مراجعة كتاب الاستخبارات العسكرية تخرج للضوء

محمود محارب

المؤلف: دافيد سيمانطوف، وشاي هركوفيتس. الناشر: معرخوت، تل أبيب،.2013 سنة النشر.2013: عدد الصفحات: 246 صفحةً من القطع الكبير.

العقد الأوّل لجهاز الاستخبارات العسكريّةفي الجيش الإسرائيلي

يُنسب إلى نابوليون بونابارت قوله: "إنّ جاسوسًا في المكان الملائم يساوي ألف جندي في ميدان المعركة." لقد أدركت الحركة الصهيونية مبكّرًا أهميّة التجسّس وجمع المعلومات المختلفة عن العرب وتحليلها ووضعها أمام متّخذي القرار الصهيوني. فقبل تأسيس إسرائيل بعدة عقود، أنشأت الحركة الصهيونية جهازين أساسيين للمخابرات، أحدهما كان تابعًا للدائرة السياسية للوكالة اليهودية، والآخر كان تابعًا للمنظمة العسكرية الصهيونية الهاجاناه. وفي حزيران/ يونيو 1948 أقام الجيش الإسرائيلي الاستخبارات العسكرية داخل شعبة العمليات في هيئة الأركان العامّة للجيش. وقد أدّى تطوّر الاستخبارات العسكرية وضرورة توسيع صلاحياتها وازدياد أهمّيتها وضرورة إقامة علاقات مباشرة بين قائدها والمستوى السياسي، إلى إخراجها من شعبة العمليات العسكرية، وموضعتها بوصفها جسم مستقلً في هيئة الأركان العامة، وليكون رئيسها مسؤولً مباشرة أمام رئيس هيئة الأركان العامة.

تحتلّ الاستخبارات العسكرية أهمية قصوى في نظرية الأمن الإسرائيلي. وبما أنّ الجيش النظامي كان صغيرًا نسبيًّا، فإنّ إسرائيل تعتمد على جيش الاحتياط في حروبها ضد الدول العربية المحيطة بها. ولكي لا تتفاجأ إسرائيل بشن دولة أو عدة دول عربية حربًا عليها، أنيطت مهمة انذار الحكومة الإسرائيلية بإمكان حدوث حرب ضد إسرائيل قبل عدة أيّام من وقوعها على الأقل، إلى الاستخبارات العسكرية، لكي تتمكّن الحكومة من استدعاء قوات الاحتياط للحرب. وانطلاقًا من أهمّية دورها في الأمن الإسرائيلي، خصّصت الحكومة ميزانيات كبيرة لأجهزة المخابرات الإسرائيلية المختلفة، وحافظت على سريّة هذه الميزانيات طوال العقود الماضية. وقد كشفت صحيفة هآرتس في أيار/ مايو 2014 أنّ ميزانية جهازيْ الشاباك والموساد في عام 2012 بلغت 6.63 مليار شيكل1. وهذه الميزانية، المنفصلة عن ميزانية الجيش الإسرائيلي، تعادل 12 بالمئة من ميزانية الجيش التي تشمل داخلها ميزانية جهاز الاستخبارات العسكرية، والذي يُعتبر أهمّ أجهزة المخابرات الإسرائيلية وأكبرها. يعالج كتاب "الاستخبارات العسكرية تخرج للضوء: العقد الأول لجهاز الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي"، تبلور جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) وتطوّره منذ تأسيسه في عام 1948 وحتّى عام 1960. وقد اتّبع المؤلّفان المنهج المؤسّساتي في هذا البحث، وركّزا على علاقات جهاز الاستخبارات العسكرية مع محيطه وعلى التركيبة المؤسّساتية الداخلية لهذا الجهاز ووظائفه، ودور هذه المركبات وعلاقاتها في ما بينها. ولم يتمحور الكتاب حول معالجة قضية واحدة أو عدة قضايا بعمق، ولم يلجأ إلى تمجيد جهاز الاستخبارات العسكرية أو عرض أعمال خارقة قام بها، وإنما قام بعرض عمل الاستخبارات العسكرية الروتيني وتحليله. وقد استند المؤلّفان اللّذان خدما سابقًا فترة طويلة في قسم الأبحاث التابع للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، إلى مصادر منشورة وإلى إرشيف هذا الجهاز. ونشر هذا الكتاب في صيغته الأولى في عام 2010 بشكل محدود، وكان مخصّصًا لاطلّاع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية فقط، كما جاء في مقدمة الكتاب (ص 15)؛ وفي عام 2013 نشر هذا الكتاب إلى الملأ، بعد أن قامت الرقابة العسكرية الإسرائيلية بحذف أجزاء منه للحفاظ على سرّيتها. يتكوّن هذا الكتاب الذي صدر باللغة العبرية، من مقدمة وثلاثة أقسام وخاتمة جاءت في 246 صفحة من القطع الكبير. كان القسم الأول بعنوان "حجر الأساس" وشملت فصوله الثلاثة الإطار النظري والتطوّرات الأمنية المركزية في عقد الخمسينيات من القرن الماضي التي أثّرت في تبلور جهاز الاستخبارات العسكرية "أمان"، والتغييرات في جهاز الاستخبارات العسكرية في عقد الخمسينيات. أمّا القسم الثاني فعنوانه "علاقات الاستخبارات العسكرية مع محيطها"، وعالج الفصل الرابع العلاقات بين أمان والمستوى السياسي، ودرس الفصل الخامس علاقات أمان الخارجية، وبحث الفصل السادس في العلاقات المتبادلة بين أمان والجيش الإسرائيلي، وتابع الفصل السابع التغييرات التي طرأت في فهم أمان للإنذار عن الحرب، وتناول الفصل الثامن علاقات أمان بأجهزة المخابرات الإسرائيلية الأخرى. وبحث القسم الثالث من الكتاب تركيبة جهاز أمان، حيث درس الفصل التاسع تركيبة أمان وأهدافه ونشاطاته، وعالج الفصل العاشر قسم جمع المعلومات في أمان، وبحث الفصل الحادي عشر في وحدات جمع المعلومات التي تعتمد على الأجهزة الإلكترونية، وتناول الفصل الثاني

