الفشل الإقليمي: بين القوى الخارجية والمجموعات المسلّحة
الملخّص
تقدّم هذه الورقة محاولة لفهم حالة الصراع القائمة بين تنظيم الدولة الإسامية "داعش" أو غيره من المجموعات المسل حة والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من خال إعادة توصيف المفاهيم الرئيسة والعاقات السببية المحيطة بالصراع. تنطلق الورقة من فرضية "التدخ ل الأجنبي يؤدّي إلى التطرّف"، وبالعكس "التطرّف يؤدّي إلى التدخ ل الأجنبي" موضحة أنّ تلك العاقة الترابطية التبادلية على الرغم من صحّتها تقدّم مساحة تحليلية محدودة لفهم نمط الصراع القائم وشروط إنتاجه. ومن هنا تقدّم الورقة إعادة صوغٍ لهذه العاقة تضع "التدخ ل الأجنبي" و"التطرّف" عناصر في إطار مفاهيمي ينتمي إلى أحد أطراف فرضية بحثية أشمل، وهو صراع "إعادة الهيكلة الإقليمية."
تقترح هذه الورقة مستوى القيادة السياسية للدول الإقليمية، بوصفه إطارًا ملائمًا للطرف الآخر من المعادلة، يقدّم عددًا من المتغيّ ات المسؤولة عن إنتاج نمط صراع "إعادة الهيكلة الإقليمية" وإعادة إنتاجه، لتكون الفرضية الرئيسة كما يلي: عدم قدرة الدول الإقليمية على إظهار قيادة سياسية يؤدّي إلى إعادة إنتاج الصراعات الهيكلية الإقليمية. فبالنسبة إلى الطرف الآخر من المعادلة، أي "مستوى القيادة السياسية"، تقترح الورقة ثلاثة عناصر، وهي: وجود رؤية شاملة يتمّ من خلالها اقتراح الحلول للمشاكل الرئيسة؛ والقدرة على تقديم التبرير الأخلاقي لتبنّي تلك الرؤية استمراريته؛ والقدرة على الحشد الشعبي والمادي لتنفيذ تلك الرؤية. تعرّف الورقة بعد ذلك مستوى القيادة السياسية لكلٍّ من الدول الإقليمية إضافةً إلى طرفَ الصراع؛ أي القوى الخارجية والجماعات المسلّحة، طبقًا لتلك العناصر لتستخلص مشاريع تحكم مستويات القيادة السياسية لكلٍّ منها رؤية ومشروع أداتي/منفعي يهدف إلى الأمن والاقتصاد تقدّمه الدول الإقليمية، وهي: مشروع ليبرالي/مؤسساتي للقوى الخارجية؛ ومشروع إسلامي للجماعات المسلّحة. تستنتج الورقة في النهاية أنّ الدول الإقليمية ومشروعها في مواجهة التدخّل الأجنبي تخسر أمام الجماعات المسلّحة والتي تقدّم مشروعها "الإسلامي" بديلً لقيادة تلك المواجهة. أمّا في مواجهة التطرّف أيضًا، فالدول الإقليمية ومشروعها تخسر أمام القوى الخارجية التي تقدّم مشروعها الليبرالي بديلً لقيادة تلك المواجهة. قد يكون الإحساس الأكثر انتشارًا على المستوى الشعبي في المنطقة عند النظر نحو جانبَي الصراع الإقليمي القائم، أي "داعش" وما يسمّى بالتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، هو عدم الارتياح وعدم التعاطف مع كلٍّ منهما. يرتبط هذا الإحساس بعلاقةٍ سببية واضحة لا لبس فيها، وهي أنّ "ارتفاع مستوى التطرّف يسبّب ارتفاع مستوى التدخّل الأجنبي." والسمة التبادلية لتلك العلاقة واضحة أيضًا؛ أي أنّ "ارتفاع مستوى التدخّل الأجنبي يسبّب ارتفاع مستوى التطرف." إلى حدٍّ كبير، فإنّ هذه علاقة ترابطية صحيحة تعتمد على شواهدَ إمبريقية لا تحتاج إلى أدواتٍ بحثية متقدمة للكشف عنها. إلّ أنّ هذه المقالة المختصرة تقترح وضع تلك العلاقة في إطار مفاهيمي وتحليلي قد يساهم بصورة أكبر في تفسير حالة الحصار السياسي والنفسي التي تتعرّض لها شعوب المنطقة بين التطرف والتدخّل الأجنبي. في هذا الإطار، فإنّ المهمّة الأولى هي فهم أنّ تلك الحالة تدلّ على نمطٍ أو نسقٍ لنوعٍ معيّ من الصراع ناتج بدوره من شكل تطوّر الهيكل السياسي للإقليم بما في ذلك وحداته السياسية وسماتها وعلاقة الإقليم بالنظام الدولي الحديث، كون تلك الحالة دالّة على نمط يعني بالضرورة إعادة إنتاجها مادامت شروط إنتاجها الهيكلية موجودة. وتتمثّل المهمة الثانية في أنّ ذلك يتطلّب إعادة توصيف هذا النوع من الصراعات