تركيا ومسألة تدخلها العسكري في الجوار

عماد يوسف قدورة

الملخّص

تواجه تركيا اليوم خيارات حرجة إزاء التدخل العسكري العاجل في الجوار؛ فإما أن تستجيب للنداءات والمطالبات المتصاعدة بالتدخل المباشر، وإما أن تعطي أولوية لقراءتها الكلية للمشهدين الداخلي والإقليمي فتقدّم مصالحها على ردود الفعل الآنيّة، وإما أن تحتفظ بوضعٍ من الغموض الذي ينطوي على تضامنٍ ودعمٍ للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإس مااية في العراق والشام "داعش"، في وقت لا تنخرط فيه في مواجهات عسكرية مباشرة. ولكلٍ من هذه الخيارات منافع وتكاليف على المستويين المحلي والإقليمي. تناقش هذه الورقة الإطار الحاكم لمبدأ التدخل العسكري التركي، وقيوده، والإستراتيجية الشاملة التي تقترحها أنقرة تجاه سورية، وشروط تدخلها العسكري، والحدِّ الفاصل الذي يحت م عليها أن تتدخ ل، وذلك في ضوء التطورات الكبيرة التي تشهدها سورية والعراق والمناطق الكردية وانعكاساتها عليها.

مقدمة

في وقت يقف فيه تنظيم "داعش" على مشارف الحدود التركية، تواجه تركيا اليوم أخطر تحدٍ منذ عقود؛ فالمخاطر التي يشكلها تمدّد التنظيم وانتشاره لم تعد تقتصر على شنّ هجمات داخل أراضيها أو على مصالحها الإقليمية فحسب، وإنما قد تخلق مشاكل واضطرابات تهدد استقرارها الداخلي أيضًا. فقد تصاعدت نداءات المطالبة لها بالتدخل في سورية، وبخاصة من الأكراد، لإنقاذ مدينة عين العرب – كوباني وتقديم الدعم للمقاتلين المحاصرين فيها، كما اندلعت تظاهرات واسعة احتجاجًا على عدم استجابتها لهذه المطالب، ووصلت إلى حد اتهامها بعدم المبالاة إزاء مصير المدينة. ومع أنها سمحت مؤخرًا بدخول عدد من قوات البشمرغة الكردية إلى المدينة، فقد استمرت المطالبات بتدخلها، وانتقلت هذه المطالبات إلى المستوى الدولي؛ إذ ينظر التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد "داعش" باهتمام شديد إلى المساعدة العسكرية العاجلة التي يمكن أن تقدمها تركيا.

وعلى الرغم من أنّ موقف تركيا المتحفِّظ تجاه انتشار "داعش" وسيطرته على أراضٍ عراقية وسورية واسعة قد تغيّ بعد تحرير الرهائن الأتراك الذين اختطفوا في الموصل؛ إذ أعلنت وقوفها مع التحالف مع تأكيدها على أهمية التعاون مع عناصر على الأرض بدلً من الاقتصار على الضربات الجوية، فإنّ سلوكها حتى الآن يشير إلى إصرارها على عدم الخضوع للضغوط، وعدم الرغبة في الانخراط في معركة من دون إستراتيجية متكاملة إزاء الوضع الإقليمي برمته، ومن دون التزامات دولية، وبخاصة من قبل حلف شمال الأطلسي بوصفها عضوًا فيه، كما نبين لاحقًا. فطوال السنوات الثلاث الماضية حرصت تركيا على تجنّب الدخول في حرب مفتوحة في سورية على الرغم من إسقاط طائرة تركية بمضادات سورية، واتهامها النظام السوري بتدبير هجمات على الأراضي التركية، ورغم امتلاك حكومتها تفويضًا من البرلمان لنشر قوات برية خارج حدود البلاد منذ أواخر عام.2012 وفي هذا السياق، يثار تساؤل ملحّ عن ماهية الإطار الحاكم لمبدأ التدخل العسكري التركي، وقيوده، في ضوء التهديدات الوشيكة والصريحة التي يوجِّهها "داعش" للأمن القومي التركي، وفي ظل تأثيرها في السلم الداخلي. كما تثار تساؤلات أخرى عن ماهية الإستراتيجية الشاملة التي تقترحها أنقرة تجاه سورية، وعن شروط تدخلها العسكري، وعن الحدِّ الفاصل أو الضرورة التي تحتّم عليها التدخل عسكريًا.

