عرض كتاب الأكراد واللغة والسياسة: دراسة في البنى اللغوية وسياسات الهوية
المؤلف: عقيل سعيد محفوض. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر.2013: عدد الصفحات: 286 صفحة.ً
في ظلّ الانفجار الكبير للمشرق العربيّ، وتفكُّك مجتمعاته ودوله، وصعود الهويات الفرعية الناجم عن إخفاق أنظمة الاستبداد العربيّة في إرساء هوية وطنية جامعة في دولها المتعدّدة دينيًّا وطائفيًّا وإثنيًّا وعرقيًّا، يأتي كتاب الأكراد واللغة والسياسة: دراسة في البنى اللغوية وسياسات الهوية ليساعد على فهم مسألة من أبرز المسائل المعقَّدة والممتدة منذ عشرينيات القرن الماضي؛ وهي المسألة الكرديّة بجميع تشابكاتها الجيوستراتيجية، والديموغرافية، والحقوقية، فضلً عن جدل الواقعي والمتخيل والأسطرة. يشتمل الكتاب على 286 صفحةً تتوزعها مقدمة وعشرة فصول وخاتمه وملاحق. ويعرض الفصل الأول الإطار المنهجي، والمفردات النظرية التي يستخدمها المؤلف؛ مثل الهوية والسياسات اللغوية وسياسات الهوية والإصلاح اللغوي. ويخوض الفصل الثاني في قضايا إشكالية غير متَّفق عليها؛ من قبيل أصل اللغة، والكلام والروايات المتداولة، والأساطير، والسرديات التاريخية والدينية المتعلّقة بأصول تاريخية للأكراد من الجوانب اللغوية (اللغة الكردية الأم)، سواء كان ذلك في الكتب الدينية القديمة (أفيستا)، أو السرديات الشفوية والحكايات؛ مثل حديث فاطمة الزهراء وأبيها النبي محمد (ص) الذي أخبرها بوجود لغات كثيرة غير العربية. ويذكر المؤلف في هذا الفصل اللغة الكردية، و الشاهمانة (كتاب الملوك) للشاعر الفارسي أبي القاسم الفردوسي، وما نقله المسعودي مروج الذهب ومعادن الجوهر عن الأصول العربية في كتاب للأكراد، وقصة الملك الضحاك.. إلخ، ويتوقف عند التكوينات الدينية في المجال العامّ الكردي؛ مثل اليارسانيين، والبهائيين، والأيزيديين، والإسلام. ثمّ يناقش في الفصل الثالث اللهجات أو التكوين اللهجي لما يسميه "المجال الجغرافي الكردي" الذي يُعَدُّه من أهمّ إشكاليات الواقع الكردي الراهن. ويصنف المؤلف اللهجات الكردية في ثلاث مجموعات، هي: اللهجات الشمالية: وأهمها الكرمانجية الشمالية التي تنتشر في تركيا وسورية، والكرمانجية الجنوبية التي تنتشر في العراق، ومجموعة من اللهجات الفرعية المناطقية؛ مثل الأديامانية والمرعشلية والبرجيندية.. إلخ. اللهجات الجنوبية: وهي تنتشر في إيران والعراق، وأبرزها السورانية، والفَيلية (شفوية، لا كتابية)، والقصير شيرينية. الفروع اللغوية الجنوبية والجنوبية الشرقية: وهي تتضمن عدّة لهجات؛ مثل الغورانية، والهورامية، والموركرية، والكلهورية، الناكيلية والكيندولية، والسنجابية والكاكائية.. إلخ. يعالج الفصل الرابع الجدل الألفابائي المستعمل؛ من جهة تعلّق الألفابائية الكردية بالألفابائية العربية (أصليةً كانت أو مُعدلةً)، أو بالألفابائية اللاتينية. وقد برز هذا الجدل بالتزامن مع إحياء اللغة الكردية حديثًا. في حين يتناول الفصل الخامس ما يسميه المؤلف " التهديد اللغوي للأكراد"، وهو يُفرِّق بين تحديات ذاتية تخص المجتمع الكردي نفسه، وأخرى خارجية يُقصد بها السياسات العامة للمجال الكردي في ما يتعلّق بالبناء اللغوي مثل سياسة "التعريب"، أو "التتريك"، أو "التفريس" (نسبةً إلى فارس.) يفرد المؤلف صفحات الفصل السادس للحديث عن التجارب اللغوية للأكراد، وهي تجارب حديثة مرتبطة بزمن الحداثة السياسية للمنطقة في الفترة ما بعد الكولونيالية، بالنظر إلى أنّ الأكراد لم يُولُوا في الماضي مسألة اللغة أهميةً كبيرةً بسبب انشغالهم بهواجس أخرى على غرار تحقيق الأمن الذاتي، ومواجهة السلطات في مجالهم الجغرافي والديموغرافي، والفقر.. إلخ. ويعرض المؤلف التجارب اللغوية الكردية في القرن العشرين، وأهمها: توفيق وهبي -1981( 1984:) هو ضابط كردي في الجيش العراقي، قدَّم مشروعًا متعلّقًا بنظام اللفظ والكتابة الكردية من خلال رؤية مقارنة بين الألفبائيتين العربية واللاتينية، مع تفضيله اللاتينية في الكتابة. بيد أنّ محاولاته لم تكتمل بسبب صعوبات في تفضيل الحرف اللاتيني على الحرف العربي (الحرف الذي كُتب به القرآن.) عرب شمو -18897( 1978:) قام بعمل مؤسس لكتابة الكردية في الاتحاد السوفيتي سابقًا، وخرج بأبجدية لاتينية غير تلك التي صمَّمها اللغوي الأرمني بالاعتماد على الأبجدية الأرمنية. جلادت بدرخان 1951-1897(:) صدر له كتاب قواعد الألفباء الكردية في دمشق عام 1932، وحاول أن يوائم في مشروعه بين التجربتين الفرنسية والتركية ويدور الفصل السابع حول السياسيات التي تنتهجها دول المنطقة تجاه أكرادها في ما يتعلق بموضوع الهوية في أبعادها اللغوية والثقافية والممارسات العقابية المتضمنة في التشريعات والقوانين،
إضافةً إلى أساليب الاحتواء، والاضطهاد الثقافي. وقد أدَّت السياسات السابقة إلى ردَّات فعلٍ ساهمت في تطور وعي الأكراد تجاه هويتهم الفرعية، ولغتهم، ولهجاتهم. ويناقش المؤلف هذه الدينامية المركّبة على نحوٍ تفصيليٍّ في الفصل الثامن. استنادًا إلى التجارب اللغوية التي عرضناها سابقًا يعالج المؤلف في الفصل التاسع مسألة الإصلاح اللغوي، ثمّ مسألة اللغة وسياسات الهوية، في الفصل العاشر، فيرى أنّ سياسة الهوية تُؤسَّس – في جوانب منها - على المعطى اللغوي، وهي بذلك تنفتح على بُؤر من التوتر والنزاع بين الأكراد وجيرانهم أو "مستعمريهم" اللغويين من جهة، والأكراد أنفسهم وجماعاتهم اللغوية أو لهجاتهم من جهة أخرى. لا شك في أنّ هذا الكتاب يُعَدُّ رافدًا مُهمًّ للمكتبة العربية؛ بالنظر إلى غزارة معلوماته من جهة، وأهمية الموضوع الذي تناوله من جهة أخرى، وخصوصًا أنّ هذا الموضوع أصبح بالنسبة إلى الباحث والمواطن العربي أولويةً في الأوضاع الراهنة.