بهدف استكشاف شروط إنتاجه؛ فقد درجت الخطابات السياسية والتقارير الإستراتيجية بل وحتى أدبيات العلاقات الدولية، على توصيف صراعات القوى الخارجية للإقليم والمجموعات المسلّحة من خلال مفهوم "الإرهاب" Terrorism و"الحرب على الإرهاب" Counter-Terrorism أو التمرّد والتخريب السياسي Insurgency ومواجهته1Counter-Insurgency. يتّضح من هذه التوصيفات لإطار الصراع التحيّز بل والمنشأ الغربي. من الناحية الأخرى يصف الجانب الآخر وأدبياته هذا الصراع بوصفه جزءًا من جهاد الأمّة الإسلامية ضدّ التدخّل في العالم الإسلامي والسيطرة عليه2. في المنتصف نجد بعض التوصيفات الأخرى التي تضع الصراع في إطار فشل الدولة في تقديم الخدمات الأساسية للمجتمع Failed State والذي يؤدّي بدوره إلى ظهور المجموعات المتطرّفة3. بالطبع هناك عناصر من جميع تلك التوصيفات المفاهيمية تنطبق على حالة الصراع التي نحن بصددها؛ فالجانبان، أي المجموعات المسلّحة والقوى الغربية، يتبعان وسائل بل أهدافًا متطرفة تستحقّ وصف الإرهاب. ومن حيث المبدأ، فإنّ مواجهة تدخّل القوى الغربية في العالم الإسلامي ومحاولتها السيطرة عليه تُعدّ من الجهاد، بل من أسمى أنواع الجهاد. ويساهم فشل الدول الإقليمية في إدارة مجتمعاتها بصورة كبيرة في تطرّف بعض عناصر المجتمع. مع أخذ بعض عناصر التوصيفات المذكورة في الحسبان، يمكن توصيف الصراع الإقليمي بين المجموعات المسلّحة والقوى الخارجية في إطار ما قد يطلق عليه صراع "إعادة الهيكلة الإقليمية." يمكن القول إنّ هذا النوع من الصراع يتّصف بالسمات التالية: أوّلً: أنّه صراع بين قوى خارجية للإقليم ومجموعات من غير الدول actors non-state. هذا لا يعني أنّ الدول الإقليمية ليست جزءًا من الصراع بل يعني أنّها ليست اللاعب الرئيس بل أحيانًا تكون مؤسسات تلك الدول هي مادّة الصراع، والتي يتنافس عليها الطرفان لتوجيهها وتشكيلها في إحدى مراحل الصراع.
ثانيًا: أنّ طرفي هذا النوع من الصراعات يهدفان إلى إعادة الهيكلة والثقافة السياسية للإقليم وليس إلى مكاسب مادية أو سياسية محدودة. من هنا نرى ظهور الخرائط المتعددة للإقليم وتداولها، سواء لتقسيمه إلى كيانات أصغر(((أو دمج كياناته للوصول إلى كيان سياسي جامع؛ ما يوضح أيضًا عدم قدرة الدولة الوطنية بوصفها كيانًا سياسيًّا متوسّط الحجم على القيام بدورٍ قيادي في هذا الصراع. وتوضح تلك السمة أيضًا مساحة الصراع، وهي تمتدّ من مستويات صغيرة الحجم Micro-Level تتضمّن كيانات مثل المجموعات المسلّحة والقبائل والطوائف، إلى مستويات كبيرة الحجم Macro-Level؛ أي مستويات ما فوق الدولة والنظام الدولي، والتي تتضمّن القوى العظمى الخارجية والمنظمات الإقليمية والدولية. ثالثًا: تتّسم تلك الصراعات بالتطرّف من الجانبين؛ فعلى الرغم من تكرار وصم المجموعات المسلّحة بالتطرّف يجب عدم إغفال تطرّف الجانب الآخر أي تطرّف القوى الغربية في إدارة الإقليم والتعامل معه؛ فعلى سبيل المثال لا تتبع الولايات المتحدة مع الشرق الأوسط المعايير الأخلاقية نفسها عندما تتعامل مع شرق أوروبا أو آسيا أو أميركا الجنوبية. وقياسًا على أدبيات "الدولة الفاشلة"، يمكن القول إنّ الأبعاد المذكورة لهذا النوع من الصراعات: الإقليمي، والهيكلي إضافةً إلى تطرّف أطراف الصراع، تقترح "فشلً " إقليميًّا. أي إنّنا نتعامل هنا مع "إقليم فاشل" يعاني من ضعف قيادة سياسية أو عدم وجودها. إذا كانت صراعات "إعادة الهيكلة الإقليمية" تمثّل الإطار المفاهيمي الذي يمكن من خلاله اشتقاق متغيرات تابعة dependent Variables؛ أي التي تمثّل الظاهرة المراد شرحها، فإنّ الدراسة تقترح "مستوى القيادة السياسية للدول الإقليمية" إطارًا مفاهيميًّا يمكن من خلاله اشتقاق متغيرات مستقلة independent variables