آراء حول الموقف التركي

ثمة آراء عديدة تجاه موقف تركيا من عدم الاستجابة حتى الآن لمطالب التدخل العسكري المباشر ضد "داعش" أو توفير ممر من دون شروط لدخول المساعدات والمعدات العسكرية لمدينة عين العرب – كوباني المحاصرة؛ إذ يرى البعض أنّ تركيا لا تشعر بالارتياح للدرجة التي تحققت من الاستقلال الذاتي في المنطقة الكردية في سورية، والتي قد تصبح حجر الأساس لتأسيس كيان كردي أكبر ومستقل في الشرق الأوسط؛ ما يعزز الميول الانفصالية لأكرادها. كما يرى آخرون أنّ هواجسها تجاه حزب العمال الكردستاني، والتي تمتد لعقود، لا يمكن تبديدها بهذه بسرعة في ظل أحداثٍ طارئة، وبخاصة أنها تعتبره حتى الآن منظمةً إرهابيةً في البلاد. ويفسِّ العديدون موقف تركيا الحالي انطلاقًا من اعتبارها الأكراد السوريين حلفاء للنظام السوري1، وبخاصة بعد الإغراءات التي قدمها الرئيس السوري بشار الأسد إليهم للحصول على دعمهم ضد المعارضة المسلحة عبر منح بعضهم الجنسية وإعطائهم بعض الحقوق الثقافية وفتح المدارس الكردية. فضلً عن الشكوك التي تذهب إلى أنّ الحكومة السورية أجرت اتصالات مع حزب العمال الكردستاني من أجل إيجاد حلفاء لها داخل سورية عبر حليفه حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري2. ويذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، بتوجيه الاتهام إلى تركيا بأنها لا تمانع من سقوط المدينة، بل قد يخدم ذلك مصالحها. وبهذا الصدد تعتبر أمبرين زمان، وهي كاتبة في الشأن التركي في عددٍ من الصحف الغربية، أنّ أنقرة قد ترى فرصةً في سقوط المدينة على الرغم من المجازفة بتلقّي انتقادات واسعة، فتقول: "قد تسُرُّ تركيا لسقوط

  1. “ Turkey torn between ISIL and the PKK,” Hurriyet Daily News , at http:// goo.gl/702ZRW; Sinan Ulgen, “Turkey’s Dangerous Bet on Syria,” The New York Times , October 9, 2014, at: http://goo.gl/BAQUxF
  2. Damla Aras, “The Syrian Uprising: Turkish-Syrian Relations Go Downhill,” Middle East Quarterly, vol. 19, no. 2 (Spring 2012), p. 50.

كوباني. برزت هذه البلدة كرمز للمقاومة الكردية، واستقبلت [زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله] أوجلان عندما كان يعيش في سورية. لكوباني أيضًا أهميةً إستراتيجيةً كبيرةً، فهي تقع بين صفّ من البلدات والقرى المتتالية التي يسيطر عليها الأكراد، وهي معروفة كلها بكانتون الجزيرة في اتّجاه الشرق، وبلدة عفرين التي يديرها الأكراد باتّجاه الجنوب الغربي. ولطالما أراد الأكراد ربط المناطق الثلاث ببعضها عبر إخراج داعش، والثوار السوريين، من المناطق التي تفصل بينها. وإنّ احتمال قيام كيان كردي يديره حزب العمال الكردستاني يفوق ما تستطيع تركيا تحمّله. سقوط كوباني سيوجّه ضربة مذلّة لحزب العمال الكردستاني وسيُضعِف الدعم الحاصل عليه من أكراد سورية. سيضطرّ أيضًا صالح مسلَّم [رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي] وحزبه إلى تسوية الخلافات مع مسعود برزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان في العراق. ومع أنّ برزاني دافع عن كوباني، لكنه لم يلُمْ تركيا بعد على موقفها"3. ويرى بعض الأكراد في تركيا أنّ استمرار عملية السلام الجارية بينهم وبين الحكومة التركية لتحقيق الاستقرار في البلاد، يتطلب منها أن تكون أكثر استعدادًا لمساعدة وحدات الحماية الشعبية في سورية التي تواجه صراع بقاء ضد تنظيم "داعش." ويواجه الافتراض التركي بأنّ عملية السلام تلك لن تتأثر جوهريًا بالأحداث الجارية وأن حزب العمال الكردستاني لن يتخلى عن وقف إطلاق النار معها، وأنّه لن يقرر محاربة تركيا وداعش في آنٍ معًا، اختبارًا جديًا. فقد خرج الأكراد في تظاهرات أدت إلى مقتل العشرات وإصابة المئات في أنحاء تركيا استنكارًا لموقفها، كما هدّد الحزب بالانسحاب من المحادثات نهائيًا إن لم تقدّم تركيا دعمً أو تسمح بوصول الإمدادات العسكرية للمقاتلين الأكراد المحاصرين في المدينة4.

