التجربة البرلمانية المغربية السادسة: رصد وتحليل
الملخّص
تبقى التجربة البرلمانية في المغرب مثار اهتمام السياسيين والباحثين الأكاديميين والعاملين في مجالات الإع ماا والصحافة ومراكز البحوث، نظرًا لما تتميز به من سمات جديرة بالدراسة والبحث والتقصّي، وبسبب استمراريتها التاريخية وتطوّرها على مدى خمسة عقود تقريبًا، على الرغم من توقفها في بعض الأوقات، وظهور بعض الملاحظات عليها. ومما يعزز هذه الأهمية هو استمرارية تجربتها البرلمانية السادسة 2002-1997()، والتي جاءت بعد إقرار دستور عام 1996، وشهدت محطة تاريخية فاصلة تمثلت في حدثين بارزين: الأول، تطبيق تجربة التناوب على السلطة للمرة الأولى في المغرب، والثاني، عملية انتقال الحكم من الملك الراحل الحسن الثاني إثر وفاته في 23 تموز/ يوليو 1999 إلى الملك محمد السادس. وقد عزز هذه التجربة حرص الملك محمد السادس على استمراريتها التاريخية، ومنهج ثنائية المجلسين (النواب والمستشارين)، والتناوب على السلطة. ويكتسب البحث في هذا الموضوع أهمية نظرًا للندرة النسبية للدراسات المتعلقة به، ومحاولته الإحاطة بهذه التجربة واستخلاص نتائجها ومميزاتها. ويتطلب ذلك البحث في مدخلات التجربة مثل الملخص التعديلات الدستورية والانتخابات التشريعية وما رافقها، وكذلك في مخرجاتها وما تمخضت عنه ممارسة العملية البرلمانية من إنجازات.
التعديلات الدستورية والانتخابات التشريعية
: دستور عام أولا 1996 وتعديلاته المتعلقة بالبرلمان
شكّل دستور عام 1996 نقلةً نوعيةً في مجال الإصلاح السياسي والدستوري في المغرب في سياق الانتقال بالعملية الديمقراطية إلى آفاق جديدة؛ لأنه جاء نتاجًا للمطالب الحزبية واستمرارًا للحراك السياسي والشعبي الذي شهده المغرب. لقد توِّج هذا الحراك بإقرار الدستور الذي تضمَّن تعديلات دستورية جوهرية تصبّ في مصلحة العملية الديمقراطية، ومن أبرزها تأسيس نظام تشريعي جديد يتكوّن من مجلسين هما: مجلس النواب ومجلس المستشارين1، ليحلّ محلّ البرلمان السابق المؤلف من مجلسٍ واحدٍ. وأعقب ذلك إصدار قوانين تنظيمية تعدّ في الفقه الدستوري من القوانين المكمّلة للدستور؛ أبرزها كيفية تنظيم مجلس المستشارين المستحدث وتأليفه بمقتضى التعديلات الدستورية آنفة الذكر وانتخاب أعضائه. فضلً عن أنّ هناك قوانين أخرى كانت تحتاج إلى تعديلات جديدة كي تتفق مع الدستور، وفي مقدمتها تأليف مجلس النواب، وكيفية انتخاب أعضائه، وإقرار قانون لتقسيم الدوائر الانتخابية بما يزيد عددها ويراعى التوازن الجغرافي والديموغرافي فيها2، وكذلك إقرار وسائل المراقبة في ما يتعلق بالأسئلة، وتحديد طريقة تسيير اللجان البرلمانية لتقصي الحقائق. وعلى الرغم من إيجابية آلية التغيير التي أحدثتها هذه التعديلات في الممارسة البرلمانية، ظلّت التجربة البرلمانية المغربية محكومة من حيث العلاقات بين السلط ووسائل العمل بالثابتين الآتيين3: ثنائية السلطة التنفيذية (ملك - حكومة)، وذلك حسب نصوص دستورية تخص المؤسستين النيابية والحكومية؛ إذ إنّ للملك اختصاصات تتعلق بتوجيه السلطة التشريعية في مختلف المراحل، واختصاصات في المجالات الدبلوماسية وتعيين كبار موظفي الدولة، فضلً عن التحكّم في المجال القضائي والعسكري، بينما تسند المهمات التنفيذية والتدبيرية إلى الوزير الأول والوزراء. تقنين مجال تحرّك المؤسسة البرلمانية ووسائل عملها (مجال القانون، وتحديد الدورات، وجدول الأعمال، والأغلبية الموصوفة لاتخاذ القرار، ومراقبة النظام الداخلي.) وضمن هذا السياق المقنّن للتطبيق البرلماني المغربي ذي الغرفة الواحدة، جاء التعديل الدستوري باستحداث مجلس المستشارين لتحقيق تمثيل أوسع لمختلف الجهات والقطاعات في المغرب بغية الارتقاء بالأداء الوظيفي للمؤسسة التشريعية. ومن خلال استقراء التعديلات الجديدة في الدستور، نجد أنّ مجلس النواب ومجلس المستشارين يشتركان ويتماثلان ويتشابهان في أغلب الاختصاصات التشريعية والرقابية4، ولا يختلفان إلا في ما يتعلق بتحريك المسؤولية السياسية للحكومة أمام المجلسين؛ إذ إنّ الحكومة مسؤولة أمام الملك والبرلمان بغرفتيه طبقًا للفصل 60 من الدستور، كما أنّ الوزير الأول ملزم بتقديم برنامج الحكومة بعد تعيينه من لدن الملك أمام المجلسين، علمً أنّ مجلس النواب وحده هو الذي يقوم بالتصويت على هذا البرنامج، في حين يكتفي مجلس المستشارين بالمناقشة فحسب. أما في ما يتعلق بمسألتي منح الثقة للحكومة وملتمس الرقابة5؛ فقد نظمها الدستور بشأن مجلس النواب كما يأتي: يمكن للوزير الأول أن يحقّق مواصلة الحكومة لمهماتها بعد تصويت على منح الثقة بشأن تصريح (برنامج) يقدّمه، ولا يمكن سحب الثقة من الحكومة أو رفض النص إلا بالأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب (الفصل 75 من الدستور.) يقدّم مجلس النواب ملتمس الرقابة بعد توقيع ربع أعضائه ولا يقبل الملتمس إلا بتصويت الأغلبية المطلقة لأعضائه (الفصل 76 من الدستور.) ونظّم الدستور مسألتي التنبيه وملتمس الرقابة بشأن مجلس المستشارين بالآتي: يمكن لمجلس المستشارين أن يتقدم بملتمس تنبيه
للحكومة أو ملتمس رقابة ضدها بشرط أن يتم توقيع ثلث أعضائه ليصبح ساري المفعول (الفصل 77 من الدستور.)