أي تلك المسؤولة سببيًّا عن حدوث تلك الظاهرة وتكرارها. إذًا بدلً من العلاقة الترابطية البسيطة المذكورة في بداية الورقة يمكن إعادة صوْغ تلك العلاقة بين "التدخل الأجنبي" و"التطرّف" إلى الصيغة التالية: عدم قدرة الدول الإقليمية على إظهار قيادة سياسية يؤدّي إلى إعادة إنتاج الصراعات الهيكلية الإقليمية. على الرغم ممّ يمكن أن تقدّمه إعادة الصوغ هذه نحو فهم الظاهرة، فهي تبقى في مجال توصيف أنماط العلاقة الترابطية بين مستوى القيادة السياسية للدول الإقليمية وإنتاج الصراعات الهيكلية الإقليمية وإعادة إنتاجه. لكنّها لا تشرح تلك العلاقة أو تفسّها. وللدخول في مجال الشرح والتفسير، يمكن إعادة صوغ تلك العلاقة مرةً أخرى بطريقة أكثر تفصيلً، كما يلي: "عدم قدرة الدول الإقليمية على إظهار قيادة سياسية عند التعامل مع القوى الخارجية يساهم في ظهور التطرّف. وبالعكس، عدم قدرة الدول الإقليمية على إظهار قيادة سياسية عند التعامل مع الجماعات المسلّحة يساهم في ظهور التدخّل الأجنبي."
لا يعني هذا أنّ غياب القيادة السياسية للدول الإقليمية يخلق أو ينشئ التطرّف أو حتى التدخّل الأجنبي. المقصود أنّ غياب القيادة السياسية للدول الإقليمية هو السبب الرئيس في إنتاج نمط هذا الصراع بين القوى الخارجية من جهة والمجموعات المسلّحة من جهةٍ أخرى، وإعادة إنتاجه. من خلال عمليات الصوغ المختلفة يظهر "مستوى القيادة السياسية" للدول الإقليمية إطارًا رئيسًا للمتغيرات المسؤولة عن شرح تلك الظاهرة وتفسيرها، ومن هنا يتطلب ذلك توصيفًا مفاهيميًّا لهذا الجانب من المعادلة. في هذا الإطار نجد محاولات عديدة4 لتوصيف "القيادة السياسية" إلا أنّ تلك المحاولات تنتمي إلى أدبيات العلوم السياسية، وهي تركّز على القيادة السياسية في مستوى الدولة - المجتمع وليس المستوى الإقليمي. قد يكون ذلك بسبب هيمنة مفهوم "الدولة المهيمنة" Hegemon على أدبيات العلاقات الدولية الخاصة بالقيادة5. بحيث يركّز هذا المفهوم على قيادة النظام الدولي العابرة للأقاليم، وليس الحدود فقط. نظريًّا، يمكن رؤية تأثير ذلك في مدى ضعف التنظير على المستوى الإقليمي في أدبيات العلاقات الدولية. أمّا سياسيًّا، فهو يوضح مدى "دونية"
العلاقة بين القوى الخارجية العظمى والدول الإقليمية. فالطريق الأسلم هنا إذًا، هو النظر في مفاهيم القيادة السياسية بصورة عامّة، ومن ثمّ تطبيقها إقليميًّا. اختلف الباحثون بخصوص العناصر الجوهرية للقيادة السياسية. لكن، بإمكاننا تلخيصها طبقًا لماسكيولي Masciulli Joseph W. ومالكنوف Mikhail A. Molchanov ونايت Andy Knight في التالي: أوّلً: وجود رؤية شاملة يجري من خلالها اقتراح الحلول للمشاكل الرئيسة. ثانيًا: القدرة على تقديم التبرير الأخلاقي لتبنّي تلك الرؤية بل واستمراره. ثالثًا: القدرة على الحشد الشعبي والمادي لتنفيذ تلك الرؤية6. إذا طبّقنا تلك العناصر على المستوى الإقليمي في الجزء الخاص بالقيادة السياسية في العلاقة السببية أعلاه، يمكن استخلاص ما يلي: أنّ الدول الإقليمية، والتي هي دول قطرية وطنية، ليست لها رؤية لمشروع إقليمي لحلّ المشكلات الإقليمية وإن كانت لها رؤية إقليمية، ليس لها العمق الأخلاقي اللازم لتبريرها والقدرة على الحشد الشعبي والمادي لتنفيذها؛ وذلك مقارنة مع طرفي الصراع أي القوى الخارجية والجماعات المسلّحة، وعند التعامل معها. أي إنّ المجموعات المسلّحة تقدّم مستوى أعلى من القيادة السياسية في مواجهة التدخّل الأجنبي طبقًا لعناصر القيادة السياسية المذكورة، وتزاحم الدول الإقليمية في قيادة تلك "المواجهة." وتقدّم القوى الخارجية مستوى أعلى من القيادة السياسية في مواجهة المجموعات المسلّحة طبقًا لتلك العناصر، وعليه، هي من يقود المواجهة مع المجموعات المسلّحة.