موقف تركيا من التدخل العسكري وقيوده

سعت تركيا للتدخل منذ اندلاع التظاهرات في سورية في بداية "الربيع العربي" عبر عرض الوساطة بين النظام السوري والمعارضة. وبعد رفض وساطتها، أعلنت دعمها للمعارضة وطالبت بتنحي الرئيس السوري، وسعت إلى حشد تأييدٍ دولي، وبخاصة الغربي، للتدخل لتحقيق هذا الهدف. وعندما لم تحصل على التأييد الكافي لإطاحة النظام، اتهمت "القوى الغربية بعدم دعم جهود الوساطة التركية في بداية الحرب، بل حتى تقويضها"5. وبدأت بتقديم الدعم للمعارضة عبر استقبال العسكريين المنشقين عن النظام، وإقامة معسكر خاص بهم، ثم استضافت قيادة الجيش السوري الحر لينسق أعمال الثورة عسكريًا، وكذلك القيادات السياسية للمعارضة، ورعت إعلان المجلس الوطني السوري في إسطنبول، ثم إعلان الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في سورية، فضلً عن إيواء اللاجئين. واستنادًا إلى هذا الواقع، تصرّ تركيا على أنّ أيّ تدخل مباشر يُطلب منها يجب أن يكون على أساس ما تطالب به منذ ثلاث سنوات عبر تقديم إستراتيجية متكاملة لحل الأزمة في المنطقة برمتها بدلً من الاستجابة للتحدي الجديد الذي ظهر بقوة مع تقدم "داعش" في اتجاه الحدود التركية. فهي تشترك مع سورية في حدود تمتد على نحو 900 كيلومتر، وبهذا تمتد التهديدات العرقية والطائفية ومخاطر التهريب وانتقال المسلحين على طول هذه الحدود، ولا تنحصر في المنطقة التي يركز عليها الأكراد حاليًا. لذلك تؤكد المواقف التركية على الرؤية الشاملة للحل؛ إذ يقول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: "نحتاج إلى إستراتيجية دولية؛ ليس لتدمير داعش فحسب، وإنما أيضًا لإجبار الأسد على التنحي عن السلطة وإنهاء الصراع في سورية، فالهدف الأول لا يمكن تحقيقه بنجاح بمعزل عن الثاني. وهذه الإستراتيجية يجب أن تتضمن تأسيس منطقة آمنة في سورية لإيواء المدنيين وقوات المعارضة، على أن تجري حمايتها بواسطة مناطق حظر الطيران، وهي الإستراتيجية التي طالما اعتقدنا أنها حيوية للنجاح في سورية والعراق"6. كما تشترط تركيا دعم الولايات المتحدة "لتغيير النظام في دمشق"، قبل أن تشارك بنفسها في قتال "داعش"، فهي ترى أنه عَرَضٌ أكثر منه سببًا أساسيًا للمشاكل في الشرق الأوسط7. كما يرى أردوغان أنّ هناك أهميةً للعملية البرية، ولكنه يشترط "التعاون" بشأنها، فيقول: "إنّ الإرهاب لا ينتهي... ما لم نتعاون

  1. “ Erdogan’s Syria policies spark riots in Kurdish cities,” Al Monitor , October 10, 2014, at: http://goo.gl/Tu8qcQ
  2. “ Turkey torn between ISIL and the PKK.”
  3. Simon Tisdall, “Radicalisation in Syria poses growing threat to Europe, says Turkish leader,” The Guardian , November 4, 2013, at: http://goo. gl/7VslZ6
  4. “ Washington Post’s Ignatius Agrees With Turkey’s Stance on Syria,” Daily Sabah , October/11/2014, at: http://goo.gl/pMY6bH
  5. Ulgen.