نظام الثنائية البرلمانية
يقصد بنظام الثنائية البرلمانية أن تناط السلطة التشريعية بمجلسين يشتركان في تولي مهمة التشريع بشكل رئيس بعد أن كانت السلطة محتكرة من مجلس واحد. وبناء عليه، فإنّ نظام الثنائية البرلمانية في دول عالم الجنوب له مزايا ومبررات، ومثالب وعيوب، ويتوقف تفضيل أحدهما على الآخر في النهاية على ظروف كل دولة على حدة، وعلى تطور أوضاعها الدستورية، لكن تطبيقه في هذه الدول ومن بينها المغرب يبقى موضع تساؤل وانتقاد، لأسباب عدة، أبرزها6: أنّ هذه الدول لم تمرّ بالتطورات التاريخية نفسها التي دعت إلى استحداث غرفتين، إحداهما عليا تمثل الأرستقراطية، والأخرى دنيا تمثل عامة الشعب. أنّ هذه الدول النامية بحاجة إلى مؤسسة تشريعية ديناميكية وسريعة للاستجابة للحاجات الملحّة للتنمية بالسرعة المطلوبة، في حين أنّ الازدواجية كثيرًا ما تؤدي في هذه الدول (وحتى في بعض الدول المتقدمة) إلى بطء ملحوظٍ في العمل التشريعي، ولا سيما إذا كانت إحدى الغرفتين أو كلاهما مرتبطة بعوامل ضغط سياسية أو سلطوية أو اقتصادية أو اجتماعية. تتطلب الثنائية البرلمانية تكاليف مالية وبشرية إضافية قد لا تتوافر لدى الدول النامية لأنها تكون دائمًا في أشد الحاجة إلى توظيف هذه الاعتمادات المادية الإضافية لعمليات التنمية الاجتماعية والاقتصادية. يؤخذ على هذه التجارب أنّ بعضها (مثل المغرب) يتسم بتكرار العمل في الغرفتين، نظرًا لتداخل الاختصاصات وتشابهها؛ إذ تتحوّل الغرفة الثانية (مجلس المستشارين) من غرفة للتفكير والتأمل إلى نسخة مكررة في اختصاصاتها للغرفة الأولى (مجلس النواب)؛ ما يؤدي إلى التعقيد والازدواجية من دون جدوى سياسية.
ثانيًا: الانتخابات التشريعية
تزامنت الانتخابات التشريعية مع التطورات الإيجابية السياسية والدستورية التي شهدها المغرب، والتي تمثلت في جانب منها بالاستجابة لمطالب أحزاب الكتلة الديمقراطية7، وفي مقدمتها: انتخاب أعضاء مجلس النواب بالاقتراع المباشر (كان في التجارب السابقة يجري الانتخاب بطريقة مباشرة وغير مباشرة)، وتقييد سلطة الملك بإصدار الأمر لتنفيذ القانون خلال الثلاثين يومًا التالية لإحالته إلى الحكومة بعد تمام الموافقة عليه (الفصل 26 من الدستور)؛ ذلك أنّ الدساتير السابقة كانت لا تقيّد الملك بأي أجل لهذا الإصدار. أما ما يجعل هذه الانتخابات متميزة عن غيرها من حيث الفاعلية والنشاط والتنافس الانتخابي بين الأحزاب، فهي دعوة الملك الحسن الثاني للأحزاب السياسية في خطاب افتتاح مجلس النواب في دورة تشرين الأول/ أكتوبر 1996 إلى ضرورة أن تجسِّد انتخابات 1997 عملية التناوب على السلطة8.
مجلس النواب
في ظل هذه الأجواء، بدأ التحضير للانتخابات التشريعية المباشرة لمجلس النواب، والتي تقرر أن تجري في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 1997. وكانت إرادة التغيير واضحة في الخطاب السياسي سواء لدى المعارضة أو لدى الملك الحسن الثاني.
الترشيح
حدّد القانون التنظيمي عدد أعضاء مجلس النواب ب 325 عضوًا ينتخبون بالاقتراع العام المباشر لولاية مدّتها خمس سنوات، ويتنافس المرشحون في 325 دائرة انتخابية، لكل دائرة منها مقعد نيابي، ويفوز بهذا المقعد المرشح الذي يحصل على الأكثرية البسيطة في أصوات الناخبين، ويحق لجميع المغاربة الذين أتموا 20 سنة التصويت في الانتخابات. والتصويت غير إلزامي، ويجب أن يكون المرشحون مواطنين لا تقل أعمارهم عن 23 سنة مع توافر شروط الترشيح
المعروفة لإشغال وظيفة نائب في البرلمان. وبهذه الطريقة في الانتخاب، يصعب على أي حزب سياسي ضمان الحصول على الأغلبية فضلً عن أنها تؤدي إلى حرمان نسبة كبيرة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 20 سنة من حق التصويت. بلغ عدد المرشحين للانتخابات التشريعية 3288 مرشحًا من بينهم 69 امرأة، يتنافسون على 325 مقعدًا؛ بمعنى أنه يتنافس على المقعد الواحد في كل دائرة انتخابية نحو 10 مرشحين. أما عدد الناخبين المسجلين في القوائم الانتخابية فقد بلغ 12790631 ناخبًا9.
الحملة الانتخابية
تزامنت الحملة الانتخابية في المغرب مع سياق عوامل عدة أبرزها: جاءت إثر التعديلات الدستورية التي أدخلت على دستور 1996، والذي حظي بإجماع القوى السياسية المؤثرة في البلاد10. جاءت إثر التوافق الذي حصل بين الملك الحسن الثاني وبعض مكونات المعارضة البرلمانية الممثلة بأحزاب الكتلة الديمقراطية؛ فشكل هذا التوافق مخرجًا للتصالح بين المؤسسة الملكية وأغلبية أحزاب المعارضة11. جرت في ظل بنية مؤسساتية جديدة أقرها دستور 1996، ومن أبرز عناصرها إقرار العمل بالجهة التي عدّها الدستور "جماعة محلية"، وتم تأطيرها قانونيًا بإصدار القانون رقم 47 لسنة 1996 المتعلق بتنظيم الجهات، وكذلك إقرار العمل بنظام المجلسين داخل البرلمان. جاءت الحملة الانتخابية خلال الفترة 13-1 تشرين الثاني/ نوفمبر 199712، وشارك فيها 16 حزبًا سياسيًا من بينها أحزاب المعارضة، بالإضافة إلى حزبٍ ذي توجه إسلامي لأول مرة في تاريخ المغرب السياسي المعاصر13. وكانت الحملة الانتخابية تهدف إلى جذب الناخب المغربي، وقيام الأحزاب السياسية بشرح برامجها السياسية والاقتصادية التي جاءت في أغلبها متشابهة إلى حد ما، وتتصف بطابع العمومية والوعود، وهي بذلك لم توفّق في صوغ برامج انتخابية جديرة بهذا الاسم بل صاغت المقترحات الانتخابية14. وقد استخدمت وسائل الإعلام من إذاعة وتلفزيون وصحافة حزبية في الدعاية الانتخابية للأحزاب، فيما ركزت الدعاية على الألوان المميزة لكل حزب، وقد طبعت تلك الألوان على بطاقة التصويت كي يتمكن الناخب من اختيار اسم الحزب والمرشح15، وهذا يؤكد أنّ الأحزاب السياسية لا تستطيع التعريف بنفسها في مجتمع أمّي إلا باللون والرمز16. وترافق ذلك مع حصول خروقات في الدعاية الانتخابية لبعض المرشحين، فضلً عن عدم حصول حوارٍ سياسي على مستوى وسائل الإعلام بين الأحزاب السياسية؛ ما يؤكد غياب التواصل السياسي في الانتخابات.