القيادة السياسية الإقليمية لتحالف الأسر الحاكمة والجيوش الوطنية
بعد عقودٍ من تراجع الرؤية القومية العربية بوصفها أساسًا للمشروع الإقليمي وتراجع مشاريع ما يسمّى ب "الإسلام السياسي" مؤخرًا إضافةً إلى تقدّم دول الخليج نسبيًّا في قيادة الإقليم سياسيًّا، ظهر "خليط" مشوّه من الثقافة السياسية المحلّية يتضمّن العناصر التالية: شمولية علمانية من جهة، وسلطوية قبلية من جهة أخرى أو حتى خليط بينهما في بعض الحالات. بحيث يمكن القول إنّ النظم السياسية المحلية التي تقود المشروع الأمني/الاقتصادي الإقليمي هي في جوهرها تنقسم إلى أسرٍ وقبائل حاكمة من جهة وجيوش وطنية من جهة أخرى؛ إذ تعدّ الأولى أساس النظام السياسي في دول الخليج والنظم العربية الوراثية الأخرى، كالأردن والمغرب. بينما تعدّ الثانية أساس النظام السياسي في الجمهوريات العربية، كمصر وسورية والجزائر مثلً. على المستوى الإقليمي، ترتبط الأنظمة الحاملة تلك الثقافات السياسية بعلاقات أداتية تهدف إلى تحقيق هدفين رئيسين هما: الأمن والاستقرار، والتنمية والرفاهية الاقتصادية. المقصود بأداتية هنا هو طغيان البعد المنفعي لتلك العلاقات وما ينبثق عنها من ترتيبات وإجراءات سياسية واقتصادية إقليمية، وتعامل الأطراف معها بطريقة سطحية لا يتعدّى مستوى الحسابات المادية للمنفعة والخسارة7؛ أي إنّ ما نحن بصدده هنا هو بيئة ذات بناء إجراءاتي procedural وعملياتي operational تعمل على تنظيم العلاقات الاقتصادية والترتيبات والتحالفات الأمنيّة فقط؛ إذ تختلف تلك البيئة عن البيئات الإقليمية الأخرى ذات البناء الثقافي والمؤسساتي، والذي بدوره يعمل على تعميق أسس تلك الترتيبات الاقتصادية والأمنيّة من خلال وضعها في إطار غاياتها القيمية وجذورها الثقافية والتاريخية كما في الحالة الأوروبية أو حتى الآسيوية. ترتبط ضحالة البناء الثقافي والمؤسساتي في الرؤية الإقليمية المعاصرة للدول الإقليمية بالضرورة بالعنصر الثاني من "القيادة السياسية"، وهو العمق الأخلاقي الضروري لتبرير تلك الرؤية الإقليمية. عادةً ما يجري تبرير تلك الرؤية على مستوى المجتمعات والأفراد وما يمكن أن تقدّمه تلك الرؤية من حقوق، أو في هذه الحالة "خدمات" لتلك المجتمعات والأفراد. ويمكن تلخيص ما تقدّمه تلك الرؤية على تلك المستويات في: الاستقرار، والأمن والأمان، والرفاهية الاقتصادية، وخليط من المحافظة على نوع من"الإسلام العباداتي والفلكلوري" الذي لا يصطدم بحرية اختيار أسلوب الحياة الشخصي كغايات شخصية واجتماعية في حدّ ذاتها يخدمها ويحفظها النظام الإقليمي الأمني والاقتصادي. قد يكون العنصر الثالث هو الأكثر إشكالً في عناصر القيادة السياسية والخاص بقدرة الدول الإقليمية على الحشد الشعبي والمادي لتلك الرؤية؛ فالمتابع للأوضاع الحاليّة للمنطقة يكاد لا يخطئ مظاهر التفاف الشعوب حول قياداتها السياسية في مواجهة أيّ تهديد لاستقرار مجتمعاتها، ورفاهيتها الاقتصادية، وأسلوب حياتها كما هي الحال في أغلب دول الخليج ومصر مثلً. لكن السؤال المطروح
هو: هل تصمد إستراتيجيات الحشد الشعبي والمادي، والتبرير الأخلاقي لنظام إقليمي أمني/اقتصادي أداتي عند زوال التهديدات الرئيسة للاستقرار والاقتصاد والحرية الشخصية؟ لكن اللافت هو أنّ تلك التهديدات بطبيعتها موقّتة؛ أي إنّها غير ملائمة للاستخدام بوصفها أهدافًا لتبرير أخلاقي لنظام اجتماعي من المفترض أن يتّسم بالاستمرارية والاستدامة.
