صعود تنظيم الدولة الإسلامية وتحولّات النظام الإقليمي في المشرق العربي
الملخّص
تتبع هذه الورقة التحولّات التي جرت في بنية النظام الإقليمي في المشرق العربي منذ الحرب العالمية الثانية وصولّا إلى التغيير المتوق ع حصوله نتيجة صعود تنظيم الدولة الإسامية في العراق والشام واستئناف واشنطن تدخ لها العسكري المباشر في المنطقة بعد أن امتنعت عن ذلك بعد انسحابها من العراق. وتخلص الورقة إلى نتيجة مفادها أنّ النظام الإقليمي في المشرق العربي بوصفه من المناطق الرخوة جيوبولتكيًّا في العالم كان يتغيّر باستمرار بتغيّر النظام الدولي؛ ابتداءً بنظام الحرب الباردة، مرورًا بالأحادية القطبية، وصول ا إلى حالة الانحدار النسبي في القوة الأميركية. كما تستنتج الورقة أنّه في الوقت الذي كان فيه الفاعلون الرئيسون في النظام الإقليمي في المشرق العربي هم العرب طيلة فترة الحرب الباردة، أضحى المشرق العربي ساحة صراع بين أطرافٍ غير عربية أهمّ ها تركيا وإيران بعد غزو العراق ثم انطاق ثورات الربيع العربي.
مقدمة
يرتبط النظام الإقليمي في المشرق العربي1 ارتباطًا وثيقًا ببنية النظام الدولي؛ بحيث أنّ الأوّل (الفرعي) كان ومنذ نشأته بعد الحرب العالمية الأولى صدى للتحولات والتغيرات التي تطرأ على بنية الثاني (الكلي.) وعندما تحوّل النظام الدولي إلى الثنائية القطبية بعد الحرب العالمية الثانية، اندلعت حرب باردة إقليمية شكّلت سورية ساحتها الرئيسة، أما أطرافها فكانوا مصر والسعودية والعراق، ومثّلت صدى للحرب الباردة الدائرة على المستوى الدولي. بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانتصار الرأسمالية الغربية، تغيّ ت علاقات القوة في المنطقة العربية بالمثل لمصلحة الغرب؛ إذ جرى عزل كلّ من العراق وإيران وتطويقهما، وتشكَّل في المقابل محورٌ سوري- سعودي - مصري داعم لعملية السلام التي أطلقها الأميركيون، وسيطر على السياسة الإقليمية معظم عقد التسعينيات من القرن العشرين. لكن علاقات القوّة في المنطقة ما لبثت أن دخلت طورًا جديدًا بعد هجمات أيلول / سبتمبر 2001؛ إذ ساهمت واشنطن في قلب موازين القوى الإقليمية بصورة مباشرة، عندما احتلت العراق وتحوّلت إلى طرفٍ مباشر في معادلات القوة في المنطقة. بالمثل، أعاد الانسحاب الأميركي من العراق تشكيل علاقات القوة في المشرق العربي؛ فقد تنامى نفوذ القوى الإقليمية، وبخاصة غير العربية، التي استفادت من انكفاء الدور الأميركي لإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحها. في هذه المعركة الجديدة، تحوّلت الدول العربية الكبرى، العربي. وهي العراق وسورية ومصر التي طالما اضطلعت بدور مركزي في موازين القوى الإقليمية، إلى ساحة صراع لاعبوها الرئيسون هم إيران وتركيا والسعودية. في أجواء الصراع المحموم، والذي بدأ يأخذ طابعًا طائفيًّا متزايدًا، بدأت تنظيمات لادولتية تتحوّل في ظروف الصراع الإقليمي إلى لاعبٍ مهمٍ Changer Game؛ فغدا حزب الله لاعبًا مركزيًا في الصراع السوري، وتحول تنظيم "الدولة الإسلامية" الذي نشأ أساسًا ردة فعل على التغول الإيراني في الهلال الخصيب، إلى التهديد الأبرز لنظام سايكس بيكو، ودفع بواشنطن المتمنّعة إلى العودة مجددًا للتدخل عسكريًّا في المنطقة. وينذر استئناف التورط العسكري الأميركي في المنطقة نتيجة صعود تنظيم الدولة، بإعادة ترتيب علاقات القوة فيها عبر مدخليَن أساسيين: الأوّل تراجع نسبي في أدوار الفاعلين الإقليميين في ضوء عودة واشنطن لممارسة دور أكبر بخاصة في العراق؛ والثاني عبر التحالفات والتفاهمات الإقليمية التي ينشدها الأميركيون لمواجهة صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، والتي قد تؤثّر في مجمل الوضع الإقليمي وفي علاقات واشنطن بحلفائها وخصومها على السواء مع ظهور بوادر حصول تباعد تركي - أميركي في مقابل نشوء تقارب أميركي - إيراني عنوانه الرئيس الموقف من الحرب الأميركية على تنظيم الدولة. تتبع هذه الورقة التحولّات التي جرت في بنية النظام الإقليمي في المشرق العربي منذ الحرب العالمية الثانية وصولً إلى التغيير المتوقّع حصوله نتيجة صعود تنظيم الدولة واستئناف واشنطن تدخّلها العسكري المباشر في المنطقة بعد أن امتنعت عن ذلك بعد انسحابها من العراق. وتخلص الورقة إلى نتيجة مفادها أنّ النظام الإقليمي في المشرق العربي بوصفه من المناطق الرخوة جيوبولتكيًا في العالم كان يتغيّ باستمرار بتغيّ النظام الدولي؛ ابتداءً بنظام الحرب الباردة، مرورًا بالأحادية القطبية، وصولً إلى حالة الانحدار النسبي في القوة الأميركية. كما تستنتج الورقة أنّه في الوقت الذي كان فيه الفاعلون الرئيسون في النظام الإقليمي في المشرق العربي هم العرب طيلة فترة الحرب الباردة، أضحى المشرق العربي ساحة صراع بين أطرافٍ غير عربية أهمّها تركيا وإيران بعد غزو العراق ثم انطلاق ثورات الربيع
النظام الإقليمي في المشرق العربي: محاكاة الحرب الباردة إقليميًّا والصراع على سورية2
انبثق النظام الإقليمي في المشرق العربي الكبير مطلع القرن العشرين بوصفه أحد النتائج التي ترتبت على صراع القوى الكبرى التي كانت موجودة على الساحة في ذلك الوقت، حيث خاضت الإمبراطوريات
الأوروبية آخر معاركها في الحرب العالمية الأولى قبل أن تندثر وتظهر على أنقاضها الدول القومية. فانهارت الإمبراطوريات الروسية والنمساوية والعثمانية، والتي كانت تضمّ شعوبًا وقوميات متعددة حافظت على تمايزها ومشاعرها القومية المختلفة قرونًا عديدة. وكما في البلقان ووسط أوروبا، حيث تفكّكت الإمبراطورية النمساوية إلى دول قومية، ظهر على أنقاض الإمبراطورية العثمانية بعد هزيمتها في الحرب الأولى الجمهورية التركية، كما ظهرت ملامح دولة قومية عربية تضمّ معظم الهلال الخصيب وأجزاء من شبه جزيرة العرب3. لكن الأتراك كانوا أشدّ مراسًا في مقاومة محاولات تقسيم بلادهم وانتداب الدول الأوروبية عليها، فسلموا ممّ تعرّض له العرب من تقسيمٍ وانتداب استعماري أوروبي. شكّلت هذه التقسيمات أساس النظام الإقليمي في المشرق العربي الذي ترسّخ في ظروف الحرب الباردة وبيئتها. ومثله مثل بقية النظم الإقليمية الأخرى في العالم، ارتبط النظام الإقليمي في المشرق العربي عمومًا بحالة الصراع الدولي التي سادت خلال سنوات الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، والتي انطلقت عام 9461، حيث تحوّلت موازين القوى الإقليمية في المنطقة إلى طبقة أدنى مشدودة بقوّة إلى الطبقة الأعلى في النظام الدولي، مع ظهور ما أصبح يدعى بالدول التابعة 4. client states وبذلك مثّل التنافس الأميركي - السوفييتي الفاعل الخارجي الأهمّ في تشكيل موازين القوى الإقليمية وما صاحبها من ترتيبات أمنيّة في منطقة