نتائج انتخابات مجلس النواب
أسفرت نتائج هذه الانتخابات عن حصول كل حزب من الأحزاب المشاركة على عدد من المقاعد النيابية، كما يبين الجدول.)1(كانت نسبة المشاركة في الانتخابات ضعيفة؛ إذ لم تتجاوز.%30.58 لذلك تعد أضعف مشاركة عرفتها الانتخابات المغربية؛ فمن أصل 12790631 مواطنًا مسجلً، كان عدد المصوتين 7456996 مصوتًا، في حين أنّ عدد البطاقات الملغاة كان 1086366 بطاقة؛ بمعنى أن عدد الأصوات المعبّ عنها هو 6371630 موزعة على 325 دائرة17. وقد عرفت هذه الانتخابات أخطر عمليات تزوير18 وتوظيف للمال السياسي؛ ما أثار استياء العديد من الأحزاب السياسية19 على الرغم من تعهّد الملك الحسن الثاني والحكومة بأن تكون هذه الانتخابات نزيهة.
| المقاعد التي حصل عليها | عمدد مرشحيه | الحزب |
|---|---|---|
| ي 57 | 315 | الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية |
| 50 | 206 | الاتحاد الدستوري |
| 46 | 261 | التجمع الوطني للأحرار |
| 40 | 218 | الحركة الشعبية |
| 32 | 245 | الحركة الديمقراطية الشعبية |
| 32 | 321 | حزب الاستقلال |
| 19 | 220 | الحركة الوطنية الشعبية |
| 10 | 180 | الحزب الوطني الديمقراطي |
| 9 | 140 | الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية |
| 9 | 289 | ي يم حزب التقدم والاشتراكية |
| 9 | 217 | جبهة القوى الديمقراطية |
| 5 | 231 | الحزب الاشتراكي الديمقراطي |
| 4 | 261 | منظمة العمل الديمقراطي والشعبي |
| 2 | 92 | حزب العمل |
| 1 | 78 | حزب الديمقراطية والاستقلال |
| 0 | 14 | الحركة من أجل الديمقراطية |
| 325 مقعدًا | 3288 مرشحًا | المجموع |
ومن خلال تحليل معطيات نتائج الانتخابات التشريعية، يمكن استخلاص الملاحظات الآتية: شاركت في هذه الانتخابات أغلب الأحزاب السياسية بالمغرب20؛ وأسهمت هذه المشاركة في الحد من طموح الإسلاميين الذين كانوا يحتلون مواقع متقدمة تنظيميًا وجماهيريًا في أكثر من مناسبة. أنّ هذه الانتخابات كانت الأفضل عربيًا خلال عام 1997 21 على الرغم من أنّ معدّل التصويت فيها كان ضعيفًا. ومع ذلك، فقد عبّ ت عن تحقيق خطوة إلى الأمام22. أفرزت هذه الانتخابات خريطة سياسية حزبية جديدة في المغرب؛ وتوازنًا من الناحية العددية بين مختلف التحالفات23. وبذلك عكست مستوى من التوازن الحزبي في الخريطة السياسية المغربية، ا لآتي تجلى ذلك على النحو24: جاءت أحزاب الكتلة الديمقراطية في المرتبة الأولى، وحصلت على 102 مقعد، وهي تمثل: حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب الاستقلال، وحزب التقدم والاشتراكية، ومنظمة العمل الديمقراطي. حصلت أحزاب الوفاق الوطني على 100 مقعد، وهي تمثل: الاتحاد الدستوري، والحركة الشعبية، والوطني الديمقراطي. حصلت أحزاب الوسط على 97 مقعدًا، وهي تمثل: التجمع الوطني للأحرار، والحركة الوطنية الشعبية، والحركة الديمقراطية الاجتماعية. حصلت بقية الأحزاب الأخرى على 26 مقعدًا. وهكذا يتضح الآتي: استجابت الأحزاب السياسية لدعوى الملك الحسن الثاني بتشكيل تجمّعات سياسية تضم اليمين واليسار والوسط، لكن لم يحصل أي تجمع منها على أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده. تصدّر حزب الاتحاد الاشتراكي الموقع الأول في الانتخابات بحصوله على 57 مقعدًا، وهو الذي مثّل المعارضة طوال أكثر من ثلاثة عقود، في وقت حصل حزب الاتحاد الدستوري الذي يحظى برعاية ملكية على المرتبة الثانية في الانتخابات؛ إذ حصل على 50 مقعدًا. تراجع حزب الاستقلال، ثاني أكبر أحزاب المعارضة وأقدم الأحزاب في الساحة الوطنية المغربية من الناحية التاريخية والنضالية وأكثرها تجربة إلى المرتبة الخامسة؛ إذ حصل على 32 مقعدًا فقط.
ظهر بوضوح حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، والذي أنشئ قبل أقل من سنة من الانتخابات، في الواجهة السياسية؛ وذلك بحصوله على 32 مقعدًا. وكان ذلك من المفاجآت التي تمخضت عنها الانتخابات. في حين لم يحصل حزب الحركة الوطنية الشعبية (الأم) الذي انشق عنها الحزب آنف الذكر إلا على 19 مقعدًا. وكانت المفاجأة الثانية هي حصول جبهة القوى الديمقراطية التي انشقت عن حزب التقدم والاشتراكية على تسعة مقاعد25. وهذا يوضح التغير الحاصل في السلوك الانتخابي للمواطن المغربي. مهّدت الانتخابات الطريق لدخول الحركة الإسلامية ذات التوجه السلمي في البرلمان للمرة الأولى في تاريخ المغرب المعاصر لتكون شريكًا فاعلً في المجال السياسي الرسمي. فازت امرأتان فقط في عضوية مجلس النواب من بين 69 امرأة مرشحة في الانتخابات26، على الرغم من أنّ النساء يشكلن نسبة عاليةً في المجتمع المغربي وعدد الناخبين.
مجلس المستشارين
مجلس المستشارين هو الغرفة الثانية في البرلمان، وينتخب بالاقتراع غير المباشر27 الذي استحدث بموجب الفصل 38 من دستور 199628. وبذلك تحولت السلطة التشريعية في المغرب من مؤسسة ذات مجلس واحد إلى مؤسسة بمجلسين في سياق إصلاح النظام البرلماني وتحديثه. وللملك حق حل مجلسي البرلمان أو أحدهما طبقًا للفصل 27 من الدستور. وتمارس هذه الغرفة المسؤوليات نفسها التي يمارسها مجلس النواب، وتغلب عليهما روح المنافسة. ولكن ينفرد مجلس المستشارين بحق توجيه تنبيه أو تقديم ملتمس رقابة ضد الحكومة؛ ما قد يؤدي إلى استقالتها على الرغم من أنه ينتخب بالاقتراع غير المباشر29، علمً بأنّ دول الثنائية البرلمانية تعطي هذا الامتياز للمجلس الشعبي. ويرى بعضهم أنّ وجود مجلسٍ ثانٍ يساعد على تخفيف حدة النزاع بين الحكومة والمجلس الأول الذي قد يغلب عليه طابع الحماسة، كما أنه يمكّن من إزالة الغموض والأخطاء التي تعلق بمقترحات القوانين، والتي قد تكون مصدر نزاع في المستقبل30. وتبقى الوظيفة الأهم لمجلس المستشارين في المغرب، بعد الوظيفة التشريعية، هي إيجاد نوع من التوازن بين الكتل السياسية، ومن ثم العمل على خلق استقرار حكومي وسياسي والحيلولة دون الوقوع تحت سيطرة حزب سياسي معين، أو سيطرة جهة معينة على تسيير الشأن العام في المغرب. وقد حدّد القانون التنظيمي الخاص بتأليف مجلس المستشارين عدد أعضائه ب 270 عضوًا31 ينتخبون بطريقة غير مباشرة من جهة هيئات انتخابية محلية وطنية لولاية مدتها تسع سنوات (ما يجعلهم يبتعدون لمدة طويلة عن الناخبين وعن الشعب)32، ويجري تجديد ثلث أعضاء مجلس المستشارين كل ثلاث سنوات. وينتخبون في البداية حسب التقسيم الآتي: ينتخب ممثلو المجالس المحلية والإقليمية 162 عضوًا من أعضاء مجلس المستشارين ويمثلون قطاعات الصناعة والزراعة، فيما ينتخب ممثلو الاتحادات النقابية والمهنية 108 أعضاء.