بغضّ النظر عن مدى استدامة تلك الرؤية الإقليمية وعمقها القيمي، إلا أنّها نجحت إلى حدٍّ ما، على الأقلّ موقّتًا، في تعزيز شرعية تلك الأنظمة محليًّا والتخفيف من الضغوط الدولية لتبنّي إصلاحات سياسية ليبرالية. في هذا الإطار يمكن القول إنّ الدول الإقليمية وأنظمتها نجحت في الحصول على مستويات مرتفعة من الولاء دون الحاجة إلى توسيع المشاركة الشعبية في رسم السياسات واتّخاذ القرار. لفهم إدارة الدول الإقليمية لإستراتيجيات الحشد الشعبي والمادي لرؤيتها الأداتية، والتي تهدف في النهاية لبقاء تلك الأنظمة، من المفيد التفكير في أنواع مختلفة من القومية، والتي تعدّ حجر الأساس للتقسيم السياسي في المنطقة. ومن هنا، تمثّل ما تتعامل معه الأنظمة عند تقديم تبرير أخلاقي لرؤية إقليمية أو محاولة الحشد الشعبي والمادي لتلك الرؤية. يقدّم ماثياس فامهو Matthias Hau vom ثلاثة أنواع لمفهوم القومية: القومية السلوكية، والقومية الأيديولوجية، والقومية العاطفية8. ويعنى مفهوم القومية السلوكية بالعمل السياسي الجماعي الذي يهدف إلى سلطة تعريف الحدود المادية والإنسانية والثقافية للأمّة. أي إنّ هذا النوع من القومية يظهر في سياسات الدولة والحركات الاجتماعية والسياسية. بينما يقدّم مفهوم القومية الأيديولوجية الإطار الفكري والقيمي للأمّة. إذ يقدّم هذا النوع من القومية أنساقًا لرؤية وتفسيرًا والتحدّث عن العالم الاجتماعي من منطلق قومي. أمّا مفهوم القومية العاطفية، فيركّز على المشاعر الجماعية والروابط العاطفية بالمجتمع الوطني، والتي تعمل بدورها قاعدة للتضامن الاجتماعي9، بل وحتى تأسيسًا لما يسمّيه بنديكت أندرسون ب "الشرعية العاطفية"10. على الرغم من ضحالة أغلب الهويات القومية الإقليمية، استطاعت الأنظمة الإقليمية أن تخلق تلك الحالة القومية العاطفية، و"الشرعية العاطفية" لنظمها وأسرها الحاكمة دون الحاجة إلى نقل السلطة إلى الشعب أو توسيع دائرة اتّخاذ القرار. إضافةً إلى "الشرعية العاطفية" أعطت الثقافة السياسية والخبرة التاريخية للدول الإقليمية أبعادًا أخرى للشرعية كالشرعية القبلية مثلً؛ بحيث تعدّ تلك "الحزمة" الشرعية أحد أهمّ أسس التبرير الأخلاقي وإستراتيجيات الحشد الشعبي والمادي للمشروع الأمني/الاقتصادي للدول الإقليمية.