  1. جيلي كوهين، "ميزانية الشاباك والموساد ازدادت ب %10 في السنة الماضية"، هآرتس، 2014/5/22، انظر: http://www.haaretz.co.il/news/politics/.premium-1.2328442 العقد الأوّل لجهاز الاستخبارات العسكريّةفي الجيش الإسرائيلي

عشر بالدرس وحدات أمان التي تعتمد على القوى البشرية في جمعها للمعلومات، أمّا الفصل الثالث عشر فتابع تطوّر قسم الأبحاث في أمان. ونظر الفصل الرابع عشر في تطوّر فرع الاستخبارات الحربي وفرع الأمن الوقائي الداخلي وفرع الرقابة العسكرية. في سياق عرضه وتحليله لعمل جهاز أمان، تابع الكتاب تبلور هذا الجهاز وتتطوّره، وتوسيع مجالات عمله، وازدياد دوره وتأثيره في عملية صنع قرارات الأمن القومي، وأشار إلى النجاحات التي حقّقها، ولكنه لم يغفل الاخفاقات التي مُني بها، والمشكلات التي واجهته في العقد الأوّل ونيّف لتأسيسه، والتي أطاحت بثلاثة من أربعة رؤساء أمان في العقد الأول لتأسيسه. فقد أقيل رئيس أمان الأوّل إيسر بئيري في كانون الأول/ ديسمبر 1948 بعد مرور نصف عام على تولّيه منصبه؛ لارتكابه العديد من الجرائم والمخالفات، فخلفه نائبه يتسحاك هيرتسوغ لفترة انتقالية وجيزة. وفي عام 1950 عُيّ بنيامين جبلي رئيسًا لهذا الجهاز وأقيل من منصبه في شباط/ فبراير 1955 بسبب ما أطلق عليه "العمل المشين" وحلّ محلّه يهوشفاط هركابي، والذي أقيل من منصبه في عام 1959 بسبب مسؤوليته عن دعوة جيش الاحتياط الإسرائيلي للالتحاق بوحداتهم القتالية فورًا، من دون الإعلان أنّ هذه الدعوة هي في حقيقة الأمر مجرّد تمرين عسكري، ليحلّ مكانه يعقوب هيرتسوغ الذي احتفظ بمنصبه حتى عام.1962 وكان من بين أهمّ إخفاقات أمان ما أُطلق عليه في الأدبيات الإسرائيلية "العمل المشين" أو "فضيحة لافون." ففي تموز/ يوليو 1954 قامت مجموعة تابعة لجهاز الاستخبارات العسكرية أمان، التي كان معظم عناصرها مواطنين مصريين يهودًا، بعدة عمليات تخريبية في مصر استهدفت المدنيين المصريين والأجانب، بغرض إثارة البلبلة وإظهار ضعف النظام في مصر والإساءة لعلاقات مصر الخارجية، ولا سيما مع كلٍّ من بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية. وقد ألقت السلطات المصرية القبض على هذه المجموعة وحكمت على اثنين منها بالإعدام ونفّذته، وانتحر ثالث من هذه المجموعة في السجن، وحكمت على البقية بالسجن لفترات طويلة. وقد تفاعل فشل عملية الاستخبارات العسكرية في مصر فترة طويلة في إسرائيل، ودار صراع خلالها بشأن من أصدر الأمر للقيام بالعمليات التخريبية في مصر، أهو وزير الدفاع بنحاس لافون أم رئيس الاستخبارات العسكرية بنيامين جبلي، من دون علم وزير الدفاع، ومن دون أخذ موافقته وموافقة رئيس الحكومة حينئذ موشيه شاريت. وقد تفاقمت هذه المشكلة في ضوء حدوثها أثناء احتدام الخلافات بين المستوى السياسي والعسكري في الفترة التي كان فيها بن غوريون2 مستقيلً من منصبي رئيس الحكومة ووزير الدفاع ومعتكفًا في كيبوتس سديه بوكير في النقب. وأثناء تلك الفترة حافظ بن غوريون على علاقاته المتينة للغاية وعلى تواصله مع قادة المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، ما أثار الشكوك بشأن دوره في إصدار أمر غير رسمي لرئيس أمان بنيامين جبلي بتنفيذ العمليات التخريبية في مصر. وأدّت هذه المشكلة إلى إقالة رئيس أمان بنيامين جبلي، واستقالة وزير الدفاع بنحاس لافون في شباط/ فبراير 1955، وأدّت تفاعلاتها والصراعات المستمرة بشأن من أصدر الأمر، دورًا مهمًّ في استقالة بن غوريون من رئاسة الحكومة في حزيران/ يونيو 1963. ولم يغُص الكتاب في تفاصيل من أصدر الأمر، ولا في تفاصيل هذه المشكلة، وإنّ ا عالج طبيعة العلاقات التي كانت قائمة بين أطراف الصراع بشأن هذه المشكلة التي هزّت أمان، وتابع مدى تأثيرها في مجريات تطوّره.

يشير المؤلّفان إلى أنّ دافيد بن غوريون أولى أمان أهمية كبيرة، بعد عودته لرئاسة الحكومة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1955. ففي تلك الفترة كان بن غوريون يخطّط ويُعدّ لشنّ حرب على مصر، قبل أن تتمكّن من استيعاب الأسلحة السوفياتية الحديثة التي بدأ الاتحاد السوفياتي بتزويدها بها. وفي هذا السياق عزّز بن غوريون مكانة أمان ودوره بقيادة رئيسه الجديد يهوشفاط هاركابي الذي نسب إليه المؤلّفان تمتّعه برؤية استراتيجية واسعة، شدّدت على ضرورة إيلاء أمان الأهمية، ليس فقط للجانب العسكري في الصراع العربي – الإسرائيلي وإنما أيضًا إلى مختلف جوانب الصراع العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والنفسية. وأشار المؤلّفان إلى أنّ بن غوريون استجاب إلى طلبات هركابي لزيادة ميزانية أمان في