الخليج والشرق الأوسط في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية لدرجة أنّ تشكّل هذه الموازين يكاد لا ينفصل عن حكاية الصراع الدولي في المنطقة وعليها5. مع انتهاء الحرب العالمية الثانية تركّزت السياسة الأميركية على منع الاتحاد السوفييتي من التغلغل جنوبًا وغربًا؛ وذلك باعتماد نظرية "الاحتواء" التي وضعها مدير إدارة التخطيط في وزارة الخارجية والسفير الأميركي السابق إلى موسكو جورج كينان Kennan. تحوّلت نظرية الاحتواء هذه إلى إطار سياسة عملي عندما تبنّتها إدارة الرئيس ترومان وجعلت منها إستراتيجية متكاملة لمرحلة ما بعد الحرب6، جرى تعزيزها لاحقًا بمبدأ ترومان والنقطة الرابعة7. ففي آذار / مارس 9471 قدّم ترومان مشروعًا للكونغرس أبدى خلاله استعداد بلاده لتقديم الدعم للدول المعرّضة للخطر الشيوعي8. وقد اكتسب هذا المشروع اهتمامًا متزايدًا بعد أن نجح الاتحاد السوفييتي في اختراق معظم أوروبا الشرقية وبسط نفوذه عليها9. ولمنع اختراقٍ مماثل، تركّز الاهتمام الأميركي على منطقة الشرق الأوسط والخليج، والتي زادت أهميتها بعد الاكتشافات النفطية. وأملً في تنفيذ عملية الاحتواء، راحت واشنطن تعمل على بناء ما أخذ يُعرف بحزام الأمن الشمالي، حيث انصبّ الاهتمام خلال هذه المرحلة على تركيا، وإيران وباكستان لاحتواء الاتحاد السوفييتي ومنع تغلغله باتجاه المياه الدافئة ومنابع النفط10. وكانت الولايات المتحدة نجحت في العام السابق في إجبار موسكو على سحب قواتها من إيران والتخلي عن مطالبتها بالسيادة المشتركة على المضايق التركية، ثم أحبطت محاولة الشيوعيين في اليونان للسيطرة على السلطة11. وأحبطت أيضًا جهود الشيوعيين وأنصار موسكو للفوز في انتخابات إيطاليا الأولى التي جرت خلال الفترة نفسها12. مع تفاقم العداء واستحكامه، تحوّلت المنطقة العربية إلى مسرح صراع رئيس آخر بين القوتين العظميين إلى جانب أوروبا الشرقية وجنوب شرق آسيا، فانتقل التركيز بذلك من منطقة الحزام الشمالي إلى قلب المنطقة العربية. وكان من أسباب ذلك اشتداد المقاومة المصرية للوجود البريطاني في قناة السويس واتّجاه لندن لخفض
وجودها العسكري في المنطقة نتيجة صعوبات اقتصادية متنامية13. خشيت الولايات المتحدة حدوث فراغ قوة يمكن أن تقوم موسكو بملْئه، فراحت تسعى إلى إقناع الدول العربية بالانضمام إليها في تحالفات أمنيّة إقليمية بدأت بمشروع قيادة الشرق الأوسط Middle Command East، وانتهت بحلف بغداد14. تركّز الجهد الأميركي خلال هذه الفترة على إقناع مصر بالانضمام إلى حلف بغداد الذي شكّل العراق ضلعه العربي الوحيد إلى جانب كلٍّ من إيران وتركيا وباكستان بهدف احتواء المدّ الشيوعي. لكن القاهرة كانت مهتمة أكثر بإجلاء الإنكليز عن قناة السويس ومواجهة التهديد الإسرائيلي بعد الهجوم الشهير على قطاع غزة عام 9551، لذلك رفضت الانضمام إلى تحالف أمني غربي يضمّ العرب وإسرائيل في خندقٍ واحد في مواجهة موسكو15. ليس هذا فحسب، بل قرّرت القاهرة الذهاب باتجاه إنشاء علاقات أوثق مع موسكو التي وافقت على تزويدها بالسلاح الذي تحتاج إليه للدفاع عن نفسها بعد أن رفض الغرب تزويدها به. وكانت هذه بداية انقسام النظام الإقليمي العربي وفقًا لخطوط الاستقطاب السائدة على المستوى الدولي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ومثلما شكّلت ألمانيا خط التماسّ الرئيس على الساحة الأوروبية بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي في فترة الحرب الباردة، اقترن الحديث عن الحرب الباردة العربية بالصراع على سورية في إطار ما أصبح يُعرف تاريخيًّا بمعركة حلف بغداد، الذي أرّخ له جيدًا الصحافي والمستشرق البريطاني باتريك سيل16. كما اقترن المصطلح – أي الحرب الباردة العربية – باسم الرئيس الأسبق للجامعة الأميركية في بيروت مالكوم كير الذي وضع كتابًا تحت العنوان نفسه في مطلع سبعينيات القرن الماضي17. ظهر في النظام الإقليمي في المشرق العربي خلال فترة الحرب الباردة ثلاث قوى مركزية عربية؛ هي مصر والعراق والسعودية، دخلت في لعبة موازين قوى إقليمية مثّلت طبقة أدنى من الصراع الأكبر الذي كان يدور بين القوّتين العظميين. لكن القوى الإقليمية في الطبقة الأدنى لم تكن دائمًا في وضع التابع للحليف القابع في الطبقة الأعلى، بل حاولت أحيانًا استغلاله من خلال التهديد بالانتقال إلى المعسكر الآخر18، ما يدلّ على أنّ العامل الأساس في الصراع الإقليمي لم يكن أيديولوجيًّا بل كان السعي إلى مراكمة مزيد من القوة والنفوذ واستغلال مناخ الصراع الدولي لتحقيق ذلك19. وبسبب تقسيمات ما بعد الحرب العالمية الأولى كانت سورية الدولة العربية الأضعف بين مراكز القوة الأساسية التي أخذت تتبلور في المشرق العربي. وبسبب موقعها الإستراتيجي وتوسّطها بين العراق ومصر والسعودية ما كان بإمكان أيّ منها أن تسمح بسقوط سورية تحت هيمنة القوى الأخرى في لعبة موازين دقيقة محددة بعوامل جيوسياسية محلية لا تقلّ أهمية عن عوامل الصراع الدائر على المستوى الدولي20، فالعراق الذي حرمته بريطانيا من منفذ بحري على الخليج يتلاءم مع حجمه وثقله الإقليمي لم تكن لتستوي مقوّمات القوة لديه دون بلوغ منفذه الطبيعي على البحر المتوسط، لذلك راح يتطلع إلى سورية بوصفها منفذه الطبيعي على العالم، وبخاصة الغرب الذي يمثّل سوقًا رئيسة لنفطه. أمّا مصر فما فتئت تتطلع إلى بلاد الشام بوصفها مجالها الحيوي من جهة وخاصرتها الأمنيّة الرخوة من جهة أخرى، نظرًا لأنّ معظم الغزاة جاؤوا إليها عبر البوابة الشامية من الحثيين والفرس وصولً إلى المماليك والعثمانيين، ثم كانت هناك السعودية التي لم تكن لتحتمل أن يتحكّم في حزامها الشمالي أيّ خصم يمكن أن تؤتى من قبله، وما كان لها لذلك أن تسمح لخصمين إقليميَيّن رئيسين بجمع موارد قوة لا تستطيع احتمالها على حدودها الشمالية، سواء الهاشميين القابعين على عرشَ العراق والأردن أو خصمها الأكثر خطورةً في مصر – جمال عبد الناصر - بخاصة أنّ تدمير الدولة السعودية الأولى في عام 8111 على يد والي مصر محمد علي باشا وابنه إبراهيم، لا يزال حيًّا في ذاكرة السعوديين21. في هذا السياق مثّلت سورية منذ استقلالها وحتى حرب 9671 ساحة الصراع الرئيس ومادته في لعبة القوة التي استعرت بين الدول العربية الكبرى الثلاث. حتى ذلك الوقت لم تكن سورية تفكّر في نفسها إلّ
تحت مظلة مصرية أو عراقية أو سعودية. فسعت إلى الاندماج مع مصر والعراق وتحالف جزء من نخبتها مع السعودية22. لكن بدا واضحًا بعد عقدين أنّ سورية لا تستطيع أن تذوب في أيّ من هذه المعسكرات العربية الثلاثة التي اشتدّت الحرب الباردة بينها حتى تحوّلت إلى ساخنة أحيانًا، كما حصل بين السعودية ومصر في اليمن23.