من أجل عملية برية"8. وتعدُّ هذه إشارة إلى أنّ تركيا لن تخوض هذه العملية بمفردها، بل عبر مشاركة دول التحالف الدولي ودعمها. وبهذا، يبدو أنها تخشى من تحويل الأزمة إلى شأنٍ تركي خاص في المنطقة تجاه "داعش" في نهاية المطاف، بعد أن تكون قد تورطت في العمليات العسكرية البرية، بدلً من أن تظل المشكلة شأنًا دوليًا حتى تحقيق الأهداف. كما تؤكد أنقرة عدم استعدادها لتحويل جنودها إلى "مرتزقة"؛ فهي تصرّ على مشاركة جنود من التحالف كله وليس قصر العمليات البرية على جنودها؛ إذ يقول يالشين أكدوغان، نائب رئيس الوزراء التركي: "يجب على المجتمع الدولي العمل معًا ضد داعش ... إذا كنتم معنيين بهذا الأمر كثيرًا دعونا نفعل ذلك معًا، فهل الجنود الأتراك مرتزقة؟ يجب أن تكون هناك خطة متماسكة وصلبة لمستقبل سورية"9. لكن هذا التشديد التركي على الإستراتيجية الشاملة التي تتضمن تغيير النظام في سورية لا تلقى استجابة كاملة من واشنطن، فبالنسبة إلى الدول الغربية، يبقى تنظيم "داعش" هو الذي يشكل حاليًا التهديد الرئيس لها10. ولذلك يرى بعضهم أنّ الشروط التي تضعها الحكومة التركية للتدخل تسعى لتحقيق أهدافٍ بعيدة المنال؛ فهي تريد في وقتٍ واحدٍ محاربة "داعش"، وتغيير النظام في سورية، ومنع أي احتمالٍ للاستقلال الكردي. وهذا النهج الطموح والمبالغ فيه قد يؤدي إلى عدم تحقيق أي من هذه الأهداف، وقد يضيّع فرصة المساهمة في استقرار المنطقة11. وعلى الرغم من التفاوت في الرؤى والاختلاف تجاه بعض الأهداف، فإنّ التحالف الدولي الذي تشكّل مؤخرًا ضد "داعش" وتركيا يلتقيان على وجود خطر داهم يهدد الجميع؛ وهو انتشار التنظيم وسيطرته على أجزاء واسعة بين العراق وسورية وإعلان دولة لا تعترف بالحدود القائمة وتهدد دول التحالف بالانتقام وعدم الاستقرار. لذلك، أدرك الطرفان أنّ هناك حاجة ملحة للانتقال إلى خطوات عملية تساهم في وقف تمدّد التنظيم وتزايد قوته. ويفرض الأمر الواقع الحالي دعم الجيش العراقي وقوات البشمرغة الكردية في العراق، وهو الأمر الذي لا خلاف عليه، في حين تم الاتفاق مؤخرًا على أنّ المعارضة السورية المسلحة هي الطرف المؤهل الوحيد الذي يمكنه مواجهة داعش في شمال سورية وشرقها؛ لأنّ تركيا ترفض تمامًا التعاون مع النظام السوري، فيما تجد العديد من الدول الغربية حرجًا في التعاون معه بعد ما أحدثه في السنوات الثلاث الماضية في سورية. لذا، اتفقت الولايات المتحدة وتركيا على تسليح مجموعات من المعارضة السورية "المعتدلة" وتدريبها؛ بحيث تتولى "وكالة الاستخبارات القومية التركية" تحديد هؤلاء المعارضين السوريين المعتدلين لتدريبهم في قاعدة عسكرية على الحدود التركية - السورية. أما الولايات المتحدة فقد وافقت على تقديم التسليح المتعلق بمعدات التدريب، كما تم الاتفاق على أن تضم المجموعة الأولى أربعة آلاف عنصر من المعارضة12. ولا يشمل برنامج التدريب الأميركي - التركي حزب الاتحاد الديمقراطي، الذراع العسكري لوحدات الحماية الشعبية الكردية، لأنّ تركيا تعدّه مرتبطًا بمنظمة إرهابية بحسب تصنيفه قانونيًا لديها13؛ وتقصد حزب العمال الكردستاني. وفي هذا الصدد، يرى بعضهم أنّ أنقرة تسعى لتجنّب أن تفضي الحرب على "داعش" إلى أي شكل من أشكال دمج حزب العمال الكردستاني في التحالف الدولي؛ لأنّ ذلك سيعزز قوته وشرعيته قبل أن تصل معه إلى اتفاق سلام نهائي. ويتنامى الحذر التركي في وقت يستعد فيه هذا الحزب للاستفادة من حاجة التحالف الملحّة، وهو يبحث عن طرق لاحتواء خطر التنظيم وتقليص انتشاره. وقد تفضي الاستعانة بهذا الحزب إلى إجراء قانوني ضروري في الولايات المتحدة يتعلق بحذفه من قائمة المنظمات الإرهابية كي تتمكن هي والاتحاد الأوروبي من تزويده بالأسلحة. أما تركيا فقد ترى أنّ تحسين صورة هذا الحزب يأتي في وقت غير مناسبٍ؛ فتحسين صورته خارجيًا قد تؤدي إلى تزايد مطالبه وشروطه إلى أقصى حدٍ في محادثات التسوية الجارية بين الطرفين. وفي حال فشل سيناريو تلك المحادثات، قد يؤدي الأمر إلى عودة تركيا لمواجهته مرة أخرى، ولكن سيكون ذلك في الوقت غير مناسب؛ لأنه يكون قد تلقى دعمً وتأييدًا دوليين14.