الترشيح والحملة الانتخابية
حظيت عملية الترشيح والحملة الانتخابية لمجلس المستشارين باهتمام واسع من جهة مؤسسات الدولة المعنية والأحزاب السياسية المتنافسة للحصول على أكبر عددٍ ممكنٍ من المقاعد فيه. ومارست وسائل الإعلام الرسمية من إذاعة وتلفزيون وصحافة حزبية دورًا أساسيًا في تنشيطها على الرغم من تشابه شعارات الأحزاب وصعوبة التمييز في ما بينها؛ مما جعلها تتخذ شكلً واحدًا حتى في الجانب الاقتصادي رغم الاختلافات البسيطة33. وكانت جميع هذه الشعارات والبرامج تصب في اتجاه التغيير والارتقاء بمستوى الأداء الحكومي والنهوض بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والقضاء على البطالة وتوفير
فرص عمل ومحاربة الرشوة والفساد الإداري. لكن الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات لم تقدِّم برامج سياسية حقيقية كي ينتخب المواطنون على أساسها. شارك في انتخابات مجلس المستشارين 16 حزبًا سياسيًا، وبلغ عدد مرشحيها 2391 مرشحًا. وقد جرت الانتخابات في 5 كانون الأول/ ديسمبر 1997 ضمن إطار سياسة التوافق والتراضي اللتين دعا إليهما الملك الحسن الثاني.
نتائج انتخابات مجلس المستشارين
جاءت نتائج انتخابات مجلس المستشارين على النحو الآتي34: أحزاب الوسط 90 مقعدًا. أحزاب الوفاق (أحزاب السلطة) 76 مقعدًا. أحزاب الكتلة الديمقراطية (أحزاب المعارضة) 44 مقعدًا. بقية الأحزاب 33 مقعدًا. النقابيون 27 مقعدًا. يوضح تحليل معطيات نتائج انتخابات مجلس المستشارين، تصدّر أحزاب الوسط الموقع الأول في المجلس من خلال حصولها على نسبة عالية من المقاعد، في حين لم تحصل أحزاب الكتلة الديمقراطية إلا على نسبة ضئيلة جدًا من المقاعد مع أنها تصدّرت الموقع الأول في مجلس النواب. أحدث هذا التطور الانتخابي الجديد تحولً في الخريطة السياسية داخل مؤسسة البرلمان تمثّل بتحقيق نوعٍ من التوازن بين مختلف الأحزاب وممثلي المجتمع المدني؛ ما دفع أحزاب الكتلة الديمقراطية إلى التنسيق مع أحزاب الوسط لإشراكها في تشكيل الحكومة.
ثًالث ا: تشكيل حكومة التناوب وما رافقها
بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية وتصدّر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الموقع الأول في الانتخابات، أعلن الملك الحسن الثاني في 4 شباط/ فبراير 1998 عن تكليف عبد الرحمن اليوسفي، أمين عام هذا الحزب، بتشكيل الحكومة التي عرفت في المغرب باسم "حكومة التناوب"35. وقام اليوسفي بمشاورات سياسية عدة مع قيادات الأحزاب السياسية الفائزة في الانتخابات، وتم التوافق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسته، وأعلن عنها بظهير ملكي في 14 آذار/ مارس 1998، وتضم تحالفًا من سبعة أحزاب، من دون أن يؤثر ذلك في مسار التناوب؛ فلكل حزب منها رؤيته ومشاربه، لكنها قبلت جميعها بالتوافق على برنامج الكتلة الديمقراطية وأسهمت في إغنائه باقتراحاتها36. وهذه الأحزاب هي37: حزب الاتحاد الاش ارركي للقوات الشعبية، وحزب الاستقلال، وحزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب التقدم والاشتراكية، وحزب الحركة الوطنية الشعبية، وجبهة القوى الديمقراطية، والحزب الاشتراكي الديمقراطي. فضلً عن التكنوقراط الذين لا ينتمون لأي حزب سياسي، والذين يمثلون وزارات السيادة: الداخلية، والخارجية، والعدل، والأوقاف والشؤون الإسلامية، والأمانة العامة للحكومة، وكتابة الدولة في الدفاع الوطني؛ والتي هي بالمحصلة خارج دائرة التناوب التوافقي ويتم تعيين شخصياتها بأمر من الملك. وبناء عليه، فإنّ قرارات اليوسفي ستكون مقيّدة برؤى وزارات السيادة داخل الحكومة، ويعزّز هذا القيد رأي الوزراء من خارج الكتلة في حكومته38. لذلك، فالتناوب الذي حصل في المغرب هو تناوب توافقي وليس تناوبًا سياسيًا39؛ لأنه لم يكن يستند إلى نص دستوري.
وإزاء ذلك، ينبغي التعامل مع مصطلح التناوب في التجربة المغربية بحذر مفاهيمي، لأنّ الحكومة المشكّلة هي حكومة ائتلافية تشارك فيها أحزاب كانت من الأغلبية السابقة تنقصها صفة المعارضة، كما أنّ الدور الكبير للملك في تحديد السياسة العامة للدولة يجعل التغيير الحاصل محدودًا40. فضلً عن أنّ التناوب طبقًا للتجربة المغربية لا يتعلق بمجموع السلطة، وإنما يقتصر على التدبير الحكومي
والتنظيمي؛ لهذا اصطلح عليه بالتناوب التوافقي41. وفي 17 نيسان/ أبريل 1998، قدّم عبد الرحمن اليوسفي التصريح الحكومي (برنامج الحكومة) أمام مجلس النواب ومجلس المستشارين وحصل على تأييد الأغلبية المطلقة من الأصوات في مجلس النواب، وجاءت النتيجة على النحو الآتي: 174 صوتًا لمصلحة البرنامج الحكومي، وامتنع عن التصويت 23 نائبًا، ولم يعارضه أحد42. وقد تضمّن برنامج الحكومة التأكيد على أنّ "حكومة التناوب حدث تاريخي في مجرى حياتنا السياسية الوطنية." وهكذا يقترح اليوسفي ميثاقًا لحسن التدبير "طبقًا لهذا الميثاق، ينظم الوزراء عملهم حول ثلاثة منطلقات: منطلق أخلاقي يدعو إلى محاربة جميع أشكال الانحراف واستغلال السلطة والنفوذ، ومنطلق الترشيد بالدعوة إلى التدبير الحازم والمقتصد للمال العام، ومنطلق التواصل القائم على الإنصات للمواطن والمقاولة وعلى تقديم الخدمات"43. وأردف اليوسفي ذلك برسالة وجهها إلى أعضاء حكومته تحت عنوان: "ميثاق من أجل التغيير"، حدّد بموجبها مجمل برنامجه: "يجب أن يتجه التغيير نحو تعميق المسلسل الديمقراطي، وتدعيم دولة القانون، ومكافحة البطالة وتحسين مستوى المعيشة، وإصلاح الإدارة والقضاء، كما يجب الإسراع بالتنمية الاجتماعية وتوفير فرص العمل وتقوية مكانة المرأة ... إلخ"44. وبعبارة أخرى، إن "الميثاق من أجل التغيير" حكامة مبنية على مهارة مهنية وتقنية، ومنهج للتواصل، يتحلى بالاستماع إلى المواطن واطلاعه على نيات الحكومة. وهذه عناصر إيجابية لتوجه ديمقراطي45. وقد شكّل تعيين حكومة التناوب منعطفًا بارزًا في الحياة السياسية المغربية وحدثًا سياسيًا كبيرًا ليس على مستوى المغرب فحسب، وإنما على المستوى العربي أيضًا؛ وذلك لاعتبارات عدة، منها: أنّ اختيار عبد الرحمن اليوسفي أول قائد سياسي معارض منذ أكثر من ثلاثين عامًا لتولي رئاسة الحكومة المغربية جاء عن طريق انتخابات برلمانية شرعية ووفقًا لعملية التداول السلمي للسلطة. أنّ التكليف جاء بمنزلة تجسيدٍ لثقة الملك الحسن الثاني بأحزاب المعارضة وبأهليتها لتشكيل الحكومة، بعد أن فرضت هذه الأحزاب وجودها في الساحة السياسية ونالت بمقتضاها ثقة الشعب والملك46. ومما يعزّز ذلك، أنّ الملك ترك لليوسفي حرية اختيار أغلبيته السياسية من داخل البرلمان وترك للأحزاب حرية التحالف مع من تريد من دون تدخل47. تم تحقيق نوع من التوازن بين قوى المشهد السياسي في المغرب، ولا سيما على صعيد العلاقة بين التيار العلماني والتيار الإسلامي، وفي علاقتها مع المؤسسة الملكية. دشنت تجربة التناوب لأول مرة في المغرب مشاركة أحزاب المعارضة في الحكم. حصل تحوّل في طبيعة الصراع السياسي للأحزاب ودورها؛ ما يعكس حدوث نوع من النضج السياسي، وتمثل ذلك بأحزاب المعارضة في المغرب التي قضت مدة طويلة من تاريخها النضالي في المعارضة السلمية للمؤسسة الملكية. وبهذا التحوّل انتقلت الأحزاب السياسية من موقع الصراع إلى موقع تدبير المصالح المشتركة والتعايش؛ فتغير دورها وانتقل خطابها من التبشير إلى الواقعية48. جاءت تجربة التناوب في سياق إخراج المغرب من الأزمة السياسية التي يعيشها النظام، والتي وصفت ب "السكتة القلبية"49.