مثّلت مصر في عهد عبد الناصر بالنسبة إلى السعودية التهديد الذي تمثّله اليوم إيران بالنسبة إليها؛ ففي سورية كان نفوذ عبد الناصر طاغيًا حتى إنّه ضمّها إليه في الجمهورية العربية المتحدة عام 958.1 وازداد شعور السعودية بالخطر بعد إطاحة النظام الملكي في العراق عام 9581 وبداية الحديث عن تشكيل اتحاد ثلاثي يضمّ مصر وسورية والعراق. وما إن نجح السعوديون في مؤازرة الهاشميين في إسقاط الوحدة السورية - المصرية، حتى فتح عبد الناصر جبهة صراع جديدة مع السعودية في اليمن في عام 9621، حين توجّه إلى دعم قوى الثورة التي أطاحت نظامًا محافظًا آخر في المنطقة هو نظام الإمامة الزيدية التي كان يقودها محمد البدر بن يحيى حميد الدين24. ولم تنته الحرب الباردة التي استعرت بين مصر والسعودية على امتداد المشرق العربي إلّ نتيجة العدوان الإسرائيلي عام 9671، ما اضطرّ عبد الناصر إلى الانسحاب من اليمن والانكفاء عن التطلّع شرقًا إلى الهلال الخصيب وتركيز الاهتمام بدلا من ذلك على استعادة الأراضي المصرية التي خسرها لإسرائيل. سدّدت حرب 9671 ضربة قوية لأحد مراكز القوى الكبرى في العالم العربي، استفادت منها بالأساس سورية التي بدأت تتحوّل إلى مركز ثقل أساسي في العالم العربي بعد حرب 9731، وبصورة أكبر بعد دخولها لبنان عام 9761 وخروج مصر من معادلة الصراع العربي – الإسرائيلي عقب توقيعها معاهدة كامب ديفيد بعد ذلك بعامين. تحوَّل مثلّث القوة العربي الجديد كلّه إلى المنطقة الواقعة شرق السويس، والمكوَّن من سورية والعراق والسعودية. بدأت جولة جديدة من الحرب الباردة العربية مع دخول عامل خارجي آخر على موازين القوى الإقليمية، وهو الثورة الإيرانية التي مثّلت عنصر تهديد لاثنتين من القوى المركزية العربية، وهما العراق والسعودية. وبسبب سقوط الشاه وصعود نظام ثوري إلى السلطة في إيران، وجدت السعودية التي يحكمها نظام ملكي محافظ نفسها في علاقة تحالف مع نظام البعث العلماني في العراق في مواجهة بعث علماني آخر في سورية وجد نفسه في تحالف مع نظام ديني كان يمكن أن يوصف في ظروف أخرى في أدبيات البعث السوري بأنّه نظام أصولي متطرف، نظام الملالي في طهران. مثَّلت سورية بالنسبة إلى إيران التي أخذت تقوم بدور متنامٍ في موازين القوى في المشرق العربي، حليفًا لا غنى عنه في ظروف العزلة الإقليمية والدولية التي فُرضت عليها. وفي حين حاولت سورية موازنة خروج مصر من معادلة الصراع مع إسرائيل بعد اتفاقية كامب ديفيد من خلال التحالف مع النظام الجديد في طهران، وجدت دمشق في إيران حليفًا مهمًّ من جهة ثانية لاحتواء خصمها الأبرز المتمثّل في نظام البعث الآخر الذي يحكم العراق. وطيلة سنوات الحرب الثماني بين العراق وإيران كانت المنطقة قائمة على توازن القوى الدقيق بين التحالف العراقي - الخليجي في مواجهة التحالف السوري - الإيراني. وقد مثّل دخول إيران بوصفها طرفًا في موازين القوى العربية وتحوّلها إلى جزء منه على هيئة حليف لطرف عربي في مواجهة طرف عربي آخر، أوّل اختراق جدّي للنظام الإقليمي في المشرق العربي منذ نشأته.
الأحادية القطبية تتجل ى إقليميًّا: هيمنة المحور السوري - السعودي - المصري
مع سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، كان الشرق الأوسط مرةً أخرى مع أوروبا الوسطى والبلقان الأنظمة الإقليمية الأكثر عرضةً للتأثّر؛ إذ انهارت يوغسلافيا، وانشطرت تشيكوسلوفاكيا، وانعتقت دول أوروبا الشرقية من التبعية للاتحاد السوفييتي الذي انهار بدوره وتشظَّى. استتبع ذلك بطبيعة الحال تمدّد المنتصرين؛ إذ زحف حلف الناتو أمنيًّا ليشمل معظم أوروبا الشرقية ودول البلطيق. في حين زحف الاتحاد الأوروبي اقتصاديًّا بالعمق نفسه،
ونشأت أنظمة ديمقراطية في معظم دول أوروبا الشرقية. تجلّ في الشرق الأوسط تأثّر النظام الإقليمي بانتهاء الاستقطاب على المستوى الدولي بقيام العراق بغزو الكويت. وكان خروج العراق منتصرًا من حربه مع إيران أدّى إلى تشكيل عامل تهديد وتحدٍّ لمركزَي القوى الآخرين في المشرق العربي؛ أي سورية والسعودية التي حاولت إعادة التوازن بالتخلّ عن تحفظاتها على اتفاقية كامب ديفيد وإعادة مصر لتشكّل من جديد جزءًا من موازين القوى في المنطقة. محاولة عزل العراق وإضعافه عربيًّا وإقليميًّا دفعت به إلى محاولة تعظيم مصادر قوّته عبر التوسع، فكان غزو الكويت. أثار قرار العراق غزو الكويت قلق أركان النظام الإقليمي في المشرق العربي (سورية، والسعودية، ومصر)، لأنّ ميزان القوى اختلّ بشدة نتيجة توسّع العراق وامتلاكه مزيدًا من موارد القوة. وهو أمر ما كان للمستوى الأعلى في النظام الدولي الذي دخل مرحلة الأحادية القطبية في هذه الفترة أن يسمح به أيضًا. وجاء التدخل الخارجي مباشرًا لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية بما يتلاءم مع الوضع الدولي الجديد، عصر الهيمنة الأميركية المطلقة hegemony. فلولا انتهاء الحرب الباردة ما كان بمقدور أميركا بالتأكيد حشد نصف مليون مقاتل في منطقة الخليج لإخراج العراق من الكويت ومنعه من ثَمّ من السيطرة على حصة أكبر من نفط المنطقة. لكن من جهة أخرى، ما كان بمقدور العراق أن يدفع بقوّاته لغزو الكويت، لأنّ نظام الثنائية القطبية ما كان ليسمح بذلك. بالمقابل، مثّل انتهاء الحرب الباردة حافزًا لدخول العراق الكويت؛ إذ اعتقد العراق أنّ الولايات المتحدة لن تحشد عسكريًّا ضدّه لأنّ الحرب الباردة التي شكّلت محور السياسة الأميركية عالميًّا وإقليميًّا انتهت وانتهى معها القلق من إمكانية تمدّد النفوذ السوفييتي إلى منابع النفط في الخليج، كما أنّ الخطوة العراقيّة لن تُحسب في إطار الحرب الباردة أو بوصفها عملً جرى بوحي من موسكو أو بدعم منها25. لم يُخ لّ غزو الكويت بموازين القوى الإقليمية لجهة تركيز كثير من الثروة والقوة بيد أحد أهمّ الفاعلين الإقليميين فحسب، بل استدعى تدخّلً عسكريًّا خارجيًّا في المنطقة كان الأكبر من نوعه منذ الحرب العالمية الثانية (أي منذ المواجهة الكبرى في معركة العلمين) لمنع تكريس هذا التغيير في موازين القوى. ومرةً أخرى حدّد النظام الدولي (الذي انتقل في هذه المرحلة من الثنائية القطبية إلى الأحادية القطبية) شكل النظام الإقليمي وطبيعته. أدّت نهاية الحرب الباردة إلى تغيير جوهري في علاقات القوى في المنطقة؛ إذ خرج الشرق الأوسط من دائرة التجاذبات الدولية وأصبح تحت الهيمنة الأميركية المطلقة. وبفعل هزيمة العراق واحتوائه (إلى جانب إيران في سياسة الاحتواء المزدوج)، انتقل النظام الإقليمي من حالةٍ تقوم على موازين القوى بين أقطابه الرئيسة، إلى سيطرة تحالف نشأ على خلفية منع العراق من التحول إلى قوّة إقليمية مهيمنة، وعُرف بالمحور الثلاثي السعودي – المصري - السوري الذي تشكّل أيضًا في سياق جهدٍ أميركي لتحقيق تسوية مع إسرائيل وإنشاء منطقة سلام أميركي26Pax-Americana. وقد انبثق هذا المحور ليحلّ محلّ تحالف "إعلان دمشق" الذي نشأ مطلع التسعينيات بوصفه صيغة تعاون سياسي - أمني ضمّت دول مجلس التعاون وسورية ومصر. 1 وحتى هج ولعقد كامل أي من عام 991 تاا أيلول / سبتمبر 2001، استقرّ النظام الإقليمي في المشرق العربي وفقًا لهذه المعادلة، أي هيمنة المثلّث العربي في مقابل إقصاء إيران والعراق وانصراف تركيا إلى التركيز على الانضمام إلى أوروبا بعد تراجع أهميتها أميركيًّا نتيجة انتهاء الحرب الباردة. وعلى الرغم من نشوء أزمات إقليمية محدودة هنا وهناك (مثل الأزمة السورية - التركية عام 998)1، فإنّ هذا النظام صمد وفقًا لهذه المعادلة حتى هجمات أيلول / سبتمبر 2001، ومثّل الإسقاط التام للتفرّد الأميركي في الهيمنة على النظام الدولي.