  1. “ Erdo ğ an visits Syrian refugees, calls for ground operation against ISI,” Daily Sabah at: http://goo.gl/BtZN74
  2. “ Are Turkish soldiers your mercenaries? deputy PM asks,” Hurriyet Daily News , October 11, 2014, at: http://goo.gl/1S2GpC
  3. Ulgen.
  4. Ibid.
  5. “ Turkey, US to Provide Military Training for Syrian Opposition,” Daily Sabah , October 11, 2014, at: http://goo.gl/8JIhhK
  6. Ibid.
  7. Sinan Ulgen and F. Doruk Ergun, “A Turkish Perspective on the Rise of the Islamic Caliphate,” EDAM Discussion Paper Series 2014/6, September 1, 2014, at: http://www.edam.org.tr/Media/IcerikFiles/1019/ISIL_TR_Perspective.pdf

من جانب آخر، تستغرب الحكومة التركية حاليًا طلب الأحزاب الكردية، وحتى بعض أحزاب المعارضة التركية مثل حزب الشعب الجمهوري، التدخل لمساعدة مدينة عين العرب – كوباني، في حين كانت تحذرها سابقًا من أي تدخل في الشأن السوري طوال السنوات الثلاث الماضية. فعندما أقر البرلمان التركي مشروع قانون في تشرين الأول/ أكتوبر 2012 يمنح الجيش تفويضًا مدَّته سنة واحدة لنشر قوات برية تركية خارج حدود البلاد، عارضه نواب حزب الشعب الجمهوري وحزب السلام والديمقراطية الكردي، واعتبر حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية حينها أنَّ النظام السوري يقوم بتسليح حزب العمال الكردستاني وتجهيز أحد فروع الحركة الكردية الانفصالية على طول الحدود التركية - السورية من أجل الانتقام من سياسة تركيا تجاه سورية15.

التدخل العسكري وضروراته

يثير تباين المواقف في الساحة السياسية التركية، والضغوط والنداءات التي تطالب تركيا بالتدخل حاليًا، تساؤلً مهمً عن الحدّ الذي تعتبره الحكومة التركية فاصلً كي تتدخل عسكريًا وبشكل مباشر. فبعد أن قررت تركيا المشاركة رسميًا في التحالف الدولي لمواجهة "داعش" في سورية والعراق، فإنّها تدرك أنها أضحت هدفًا لهجماته الانتقامية. ومن هنا، فإنّ تعرضها لهجوم مباشر من قبل تنظيم "داعش" أو أي مجموعة في تركيا قد يدعمها التنظيم علانيةً، سوف يُعدّ تهديدًا مباشرًا للأمن القومي التركي. وقد يحظى التدخل العسكري المباشر حينها بتأييد شعبي، بل ربما بمطالبة واسعة بالرد، وبخاصة إذا تم استهداف ضريح سليمان شاه، جدّ سلالة السلاطين العثمانيين، الذي يقع داخل الأراضي السورية شمال حلب على بعد نحو ثلاثين كيلومترًا من الحدود التركية مع سورية، والذي يعد أرضًا تركية بموجب اتفاقية أنقرة لعام 1921. في الواقع، يعد الضريح أحد الأهداف المحتملة المفضلة لانتقام "داعش"، بسبب موقعه داخل الأراضي السورية وسيطرة التنظيم على الأراضي القريبة منه، والأفضلية العسكرية التي يحظى بها التنظيم نظرًا إلى محدودية الوجود العسكري التركي هناك. ولذلك، عزّزت تركيا دفاعاتها تجاهه، ونشرت عناصر القوات الخاصة على طول الحدود القريبة منه، كما نشرت مدفعية وصواريخ يمكنها الوصول إلى المنطقة المحيطة به من دون الحاجة إلى انتهاك الأجواء السورية16.