  1. استقال دافيد بن غوريون من منصبيْ رئيس الحكومة ووزير الدفاع في السابع من كانون الأول/ ديسمبر 1953، واعتكف في كيبوتس "سديه بوكير" في النقب، وحلّ مكانه في منصب رئاسة الحكومة موشيه شاريت، وفي منصب وزير الدفاع بنحاس لافون. وفي شباط/ فبراير 1955 عاد بن غوريون إلى منصب وزير الدفاع على إثر استقالة بنحاس لافون من هذا المنصب وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 1955 عاد بن غوريون أيضًا إلى منصب رئيس الحكومة.

النصف الثاني من الخمسينيات، إذ جرى توسيع أقسام أمان المختلفة ولا سيما أقسام الأبحاث وجمع المعلومات عامًا بعد آخر. وقد تمكّن أمان جرّاء ذلك من أن يعزّز مكانته بصفته أوسع مؤسسة وأهمّها في إسرائيل، تمتلك المعلومات وتحتكر الكثير منها، وتقرأ وتفسر واقع الصراع العربي - الإسرائيلي بمختلف جوانبه؛ فأصبح المقيم للأمن الإسرائيلي لدى الحكومة الإسرائيلية، لا تنازعه في مكانته أي مؤسّسة إسرائيلية أخرى. أشار المؤلّفان إلى أنه في سياق استعداد إسرائيل لشنّ حرب على مصر، حرص بن غوريون منذ بداية عام 1956 على عدم تسخين الجبهة مع مصر؛ فلم يقم بعمليات عسكرية على غرار تلك "العمليات الانتقامية" التي شنّها الجيش الإسرائيلي في أعوام 1953 - 1955؛ وذلك لأنّ إسرائيل أرادت ألاّ تتسبّب في اندلاع الحرب في تلك الفترة، قبل أن يتمّكن الجيش الإسرائيلي من استيعاب الأسلحة الكثيرة التي كانت فرنسا حينئذ تزوّده بها. لذلك استعاضت إسرائيل، كما يقول المؤلّفان عن العمليات العسكرية الواسعة، بتكليف أمان باغتيال مسؤولين أمنيين مصريين. فاغتال أمان في 11 تموز/ يوليو 1956 رئيس الاستخبارات العسكرية المصرية في قطاع غزة مصطفى حافظ، بطرد ملغوم، وبعد ذلك بعدة أيّام اغتال أمان الملحق العسكري المصري في الأردن صالح مصطفى، (ص. 48)

أشار المؤلّفان إلى انغماس أمان في الجهد الكبير الذي بذلته إسرائيل في عام 1956 للحصول على الأسلحة من فرنسا في سياق استعدادات إسرائيل لشنّ حرب على مصر. وقد شارك رئيس أمان هاركابي إلى جانب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي موشيه ديان، ومدير عام وزارة الأمن الإسرائيلية شمعون بيرس، في الاجتماعات والاتّصالات السريّة التي جرت مع وزارة الدفاع والمؤسّسة العسكرية والأمنية الفرنسية. وقد جرى الاتّفاق خلال هذه المفاوضات السريّة، والتي حصلت إسرائيل فيها على كميات كبيرة من الأسلحة الفرنسية، بأن تقدّم إسرائيل مساعدات استخبارية لفرنسا ضد الثوّار الجزائريين لتمكين فرنسا من قمع الثورة الجزائرية، (ص 58.) وتابع المؤلّفان كذلك دور أمان في تأسيس "حلف المحيط" الذي شكّلته إسرائيل مع تركيا وإيران وإثيوبيا في النصف الثاني من الخمسينيات، ضد مصر والمشروع النهضوي القومي العربي الذي قادته بزعامة الرئيس عبد الناصر. بحثت فصول الكتاب التي عالجت جمع المعلومات في أمان بالتفصيل، التطوّرات والتحديثات المهمّة التي حصلت في عقد الخمسينيات في أقسام جمع المعلومات في أمان، سواء تلك التي تعتمد على الأجهزة الإلكترونية وخاصّة التصنّت أو تلك التي تستند إلى القوى البشرية. وأشار المؤلّفان إلى أنّ هذه التحديثات في جمع المعلومات، حسّنت من قدرة أمان على إعطاء إنذار مبكّر لإمكانية حدوث حرب على إسرائيل من الدول العربية. وأشار المؤلّفان في سياق عرضهما لتطوّر جمع المعلومات التي تعتمد على القوى البشرية إلى تقرير عمل أمان لعام 1955، والذي ذكر أنّ أمان أقام شبكات عملاء في كلّ من مصر والأردن وسورية ولبنان والسعودية. وعمل هؤلاء العملاء في جمع المعلومات في المجالات السياسية والعسكرية. وذكر هذا التقرير أن شبكات العملاء في لبنان نجحت في اختراق قيادة الجيش اللبناني وأجهزة الأمن ومكتب رئيس الحكومة (ص. 197-198)