التراجع الأميركي وتنامي دور اللاعبين الإقليميين: صراع تركي إيراني - سعودي -في الهلال الخصيب
بمقدار ما مثّل الغزو الأميركي لأفغانستان ثم العراق ذروة التفرّد الأميركي في الهيمنة دوليًّا وإقليميًّا، مثّل من جهة أخرى نقطة البداية لانحدار القوة الأميركية وظهور تحدّيات لها سواء على الصعيد الإقليمي أو العالمي. وقد أدّى غزو أفغانستان واحتلال العراق إلى
تنامي نفوذ إيران الإقليمي نتيجة فشل واشنطن في عملية بناء أنظمة مستقرة في البلدين Building Nation. هذا في حين تراجعت أدوار الفاعلين الآخرين (مصر والسعودية) بعد أن انفرط عقد تحالفهما مع سورية التي اتّخذت مواقف "متشددة" من الغزو الأميركي للعراق، وازداد من ثمّ اعتمادها على إيران في ظروف عزلتها العربية والدولية التي استتبعت اتّخاذها هذا الموقف. ومع وصول عصبة ذات نزعة قومية متشددة إلى السلطة في طهران مثّلها أحمدي نجاد، بدأت تتشكّل ملامح نظام إقليمي جديد محدّداته الرئيسة الموقف من الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، فتشكَّل محوران: "محور الممانعة" الذي ضمّ إلى إيران سورية وحزب الله وحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية "حماس"؛ و"محور الاعتدال" الذي ضمّ إلى دول الخليج مصر والأردن. كانت إيران أبرز المستفيدين من هجمات الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001 ضدّ الولايات المتحدة؛ إذ قامت واشنطن على إثرها بإزالة اثنين من أبرز خصوم إيران الإقليميين في الشرق حيث أطاحت إدارة بوش الابن حكم طالبان، وفي الغرب قامت بغزو العراق وتحطيم آلته العسكرية التي طالما شكّلت العقبة التي تحُول دون توسّع نفوذ إيران الإقليمي غربًا27. وعلى الرغم من أنّ إيران كانت في وضع جيوستراتيجي ضعيف عمومًا، تمكّنت عبر حلفائها من الأحزاب والتيارات السياسية الشيعية من ملْ ء فراغ السلطة الذي نشأ عن إطاحة نظام الرئيس صدام حسين. وهكذا تمكّنت إيران من تحييد العراق بل حتى السيطرة على قراره عبر حلفائها المحليين، معتبرة ما جرى نصرًا على المستوى الإستراتيجي بعد أن كان العراق هزمها مع نهاية حرب الثماني سنوات28. مع انقضاء عهد الجمهوريين ومجيء إدارة أوباما إلى الحكم، كانت طهران تعدّ نفسها للحصاد الأكبر، وهو ربط مناطق النفوذ التي بنتها بدأب خلال العقد السابق في المنطقة الممتدة من هيرات غرب أفغانستان، حيث تقطن قبائل شيعية قريبة إلى إيران وحتى ساحل المتوسط في بيروت وغزة. وكان الوجود الأميركي في العراق يمثّل العائق المادي الأكبر الذي يمنع اتصال قوس النفوذ الإيراني هذا. لذلك نظرت إيران بارتياح إلى فوز أوباما بانتخابات الرئاسة، وتعهّده بسحب القوّات الأميركية من العراق بنهاية عام 2011، ومن أفغانستان بحلول نهاية عام 2014. وقد مثّلت هذه الوعود طلائع الانكفاء الأميركي في المنطقة. وكانت إيران تستعدّ لملء الفراغ عندما حلّ "الربيع العربي"29.
ولأسباب جيوسياسية بحتة30، رأت الرياض أنّ تفرّد إيران بالنفوذ في العراق، بخاصّة بعد انسحاب الأميركيين، مع وجود تأثير قويّ لها في سورية، سوف يطوّقها بهلال نفوذ إيراني31 يمتدّ شمال شبه الجزيرة العربية في كلٍّ من العراق والشام32، فضلً عن تزايد المخاوف من تصاعد التأثير الإيراني في اليمن حيث التمرّد الحوثي، ومحاولات طهران التدخّل في الشؤون الداخلية لدول خليجية عدّة حيث توجد أقلّيات شيعيّة مهمّة. لذلك، عندما اندلعت الثورة السوريّة مطلع عام 2011، لاحت للرياض فرصة لتعديل موازين القوى لمصلحتها عبر السعي إلى إطاحة نظام الرئيس بشار الأسد ومن ثمّ تحويل سورية من حليفٍ لإيران إلى خصمٍ لها، بما يشكّل حائطَ صدٍّ لنفوذها الإقليمي المتعاظم، بعد أن فقد العراق إمكانيّة القيام بهذا الدور33.
في هذه المرحلة بدأت السعودية تضطلع بدور إقليمي أكثر نشاطًا في الدفاع عن مصالحها إلى درجة أنّها اصطدمت أكثر من مرة بالمواقف الأميركية الأكثر تهادنًا مع إيران34. لقد تحوّلت سياسة إسقاط النظام المؤيّد لإيران في دمشق وإنشاء نظامٍ بديل يكون قريبًا من الرياض ويشكّل حليفًا إستراتيجيًّا لها، إلى أولوية أمنيّة كبرى بالنسبة إلى السعودية35. من هنا دعت الرياض إلى استخدام القوّة العسكريّة لإطاحة النظام السوري، إمّا عبر تسليح المعارضة أو عبر تدخّل عسكري إقليمي أو دولي. وبالمثل فعلت تركيا، لكن هذه القوى الإقليمية المتوجّسة من تنامي النفوذ الإيراني لم تتبنَّ سياسة إطاحة النظام السوري إلا بعد فشل كلّ مساعي تطويق الأزمة في سورية، ومن خلال الإيراني. ذلك تحجيم الدور الإقليمي الإيراني36. رأت تركيا أنّ تسليم أميركا لإيران بالهيمنة في العراق مع وجود تأثير إيراني كبير في سورية، سوف يطوّقها بهلال نفوذ إيراني يمتدّ من حدود أرمينيا إلى ساحل المتوسّط37. لذلك، عندما اندلعت الثورة السوريّة، لاحت لتركيا مثلها مثل السعودية فرصة كبيرة لتصحيح موازين القوى لمصلحتها من خلال إصرارها على إسقاط النظام المؤيّد لإيران في دمشق وإنشاء نظامٍ بديل يكون قريبًا منها ويشكّل حليفًا إستراتيجيًّا لها38. هنا أيضًا نشأت خلافات تعمّقت بمرور الوقت مع واشنطن؛ فقد ظلّت تركيا تعتقد أنّ إدارة أوباما لم تكن أبدًا جادّة في إسقاط النظام السوري خشية أن يؤدّي ذلك إلى الإضرار بمفاوضات الملفّ النووي الإيراني39. بالنتيجة، أدّى الانسحاب الأميركي من العراق وميل إدارة أوباما إلى النأي بنفسها عن التدخّل المباشر في أزمات المشرق العربي، إلى تنامي دور الفاعلين الإقليميين واحتدام الصراع بينهم على النفوذ والسيطرة، وقد تحوّلت سورية بعد العراق إلى ساحة رئيسة للصراع بعد أن ظلّت لأكثر من ثلاثة عقود لاعبًا رئيسًا وطرفًا أساسيًّا في موازين القوى الإقليمية. وكانت هذه ربّ ا من أبرز نتائج الغزو الأميركي للعراق، فقد أدّى تقلّص دور سورية الإقليمي بخاصة بعد أن جرى إخراجها من لبنان وازدياد اعتمادها على دعم إيران، فضلً عن ظروف العزلة والحصار التي تعرّضت لها بعد غزو العراق، إلى اختلال موازين القوى الاجتماعية التي أفرزت الصيغة السياسية التي حكمت سورية لأكثر من أربعة عقود. لذلك عندما حلّ الربيع العربي، كانت الظروف ناضجة لانطلاق الثورة على نظام الرئيس بشار الأسد. وقد وجدت القوى الإقليمية المتوجّسة من النفوذ الإيراني، في الثورة السوريّة فرصةً للتأثير في موازين القوى الإقليمية بعد الانسحاب الأميركي من العراق وقلب الطاولة على النفوذ
في هذا السياق، عادت سورية لتؤكّد بفعل موقعها الجيوسياسي وحجمها المتوسط بين قوى عربية وإقليمية أكبر حجمً وأكثر موارد، أنّها "بيضة القبان" في موازين قوى المنطقة؛ بحيث أنّ التحالف معها في حال تماسكها أو الظفر بها في أوقات انقسامها وضعفها، كان يؤدّي في كلّ مرة إلى تغيير عميق في بنية النظام الإقليمي في المشرق العربي. وقد تزايدت أهمية الصراع على سورية أو معها في منطقة ظلّت الواقعية الكلاسيكية ومفاهيم موازين القوى تشكّل الوعي السياسي للنخب الحاكمة فيها؛ إذ طالما كانت الدولة في الشرق الأوسط تنشد الأمن بطريقة فردية وتسعى نحو الهيمنة وتعظيم مصادر قوّتها على حساب الآخرين. هنا حيث يسود منطق الصراع والغلبة والاستحواذ في لعبة صفرية تعني كل شيء أو لا شيء Zero-sum يغيب منطق التسويات والحلول الوسطية، ويغيب أيضًا وسط البحث عن الخلاص الفردي والمنفعة الذاتية وسيطرة غريزة البقاء في بيئة مليئة بالتهديدات، مفاهيم مثل الأمن الجماعي Collective Security والمصالح المشتركة Common Interests التي توصّلت أوروبا إلى فهمها وتقدير أهميتها، لكن بعد حروب طاحنة بلغت ذروتها خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وشكّل الصراع مع ألمانيا أو عليها مادّته الرئيسة. لكن الصراع على سورية أو معها لم يعْد كونه جزءًا من خصائص نظام إقليمي تشَكَّل بفعل عوامل خارجية بالدرجة الأولى، لذلك عدّه الباحثون في الجيوبولتيكس من المناطق الرخوة في العالم fragile regions أي الأكثر عرضةً للتأثّر بالتغيرات التي تجري في المستوى الأعلى، أي في النظام الدولي؛ فعندما انتهى عهد الإمبراطوريات مع انهيار ثلاث من أكبرها على المسرح الأورو - آسيوي (العثمانية، والروسية، والهابسبورغية) بعد الحرب العالمية الأولى وصعدت الدولة - الأمّة Nation-State لتمثّل الوحدة المركزية في النظام الدولي، كانت المناطق الأكثر تأثرًا هي مناطق
التماسّ بين الإمبراطوريات أو المناطق الرخوة بنيويًّا (أوروبا الوسطى، والبلقان، والشرق الأوسط)40. والمناطق الرخوة هي أقاليم أو دول تضمّ مكونات مجتمعية مختلفة (لجهة الدين أو العرق أو الإثنية أو المذهب أو الطائفة) مازالت غير قادرة على تشكيل وعيٍ عابر للهويات الفرعية وقائم بالدرجة الأولى على الانتماء لكيان أكبر أو أعلى من الانتماءات التقليدية، باختصار إنّها المناطق التي لم تتشكّل فيها الدولة -الأمّة. وبسبب تنافر مكوّناتها المجتمعية وتوجّسها من بعضها وارتباطها على الأغلب بقوى خارجية تنشد لديها الحماية من تهديد المكوّنات الأخرى التي تتعايش معها، تكون هذه المناطق عادةًالأكثر عرضةً للتأثّر بالهزّات التي تحصل في المستويات الأعلى (الإقليمي، والدولي)؛ أي إنّها شديدة الحساسية للتغيير في البيئة الخارجية. لذلك فإنّ النظام الإقليمي الذي تشكَّل في المشرق العربي نتيجة لاتفاقية سايكس بيكو التي عبّت عن علاقات القوة في النظام الدولي بعد الحرب العالمية الأولى، يبدو من جديد عرضة لتغيير عميق نتيجة التغيرات التي تحدث في البيئة الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة سواء لجهة تفرّد الولايات المتحدة بالهيمنة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتعبيرات ذلك إقليميًّا، أو لجهة انكفائها بعد فشل احتلالها العراق وتصاعد دور الفاعلين الإقليميين نتيجة لذلك.