وعلى الرغم من موقف تركيا الحالي الذي لم يستجب كليًا لمطالب التدخل المباشر أو فتح ممر لإمدادات السلاح في الوقت الذي تجري فيه المعارك على بُعد مئات الأمتار من حدودها، فإنها أعلنت صراحة أنه في حال تعرّض أمنها القومي لتهديد أو وقوع هجوم على ضريح سليمان شاه، فإنها "لن تتردد في اتخاذ جميع الإجراءات المطلوبة"17. ويأتي هذا الموقف لأنّ الحكومة التركية تدرك اتفاق أغلبية الرأي العام التركي على أنّ استهداف الضريح يعد اعتداءً واضحًا على الأراضي التركية، لما له من مكانة معنوية، فضلً عن كونه رمزًا للسيادة التركية. فردًّا على سؤال طُرح في استطلاعٍ أجرته جامعة إسطنبول، وهو: "ما الشروط التي من شأنها أن تتطلب تدخلً تركيًا عسكريًا في سورية؟"، أجاب %79 من المستجيبين بأنّ "وجود تهديد مباشر فقط ضد تركيا يبرر ذلك"18. إنّ هذه النسبة المرتفعة جدًا من تأييد التدخل العسكري في هذه الحالة فقط جاءت في ظل ظروف ما قبل تهديدات "داعش" الجدية وقبل اقترابه من الحدود التركية. فكيف ستكون النسبة في ظل تهديد وشيك أو وقوع هجوم فعلي؟ إضافةً إلى ذلك، فإنّ اعتبار وقوع اعتداء على الأراضي والمصالح التركية كشرطٍ للتدخل العسكري ينطوي على أمرين آخرين لدى الحكومة التركية: الأول، محاولة الدولة الاحتفاظ بهيبتها بوصفها قوة إقليمية

  1. Fatma Kayabal, “Reaction in Turkey to AKP’s Policy on Syria: Divided Society, Polarized Politics,” Qantara , October 12, 2012, at: http://goo.gl/8iihhB
  2. Can Kasapo ğ lu and F. Doruk Ergun, “Defending the Tomb of Suleyman Shah: Turkey’s Options and Challenges,” EDAM Discussion Paper Series 2014/8, October 1, 2014, at: http://www.edam.org.tr/Media/Files/2159/ SuleymanSahReport.pdf
  3. “ Turkey’s ISIS Formula: A New Power in The Region”, Daily Sabah , October 12, 2014, at: http://goo.gl/JVp3zq
  4. بحسب استطلاع للرأي أجرته جامعة إسطنبول في 26 مدينة تركية مع نحو 1000 شخص بين 26 كانون الأول/ ديسمبر 2012 و 6 كانون الثاني/ يناير 2013، انظر: Kadri Gürsel, “Poll Shows Weak Support for Turkey’s Syria Policies,” The Monitor , at: http://goo.gl/GtPJ5L