الحرب الاقتصادية والنفسية

كشف الكتاب النقاب عن جزء من المخططات التي وضعها أمان والأجهزة الإسرائيلية الأخرى في سياق الحرب الاقتصادية التي شنّتها إسرائيل ضد الدول العربية، وخاصّة ضد مصر وسورية في عقد الخمسينيات. وهدفت الحرب الاقتصادية وفق الكتاب إلى وضع العراقيل أمام تطوّر الدول العربية اقتصاديًّا، وخاصّة مصر وسورية، وضرب القطاعات الاقتصادية المهمّة فيها، ومواجهة المقاطعة العربية ضد إسرائيل. وذكر المؤلّفان أنّ رئيس أمان يهوشفاط هاركابي وضع في عام 1956 خطّة شاملة للحرب الاقتصادية ضد مصر وسورية، وكان هدفها ضرب اقتصاد هذين البلدين من ناحية، ومواجهة المقاطعة العربية من ناحية أخرى. واستهدفت الخطة ثلاثة قطاعات أساسية: وهي قطاع القطن في مصر وسورية، وقطاع القمح والشعير في سورية؛ وقطاع العملة المصرية والسورية. ودعت الخطة إلى تشكيل لجنة مختصّة من أمان ووزارات إسرائيلية مختلفة لتنفيذه (ص. 89) ولم يتطرّق المؤلّفان إلى مدى تنفيذ الخطّة وتحقيقها لأهدافها.

وأشار المؤلّفان إلى دور أمان في الحرب النفسية التي شنّتها إسرائيل في عقد الخمسينيات، ضد الدول العربية ولا سيما ضد مصر بقيادة الرئيس عبد الناصر، والتي ركّزها قسم الأبحاث في أمان. وهدفت الحرب النفسية وفق الكتاب إلى التأثير في كلّ من القادة والرأي العام في الدول العربية، وزعزعة النظام في مصر، ونزع الثقة في الجندي العربي وخاصة المصري، وكسر إرادة القتال لدى الجيوش والشعوب العربية، وإثارة الخلافات بين الدول العربية، وتشجيع كراهية الأجانب فيها، وإعطاء صورة إيجابة عن إسرائيل (ص 92-91.) وذكر المؤلّفان أنّ أمان أقام بعد حرب 1956 قسمً خاصًا بداخله، ركّز الحرب النفسية ضد العرب بكل جوانبها، ورأسه الرائد ألوف هارئيفن، وكان تحت المسؤولية المباشرة لرئيس أمان هاركابي.

