إستراتيجية العمل الدبلوماسي الاقتصادي المغربي توسّ ع المجال وتعدّد الفاعلين
الملخّص
تحاول هذه الدراسة معرفة أدوار الفاعلين في مجال الدبلوماسية الاقتصادية داخل العواصم، من خال سرد مجموعة من النماذج الدولية، الجواب عن إشكالياتها وخارجها، محاولة، ووضع دراسة مقارنة تفسّ ر تطوّر العمل الدبلوماسي الاقتصادي؛ ليس فقط في المغرب موضوع الدراسة، وإنما في أهمّ التجارب الدولية. تتبع الدراسة المنهج التحليلي لتفسير القضايا الإشكالية، إذ لم تعد هناك مواضيع وطنية صرفة. فحتى المواضيع التي تدخل في صميم السيادة الوطنية كالميزانية، والضريبة، والتنمية، لا شيء يبعدها عمّ ا يقع عالميًّا، وعمّ ا يحيط بالدولة خارجيًّا. فالدبلوماسية الاقتصادية تدخل في صميم المواضيع الداخلية للدولة. ولعل ما يعطي هذه الدراسة أهميتها، كون الكتابات العربية، على ندرتها، تضع مجال الدبلوماسية الاقتصادية في حلقة الدبلوماسية الكاسيكية، وذلك من دون التمييز بين مختلف حقول اشتغال كل الفاعلين في هذا المجال.
تقديم الدراسة
تمثّل الدبلوماسية الاقتصادية للدول بصفة عامة والمغرب بصفة خاصة، إحدى الآليات المهمّة لضبط مصالح الدولة وتطويرها على صعيد العلاقات الدولية من جانب، وعلاقتها مع وحدات النظام السياسي الدولي من جانب آخر. لذلك فإنّ دراسة مكوّنات صناعة القرار الإستراتيجي وطريقتها في مجال الدبلوماسية الاقتصادية للدول، فضلً عن تحولّاتها، تحتّل أهمية كبيرة في الظروف السياسية المعاصرة؛ وذلك لأسباب كثيرة أهمّها التغيّ ات التي طرأت على أدوات السياسة الخارجية وسبل تنفيذها والفاعلين في حقلها. لم تعد هناك مواضيع وطنية صرفة. فحتى تلك المواضيع التي تدخل في صميم السيادة الوطنية كالميزانية، والضريبة، والتنمية، لا شيء خاصّ. يبعدها عمّ يقع عالميًّا وعمّ يحيط بالدولة خارجيًّا، فالدبلوماسية الاقتصادية تدخل في صميم المواضيع الداخلية للدولة. ولعلّ ما يعطي هذه الدراسة أهميتها، كون الكتابات العربية، على ندرتها، تضع مجال الدبلوماسية الاقتصادية في حلقة الدبلوماسية الكلاسيكية، وذلك من دون التمييز بين مختلف حقول اشتغال كلّ الفاعلين في هذا المجال. وتعتمد هذه الدراسة التحليل الوظيفي للفاعلين في هذا المجال، ولم تركّز على وضعهم القانوني، لأنّ وظيفة الفاعلين هي التي تمكّننا في الواقع من تحديد موقعهم ومدى فاعليتهم في المسرح الدولي، فإضفاء صفة الفاعل في الدبلوماسية الاقتصادية مرتبط بمدى تأثير هذا الفاعل في التدفقات الدولية ومساهمته فيها، وقدرته على القيام بالتنفيذ الواعي والهادف للإستراتيجيات المحدّدة من خلال عمل منهجي يومي، عن طريق المفاوضات أو على الأقل المحادثات التي تجري بين الدبلوماسيين في ما بينهم أو بين الدبلوماسيين والوزراء ووزراء الخارجية، أو المالية، أو مختلف القطاعات الحكومية والشركات وباقي الفاعلين الدوليين. إذًا، فإشكالية الدراسة هي محاولة معرفة أدوار الفاعلين في مجال الدبلوماسية الاقتصادية داخل العواصم وخارجها. وسنحاول خلال هذه الدراسة الجواب عن هذه الإشكالية، من خلال سرد مجموعة من النماذج الدولية، ووضع دراسة مقارنة تفسّ بشكل كبير تطوّر العمل الدبلوماسي الاقتصادي ليس فقط في المغرب موضوع الدراسة، لكن كذلك في أهمّ التجارب الدولية، وسنتّبع المنهج التحليلي لتفسير القضايا الإشكالية. فماهي إذًا، أهمّ التجارب الدولية في مجال الدبلوماسية الاقتصادية؟ وهل تمّ تبنِّي دبلوماسية مغربية ذات أولوية اقتصادية موحّدة، وواضحة الإستراتيجية والأهداف؟ وهل تمّ الإص حاا المؤسسي للهياكل القائمة على إدارة العلاقات الاقتصادية الخارجية؟ ثمّ ما هو الدور الاقتصادي الجديد لوزارة الخارجية وباقي الوزارات؟ وأخيرًا، كيف يتمّ صوغ علاقة شراكة بين أطراف النظام الدبلوماسي الوطني من خلال التواصل والتنسيق والتعاون بدلً من العلاقة التنافسية؟ تكمن أهمية هذه الدراسة في هذه التساؤلات، مع الإشارة إلى أنّ هناك دراسات أخرى لاحقة تهمّ هذا المجال بالتحديد، قد تسهم في توضيح بعض معالم الدبلوماسية الاقتصادية عمومًا والمغربية بشكل