لا تتحرك إلا وفق مبررات قانونية تراعي الالتزامات الدولية مثل حق الردّ في حال تعرّضها لهجوم مسلح بحسب ميثاق الأمم المتحدة. أما الأمر الثاني الذي يعدّ مهمً على الصعيد العسكري وكسندٍ سياسي، فهو سعي تركيا لعدم الردّ بصفة منفردة، بل من خلال جهد جماعي، لأنّ عضويتها في حلف شمال الأطلسي تُلزم أعضاءه جميعهم بالدفاع عنها؛ بحسب المادة الخامسة المعروفة من ميثاقه. وبهذا، فهي تعتبر أي تدخل عسكري لا يتسق والالتزامات الدولية أو شروط تحالفاتها الغربية سوف يحرمها من التدابير الجماعية والإمكانات والقدرات العسكرية التي توفرها لها تلك التحالفات. أما إقليميًا، فإنّ تركيا تحذر من الانعكاسات الأمنية والجيوبولتيكية بسبب الطبيعة المتغيرة لداعش ودولته المعلنة. ويرى بعض المحللين أنّها تريد أن يكون لديها تأثير سياسي قوي في مرحلة ما بعد الأسد، عبر تأسيس علاقات قوية مع فصائل الثوار السوريين، ولكن مثل هذا السيناريو يسبِّب خسارة إيران لنفوذها في سورية، وربما في لبنان أيضًا؛ ما يعني خسارة المنافس التاريخي لتركيا موقعه في سياق التنافس الإقليمي على القوة19. فقد شهدت العلاقة التركية مع إيران توترًا في بداية الأزمة السورية بسبب ظهور اختلاف جذري في المواقف تجاهها. وعلى الرغم من محاولة تغليب المصالح المشتركة على مواضع النزاع الإقليمي مثل وصف الرئيس الإيراني حسن روحاني للشراكة مع تركيا في حزيران/ يونيو الماضي بأنها "إستراتيجية وقوية"20، فقد عادت الاتهامات المتبادلة مؤخرًا بين البلدين؛ إذ يصف كلٌ منهما الآخر بأنه يقوم بدورٍ خطيرٍ في سورية. أما العراق فتشهد علاقته بتركيا تحسنًا في ظل مصالح الطرفين في مواجهة التهديدات التي يفرضها تنامي الانفلات الأمني على الحدود وتزايد الأخطار التي يمثلها تنظيم "داعش"، وبخاصة بعد سيطرته على أجزاء واسعة من سورية والعراق. ومن أجل احتواء ظهور مشكلة كردية تستهدفها مجددًا، تحرص تركيا على تعزيز علاقتها بإقليم كردستان العراق، في مجالات الطاقة والاقتصاد والأمن؛ لتعزيز مساهمة هذا الإقليم في أمن تركيا.

خلاصة

تتباين المواقف والآراء بشأن موقف الحكومة التركية من التدخل عسكريًا في سورية. وعلى الرغم من الانعكاسات السلبية والخطرة لسقوط المدينة بيد تنظيم "داعش" على الصعيد الإنساني، والأمن القومي التركي، وعملية السلام الجارية مع الأكراد، فإنّ الحكومة التركية تصرّ على أنّ تدخلها وتوقيته لا يخضعان للضغوط، وأنها تتعامل مع كارثة المدينة في إطار الصورة الكلية للوضع في المنطقة، وفي سورية تحديدًا، وأنها لا تتدخل عسكريًا وبصفة مباشرة إلا بتوافر مبررات التدخل التي تسمح لها بحق الرد وتتيح لها المساندة دوليًا وأطلسيًا. أما التدخل حاليًا، فإنّ إشارتها إلى أنّ الجنود الأتراك "ليسوا مرتزقة"، تعني أنها لا تشارك إلا بمثل مشاركة التحالف الدولي ضد "داعش" الذي تنخرط كثير من دوله في الضربات الجوية في حين أنها ترفض إرسال قوات برية حتى الآن. بهذا الموقف، تحاول أنقرة التذكير بأنها دولة إقليمية مركزية تقرر ما تقوم به ولا تخضع لأجندة الآخرين، وهي المقولة التي طالما نظَّر لها رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو في كتاباته وتصريحاته، منذ كان أستاذًا جامعيًا ثم مستشارًا لرئيس الوزراء فوزيرًا للخارجية. وفضل عن ذلك، يؤكد الموقف التركي حتى الآن الافتراض القائل أنّ تركيا بعد انتخابات الرئاسة الأخيرة، تسعى لتقليص انخراطها في مشاكل الجوار بدلً من نهجها النشط الذي اتبعته في العقد السابق، لأن لديها أهدافًا داخليةً تتعلق بإستراتيجية عام 2023؛ إذ يسعى الحزب الحاكم للوفاء بوعوده تجاهها، ومنها تبوّء المرتبة الاقتصادية العاشرة عالميًا، وإقرار دستور جديد يؤسس "جمهوريةً جديدةً"، وحل قضية الأكراد نهائيًا. ولذلك، فالأرجح ألا تنصرف تركيا عن تركيز اهتمامها على هذه الأهداف، إلا في حال وقوع اعتداء مسلحٍ مباشرٍ أو وجود تهديدٍ فعلي يستهدفها. وقد يكون حتى هذا التدخل محدودًا في إطار الردّ الذي يحفظ الهيبة ويحقق الردع ويقلص التهديد، من دون الدخول في حرب مفتوحة في الجوار. وبناءً على مجمل المواقف التركية إزاء موضوع التدخل العسكري، يمكن استنتاج أنّ أنقرة ربما تعوّل على ثلاثة أمور تُجنِّبها الانعكاسات السلبية لعدم الاستجابة لنداءات التدخل، أو قد تخفف منها؛ وهي تتعلق بالأكراد، و"داعش"، ودور المعارضة السورية: بالنسبة إلى الأكراد، تعتقد تركيا غالبًا أنّ مصلحة حزب العمال الكردستاني تقتضي التزام محادثات السلام أو تعليقها على أبعد تقدير؛ لأنّ الوضع الإقليمي ليس في مصلحته كي يعلن انسحابه النهائي منها أو يعلن الحرب مجددًا على الحكومة التركية. وهي تفترض أيضًا أنّ الحزب ذاته لا يستطيع فتح جبهات في الداخل

