. ويستدلّ مراقبون بعدّة شواهد على ضلوع الرئيس السابق في أحداث سقوط صنعاء، منها أنّ مسلّحي الحوثيين، عندما دخلوا صنعاء تتبّعوا بيوت خصومهم السياسيين والقبليين والعسكريين وممتلكاتهم، واقتحموها إلى جانب الكثير من مؤسسات الدولة، في حين أنّ بيوت صالح وأسرته لم تصب بأذى، بل إنّ المسلحين الحوثيين قد فرضوا طوقًا على بيت الرئيس السابق في صنعاء لحمايته10. إضافةً إلى ذلك، يبدو التنسيق الإعلامي واضحًا؛ إذ أتاحت وسائل إعلام محسوبة على صالح صفحاتها لكتّاب حوثيين، وخصّ الحوثيون تلك الوسائل بتصريحاتهم في نوعٍ من التناغم الإعلامي الذي يعكس تنسيقًا سياسيًّا وميدانيًّا. والواقع أنّ مثل هذا التنسيق وارد بصورة كبيرة إذا ما عدنا إلى معادلة اليمن التاريخية المتمثلة في علاقة الجبل والسهل المذكورة سابقًا؛ إذ إنّ الجبل عندما أحسّ أنّ سلطته قد بدأت تتفلّت منه جهة السهل بدأ في محاولات محمومة لإعادة إنتاج سلطته بوسائل الثورة المضادّة التي تُوّجت بسقوط صنعاء في يد الحوثيين. وهو الحدث الذي وصفه
جمال بن عمر في مقابلته مع قناة سكاي نيوز العربية 27 أيلول / سبتمبر 2014 بأنّه احتلال "لجماعة مسلّحة للعاصمة صنعاء"، حيث "تمّ نهب الأسلحة الثقيلة من مخازن السلاح وتوجّهت إلى مناطق في الشمال"11.
خلافات باسندوة وهادي
قدّم رئيس الوزراء اليمني محمد سالم باسندوة استقالته يوم دخل مسلّحو الحوثي صنعاء. والأمر اللافت للنظر أنّ باسندوة قدّمها إلى الشعب اليمني، وليس إلى رئيس الجمهورية حسبما يقتضي العرف الدستوري. وجاء في خطاب الاستقالة: "بسم الله الرحمن الرحيم. يا أبناء شعبنا العظيم، السلام عليكم ورحمة الله، لقد قرّرت أن أتقدم إليكم باستقالتي من رئاسة حكومة الوفاق الوطني." وقد علّل باسندوة استقالته بأنّه يريد أن يترك المجال لتسهيل الاتفاق بين الرئيس هادي والحوثيين، متّهمًالرئيس بالتفرّد بالسلطة، وعدم إشراك الحكومة في الشؤون العسكرية والأمنيّة وإدارة العلاقات الخارجية، على الرغم من أنّ المبادرة الخليجية تؤكّد ذلك. وأحدثت استقالة باسندوة والصيغة التي اختارها إرباكًا في مؤسسة الرئاسة، الأمر الذي جعل الرئاسة تنفي تقديم باسندوة استقالته على الرغم من نشر نصّها. ونفت حينها وكالة أنباء سبأ الرسمية نبأ استقالة باسندوة، وأوردت تصريحًا لمصدرٍ وصفته بالمسؤول قال فيه: "لا صحّة لهذه المزاعم الكاذبة التي تناقلتها بعض وسائل الإعلام، والتي يسعى من يقف وراء ترويجها إلى التشويش وإثارة البلبلة.12" والحقيقة أنّ الخلاف الذي برز بين هادي وباسندوة، والذي عبّ عنه الأخير في خطاب استقالته كان منذ الأيام الأولى لتشكيل حكومة الوفاق إثر توقيع المبادرة الخليجية في تشرين الثاني / نوفمبر عام 2011. ومن أسباب هذا الخلاف أنّ المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية لم تكن واضحة في تحديد سلطة كلٍّ من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء في الفترة الانتقالية، وهو الأمر الذي نشأ عنه وضع شعر معه باسندوة بأنّه غير قادر على اتّخاذ القرار، بل أنّه لا علمَ له بقضايا حسّاسة على الجانبين العسكري والأمني في البلاد. وقد ذكر باسندوة في أكثر من مناسبة خلال فترة رئاسته الحكومة ما يسمّيه تهميش هادي له، وعدم إطلْاعه على