صعود تنظيم الدولة واستئناف التدخل الأميركي
عندما قامت الولايات المتحدة بغزو العراق مطلع عام 2003، كانت إيران في وضع إستراتيجي ضعيف وهشّ. وعندما انسحبت الولايات المتحدة أواخر عام 2011، تبيّ مدى التغير الإستراتيجي الذي طرأ في المنطقة؛ إذ امتدّ قوس النفوذ الإيراني من غرب أفغانستان إلى ساحل المتوسّط مع ظهور ما يشبه الإقرار الأميركي والتسليم الإقليمي بأنّ إيران ربحت الجولة في العراق، بعد أن أوصلت حلفاءَها إلى السلطة فيه وحوّلته بذلك من خصم عنيد إلى تابع. في هذا السياق، مثّل الربيع العربي فرصة مهمة لإعادة التوازن، فتحوّلت سورية إلى ساحة جديدة للمنافسة السعودية – الإيرانية - التركية بعد أن ظلّ العراق يستأثر بالقيام بهذا الدور. لكن الوجود العسكري الأميركي ظلّ يحدّ من قدرة هؤلاء اللاعبين على ممارسة أدوار أكبر. ومع الانسحاب الأميركي أصبحت المواجهة مفتوحة بين السعودية وإيران على امتداد الهلال الخصيب، ولم تكن تركيا بعيدة عنها. وفي إطار جهودها لتعزيز قبضتها في العراق بعد خروج الأميركيين، وفي سياق الدفاع عن مواقعها التي بدأت تهتز في سورية، ذهبت إيران وحلفاؤها في العراق إلى تبنّي سياسات تهميش وإقصاء مطلقة تجاه القوى والمكونات السنّية. وقد استثمرت بقايا تنظيم القاعدة التي كان الأميركيون تمكّنوا من هزيمتها بمساعدة الصحوات في العراق بين عامي 2009-2007، في حالة الاستقطاب الطائفي الناشئ عن السياسات الإيرانية التي دعمت ممارسات المالكي والأسد لإعادة تشكيل نفسها، فظهر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، والذي بدأ يعرف اختصارًا باسم "داعش" في نيسان / أبريل.2013 وبينما كان الكثير من الاهتمام ينصبّ على نشاط تنظيم الدولة في الصراع السوري، استيقظ العالم في العاشر من حزيران / يونيو 2014، على وقع مفاجأة انهيار الجيش العراقي في محافظة نينوى وسقوط الموصل بيد التنظيم الذي أخذ يتوسع بسرعة في شمال العراق وغربه حتى تمكّن من السيطرة على مساحة تصل إلى نحو 200 ألف كيلومتر مربع في غرب العراق وشرق سورية، بعد أن أعلن عن إنشاء دولة الخلافة وإلغاء الحدود بين البلدين41. أربك صعود تنظيم الدولة الإسلامية الحسابات السياسية لمختلف القوى المحلية والإقليمية والدولية. ومثّل نجاحه تحدّيًا لمنطق الدولة التي مازالت تعدّ نفسها الفاعل الأساسي في النظام الدولي، فتداعت لاحتوائه. ومع اتضاح فشل القوى المحلية في مواجهة التنظيم والحدّ من نفوذه، استنفرت إيران لمواجهته واضطرّت الولايات المتحدة إلى العودة للتدخل العسكري المباشر في المشرق العربي، وذلك بعد أن أحجمت عن التورط المباشر في أزماته منذ إتمام سحب قواتها من العراق أواخر عام 2011. لكن الولايات المتحدة فضّ لت أن تعود لتقود تحالفًا دوليًا وعربيًا لمواجهة تمدّد التنظيم واحتواء قوته المتنامية. فقد تحوّل موضوع تنظيم الدولة إلى مسألة أمن قومي بالنسبة إلى واشنطن، ومسألة شخصية تهدّد إرث الرئيس الذي فاخر بتنفيذ وعده بإخراج بلاده من مستنقع العراق وكان يستعد لإخراجها من مستنقع أفغانستان عندما باغته تنظيم الدولة.
جاء الرئيس أوباما إلى الحكم ببرنامج يدعو إلى ضرورة لملمة القوة الأميركية المبعثرة بحروب الإرهاب على امتداد جبهات عديدة أدّت إلى استنزاف واشنطن ماليًّا وسياسيًّا وبشريًّا، والاستعاضة عن التدخل العسكري المباشر بتعزيز قدرات وكلاء إقليميين لحماية مصالح أميركا. ومثّل دعم حكومة المالكي وبناء الجيش العراقي وتجهيزه وتدريبه ليصبح قوة محلية قادرة على الإمساك بالأرض، ركنًا أساسيًّا في تنفيذ هذه الإستراتيجية42. ومن أجل سدّ الطرق أمام أيّ احتمال لعودة التورط العسكري في المستنقع العراقي، كان أوباما الذي استعجل الخروج من العراق، مستعدًّا لغضّ النظر عن كل سياسات حكومة المالكي الطائفية الإقصائية. هذه السياسة التي تبيّ مدى قصر نظرها، عادت خلال سنوات قليلة لتطارد أوباما وتقوّض كل سياساته؛ إذ عادت القاعدة للظهور بميول أكثر راديكالية مستفيدةً من احتقان المجتمع السني العراقي ضدّ سياسات الحكومة في بغداد لتوجّه ضربة قاصمة لكلّ سياسات أوباما ونظرياته في العراق؛ فالجيش العراقي الذي استغرق الأميركيون عشر سنوات في بنائه وتجهيزه وتدريبه ليكون قوة يعتمد عليها في الإمساك بالأرض، انهار في غضون أربع ساعات في الموصل وكل شمال غرب البلاد، وانهار معه مبدأ أوباما القائل بالاعتماد على وكلاء محليين بديلً عن التورط المباشر. وقد اعترف أوباما بسوء تقديراته في مقابلة مع برنامج 60" دقيقة" على قناة "سي.بي.إس" التلفزيونية، عندما رأى أنّ الاستخبارات الأميركية قلّلت من خطورة تنظيم الدولة في حين أنّها بالغت في تقدير قوة الجيش العراقي في التصدي لها43. زاد هذا الأمر من حدة الضغوط على إدارة أوباما المتهَمة أصلً بإضعاف هيبة أميركا بسبب مواقفها الضعيفة في أزمات الشرق الأوسط وأوكرانيا وشرق آسيا، فلم تجد بدًّا من التحرك، بخاصة مع تنامي استياء الرأي العام الأميركي بعد قيام تنظيم الدولة بإعدام صحفيين أميركيين بقطع الرأس. لكن التحرّك بصورة منفردة كان ليفهم أنّه موجّه ضد المجتمعات السنية في العراق وسورية وعموم المنطقة العربية، لأنّ تنظيم الدولة في النهاية يواجه إيران وحلفاءها في المنطقة ويقدّم نفسه بوصفه ممثّلً "للمظلومية السنّية." من هنا برزت الحاجة إلى إنشاء تحالف يضمّ الدول السنّية المهمة في المنطقة واستبعاد إيران موقّتًا على الرغم من أنّ مصالحها تتلاقى مع واشنطن بخصوص مواجهة تنظيم الدولة الذي مثّل صعوده الضربة الأكبر للمشروع الإيراني في المنطقة بسيطرته على غرب العراق وقطعه التواصل الجغرافي بين إيران وحليفها في دمشق.