حكومة التناوب والمنجزات البرلمانية
أولا: حكومة التناوب ومعطيات التجربة
في ظل التحديات التي شهدها المغرب، كان من المؤمّل أن يؤدي البرلمان دورًا مهمً في تنشيط الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإصلاح القطاعات الرئيسة كالتعليم والإدارة والقضاء، والتخفيف من عبء المديونية، وتنظيم العلاقة مع البنك الدولي، فضلً عن العلاقات الخارجية من خلال قيامه بدوره التشريعي والرقابي، وعززت تلك
الآمال ولادة تجربة التناوب. هذه المعطيات دفعت البرلمان المتكوّن من مجلسين منفصلين باختصاصات متشابهة (فيما كان الهدف هو إقامة برلمان بغرفتين)50، إلى ضرورة تنسيق أعماله. وكان من أبرز محاور جدول أعمال الدورة التشريعية الأولى مشروع قانون المالية الجديد، وقبله مناقشة التصريح الحكومي (برنامج الحكومة) الذي قدمه اليوسفي، ومن ثم منح الثقة لحكومته، ثم تلا ذلك مشروع قانون تعديل النظام الداخلي للمجلس في ضوء ما سجِّل عليه من ملاحظات في مجال الممارسة البرلمانية السابقة من أجل الارتقاء بمستوى الأداء البرلماني. لكنّ المؤشرات الأولى لتجربة التناوب التوافقي تمثلت بانتقال أحزاب المعارضة إلى مسؤولية إدارة مؤسسة الحكومة لإنجاز برنامجها الإصلاحي، وكانت المفارقة الصارخة هي اشتغالها بمنطق المعارضة الذي دأبت عليه أكثر من ثلاثة عقود، فضلً عن اندماجها بشكل تدريجي في نسق النظام السياسي؛ ما أضعف فاعليتها. لذلك يرى بعضهم أنها أصبحت جزءًا من الحكم وليس النظام فقط51. وأدى ذلك إلى جعل الحكومة تبدو مشلولةً وليس لها القدرة إلا على تطبيق القوانين؛ ما زاد من تهميشها، وانعكس ذلك على الأداء البرلماني لأحزاب الأغلبية في البرلمان. ترافق ذلك مع حدوث تطور مفاجئ في المغرب كان بمنزلة زلزال كبير تمثّل بوفاة الملك الحسن الثاني في 23 تموز/ يوليو 1999؛ ما ترتب عليه انتقال الحكم إلى نجله الملك محمد السادس. وقد سارت عملية انتقال الحكم في جوٍ من الاستقرار مهّدت له تجربة التناوب التوافقي، التي استثمرها الملك محمد السادس فأقدم على إحداث تغييرات في قيادات مؤسسات الدولة المهمة في سياق مفهوم جديد للسلطة وإعادة التوازنات ما بين المؤسسة الملكية والحكومة تمثّل في قرارات عديدة، منها52: الدعوة لمفهوم جديد للسلطة يرتكز على فلسفة دولة الحق والقانون، وجعل الدولة في خدمة المواطن53. إرجاع ملف التنسيق مع بعثة المينورسو MINURSO (بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية) إلى وزارة الخارجية. تأكيد الملك محمد السادس في افتتاح الدورة التشريعية في تشرين الأول/ أكتوبر 1999 على المسؤولية المشتركة للحكومة والبرلمان في قراءة النصوص وملائمتها للمستجدات، ومن ذلك ملائمة النظاميين الداخليين لمجلسي النواب والمستشارين، فقال: "بعد سنتين من هذه التجربة البرلمانية الحالية وتأكيدًا لما سبق لوالدنا المغفور له أن نبه إليه، فإننا ننتظر من الغرفتين تنقيح نظاميهما الداخليين مع التنسيق بينهما عن طريق تشكيل لجان مختلطة اعتبارًا من أنهما ليسا برلمانين منفصلين ولكن غرفتان لبرلمان واحدٍ ينبغي العمل فيه على عقلنة المناقشات ورفع مستواها وتفادي تكرارها وحسن تدبير الزمن المخصص لها سواء في أعمال اللجان أو الجلسات العامة، تطلعًا لممارسات أرقى ومنجزات أكثر"54.
إعفاء إدريس البصري وزير الداخلية من منصبه في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999. وقد جسَّد هذا القرار الجريء القطيعة مع أوهام السياسة التي رسمت في ذهن المواطن المغربي من أنّ وزارة الداخلية هي أم الوزارات (حكومة داخل حكومة.) وبهذا القرار تصبح الداخلية مثل بقية الوزارات لا تتجاوز دورها المرسوم بحدود القانون، فضلً عن أن إقالة البصري قد مهّدت الطريق لتغييرات في مجال العمل الحكومي من جهة والتطلع لتحقيق الإصلاحات ذات الطابع السياسي من جهة أخرى، كونه كان يشكل عقبة أمام إحداث التغيير. تعيين أحمد الميداوي وزيرًا للداخلية. العفو عن السياسيين المنفيين في الخارج والسماح لهم بالعودة للوطن (المعارض إبراهيم سرفاتي وعائلة المهدي بن بركة.) تشكيل لجنة عليا في مجال حقوق الإنسان لطي ملف الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي وتعويض ذويهم بحقوقهم وأجورهم ورواتبهم بدءًا من تاريخ توقيفهم أو طردهم.