التقارير الأمنية الحساسة إلى درجة أنّه كان عندما يُسأل عن أيّ قضية أمنيّة أو عسكرية، يردّ بالقول إنّه لا علم له بالموضوع لأنّ وزيرَي الدفاع والداخلية لا يُطْلعانه على شيء من ذلك. والأرجح أنّ هادي كان يتعمّد منع وصول التقارير الأمنيّة الحساسة إلى باسندوة خشية تسرّبها إلى جهات في اللقاء المشترك وغيره لا يريدها أن تطّلع عليها في ظلّ عدم استقرار الوضع السياسي والأمني في البلاد13. غير أنّ التهميش الذي اشتكى منه باسندوة لم يكن العامل الحاسم لتقديمه استقالته؛ فباسندوة شكا التهميش منذ البداية، ومع ذلك استمرّ في عمله إلى أن سقطت صنعاء في أيدي المسلّحين الحوثيين، وهو فيما يبدو الأمر الذي كان عاملً حاسمً دفع باسندوة إلى تقديم استقالته، بخاصة وأنّ المشاورات كانت تدور حول تشكيل حكومة جديدة بعد أن جرى الاتفاق على ذلك بين الفرقاء السياسيين، وبينهم وبين الحوثيين، قبل أن يقدّم باسندوة استقالته. على الرغم من محاولات عدّة جرت لإضفاء شيء من التناغم في طاقمها، يمكن القول إنّ حكومة الوفاق كانت قائمة على تناقضات الأطراف المكوّنة لها واختلاف مصالحهم، وهو ما عطّل عملها ذاتيًّا، وأظهرها ضعيفة غير قادرة على التعامل مع تحدّيات المرحلة الانتقاليّة.
السيطرة على منفذ بحري
تحدّثت تقارير إعلامية عدة عن استخدام الحوثيين ميناءَي ميدي والصليف للتهريب، وعلى وجه الخصوص تهريب الأسلحة التي كانت تأتي عبر سفن ثمّ تفرغ في مخازن موقّتة في جزر غير مأهولة في البحر الأحمر - بعضها يتبع دولة إريتريا - قبل أن تهرّب في قوارب صيد صغيرة عبر سواحل البحر الأحمر إلى الأراضي اليمنية، ومنها إلى محافظة صعدة في الشمال14.
وقد طالب الحوثيون بضمّ محافظة حجة إلى إقليم أزال الذي ضم محافظات صعدة وعمران وصنعاء وذمار. ورأى الحوثيون أنّ تشكّل الإقليم من تلك المحافظات لا يصبّ في مصلحتهم ما لم يكن لدى هذا الإقليم منفذٌ بحري، وهو الأمر الذي يرونه ممكنًا بضمّ محافظة حجة إلى هذا الإقليم. وجود ميناء لإقليم أزال مهمّ جدًّا للحوثيين الذين يتطلّعون إلى ما هو أكثر من توريد السلاح عبر سواحل البحر الأحمر، والذي يبدو أنّه لم ينقطع منذ سنوات، وإن كانت وتيرته قد زادت خلال السنوات التي أعقبت تفجّر "ثورة الشباب" مطلع 2011. وقبيل دخول الحوثيين صنعاء بأيّام، صرّح الدكتور فارس السقاف مستشار الرئيس اليمني بأنّ الحوثيين يهدفون من خلال مطالبتهم بإعادة النظر في حدود الأقاليم الفيدرالية، إلى الحصول على منفذ بحري يكون ضمن سيطرتهم، وذلك بضمّ محافظة حجة إلى الإقليم الذي يسيطرون عليه15. ولم يقتصر طموح الحوثيين على حجة، بل وظّفوا سيطرتهم وفائض القوّة وانهيار مؤسسات الدولة العسكرية والأمنيّة، ونجحوا يوم 15 تشرين الأول / أكتوبر 2014 في السيطرة على مدينة الحديدة التي تعدّ من أهمّ الموانئ البحريّة على البحر الأحمر، وتعدّ خطوة في الطريق للتحكّم في مضيق باب المندب الإستراتيجي16. وفوق ذلك طالب الحوثيون بضمّ محافظة الجوف إلى إقليم أزال، نظرًا لوجود بعض احتياطي النفط والغاز في المحافظة، وهو الأمر الذي يفسّ استماتتهم في السيطرة على المحافظة على الرغم من الخسائر الجسيمة التي تكبّدوها خلال أربع مواجهات دامية بينهم وبين الجيش والقبائل المؤيّدة له في المحافظة.