حرب أوباما على "تنظيم الدولة" وإعادة رسم التحالفات: تباعد مع تركيا وتقارب مع إيران وشروط مع السعودية
يمثّل التحالف الذي عدّ الرئيس أوباما قيامه شرطًا ضروريًّا لإعلان حربه على تنظيم الدولة، مادةً دسمة للبحث والدراسة؛ ذلك أنّ الرئيس الأميركي أنشأ تحالفًا وأعلن حربًا على تنظيم لديه، على الرغم من كل الأساطير التي تُنسَج حوله، مصادر قوة محدودة، يتركز معظمها في العنصر البشري المؤدلج. والمعروف أنّ الحروب تعلَن وتخاض عادةً ضد دول وتحكمها قواعد وقوانين، في حين أنّ التحالفات في المبدأ هي أداة من أدوات السياسة الأمنيّة والخارجية التي تلجأ الدول إلى تشكيلها لمواجهة قوى لا تستطيع دولة بمفردها أن تواجهها Power Hegemon. وكلا الشرطين غير متوفر في تحالف أوباما ضد تنظيم الدولة؛ فلا تنظيم الدولة هو دولة بالمعنى السياسي والقانوني، ولا هو قوة تمتلك من عوامل القوة ما يبرّر إنشاء تحالف ضدّه، ولا يغيّ من الأمر شيئًا تسلّحُ الرئيس أوباما بقرار مجلس الأمن رقم 2170 الذي صدر في 15 آب / أغسطس 2014 ويدعو إلى "اتّخاذ جميع التدابير التي قد تكون ضرورية وملائمة... من أجل مواجهة... ارتكاب الأعمال الإرهابية"، لأنّ هذا القرار يذكر "تنظيم الدولة" بوصفه تنظيمً عابرًا للحدود وليس دولة، كما أنّه لا ينظر إليه على أساس أنّ عليه ما على الدول من التزامات. وما يثير الاهتمام أيضًا بخصوص التحالف الدولي ضدّ تنظيم الدولة، هو حجم التناقضات بين أطرافه ومدى تقاطع المصالح بين بعض أعضاء التحالف وخصومه. وعلى الرغم من أنّ عودة واشنطن للانخراط في شؤون المنطقة ساهمت في رسم أدوار اللاعبين الإقليميين وتحديدها في الصراع الممتد على اتساع الهلال الخصيب، بينت جهود إنشاء التحالف من جهة أخرى أنّ قيادة الولايات المتحدة لم تعد بالسهولة التي كانت عليها سابقًا؛ ويستدلّ على ذلك من المساومات التي جرت بين واشنطن وشركائها الرئيسين في المنطقة؛ أي السعودية ومصر وتركيا، في الوقت الذي تزايدت معه مؤشرات التقارب بين واشنطن وطهران في العراق.
تردّدت تركيا كثيرًا في دخول التحالف الذي سعت واشنطن إلى إنشائه لمواجهة تنظيم الدولة، وسط خلاف شديد بشأن الأولويات والإستراتيجيات مع واشنطن. وقد تعذّرت تركيا أوّل الأمر باختطاف تنظيم الدولة نحو 48 من موظفي قنصليتها في الموصل للتحفظ عن الدخول في التحالف، قبل أن تحدّد شروطها للمساهمة في الجهد العسكري لمواجهة التنظيم؛ إذ كان لتركيا مصالح أبعد مدى وأكثر أهمية من هزيمة تنظيم الدولة التي جعلتها واشنطن في المقابل أولوية بالنسبة إليها. وفي حين أنّه لا يمكن اتهام تركيا بالتعاطف مع تنظيم الدولة، كما يحاول أن يوحي بعض خصومها44، فإنّها دون شك تستفيد من القتال المحتدم بين تنظيم الدولة والجماعات المسلحة الكردية في شمال سورية؛ إذ يمنع تنظيم الدولة قوات الحماية الكردية – الجناح المسلح لحزب الاتحاد الديمقراطي وهو الفرع السوري لحزب العمال الكردي الانفصالي في تركيا وحليف نظام الرئيس بشار الأسد - من السيطرة على مناطق كبيرة من الحدود السورية التركية، وتغذية آمال الأكراد بدولة مستقلة، على الرغم من أنّ سيطرة تنظيم الدولة هو الآخر على هذه المناطق تمثّل تهديدًا للأمن التركي على المدييَن المتوسط والبعيد. وترى تركيا أيضًا أنّ اقتصار الجهد العسكري للتحالف الذي شكّلته واشنطن على ضرب تنظيم الدولة وإضعافه يصبّ في خدمة نظام الرئيس بشار الأسد الذي تعدّه تركيا أصل المشكلة في الأزمة الطاحنة التي تشهدها سورية منذ أربع سنوات. لذلك طالبت تركيا بإستراتيجية شاملة وواضحة للتعامل مع الأزمة السورية، قبل أن توافق على المطالب الأميركية بالمساهمة عسكريًّا في مواجهة تنظيم الدولة45. وقد وضعت تركيا شروطًا للالتحاق بتحالف واشنطن؛ أوّلها إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي السوريّة، لأنّ إنشاء هذه المنطقة يعني من جهة سيطرةً تركية على كامل الشريط الحدودي في عمق الأراضي السورية، ما يعني منع تعزيز دور القوّات الكردية السورية ومناطق الإدارة الذاتية التي عملوا على إنشائها، ومن ثمّ القضاء على احتمال إنشاء كيان كردي في المنطقة، وإبعاد تنظيم الدولة عن الحدود التركية. ومن شأن هذه المنطقة أيضًا أن تؤمّن إقامة مخيمات لمئات الآلاف من اللاجئين السوريين الذين بدأوا يشكّلون سببًا للتوتّر والانقسام داخل المجتمع التركي. وثانيها أنّ تركيا ترى أنّه ليس بإمكانها الانضمام إلى تحالف يمكن أن تؤدّي نشاطاته العسكرية إلى تعزيز موقف النظام السوري الذي يتعارض استمرار بقائه مع جوهر المصالح التركية. لذلك اشترطت أنقرة إعلان منطقة حظر جوي46، بما يعنيه ذلك من احتمال ضرب الدفاعات الجوية السورية، أي وضع نظام الرئيس بشار الأسد على لائحة أهداف التحالف بهدف إضعافه وإنهاء سيطرته النارية على مناطق المعارضة، بخاصة في حلب، ما يمثّل تغييرًا في موازين القوى يجبر نظام الأسد على الرضوخ لشروط التسوية التي أقرّها بيان جنيف.1 وكانت تركيا اقترحت إنشاء منطقة عازلة على الحدود وكذا إنشاء منطقة حظر جوي منذ نحو عامين. لكن واشنطن رفضت الفكرة، لأنّها كانت حريصة على عدم التدخل، على أساس أنّ ما يجري في سورية هو حرب أهلية، ليس لها مصلحة في دخولها وليس لديها طرف مفضّ ل فيها47. فضلً عن ذلك، كانت واشنطن حريصة على عدم إثارة الإيرانيين باستهداف نظام حليفهم في دمشق في الوقت الذي يطمح فيه أوباما إلى التوصّل إلى اتفاق يطوي أزمة الملف النووي الإيراني. لذلك وبعكس الأتراك رأى الأميركيون أنّ إسقاط نظام بشار الأسد هو أمر لا يدخل في نطاق أهداف حربهم على تنظيم الدولة. ما مثّل نقطة خلاف كبيرة بين الطرفين48. وعلى الرغم من حصول تقارب أميركي - تركي بشأن مجموعة من النقاط منها موافقة الأميركيين على تسليح المعارضة "المعتدلة" السورية وتدريبها، وموافقة الحكومة التركية على السماح لمقاتلين
من البشمركة الكردية بعبور حدودها لتقديم الدعم لقوات الحماية الكردية التي تدافع عن مدينة عين العرب (كوباني)49، لم يطرأ تغيّ إستراتيجي على الموقف التركي، أو الأميركي الذي ظلّ يرفض تقديم التزام واضح بالتحرّك ضدّ نظام الرئيس بشار الأسد. فاستمرت تركيا في مقاومة الضغوط الأميركية للقيام بأيّ عمل عسكري برّي ضد تنظيم الدولة في كوباني، ورفض فتح ممرّ لعبور السلاح للمدافعين عن المدينة، ورفض السماح للأميركيين باستخدام قاعدة انجيرلك في الحرب على "تنظيم الدولة"50. ومازالت تعارض تزويد الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي بالسلاح، ما حدا بالأميركيين إلى القيام بعملية إسقاط جوّي لأسلحة للمقاتلين الأكراد في عين العرب. الأمر الذي أثار حفيظة تركيا، بخاصة عندما أعلنت الخارجية الأميركية أنّ واشنطن "لم تطلب موافقة" تركيا على هذه العملية، وحاولت تبرير ذلك بأنّ مقاتلي "وحدات حماية الشعب" الكردية السورية غير مرتبطين قانونيًّا بحزب العمال الكردستاني الذي تصنّفه كلٌّ من واشنطن وأنقرة على أنّه منظمة إرهابية51. وهو التبرير الذي رفضته تركيا52.