الأكاديميا الإسرائيلية في خدمة الاستخبارات

أكد المؤلّفان أنّ الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية دأبت منذ تأسيسها على التعاون مع الأكاديميا الإسرائيلية للاستفادة من خبراتها الأكاديمية، ولاسيما أنّ الاستخبارات العسكرية كانت تعاني عند تأسيسها من نقص في الخبراء والمختصين ذوي المستوى الأكاديمي الرفيع. وسلّط المؤلّفان الضوء على الدور الذي أدّاه هاركابي في هذا المجال، سواء عندما كان نائبًا لرئيس أمان أو عندما أصبح رئيسًا لأمان. فقد أقام أمان والجامعة العبرية في القدس لجنة مشتركة دائمة، لتأطير التعاون بينهما وتنسيق الأبحاث المعمقة التي تقوم بها الجامعة العبرية لمصلحة أمان مقابل تمويلها. وقد شملت هذه الأبحاث مواضيع مختلفة في مجالات الاقتصاد، وعلم الاجتماع، والجغرافيا، ووضع الخرائط المفصّلة للمنطقة العربية وترسيمها، والجيولوجيا، والأوضاع السياسية المتغيّة في المنطقة العربية، والأقليات في الشرق الأوسط، وموضوع استفادة العرب من حرب 1948. إلى جانب ذلك، استعان أمان بعدد كبير من المختصيّن في إسرائيل والعالم من خلال إقامته "مجموعة أصدقاء الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية" كان من بينهم بيرنارد لويس3 ويشعياهو برلين وإيلي كدوري وشمئيل آيزنشتات ودوف جويتاين (ص. 219) وذكر المؤلّفان أنّ الباحثين أصدقاء أمان، أقاموا علاقات ثابتة معه وقدّموا له تحليلاتهم وآراءهم بشأن تطور الأحداث في المنطقة العربية، ولفتوا انتباهه إلى الأبحاث المنشورة والمستجدّات التي تهمّه. وفي سياق العمل لترقية العلاقة بين أمان والأكاديميا الإسرائيلية بادر رئيس أمان هاركابي لإقامة مركز أبحاث تابع لأمان في الجامعة العبرية في القدس. كان هركابي، وفق ما ذكر المؤلّفان، منزعجًا من عدم وجود مركز أبحاث في إسرائيل على مستوى رفيع، وعدم وجود أي مستشرق إسرائيلي ذي اسم عالمي حتّى تلك الفترة، وذلك على الرغم من وجود مصادر وموادّ ومعلومات جمّة ومهمّة لدى مركز الأبحاث في أمان، عن المنطقة العربية وعن تطوّر الأحداث فيها، والتي لا يكاد يوجد لها نظير في الغرب. وأكّد هاركابي أنّ قسم الأبحاث في أمان لا يستغل بشكل كامل الموادّ والمصادر والمعلومات الموجودة بحوزته، فهو لا يكاد يستغلّ إلا 40-30 بالمئة منها، وأنه لا تجري فيه أبحاث معمّقة في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ لأنّ الأولوية تُعطى للأبحاث العسكرية والأمنية. وأشار هاركابي إلى أنّ عدم استغلال هذه المواد والمعلومات بشكل كامل يُلحق ضررًا بعملية صنع القرارات المتعلّقة بالأمن القومي الإسرائيلي؛ لذلك، وفي هذا السياق أنشأ أمان مركزًا للأبحاث في الجامعة العبرية أطلق عليه "مركز الأبحاث على اسم ريؤوفين شيلواح." وحدّد أمان أهداف هذا المركز كالتالي: "أولّا، تأسيس قاعدة قوية لتقييم الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عن الشرق الأوسط. وثانيًا، نشر وجهة النظر الإسرائيلية عن الشرق الأوسط في العالم" (ص. 220) ونشط هذا المركز في الجامعة العبرية بالقدس بتمويل من أمان ووزارة الخارجية ومكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية حتى عام 1965، إذ جرى نقله إلى جامعة تل أبيب، وتحوّل اسمه لاحقًا إلى مركز موشيه ديان. ودأب أمان وأجهزة الأمن الإسرائيلية الأخرى في العقود التالية، على إقامة علاقات وطيدة مع جميع الجامعات الإسرائيلية التي أقيمت لاحقًا، وخاصّةً مع مراكز البحث فيها التي تختصّ بالمنطقة العربية والشرق الأوسط.