النفوذ الإيراني: تكرار "تجربة" حزب الله في اليمن
في مطلع تسعينيات القرن الماضي نشطت السفارة الإيرانية في صنعاء في عملية إعادة إحياء "الزيدية" التقليدية. ونظّمت السفارة الإيرانية آنذاك زيارات لمسؤولين فيها إلى محافظة صعدة للإشراف على تنظيم بعض العناصر اليمنية وتدريبها على العمل التنظيمي17. وسعى العلّ مة بدر الدين الحوثي بعد عودته من إيران التي لجأ إليها بعد حرب 1994، إلى تمكين نجله حسين من قيادة التنظيم الذي تأسّس قبل عودتهما إلى اليمن. وكان يسمّى آنذاك "تنظيم الشباب المؤمن." وبعد فترة تمكّن حسين من إطاحة محمد يحيى عزان أمين عام التنظيم، ليكون هو المسؤول الأوّل في التنظيم، وسار به في مسارات أقرب ما تكون إلى الأدبيات الخمينية منها إلى أدبيات الزيدية التقليدية. وقد كان لإيران دورٌ بارز في دعم "تنظيم الشباب المؤمن"، ماديًّا وسياسيًّا. وكان للسفارة الإيرانية دورٌ كبير في مدّ هذا التنظيم بالأطر التنظيمية والمحتوى الفكري والثقافي. بل إنّ شعار هذا التنظيم الذي رفعه حسين الحوثي كان ولا يزال "الموت لأميركا، الموت لإسرائيل." ثم إنّ مراسلات بدر الدين الحوثي مع بعض الشخصيات في الحوزات العلمية في إيران تلقي الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران18. وتشير العلاقة المتينة بين الحوثيين وحزب الله اللبناني إلى أنّ نشأة الحوثيين وحزب الله بآليّة تكاد تكون واحدة، وللأهداف ذاتها. ويبدو أنّ هدف الحوثيين في اليمن يتطابق وأهداف حزب الله اللبناني، لا من جهة السيطرة على الدولة بصورة ظاهرة، ولكن لجهة تشكيل دولة داخل الدولة، بحيث يستفيدون من مزايا السلطة، دون أن يتحمّلوا مسؤوليتها. وهذه فيما يبدو إستراتيجية إيرانية تعي كون المجاميع العاملة لها في البلاد العربية أقلّية، وتحرص على ألّ يكون لها بروزٌ مستفزّ للأغلبية المحيطة بها من ناحية. وتحرص أيضًا على أن تكون هذه المجاميع على درجة كبيرة من الكفاءة بحيث تعوّض أقلّيتها العددية، بأغلبية نوعية تضمن لها الغلبة وسط محيطها الكمّي الكبير. وبمشاهدة أيّ من خطابات عبد الملك الحوثي نجد محاكاته أمين عام حزب الله حسن نصر الله في طريقة تخاطبه، وحركاته، ومظهره، والشال الفلسطيني المأخوذ أصلً من شكل الشال الذي يتوشّحه مرشد
الثورة في إيران علي خامنئي، والذي أتاح للإيرانيين تأييد قطاعاتٍ لا بأس بها بين العرب. إنّ حجم التدخّل الإيراني غير خافٍ. وقد أ علن في وقتٍ سابق عن ضبط ستّ خلايا تجسّس إيرانية، فضلً عن وجود أدلة على قيام إيران بتوريد أسلحة للحوثيين خلال السنوات الماضية. وذلك بالطبع غير بعيد عن مساعي توسيع النفوذ الإيراني في المنطقة، وهو الأمر الذي تعضّ د بسقوط صنعاء بأيدي الحوثيين، الأمر الذي عدّه الرئيس الإيراني حسن روحاني "نصرًا مؤزرًا"، وعدّه مندوب مدينة طهران في البرلمان الإيراني محمد رضا زاكاني سقوطًا للعاصمة العربية الرابعة في يد إيران19.