بالمحصّلة، أدّت الحرب الأميركية على تنظيم الدولة إلى مزيد من التباعد بين أنقرة وواشنطن ومزيد من البرودة في العلاقات التي كانت تعاني أصلً مشاكل عديدة، تبدأ بالموقف التركي المعارض للسياسات الإسرائيلية مرورًا بالموقف الأميركي من الثورة السورية، وصولً إلى اتهامات واشنطن بميل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى التسلط53. في مقابل تلميحات أردوغان لدور أميركي محتمل في الحملة التي شنّتها جهات في الشرطة التركية محسوبة على خصمه الداعية الإسلامي فتح الله غوان ضدّ مقرّبين منه بتهم الفساد على أبواب الانتخابات التشريعية الأخيرة، وتهديده على أثرها بطرد السفير الأميركي من أنقرة54. في مقابل التباعد التركي - الأميركي، أدّى صعود تنظيم الدولة إلى تقارب أميركي - إيراني وصل حدّ التنسيق غير المباشر في العراق. وعلى الرغم من أنّ واشنطن استبعدت طهران من التحالف الذي أنشأته خلال مؤتمر باريس الذي عُقد في أيلول / سبتمبر 2014، وهو أمر أثار حفيظة الإيرانيين ومخاوفهم في الوقت ذاته55؛ إذ كان الإيرانيون يطمحون إلى أن تعدّهم واشنطن الحليف الرئيس في حربها على تنظيم الدولة بدلً من تركيا والسعودية، لم يؤثّر عدم انضمام إيران العلني إلى التحالف الدولي ضدّ تنظيم الدولة في فرص التنسيق بين واشنطن وطهران، والذي كان طالب به الرئيس روحاني بصورة علنية ومباشرة خلال القمة الرابعة عشرة لمنظمة شنغهاي للتعاون التي عُقدت مطلع شهر أيلول / سبتمبر 2014 في العاصمة الطاجكية دوشانبيه، عندما دعا إلى أن تكون بلاده جزءًا من التحالف الدولي ضدّ "تنظيم الدولة" الذي يتطلب القضاء عليه، كما قال روحاني، "تعاون إقليمي ودولي"56. وأعلن نائب وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، عن تبادل رسائل بين طهران وواشنطن بشأن قتال "تنظيم الدولة"57؛ إذ جرى الكشف عن رسالة سرّية بعثها الرئيس أوباما إلى المرشد الأعلى في إيران آية الله خامنئي، في شهر تشرين الأول / أكتوبر الماضي، وأشار فيها إلى "المصلحة المشتركة"
بين البلدين في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية في كلٍّ من العراق وسورية58. ولا ينكر الأميركيون وجود تنسيق استخباراتي ولوجستي بين إيران والولايات المتحدة في الحرب على تنظيم الدولة في العراق59، علمً وأنّ إيران تؤكد أنّ قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني المصنَّف أميركيًّا على قوائم الإرهاب هو الذي ينسّق الجهود العسكرية ضدّ تنظيم الدولة في العراق60. كما قامت الطائرات الأميركية في مناسبات مختلفة بتقديم إسناد جوي للجيش العراقي ومليشيات الحشد الشعبي الشيعية المدعومة إيرانيًّا، خلال مواجهات مع تنظيم الدولة61. وكما في سورية حيث يعدّ تعاون تركيا جوهريًّا لاحتواء تنظيم الدولة، تجد واشنطن في ظلّ فشل البشمركة الكردية والجيش العراقي وعجزهما عن مواجهة توسّع تنظيم الدولة وعدم رغبتها في إرسال قوات برية مجددًا إلى هذا البلد، أنّها في حاجة إلى تعاون إيراني. صحيح أنّ واشنطن اضطرّت إلى تعزيز عدد مستشاريها العسكريين على الأرض62، ولكنّها بقيت في حاجة إلى الدعم الإيراني للتنسيق بين القوى الشيعية المختلفة في العراق بغية توحيد جهودهم لتشكيل قوة برية قادرة على مواجهة تنظيم الدولة في ظلّ عجز سلاح الجوّ الأميركي بمفرده عن إلحاق هزيمة بالتنظيم. من جهة ثانية، يسعى الرئيس أوباما إلى استخدام المصلحة المشتركة الأميركية - الإيرانية في هزيمة تنظيم الدولة سببًا مساعدًا للتوصل إلى اتفاق مع إيران حول برنامجها النووي، وهو الأمر الذي يطمح أوباما إلى أن يكون أكبر إنجاز لرئاسته في السياسة الخارجية، حيث لا يستطيع أن يعدّد إنجازات كثيرة63. مع ذلك، فإنّ التنسيق الأم كيرر – الإيراني في العراق ضدّ تنظيم الدولة، لا يعني انتفاء حالة الصراع بينهما. بل على العكس، فقد استخدمت واشنطن صعود تنظيم الدولة وتمدده أداةً لاحتواء النفوذ الإيراني الكبير في هذا البلد وتطويقه؛ إذ ربطت واشنطن تدخّلها العسكري ضد تنظيم الدولة الذي كاد أن يبسط سيطرته على بغداد ويطيح كل الإنجازات الإيرانية في العقد الذي أعقب إطاحة نظام الرئيس صدام حسين برحيل أبرز حلفاء طهران عن السلطة أي رئيس الحكومة نوري المالكي، والمجيء بقيادة جديدة أقلّ تبعية لإيران64، وتطهير الجيش العراقي وأجهزة الأمن من العناصر الأكثر ولاء لإيران65. وعبر عودتها من بوابة محاربة تنظيم الدولة، تمكّنت واشنطن أيضًا من تأمين الكثير من مصالحها التي كانت تركتها وراءها عندما قرّرت الخروج من العراق دون تفاهمات مع حكومة المالكي الخاضعة كليًّا للنفوذ الإيراني66. فضلً عن إصرارها على إدماج السنّة الذين همّشتهم إيران في العملية السياسية67، وتحقيق توازن أكبر في علاقات العراق مع دول الجوار68. في هذا الإطار يمكن القول إنّ واشنطن وطهران توصّلتا في إطار ما يجمعهما من مصالح وما يفرّقهما من مطامح إلى صيغة للتعاون لا تلغي حالة التنافس القائمة بينهما حول العراق. وقد يؤدي هذا الأمر في نهاية المطاف إلى تنظيم أو اتفاق على نوع من تقاسم النفوذ في هذا البلد الذي يتمتع بأهمية إستراتيجية كبرى لكلا الطرفين. أمّا السعودية اللاعب الكبير الثالث في الصراع الإقليمي الدائر في المشرق العربي وعليه، وهي التي تعدّ تنظيم الدولة الخصم الأكثر خطورةً في إطار صراع حادّ على شرعية تمثيل الإسلام "السنّي"، فقد كانت أكثر حماسة للانضمام إلى التحالف الأميركي. لكنّها هي الأخرى
كان لها شروطها للانضمام؛ فبمقدار ما يشكّل تنظيم الدولة خطرًا على المصالح السعودية بخاصة بعد سيطرة التنظيم على مساحات شاسعة من سورية والعراق وصولً إلى الحدود السعودية، فضلً عن التحاق آلاف من الشبّان السعوديين به69، تشكّل إيران وحلفاؤها خطرًا لا يقلّ أهمية. ترى السعودية أنّ اقتصار التدخّل العسكري الأميركي على ضرب تنظيم الدولة دون تحجيم دور إيران أمر غير مقبول. فاشترطت لتقديم دعمها للأميركيين أن يخرج المالكي من السلطة، ويتمّ إشراك القوى السنّية من العشائر بصورة أكبر في العملية السياسية. واشترطت السعودية أيضًا تقديم مزيد من الدعم للمعارضة المسلّحة السورية لتغيير موازين القوى على الأرض. وهو أمر ظلّت إدارة أوباما ترفضه لأكثر من سنتين. استجابت واشنطن لشروط الرياض؛ فخرج المالكي من السلطة، وأقرّت واشنطن مساعدات بقيمة 005 مليون دولار للمعارضة السورية70. فضلً عن موافقتها على تدريب 5 000 آلاف مقاتل داخل الأراضي السعودية وتجهيزهم71. ومع أنّ السعودية التي تواجه تحديات داخلية وخارجية كبيرة، تمثّل الطرف الأضعف في مثلّث القوة الذي يتنازع النفوذ في المشرق العربي؛ إذ تشكّل كلٌّ من تركيا وإيران دولة - أمّة قائمة بحدّ ذاتها ولديها هوية وطنية راسخة ومقدّرات قوة ذاتية كبيرة، في حين تفتقر السعودية إلى كثير من ذلك. بل إنّ عوامل قوّتها التقليدية (النفط، والشرعية الدينية) ما فتئت تتآكل بسبب ثورة النفط والغاز الحجري من جهة، وظهور تيارات إسلام سياسي متنوّعة تنازع السعودية شرعية قيادة العالم الإسلامي (السنّي تحديدًا.) مع ذلك تبقى السعودية قوة إقليمية يُعتدّ بها ولديها أدوات تأثير سياسي فعّالة، ما يؤهّلها للقيام بدور مركزي في لعبة القوة الدائرة على امتداد الإقليم. وقد برز هذا النفوذ بوضوح في قيادة السعودية معسكر مقاومة التغيير في العالم العربي، وفي تصدّيها للنفوذ الإيراني في عموم المنطقة بعد الانسحاب الأميركي، وفوق كلّ ذلك في رفض التوجهات الأميركية في قضايا إقليمية عديدة بدءًا بالموقف من الانقلاب العسكري الذي وقع في مصر في شهر تموز / يوليو 722013، وصولً إلى نجاحها في دفع إدارة الرئيس أوباما إلى إطاحة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي بوصفها شرطًا أساسيًّا لانضمامها إلى التحالف الدولي ضدّ تنظيم الدولة. بالنتيجة، لقد أعاد صعود تنظيم الدولة وسيطرته على مناطق شاسعة من غرب العراق الولايات المتحدة إلى القيام بدور سياسي وعسكري أكبر في المنطقة، بعد أن اضطرت إلى الانكفاء عنها تاركةً للأطراف الإقليمية القيام بدورٍ أكثر فعالية وملء الفراغ الذي خلفه الأميركيون. وفي حين توحي العودة الأميركية إلى المنطقة بتناقص دور البعض وانتظام دور الآخرين، كما يبدو في تحجيم النفوذ الإيراني في العراق، فإنّ السطوة الأميركية لم تعد كما كانت عندما قامت بغزو العراق قبل عقدٍ من الزمن. يتّضح ذلك من خلال قائمة المطالب والشروط التي وضعها الحلفاء للانضمام للتحالف والصعوبات التي تواجه استمراره73، في الوقت الذي تتّجه فيه واشنطن إلى الإقرار لخصومها بدورٍ أكبر في الحرب على تنظيم الدولة، وفي ترتيب شؤون المنطقة، بعد أن كانت تتحفّظ عن ذلك.