إقليم أداتي أم ليبرالي أم إسلامي
كما أشرنا سابقًا، يمكن الكشف عن كيفية تأثير ما تقدّمه الدول الإقليمية من مستوى قيادة سياسية في إعادة إنتاج الصراعات الهيكلية الإقليمية، عند مقارنته بما تقدّمه الأطراف الرئيسة في تلك الصراعات. أي إنّ النقطة المحورية هنا هي أنّ ضعف القيادة السياسية للدول الإقليمية يجب أن يفهم من خلال التعامل مع أحد أطراف الصراع وعدم رضا الطرف الآخر عن مستوى القيادة السياسية التي تقدّمه ومنازعتها هذا الدور من خلال تقديم رؤية مختلفة لإدارة هذا التعامل والتفاعل. بطريقة أوضح، فإنّ عدم قدرة الدول الإقليمية على تقديم رؤية لمشروع إقليمي يجري من خلاله تقديم حلول لمشاكل المنطقة، أو تبرير أخلاقي إضافةً إلى الحشد المادي والشعبي عند التعامل مع التدخّل الأجنبي، يحفّز المجموعات المسلّحة للتعامل مع التدخّل الأجنبي بنفسها من خلال تقديم رؤية إقليمية مختلفة وتبريرات أخلاقية وإستراتيجيات حشد متعددة. وعدم قدرة الدول الإقليمية أيضًا على تقديم رؤية لمشروع إقليمي يجري من خلاله تقديم حلول لمشاكل المنطقة، أو تبرير أخلاقي إضافةً إلى الحشد المادي والشعبي عند التعامل مع التطرّف، يحفّز القوى الخارجية للتعامل بنفسها مع التطرّف من خلال تقديم رؤية إقليمية مختلفة وتبريرات أخلاقية وإستراتيجيات حشد متعددة.
فإذا نظرنا إلى القيادة السياسية لتلك الدول عند التعامل مع القوى الخارجية، نجد أنّها تفشل في تقديم الحدّ الأدنى من الحاجات الأساسية لمجتمعاتها من هذا التفاعل مثل الأمن بشقّيه المادي والثقافي، والتنمية الاقتصادية، والإحساس الجماعي بالثقة أو ما يسمّى ب Collective 11Esteem Self. يمكن عدّ تلك الحالة حالة من التطرّف أيضًا لكنّها تطرّف في الضعف والاستكانة والركون وتضييع الحقوق عند التعامل مع القوى الخارجية. هنا تأتي الجماعات الأخرى لتقدّم نفسها من خلال رؤية ومشروع إقليمي يعد بتقديم تلك الحاجات الأساسية خصوصًا عند التعامل مع القوى الخارجية. إلّ أنّها أيضًا تقدّم نفسها على الأقلّ من خلال الوسائل المستخدمة وتبريراتها الأخلاقية بطريقة متطرفة تضاهي مستوى التطرف في الاستكانة وتضييع الحقوق لكن في الاتجاه الآخر. إذًا إن كان لا بدّ من استخدام بعض أبعاد مفهوم "الدولة الفاشلة" هنا يجب تضمين البعد الخارجي لهذا "الفشل" أي فشل السياسة الخارجية للدولة في تقديم الحاجات الأساسية للمجتمع أو حمايته، ما يساهم في تطرّف الجماعات التي تسعى لتقديم تلك الاحتياجات. من الناحية الأخرى عندما تتعامل الدول الإقليمية مع التطرف نجد أنّها تفشل أيضًا، على الأقل من وجهة نظر القوى الغربية، في تقديم الحد الأدنى من الحاجات المحلية والإقليمية بل والدولية كالمحافظة على الأمن والسلم الدوليَيّن، وحماية أرواح المدنيين والأقليات وممتلكاتهم وحقوقهم. هنا أيضًا تقدّم القوى الخارجية نفسها من خلال رؤية ومشروع إقليميَيّن يعدان بالقضاء على التطرف. وعليه، يضع ضعف القيادة السياسية للدول الإقليمية الطرفين في مواجهة إقليمية هيكلية مستدامة. قد يكون السؤال المنطقي هنا هو: لماذا تخسر الدولة دائمًا في اختبار القيادة السياسية أمام كلٍّ من طرفَ الصراع؟ فأمام الجماعات المسلحة والتي تقدّم الهوية الإسلامية إطارًا لمشروعها الإقليمي والعمق القيمي الذي تستمدّ منه مجموعة التبريرات الأخلاقية بخاصة في ما يتعلّق بالتعامل مع القوى الخارجية، تظهر أداتية رؤية الدول الإقليمية إضافةً إلى ضحالة تبريراتها الأخلاقية لهذه الرؤية وعجزها عن تقديم حلول لمشاكل التفاعل مع القوى الخارجية فضلً عن حتى الاعتراف بتلك المشاكل. من الناحية الأخرى، أي أمام القوى الخارجية والتي تقدّم الليبرالية المؤسساتية إطارًا للرؤية الإقليمية وأساس التبرير الأخلاقي لهذه الرؤية أيضًا، تظهر الأداتية الواضحة لرؤية الدول الإقليمية إضافةً إلى ضحالة تبريراتها الأخلاقية لهذه الرؤية وعجزها عن تقديم حلول لمشاكل التطرف، والتي تتطلب من وجهة نظر تلك القوى الخارجية، تبنّي الفكر الليبرالي في مستوى الحريات الشخصية، ومستوى علاقة الدولة – المجتمع. وهو ما لا تستطيع أن تقدّمه أو تجاريه قيميًّا أغلب الدول الإقليمية كما هي الحال أمام المشاريع والتبريرات الأخلاقية الإسلامية. الإجابة المختصرة إذًا هي أنّ الدول الإقليمية ليست إسلامية بصورة كافية لتنافس المجموعات المسلّحة في قيادة المواجهة أمام القوى الخارجية، وهي ليست ليبرالية بما يكفي لمنافسة القوى الخارجية في قيادة المواجهة أمام التطرّف. وعليه، تكون النتيجة المنطقية لهذا المستوى من ضعف القيادة السياسية في جميع الاتجاهات وأمام كلّ الأطراف، هي ذلك النمط من الصراع الذي يتّصف بالتطرف من الجانبين، والذي يدفع سكّان المنطقة في النهاية إلى الوقوف بجانب أحد الجانبين المتطرفين اضطرارًا، أو اتّخاذ الحياد الممزوج باللامبالاة أو الانتظار لمستوى من القيادة السياسية يسمح بقيادة المواجهة ضدّ الطرفين، وبالتالي إنهاء الصراع أو تعميمه وتأصيله ليكون الإقليم وأهله حقيقة أحد أطراف هذا الصراع.
لكن قد يرى الكثيرون أنّ الفريق الثالث قد ينتظر طويلً؛ وذلك لأن أسباب ضعف القيادة السياسية تمتد إلى نشأة الإقليم نفسه وتاريخه السياسي الحديث، وما نتج من ذلك من خلق كيانات سياسية غير قادرة على القيام بدور القيادة؛ لأسباب هيكلية تخصّ الاضطراب الواضح بين هوية الدولة والهوية التاريخية والثقافية للمنطقة، واعتماد تلك الكيانات على هويات وطنية وتمثيلها في كثير من الأحيان هي في الحقيقة هويات مصطنعة. إضافةً إلى ربط الإقليم واعتماده سياسيًّا واقتصاديًّا بل وثقافيًّا بالنظام الدولي الحديث. مما يعزّز وجاهة النقطة القائلة إنّ صراعات "إعادة الهيكلية" التي يعاني منها الإقليم هي نتيجة "فشل الإقليم" وليس "فشل الدولة." بمعنى آخر يمكن القول إنّ صعوبة قيام الدول الإقليمية بدور "القيادة السياسية الإسلامية" ناتجة من ربط الكيانات السياسية في الإقليم بالنظام الدولي. ويمكن القول أيضًا إنّ استحالة قيام الدول الإقليمية بدور "القيادة السياسية الليبرالية" ناتجة من الجذور الثقافية والتاريخية
للمنطقة. وعليه، ما نحن أمامه الآن هو "التعبير الإقليمي" عن خليط الدولة القبلية/السلطوية من جهة والدولة الشمولية/العلمانية من جهةٍ أخرى، والذي لا يستطيع أن يقود الإقليم سياسيًّا؛ وذلك لارتباطه الأداتي مع كلٍّ من إقليمه ونظامه الدولي وعدم قدرته على تقديم مشروع قيمي ثقافي يتّسم بالاستدامة. قد يلاحظ القارئ في الفقرة السابقة استخدام لفظ "استحالة" عند الحديث عن إمكانية قيام الدول الإقليمية بدور "القيادة السياسية الليبرالية"، واستخدام لفظ "صعوبة" عند الحديث عن إمكانية قيام الدول الإقليمية بدور "القيادة السياسية الإسلامية" في المنطقة؛ فمنطقيًّا قد لا تكون الدول الإقليمية قادرة على أن تكون ليبرالية أكثر من القوى الغربية، لكنّها قد تكون قادرة على أن تكون أكثر "إسلامية" من الجماعات المسلّحة. "إسلامية" هنا لا تعني محافظة اجتماعيًّا أو حتى "وسطية" بالمعنى المنتشر في أدبيات "محاربة الإرهاب" والمفترض أن ينافس "التطرف" قيميًّا. بل تعني القدرة على تقديم رؤية إسلامية إقليمية والعمل على ذلك، وتقديم التبرير الأخلاقي لتلك الرؤية