الموقف الخليجي
سقطت صنعاء في يد المليشيات الحوثية المسلّحة يوم 21 أيلول / سبتمبر 2014. وفي مساء اليوم ذاته اجتمع الفرقاء السياسيون في صنعاء بحضور رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي والمبعوث الدولي جمال بن عمر، ووقّعوا اتفاق السلم والشراكة الوطنية. في الحقيقة، وقع هذا الاتفاق تحت الضغط والترهيب الذي مورس على جميع مكوّنات العملية السياسية. لقد جاء توقيعه في يوم سقوط صنعاء للتعمية وذرّ الرماد في العيون، وإرسال رسالة للداخل والخارج، مفادها أنّ ما حدث في صنعاء كان برضى الجميع، وأنّ اليمنيين خرجوا من الأزمة باتّفاق سياسي. وقد مثّل الاتفاق غطاءً سياسيًّا للحوثيين أمام المجتمع الدولي لتخريب العملية السياسية المبنيّة على المبادرة الخليجية بفرض سياسة أمر واقع باحتلال صنعاء. ولعلّ مباركة مجلس التعاون الخليجي هذا الاتفاق توحي إمّا بالخديعة أو الإقرار بأمرٍ واقع يتجلّ في سيطرة الحوثيين على مفاصل الدولة اليمنية، ودفن المبادرة الخليجية. لكن دولً في المجلس، بخاصة السعودية، ونتيجة للأثر الذي أحدثته سيطرة الحوثيين على اليمن داخليًّا، لم تلبث أن راجعت موقفها المتمثّل بالترحيب بالاتفاق، إلى التعبير عن رفض تغيير الواقع السياسي عن طريق تغيير الوقائع على الأرض. وجاءت تصريحات وزير الخارجية السعودي واضحة في رفض ما قامت به مليشيا الحوثيين في صنعاء. ثم جاء بيان وزراء مجلس التعاون الخليجي الذي أعقب اجتماعهم في جدة ليرفض بصورة واضحة ما جرى، مبرزًا أنّ دول المجلس لن تقف مكتوفة الأيدي، لأنّ أمن اليمن جزء لا يتجزّأ من أمن الخليج بحسب وصف البيان20. وغير خافٍ أنّ المملكة العربية السعودية هي أكثر دول الخليج اهتمامًا بما يجري في اليمن، ليس لأنّ لها حدودًا طويلة مع اليمن وحسب، بل للتشابك الكبير بين البلدين، ولأنّ السعودية ستكون المتضرّر الأكبر من انهيار الوضع الأمني، أو من وجود مليشيا مسلّحة في عاصمة البلاد، بخاصة وأنّ هذه المليشيا التي كبير من حدود اليمن مع المملكة أصبحت مسيطرة على جزء، تدين بالولاء لخصم المملكة في الإقليم المتمثّل بسلطات الولي الفقيه في إيران. وقد انتاب السعوديين القلقُ الشديد بعد سقوط عمران في أيدي الحوثيين، وحاولوا القيام ببعض الخطوات لتقليص دور الحوثيين، فقاموا بمحاولة للضغط في سبيل التصالح بين الرئيس هادي والرئيس السابق صالح من جهة، والتقريب بين اللواء الأحمر والرئيس السابق من جهة أخرى. غير أنّ تلك المحاولات جَرَت فيما يبدو بعد أن اتّسع الخرق على الراقع، واتّسعت الشقّة بين الفرقاء، والحوثيون يقتربون أكثر من صنعاء21. تبدو خيارات دول الخليج في اليمن سياسية واقتصادية، أكثر من أيّ شيء آخر. وقد يكون لهذه الخيارات أثرٌ إذا ما استعملت ضمن برنامج متكامل لدعم عملية التحوّل السياسي في اليمن المنبنية أساسًا على "المبادرة الخليجية"، بما يسمح بجمع "كلمة القوى اليمنية المختلفة، بما فيها الجنوبية، للتوحّد ضدّ الحوثيين
والقاعدة، وتبنّي مشروع سياسي يقصي المتمردين، ويعاقبهم اقتصاديًّا"22. ويشمل ذلك أيضًا دعم الجيش، بإعادة هيكلته وتسليحه، وتمكينه من استعادة السيطرة على المدن الرئيسة، وفرض هيبة الدولة وسيادتها على كامل التراب الوطني.