| اللجان الدائمة المختصة | مجموع المشاريع والمقترحات المدروسة من قبل كل لجنة | عددها | نسبتها |
|---|---|---|---|
| لجنة الخارجية والدفاع الوطني | 48 مشروع قانون 1 مقترح قانون | 49 | %25 |
| لجنة العدل والتشريع | 30 مشروع قانون 14 مقترح قانون | 44 | %22.45 |
| لجنة الداخلية واللامركزية | 22 مشروع قانون | 22 | %11.23 |
| لجنة المالية والتنمية | 41 مشروع قانون 3 مقترح قانون | 44 | %22.45 |
| لجنة القطاعات الانتخابية | 10 مشروع قانون 1 مقترح قانون | 11 | %5.62 |
| لجنة القطاعات الاجتماعية | 25 مشروع قانون 1 مقترح قانون | 26 | %13.27 |
| المجموع | 176 مشروع قانون 20 مقترح قانون | 196 | %100 |
وعلى الرغم من هذه التطورات التي جاءت في مصلحة الحكومة وأحزاب الأغلبية في البرلمان، والتي توجت باستبعاد خصمها التاريخي إدريس البصري من وزارة الداخلية، وما أقدم عليه عبد الرحمن اليوسفي من تقديم تصريح حكومي أمام مجلس النواب في 13 كانون الثاني/ يناير 2000، وأعقبه عرض مماثل حول السياسة العامة للحكومة أمام مجلس المستشارين، فإنّ الحكومة لم تنجح في الاستفادة من ذلك، بل وقعت في أخطاء أفسدت ما توافر لها من ظروف مناسبة للعمل، ومن بين تلك الأخطاء طرح الحكومة لما عرف ب "الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية"، والتي جوبهت بردود فعل مختلفة55، وانعكست آثارها على الأداء التشريعي للبرلمان بغرفتيه. وكان البرلمان يواصل دراسة مشاريع عدة من أبرزها قوانين إصلاح التربية والتكوين وتجديد هياكل مجلسي البرلمان؛ فمجلس النواب جدّد ثقته بعبد الواحد الراضي بوصفه رئيسًا للمجلس لمدة ثانية وكان المرشح من دون منافس56. في ظل هذه التطورات، أعلن حزب العدالة والتنمية في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2000 عن قراره الانتقال من موقع المساند للحكومة إلى موقع المعارضة داخل البرلمان. ويعزى هذا الانتقال إلى عجز الحكومة عن القيام بما وعدت به في التصريح الحكومي، وإلى أن التعديل الحكومي لم يأت بجديد57. وبذلك، شكلت عودة الإسلاميين للمعارضة تحقيق نوعٍ من التوازن داخل البرلمان.
ثانيًا: الإنجاز التشريعي للبرلمان
ينصّ الدستور المغربي لعام 1996 صراحة على اختصاص البرلمان بتشريع القوانين. وتبعًا لذلك، كانت الحصيلة التشريعية لمشاريع القوانين ومقترحاتها التي أحيلت للبرلمان خلال التجربة البرلمانية السادسة موزعة على الشكل الآتي58: 185 مشروع قانون، و 143 مقترح قانون. علم بأنّ مشاريع القوانين تُقدّم من الحكومة، فيما تُقدّم مقترحات القوانين من النواب في المجلسين. وقد تم عرض هذه المشاريع والمقترحات على اللجان الدائمة المختصة59 في البرلمان لدراستها وإبداء الرأي فيها، وأدخلت تعديلات عدة على نصوصها من جهة اللجان النيابية وأثناء مناقشاتها في الجلسات العامة للبرلمان. ويوضح الجدول 2() الدور التشريعي للجان النيابية الست الدائمة وعدد المشاريع والمقترحات التي درستها وناقشتها وتم التصديق عليها من البرلمان. وشملت هذه القوانين ميادين مختلفة من ضمنها قوانين المالية، والقانون الانتخابي، ومدونة الحريات العامة، وقانون الجمعيات، وقانون التجمعات، وقانون الصحافة، والمحاكم المالية، ومدونة الشغل والتغطية الصحفية، وقانون التنظيم السمعي والبصري، فضلً عن الموافقة على اتفاقيات مع أقطار صديقة وشقيقة60. وفي ضوء قراءة معطيات الجدول 2() وتحليله لجهة الحصيلة التشريعية، يتضح أن 176 مشروع قانون مقدمة من الحكومة، مقابل 20 مقترح قانون تقدم بها النواب. ومن هنا يتضح ضعف المبادرة التشريعية من البرلمانيين وهيمنة السلطة التنفيذية وتأثيرها في أداء السلطة التشريعية. لذلك، فإنّ البرلمان بغرفتيه لم يتحرر من الطابع الصوري ولم يرتق إلى مؤسسة دستور ذات سلطة حقيقية.
ثًالث ا: الإنجاز الرقابي للبرلمان
تعد الرقابة البرلمانية أحد أبرز الوظائف الرئيسة وأكثرها استخدامًا التي يعتمدها البرلمان في الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، بل إنها تشكل السلاح الفعال الذي تشهره المعارضة دائمًا في وجه الحكومة وأحزاب الأغلبية المساندة لها. ولبيان هذا الدور، حدّد دستور 1996 وسائل رقابة البرلمان على أعمال الحكومة بالآتي:
رقابة تترتب عليها إثارة المسؤولية السياسية للحكومة
التصويت على التصريح الحكومي: إنّ التعديلات التي جرت على دستور عام 1992 (وتأكيد ذلك في الإصلاح الدستوري عام)1996 عزّزت من سلطة البرلمان، وبخاصة مجلس النواب، وذلك بمنحه حق مناقشة التصريح الحكومي والتصويت عليه61. وهذا ما حصل؛ إذ قدم عبد الرحمن اليوسفي برنامج حكومته أمام مجلس النواب ومجلس المستشارين في 17 نيسان/ أبريل 1998، ومرة أخرى قدم التصريح الحكومي في 13 كانون الثاني/ يناير 2000، وجرت مناقشته ثم التصويت عليه وفوزه بالأغلبية. وهذا يفسر في جانب منه تعزيز سلطة البرلمان في مراقبة توجه الحكومة. ملتمس الرقابة: هو المبادرة التي تأتي من أحد مجلسي البرلمان بطلب طرح الثقة في الحكومة؛ إذ يمكن لمجلس النواب أن يعارض مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها وذلك بالتصديق على ملتمس رقابة، وكذلك مجلس المستشارين. لهذا يعدّ ملتمس الرقابة أهم وسيلة يمتلكها البرلمان لإثارة المسؤولية السياسية للحكومة. ونظرًا لخطورة هذا الإجراء وأثره، فإنّ دستور 1996 أحاط استعمال هذا الاختصاص البرلماني بقيود62 صعبة التحقق ضمانًا لاستقرار الحكومة. ونظرًا للقيود الصعبة التي تواجه تقديم ملتمس الرقابة، فضلً عن ضرورة توافر قاعدة الأغلبية البرلمانية للتصويت عليه، فإنّ أحزاب المعارضة في التجربة البرلمانية السادسة لم تطرح أي ملتمس رقابة بشأن السياسة العامة للحكومة. منح الثقة للحكومة: تُجسِّد مسألة منح الثقة للحكومة الأثر المباشر للمسؤولية السياسية؛ إذ يؤدي سحب الثقة من الحكومة إلى استقالتها. وطبقًا لدستور 1996 يجري طلب منح الثقة للحكومة من مجلس النواب لمواصلة العمل الحكومي تنفيذًا للفصل 75 من الدستور الذي ينص على: "بإمكان الوزير الأول أن يربط لدى مجلس النواب مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها بتصويت يمنح الثقة بشأن تصريح يفضي به الوزير الأول في موضوع السياسة العامة أو بشأن
نص يطلب الموافقة عليه، ولا يمكن سحب الثقة من الحكومة أو رفض النص إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذي يتألف منهم مجلس النواب. لا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على اليوم الذي طرحت فيه مسألة الثقة. يؤدي سحب الثقة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية"63. ويتضح من ذلك، أنّ الحق الدستوري الممنوح للبرلمان في مراقبة الحكومة بشأن مسألة منح الثقة قد تضمّن قيودًا صعبة التنفيذ؛ ما جعل مهمة البرلمان عسيرة. لذلك لم تلجأ حكومة اليوسفي خلال التجربة البرلمانية السادسة إلى استعمال آلية "منح الثقة"؛ وذلك لتوافر الحكومة على أغلبية مساندة داخل البرلمان.