إضافةً إلى الحشد الشعبي والمادي لغايات إسلامية على المستوى الإقليمي والدولي. كما ذكر سابقًا قد لا ينهي هذا التحوّل الصراع لكنّه قد يجعل أحد أطراف الصراع أكثر تمثيلً لشعوب المنطقة. بالطبع هذه مهمة ليست بالسهلة بل هي مهمة معقدة قد تمتدّ لعقود؛ فإذا كان تحالف الأسر والقبائل الحاكمة من جهة وجيوش الجمهوريات من جهة أخرى غير قابل ل"لبرلة"، فمن الصعب أيضًا رؤيته أساسًا لبنية إقليمية ينطلق منها مشروع إقليمي حضاري إسلامي يعمل على استرجاع المنطقة من المشاريع الأخرى: أي الإسلامي المتطرف والليبرالي العالمي المتطرف أيضًا. إلا أنّه على المدى القصير يمكن التفكير في بعض الخطوات التي قد تساعد في إقناع شعوب المنطقة بوجود تحالف إقليمي يمثّلها في صراع المشاريع والقيادات السياسية في المنطقة. قد تكون أولى تلك الخطوات هي الاعتراف بوجود مشكلة هيكلية إقليمية وأنّ شعوب المنطقة تعاني ثقافيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا تلك المشكلة، والتي يمكن تلخيص أحد أبعادها في ضعف البنية الإقليمية السياسية والثقافية وعلاقاتها بحضارة العالم الإسلامي وثقافته من جهة، والعلاقة المنفعية الخاسرة دومًا مع القوى الخارجية من جهة أخرى. بصراحة على تحالف الدول الإقليمية الحالي أن يقوم بما تقوم به المجموعات المسلحة لكن بصورة أفضل أخلاقيًّا و"فنيًّا"؛ أي أخذ مبادرة القيادة السياسية ذات التوجّه الإسلامي ضدّ القوى الخارجية من المجموعات المسلحة. نعم قد يعني ذلك أنّ على الدول الإقليمية أن تكون أكثر وسطية. لكن "وسطية" لا تعني ما عليه هذه الدول الآن بل تعني موقفًا وسطيًّا بين ما عليه المجموعات المسلحة وما عليه تلك الدول الآن. ببساطة مادام فراغ القيادة السياسية للمنطقة في مواجهة القوى الخارجية متاحًا، سيكون هناك دائمًا مجموعة أو عدد من المجموعات، من غير الدول، التي تتقدّم لملْ ء هذا الفراغ سواء "داعش" أو غيرها.
الخلاصة
حاولت الورقة الابتعاد قدر الإمكان عن التفاصيل اليومية للصراعات الإقليمية أملً في التركيز على العناصر الهيكلية والعلاقات السببية التي تعيد إنتاج النمط الذي تنتمي إليه حالة الصراع القائمة في المنطقة. على الرغم من صعوبة ذلك يوجد فوائد لهذه المحاولة منها: وضع "التدخل الأجنبي" و"التطرف" عناصر في إطار مفاهيمي ينتمي إلى أحد أطراف "الفرضية السياسية الكبرى" في هذا الإقليم كما تراها الورقة؛ أي بدلً من التعامل معهما بوصفهما طرفين لمعادلة محدودة القيمة التفسيرية لما يمرّ به الإقليم. وأدّى ذلك إلى البحث عن إطار مفاهيمي آخر قد يكون أكثر ملاءمة للبحث عن متغيرات مسؤولة عن شرح إعادة إنتاج نمط صراعات إعادة الهيكلة الإقليمية، والذي يتضمّن "التدخل الأجنبي" و"التطرف." واتّضح من خلال المناقشات المقدّمة أنّ "مستوى القيادة السياسية" للدول الإقليمية قد يقدّم إطارًا ملائمًا لهذا الطرف من المعادلة. هذا من الناحية البحثية، والتي أرجو أن تمثّل قيمة مضافة للبحث في هذا الموضوع. أمّا من الناحية السياسية فالبحث أشار بوضوح من خلال مفهوم القيادة السياسية وعناصرها إلى أنّ الجزء الأكبر من المسؤولية الأخلاقية حول إعادة إنتاج هذا النمط من الصراعات يقع ضمن الدول الإقليمية. لكن في الوقت نفسه، فتحت الورقة طريقًا للخروج من تلك الحالة الإقليمية أيضًا من خلال "ارتفاع مستوى القيادة السياسية" للدول الإقليمية، والذي اقترحت الورقة أن يكون "طريقًا إسلاميًّا." على الرغم من صعوبات تبنّي هذا الطريق كما جرت الإشارة إليه سابقًا، فهو يظهر للباحث على الأقلّ المخرج الوحيد من هذه الحالة الإقليمية.