  1. Ulgen and Ergun.
  2. “ Turkey, Iran on different page in Syria but ties ‘strategic’,” Hurriyet Daily News , June 9, 2014, at: http://goo.gl/AtZSwH

التركي ضد الحكومة وفي سورية ضد "داعش" في الوقت نفسه، وذلك في ظل فقدانه النفوذ في المناطق المساندة له في سورية، فضلً عن عدم ترحيب إقليم كردستان العراق بأي خطوات تصعيدية تجاه تركيا بسبب وجود تقارب في المواقف والمصالح المشتركة. وبالنسبة إلى "داعش"، لعلّ أنقرة تعوّل على إدراك التنظيم لقوتها بوصفها دولةً متماسكةً وليست رخوة أو منهارةً أو يسودها الانفلات الأمني والإقليمي كحال العراق وسورية. وعلى الرغم من ذلك، فإنها لا تستبعد الاستجابة للتحدي في حال وقوع السيناريو الأسوأ عبر تنفيذ التنظيم بعض تهديداته. أخيرًا، تصرّ تركيا على أنّ مصلحة المنطقة برمتها تقتضي معالجة أساس المشكلة وأعراضها في آنٍ معًا. وهذا ما طالبت به طوال الفترة الماضية؛ بمعنى الضغط على التحالف الدولي لاعتماد رؤيتها القائمة على استهداف النظام السوري وتنحيته، ومواجهة "داعش" في العراق وسورية، وتدريب المعارضة السورية وتسليحها بوصفها الطرف المؤهل على الأرض الذي يستطيع مواجهة الاثنين معًا. كما تصرّ على أن يتبنى التحالف الدولي اقتراحها الداعي إلى إقامة منطقة عازلة، أو كما تسميها آمنة، على الحدود التركية - السورية، عبر حظر الطيران فوقها لاستيعاب اللاجئين وتأمين قواعد انطلاق للمعارضة داخل سورية. وبناء عليه، ربما تحاول تركيا تجنّب التورط في عمليات برية شاملة قد تستنزف قدراتها، وتعرقل طموحاتها الاقتصادية والسياسية، وتدخلها في صراعٍ مع أطراف ذات طبيعة متغيرة وعابرة للحدود مثل "داعش"، أو حربٍ طائفية، أو مواجهةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرةٍ مع قوة إقليمية منافسة مثل إيران ذات النفوذ الواسع في كل من سورية والعراق. وفي خضم المواقف والرؤى والتحليلات المتباينة في الوقت الراهن، تمرّ المنطقة بفترةٍ أضحى كل فاعلٍ فيها، دولةً وما دون الدولة، يحاول تجنّب السيناريوهات الأسوأ بسبب كثافة التدافعات الدولية والإقليمية والمحلية وتداخلاتها، ومن ثمّ يسعى لإيلاء مصالحه الأولوية القصوى بنهجٍ سياسي واقعي براغماتي.