خاتمة
ظهر النظام الإقليمي في المشرق العربي بفعل ديناميات خارجية قامت برسمه وظلّت الفاعل الأبرز فيه لنحو قرنٍ من الزمن، إلا أنّ تحوّلين رئيسين حصلا خلال العقد الأخير: تمثّل الأوّل في ميل القوى الإقليمية الأكثر تأثيرًا (تركيا، وإيران، والسعودية) للقيام بأدوار أكثر استقلالية نتيجة امتلاكها هامش حركة أوسع مع تراجع الأدوار الدولية. وعلى الرغم من عودة الفعالية إلى الدور الأميركي نتيجة صعود تنظيم الدولة، إضافةً إلى تأثير أميركا الذي مازال كبيرًا في أطراف النظام الإقليمي، فقد بات واضحًا محدودية قوّتها power of limits The ومدى حاجتها إلى أكبر قدرٍ من التعاون الإقليمي لتحقيق أهدافها. ويتمثّل التحوّل الثاني الكبير الذي طرأ على النظام الإقليمي في المشرق العربي، في أنّ الفاعلين الأساسيين فيه لعقود طويلة كانوا عربًا (العراق، ومصر، والسعودية، وفي مرحلة لاحقة سورية)، ثمّ تحوّلت كلّ من
سورية والعراق ومصر إلى ساحات صراع. وأصبح اللاعبون الأساسيون هم من غير العرب (إيران، وتركيا.) وحصل هذان التحولّان نتيجة مؤثّر خارجي هو الغزو الأميركي للعراق وما أعقبه من تداعيات؛ فخلال السنوات العشر الماضية قامت الولايات المتحدة بتدمير ميزان القوى الإقليمي الذي نشأ خلال فترة الحرب الباردة وأرسى حالةً من الاستقرار الذاتي المضبوط بآليات سيطرة أعلى فرضها النظام الدولي، لكنّها فشلت في إنشاء ميزان قوى جديد مع اضطرارها إلى الانكفاء عن المنطقة تحت وطأة المقاومة التي واجهها مشروعها في العراق وأفغانستان، وتأثير الأزمة المالية العالمية. وقد أدّى الانكفاء الأميركي إلى فراغ قوّة ساهم في احتدام التنافس بين اللاعبين الكبار في النظام الإقليمي (إيران، وتركيا، والسعودية.) وأسفر عن نشوب صراع دموي على امتداد الهلال الخصيب. في الأثناء أدّى التغوّل الإيراني وسياسات حلفاء طهران الطائفية في سورية والعراق إلى ظهور تيارات إسلامية أكثر راديكالية من تنظيم القاعدة الذي كان قضى عليه الأميركيون قبل انسحابهم من العراق، ممثلّا بتنظيم الدولة الذي قدّم نفسه بوصفه المدافع عن حقوق السنّة على امتداد الهلال الخصيب. وأخذ يرى في إيران، وليس الغرب أو أميركا كما كانت الحال سابقًا، الخصم الرئيس الذي تجب مقارعته.
لقد أدّى انفلات الصراع من عقاله إلى تهديد وجود دول بكاملها بالتفكّك، وتقويض عقيدة أوباما التي قدّرت أنّه بالإمكان ضبط الصراعات التي خلفها السلوك الأميركي في المنطقة وإدارتها بأقلّ قدر من التدخّل وبالاعتماد على دعم وكلاء محليين عبر تجهيزهم وتدريبهم (حكومة المالكي في العراق مثلا.) لكن ثبت خطأ هذا التقدير. ما دفع إلى عودة التدخّل العسكري الأميركي المباشر لمواجهة خطر تنظيم الدولة. وثبت أيضًا خطأ المقاربة الأميركية في سورية، والتي قامت على السماح للأطراف السوريّة المتنازعة بأن تتقاتل مع بعضها وأن توازن قوّة بعضها، بحيث لا يستطيع طرف أن ينتصر على الآخر وفقًا لسياسة إدارة الصراع وضبطه. مقاربة موازين القوى المحلية في سورية كانت البديل الذي استخدمته واشنطن للتدخّل العسكري المباشر. لكنّه لم يُجد نفعًا أيضًا، في ظلّ تنامي قوة تنظيم الدولة؛ إذ استجمع التنظيم قوّته وقام بإسقاط الموصل والسيطرة على مناطق شاسعة من العراق، انطلاقًا من قواعده في الأراضي السوريّة. على الأرجح، سوف تستمر حالة السيولة وعدم الاستقرار التي يشهدها الإقليم الآن لبضع سنوات مقبلة. وسيستمرّ الصراع بين القوى الرئيسة فيه حتّى يستقرّ النظام على شكل جديد وتظهر موازين قوى جديدة في مقابل آليات ضبط خارجية أقلّ تأثيرًا ممّ كانت عليه خلال مرحلتَي الثنائية القطبية والهيمنة الأميركية المطلقة. وستبقى الدولة على الأرجح اللاعب الرئيس في الصراع الإقليمي مع تنامي دور التنظيمات من خارج الدولة، والتي ستتحدّى سلطة الدولة باطّراد. موازين القوى الجديدة التي ستنشأ، سوف تشكّل إيران وتركيا قطبيها الرئيسين. وسينقسم فيها العرب بين حلفاء لإيران وحلفاء لتركيا، بعد أن كانوا خلال الحرب الباردة يتبعون طبقة أعلى في النظام الدولي (حلفاء موسكو، وحلفاء واشنطن.) وسوف يحاول الأميركيون المساعدة في إنشاء هذا الميزان الإقليمي الجديد من خلال السماح لإيران بالخروج من حالة العزلة المفروضة عليها عبر التوصّل إلى اتفاق على الملفّ النووي. من جهة أخرى سيستخدم الأميركيون الحرب على تنظيم الدولة - والتي يقدّر الرئيس أوباما أنّها ستستغرق سنوات74 - أداةً للمساعدة في ولادة نظام إقليمي جديد وإعادة صوغ موازين القوى في المنطقة وتحالفاتها المختلفة بما يحول دون حصول هيمنة إقليمية لقوّة معيّنة؛ فالعوامل المرتبطة بالبيئة الإقليمية والدولية وتلك المتعلقة بالإمكانات الذاتية لكلّ طرف لن تسمح بفرض أيّ نوع من الهيمنة. وفي الوقت الذي ستراوح فيه العلاقة الأميركية – الإيرانية في المدى المنظور بين التنافس والتنسيق غير المباشر في الحرب على تنظيم الدولة ريثما يجري التوصّل إلى اتفاق على الملفّ النووي75، سوف تسعى واشنطن إلى ضبط الطموح الإقليمي لتركيا عبر دعم الأكراد وتعزيز قوّتهم في سورية والعراق76، وفي الإطار الكلّ موازنة الدور الإيراني بالدور التركي والعكس.