دخول القاعدة على الخط
كما كان متوقّعًا، أدّى سقوط صنعاء إلى ردّة فعل لدى تنظيم القاعدة والجماعات المرتبطة به على الحوثيين. إذ نفّذت جماعة "أنصار الشريعة" ذراع تنظيم القاعدة تهديداتها التي وعدت بها الحوثيين غداة دخولهم صنعاء، وبتفجيرات انتحارية استهدفت تجمّعًا لهم في مأرب 28 أيلول / سبتمبر 2014، وفي صنعاء 9 تشرين الأول / أكتوبر 2014 وخلّفت عشرات القتلى. كما اندلعت مواجهات بين الطرفين في محافظتَي إب والبيضاء. ثمّة إجماع على أنّ تنظيم القاعدة سوف يستثمر حالة الاحتقان والغضب الشعبي إزاء تصرفات الحوثيين الأخيرة في صنعاء، وربّ ا وجد له حاضنة شعبية في مناطق السنّة الشوافع، وهو ما يمكن أن يكون تكرارًا للحالة العراقية، حين وجد تنظيم "داعش" في مناطق العرب السنّة حاضنته الشعبية بعد أن أحسّ العراقيون السنّة بالتهميش والقهر. وما يزيد الأمور تعقيدًا أنّ الحوثيين يحاولون تقديم أنفسهم على أنّهم شركاء في الحرب على الإرهاب، في غزل غير مباشر للولايات المتحدة الأميركية التي تقود حلفًا عالميًّا للحرب على الإرهاب في المنطقة. وقد علّل الحوثيون حروبهم السابقة التي شنّوها منذ حربهم على دماج بأنّها حروب ضدّ "التكفيريين والوهابيين والقاعدة والدواعش والإخوان المسلمين." وتحت هذا المبرّر خاض الحوثيون حروبهم في عمران والجوف وحجة وحتى لحظة دخولهم صنعاء، ملتبسين بحالة من الزهو الطائفي باستعادة ما يعدّونه العاصمة السياسية لدولة الأئمّة الزيديين، بعد أن أحكموا السيطرة على العاصمة الروحية لهؤلاء الأئمّة في صعدة التي يوجد فيها قبر ومسجد الإمام الهادي يحيى بن الحسين مؤسّس المذهب الزيدي في نسخته الهادوية، وأوّل أئمّة اليمن الزيديين23. وعلى الرغم من أنّ الزيدية توصف أحيانًا بأنّها "سنّة الشيعة وشيعة السنّة"، فالزيدية في نسختها الحوثية قد اقتربت كثيرًا من الفكر الإمامي الإثني عشري في نسخته الخمينية، بخاصة في النظرة للجيل الأوّل من الصحابة، والموقف من الصراع السياسي الذي دار في نهاية عهد الراشدين24. وهذا ما يجعل التعايش الذي ساد لقرون طويلة على المحكّ، مع تزايد لهجتَي التنظيمين اللذين يزعم كلّ منهما تمثيل طائفته حصريًّا، مع أنّ أيًّا من كبار علماء الطائفتين في اليمن لم يذهب إلى تأييدهما في ما يدعوان إليه. ثمّ إنّ تركيز زعيم جماعة الحوثيين على الجماعات التكفيرية له منطلق طائفي، وهو ما يساهم في زيادة الاستقطاب ويمثّل تربة خصبة لتغلغل الحركات الجهادية والقاعدة.
الاحتمالات والمآلات
في ضوء ما تقدّم يقف اليمن اليوم أمام أحد الاحتمالات التالية: استمرار عملية سياسية هشّة، يكون للحوثيين اليد الطولى في صوغ ملامحها، مع وجود سلطة صورية للرئيس ورئيس الوزراء، ويمكن لهذه المرحلة أن تعوّل على دعمٍ إيراني، لكنها لن تدوم على الأرجح، لأنّ دول الخليج ليست في وارد دعم مثل هذه العملية السياسية. الخيار الصومالي، حيث تتداخل خيارات التقسيم الفعلي على الأرض، مع شكل من أشكال الحرب الأهلية التي لا يتوقّع لها أن تكون شاملة، نظرًا لتركيبة المجتمع اليمني القبلية التي تطغى إلى حدٍّ ما على الطبيعة الطائفية في المجتمع، وهو ما يمكن أن يجعل الاصطفافات قبلية جهوية لا طائفية مذهبية، فيما عدا ما يمكن أن يكون من صدام بين "أنصار الشريعة"، و"أنصار الله." الاحتمال الثالث، وهو ممارسة نوعٍ من الضغط الدولي – سياسيًّا واقتصاديًّا - على جميع المكوّنات السياسية والمجتمعية، لكي تلتزم مجدّدًا عملية التحوّل السياسي السلمي في البلاد. وبطبيعة الحال سوف يتوقّف تراجع فرص تحقّق أيّ من هذه الاحتمالات أو تزايدها، على جملةٍ من العوامل الداخلية والإقليمية والدولية بموجب أنّ اليمن تحوّل إلى ساحة صراع تتداخل فيها مصالح أطراف مختلفة على هذه المستويات جميعًا.