رقابة لا تترتب عليها إثارة المسؤولية السياسية على الحكومة
الأسئلة: تمثل الأسئلة البرلمانية الكتابية أو الشفوية الأداة الأكثر استعمالً في مجال المراقبة البرلمانية لأعمال المؤسسات الحكومية في تنفيذ السياسة العامة الداخلية والخارجية للدولة، وهذا الفعل يكون غير مصحوب بجزاء سياسي فوري؛ ما يميزه عن الآليات الأخرى للمراقبة في النظام البرلماني (مثل ملتمس الرقابة وطلب منح الثقة)64. وتعد الرقابة البرلمانية عن طريق الأسئلة الكتابية آلية أقل فاعلية، فهي بمنزلة طلب إيضاحات أو تفسيرات. ومما يقلل من تأثيرها غياب طابع الدعاية الإعلامية والإعلان عنها، في حين أن الأسئلة الشفوية كآلية للرقابة البرلمانية تلقى اهتمامًا وتأثيرًا كبيرين بسبب ما تحظى به الجلسات المخصصة للأسئلة الشفوية من متابعة إعلامية مكثفة من خلال النقل المباشر عبر التلفزيون، واطلاع الرأي العام الوطني على ما يجري داخل البرلمان. لذلك تلجأ أحزاب المعارضة إلى التركيز على استعمال هذه الآلية كوسيلة لمواجهة الأداء الحكومي. ومما يسجل في هذا الصدد أن دستور 1996 قد جاء ببعض التعديلات المهمة في مجال الأسئلة البرلمانية بالمقارنة مع الدساتير السابقة؛ إذ نص الفصل 56 من الدستور على: "تخصص بالأسبقية جلسة في كل أسبوع لأسئلة أعضاء مجلسي البرلمان وأجوبة الحكومة، ويجب أن تدلي الحكومة بجوابها خلال العشرين يومًا." وتعديل أجل العشرين يومًا هو تعديل جديد شكّل إضافةً نوعيةً مهمةً لمصلحة أداء المؤسسة البرلمانية في مجال مراقبتها لعمل الحكومة. وقد شهدت التجربة البرلمانية السادسة حصيلة مهمة من الأسئلة الكتابية والشفوية طرحها النواب في إطار المراقبة البرلمانية لأعمال الحكومة، وبلغ عدد الأسئلة الشفوية 4757 سؤالً، فيما كان عدد الأسئلة الكتابية 7074 سؤالً65. من خلال ذلك، تتضح النسبة العالية للأسئلة الكتابية والشفوية في أداء الممارسة البرلمانية للتجربة السادسة، وقد اتسمت بعض هذه الأسئلة بالتكرار لأنّ أغلبيتها ذات طبيعة إدارية أو تقنية وليست سياسية66. فضلً عن أنّ هذه الأسئلة، وتحديدًا الشفوية، استطاعت أن تحقق نوعًا من الحوار والتفاعل الإيجابي بين البرلمان والحكومة، وتبقى هذه الآلية من المراقبة لا تخلو من فائدة على قاعدة أن الحارس موجود على أقل تقدير. لجان تقصي الحقائق: تعدّ آلية لجان تقصي الحقائق إحدى الوسائل المهمة في الرقابة البرلمانية على أعمال الحكومة، فبموجبها يستطيع البرلمان بنفسه أن يتحقق من أي مخالفة للقوانين أو سوء تصرف إداري أو فضيحة مالية أو سياسية67. وقد تضمن الفصل 42 من دستور 1996 الآتي: "تشكل بمبادرة من الملك أو بطلب من أغلبية أعضاء أي من المجلسين لجان نيابية لتقصي الحقائق يناط بها جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة واطلاع المجلس الذي شكلها على النتائج التي تنتهي إليها أعمالها. ولا يجوز تكوين لجان لتقصي الحقائق في وقائع تكون موضوع متابعات قضائية مادامت هذه المتابعات جارية. وتنتهي مهمة كل لجنة لتقصي الحقائق سبق تكوينها فور فتح تحقيق قضائي في الوقائع التي اقتضت تشكيلها." كما جاء في النص أنّ "لجان تقصي الحقائق مؤقتة بطبيعتها وتنتهي مهمتها بإيداع تقريرها"68. وشهدت التجربة البرلمانية السادسة في ظل دستور 1996 تشكيل لجنتين لتقصي الحقائق هما: لجنة تقصي الحقائق حول مؤسسة القرض العقاري والسياحي: جاءت هذه اللجنة في ضوء التصريح الذي أدلى به وزير الاقتصاد والمالية والسياحة فتح الله ولعلو في 24 أيار/ مايو 2000 أمام مجلس النواب. فقد أشار إلى "وجود عدة اختلالات تعتري مالية مؤسسة القرض
العقاري والسياحي"69. وبعد خمسة أيام، شكّل مجلس النواب بناء على طلب فرق الأغلبية لجنة تقصي الحقائق حول هذه المؤسسة، وتكونت اللجنة من 24 عضوًا ينتمون لمختلف الفرق النيابية. وبهذا تكون الأغلبية البرلمانية لأول مرة صاحبة المبادرة في تشكيل لجنة تقصي الحقائق؛ إذ من المألوف أن تأتي المبادرة من أحزاب المعارضة لأنها هي التي تتولى مسؤولية المراقبة على العمل الحكومي. وبعد مدة تقصي وبحث وتحقيق استمرت ستة أشهر، تمكنت اللجنة من إنجاز تقريرها الذي تضمن ثلاثة أبواب هي: وضعية القرض العقاري والسياحي، والاختلاسات وضعف المراقبة وسوء التدبير، والتجاوزات التي عرفتها عملية القرض70. بعد ذلك قامت اللجنة بتقديم تقريرها إلى مجلس النواب، وقد خصص المجلس جلسة علنية في 19 كانون الثاني/ يناير 2001 لمناقشة التقرير بحضور وسائل الإعلام الوطنية71. وقد رصد هذا التقرير العديد من التجاوزات المالية والإدارية مثل "اختلاس الأموال وخيانة الأمانة وتوزيع أرباح وهمية على المساهمين وتنظيم غير فاعل وحسابات غير مضبوطة والتزوير في مضمون محررات بنكية"72. وكان من بين المتورطين في فساد القرض العقاري والسياحي شخصيات سياسية ونقابية ورجال أع لاا73. وكان رد الفعل أن واجهت هذه اللجنة صعوبات مثل: عدم تقديم بعض الوثائق لها من جهة المسؤولين عن هذه المؤسسة، ورفض بعض المسؤولين الكبار الأدلاء بشهاداتهم أمامها. وعلى الرغم من ذلك، مارست هذه اللجنة دورها المسؤول في تقصي الحقائق والتحديد الدقيق للمسؤولين عن ذلك وتقديم تقريرها معززًا بالتوصيات. وأظهر التقرير بجلاء الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسة البرلمانية في تنوير الرأي العام حول حماية المال العام والحفاظ على المصالح العليا للوطن. وبعد مناقشة التقرير عرض للتصويت وتم التصديق عليه بالإجماع. وبعد ذلك أودعت اللجنة تقريرها لمجلس النواب، وإثر ذلك أحال الوزير الأول القضية للقضاء74. واستنادًا للفصل 42 من دستور 1996 تعد "لجان تقصي الحقائق مؤقتة، وتنتهي مهمتها بإيداع تقريرها وفور فتح تحقيق قضائي في الوقائع التي اقتضت تشكيلها." وقد أسهمت مناقشات هذه اللجنة في تحقيق أمرين هما: تنوير الرأي العام الوطني والمجتمع المدني واطلاعه على الحقائق، وبلورة إرادة سياسية في تفعيل القانون وتطبيقه لمحاسبة المسؤولين وإدانتهم بسبب هدر المال العام75. لجنة تقصي الحقائق حول الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي: وقد انبثقت هذه اللجنة من مجلس المستشارين في تشرين الثاني/ نوفمبر 2000. وقامت اللجنة بدور مهم في التقصي وجمع المعلومات والتحقيق بشأن العديد من التجاوزات الإدارية والمالية في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وبعد إنجاز مهمتها، قدمت تقريرها لمجلس المستشارين معززًا بالتوصيات. وقد خصص المجلس جلسة للمناقشة، وبعد ذلك عرض للتصويت، وتم التصديق عليه بالإجماع. وبعدها أحيل تقرير اللجنة إلى القضاء76. وبذلك انتهت مهمة اللجنة.والجدير بالذكر، أنه لأول مرة في تاريخ المغرب النيابي يصل تقرير لجان تقصي الحقائق إلى القضاء. لكنّ القضاء لم يحسم موضوعهما، ولم يحدث شيء في ما بعد على الرغم من حجم الاختلاسات التي تم الكشف عنها77. وهذا يتطلب من الأحزاب السياسية الفاعلة مطالبة البرلمان بتحريك المتابعات القضائية بهذا الشأن، لأنّ الأمر يتعلق بالمال العام. وعلى الرغم من ذلك، فقد اتسمت التجربة البرلمانية السادسة ببروز ظاهرتين كان لهما انعكاس سلبي على واقع الأداء البرلماني هما: استمرار ظاهرة غياب النواب عن حضور الجلسات البرلمانية، وزاد في كشفها التغطية التلفزيونية المستمرة لجلسات البرلمان78. ظاهرة انتقال النواب من فريق إلى آخر، والتي عرفت في المغرب بظاهرة الترحال، وأصبحت سمة لازمة للتجربة البرلمانية السادسة؛ إذ سُجلت 121 حركة انتقال للنواب من فريق إلى آخر79، فضلً عن أنها أثرت سلبيًا في استقرار أجهزة مجلس النواب.
خاتمة
شكلت التجربة البرلمانية السادسة، والتي توِّجت بتجربة التناوب التوافقي على السلطة حدثًا سياسيًا بارزًا في تاريخ المغرب السياسي المعاصر، لما أحدثته من تحوّل سياسي جديد في الحياة السياسية المغربية. واكتنف هذ التحول العديد من الملاحظات الإيجابية والسلبية. وكانت نتيجتها الآتي: قبول أحزاب المعارضة في المغرب المشاركة في الحكم وفي صنع القرار من خلال صيغة توافقية لجأ إليها الفاعلون السياسيون وعرفت بالتناوب التوافقي، والتي جاءت كنمط للعلاقات السياسية خارج الوثيقة الدستورية؛ لأنّ دستور 1996 لم يشر إلى التناوب كآلية تتحدد على أساسها الأدوار السياسية. لذلك، لم تمس المشاركة ثوابت السلطة على الرغم مما جاء في دستور 1996 من تعديلات؛ إذ بقي الدستور يكرس التوزيع غير المتكافئ للسلطات لفائدة المؤسسة الملكية المهيمنة على القرار السياسي، في وقت لا تتوافر الحكومة والبرلمان على السلطة الكافية من أجل القيام بمسؤوليتهما.
تمكن النظام السياسي المغربي من تقوية مرتكزات مشروعيته من دون أن يقضي على أحزاب المعارضة، ويحسب هذا السلوك السياسي لمصلحته. وقد تمثل ذلك بقبول الأحزاب السياسية المغربية، بما فيها أحزاب المعارضة، بمركزية المؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي وانفراد الملك بالسلطة الدينية في المملكة. تفعيل دور الأحزاب السياسية التي استمرت أكثر من ثلاثة عقود في مواقع محددة (موالية أو معارضة) داخل المؤسسات وخارجها إلى أخذ مواقع وأدوار ووظائف جديدة في الحياة السياسية. مشاركة الحركة الإسلامية المعتدلة في الانتخابات التشريعية - ممثلة بحزب العدالة والتنمية - ودخولها البرلمان لأول مرة في تاريخ المغرب السياسي المعاصر. وقد أكسبها ذلك موقع ضمن علاقة القوة، وأتاح لها فرصة العمل الميداني والممارسة السياسية، وقد ساهم ذلك في التحصين الاجتماعي والاستقرار السياسي للمغرب. أسست التجربة البرلمانية السادسة من خلال حكومة التناوب التوافقي لقواعد لعبة سياسية باتجاه تحقيق الانتقال الديمقراطي، وأخذت مصادرها من الديمقراطية والاق اررع العام للتناوب على السلطة الحكومية، ويبقى الملك هو الفاعل الرئيس الذي يمسك قواعد اللعبة وإصدار القرار. غياب المعارضة الحقيقية بعد قبول أحزاب المعارضة المشاركة في الحكم، وبذلك أصبحت مهمة الأحزاب السياسية جعل المواطنين يقبلون ببرامج النظام ومقارباته المطروحة. الإسهام الفاعل في تحقيق انتقال سلس للحكم بعد وفاة الملك الراحل الحسن الثاني إلى الملك محمد السادس. أسفرت العملية الانتخابية للتجربة البرلمانية السادسة عن وجود كتل برلمانية متوازنة، ولم يكن هناك حزب واحد يسيطر على البرلمان بغرفتيه. كان الإنجاز التشريعي والرقابي للتجربة البرلمانية السادسة (حكومة وبرلمانًا) إيجابيًا، على الرغم مما سجل من ملاحظات على الأداء البرلماني، وأبرز ذلك ضعف المبادرة التشريعية من البرلمانيين وهيمنة السلطة التنفيذية. النجاح في الإشراف على الانتخابات التشريعية في أيلول/ سبتمبر 2002، والتي تميزت بالشفافية. وبناء عليه، يمكن القول إنّ التجربة البرلمانية السادسة، ومن خلال تجربة التناوب التوافقي على السلطة، قد فعّلت العمل السياسي في المغرب، وأسهمت في تحقيق الاستقرار السياسي، وفي تثبيت أسس البناء الديمقراطي. وبذلك، فإنها أسست لمرحلة جديدة – حتى إن لم تحقق برنامجها – من شأنها أن تتطور وتنضج وتصبح آلية لتداول السلطة الحكومية، وأن يرتبط ذلك بصناديق الاقتراع. وانطلاقًا من هذا الفهم، فإنّ الإصلاح السياسي والدستوري يبقى مطلبًا شعبيًا وحزبيًا يتطلب النضال من أجل تحقيق توزيع عادل للسلطات، وذلك بمنح الحكومة والبرلمان سلطات أوسع لتكريس هذه الممارسة وتعزيزها (تداول السلطة الحكومية) ووضعها على أسس قوية تضمن لها الاستمرار لتحقيق الانتقال الديمقراطي في المغرب.