بعد التغيّ الذي لحق بيئة النظام الدولي ودخول العالم عصر العولمة، تغيّ مفهوم الدبلوماسية الدولية، ولم يعد يقتصر على إدارة العلاقات السياسية بين الدول فحسب، بل اتسع ليشمل مجالات عدة، تأخذ في الحسبان انفتاح الأسواق الوطنية على الأسواق الحرة الدولية، وأضحت قوة الدول تقاس بقوة اقتصادها، وهكذا، تغيّرت إستراتيجية العمل الدبلوماسي، وأصبح من المستحيل فصل السياسة عن الاقتصاد، حتى أضحى الاقتصاد سببًا رئيسًا في نشوء العلاقات الدبلوماسية بين الدول، ووسيلة من وسائل تسيير العلاقات الدولية. فالدبلوماسية الاقتصادية - حسب رأينا - هي إجمالي الأنشطة الاقتصادية الخارجية للحكومة وقطاع الأعمال لبلد ما؛ فهدفها الترويج للصادرات والاستثمار، ونقل التكنلوجيا وإدارة الدعم الفني أو التعاون التنموي، فهي آلية لتحقيق الأهداف الاقتصادية على المستوى الثنائي والمتعدد، ولذلك فهي أداة رئيسة لتطوير تعاون فعال على المستوى الدولي. فالدبلوماسية الاقتصادية هي عملية صناعة القرار في الداخل، والدفاع عن مصالح البلاد الاقتصادية
والتجارية في الخارج. إنّ انفجار مجموعة من قنوات التواصل البعيدة عن الدبلوماسية الرسمية للسلطة السياسية سيذهب بالدبلوماسية الاقتصادية إلى أبعد الحدود، ما يطرح إشكالية معرفة أدوار الفاعلين في مجال الدبلوماسية الاقتصادية داخل العواصم وخارجها. سنحاول خلال هذه الدراسة الجواب عن هذه الإشكالية، من خلال سرد مجموعة من النماذج الدولية، ووضع دراسة مقارنة تفسّ بشكل كبير تطوّر العمل الدبلوماسي الاقتصادي، ليس فقط في المغرب موضوع الدراسة، لكن كذلك في أهم التجارب الدولية، وسنتّبع المنهج التحليلي لتفسير القضايا الإشكالية. عادة ما تضع الكتابات العربية على ندرتها، مجال الدبلوماسية الاقتصادية في حلقة الدبلوماسية الكلاسيكية، وهذا ما يعقّد من إمكان التمييز بين مختلف حقول اشتغال الفاعلين في هذا المجال. وأهمية هذه الدراسة تكمن في محاولة وضع الفاعلين في مجال الدبلوماسية الاقتصادية وفقًا للجانب الهيكلي المنتمين إليه، وتبعًا للإطار الوظيفي الذي يشتغلون داخله. لا توجد دولة في العالم تحتفظ للدبلوماسيين وحدهم بكل ملفات الدبلوماسية الاقتصادية1، فمواضيع الدبلوماسية الاقتصادية أصبحت أكثر تعقيدًا وأكثر دقّة، وتعتمد وسائل تكنولوجية ومعلوماتية غاية في التطوّر، لهذا كان من المفروض وجود مجموعة من الآليات والمصالح التقنية المساعدة على بلورة إستراتيجية متكاملة للدبلوماسية الاقتصادية. ونتيجةً لهذا التحوّل برز فاعلون جدد، يساهمون جنبًا إلى جنب مع الفاعلين التقليديين في مجال صناعة السياسة الاقتصادية سواء داخل الدولة أو خارجها. إضافة إلى هذا فمواضيع الدبلوماسية الاقتصادية ونتيجة تحوّلها السريع، أصبحت أكثر تقنية ولم تعد تعطي للدبلوماسيين التقليدين فرصة التحليل السريع وبالنتيجة القدرة الاستشرافية، كما أنّ التبادل الحرّ بين الدول جعل الدبلوماسية بمعناها التقليدي غير قادرة عل السيطرة، وهكذا غابت المراقبة في ظلّ غياب ضوابط فعّالة. لكل هذه الأسباب، كان من المفروض تطوير هياكل الدبلوماسية بشكل يجعلها قادرة على مواكبة التطوّر، مع السماح بوجود فاعلين آخرين يساهمون في مجال الدبلوماسية الاقتصادية داخل العواصم وخارجها. سنتناول في هذه الدراسة الجانب الهيكلي والوظيفي لمعرفة أدوار الفاعلين في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، وسنعمل على توزيع هذه الأدوار حسب مكان اتخاد القرار الدبلوماسي الاقتصادي داخل العواصم (المطلب الأول) وخارج العواصم (المطلب الثاني.)
المطلب الأول: الدبلوماسية الاقتصادية داخل العواصم
عادة ما يتمّ تقسيم العمل في الدبلوماسية الاقتصادية، وتقوم وزارات الخارجية في دول العالم بممارسة العمل الاقتصادي بدرجات متفاوتة، حسب الصلاحيات الممنوحة للوزارة أو الدور المعطى لها، ومن ثمّ النموذج الذي تتبعه. هناك خمسة نماذج في العالم، تختلف بحسب كيفية تعامل وزارة الخارجية والبعثات التمثيلية مع العمل الدبلوماسي الاقتصادي، وهي كالآتي: الأسلوب التوحيدي مع الدمج: قد يتمّ توحيد العمل الاقتصادي وجمعه في مؤسسة واحدة هي وزارة الخارجية والتجارة، مع الفصل بين خدمة الترويج التجاري عن الخدمة الدبلوماسية. وهذا النموذج تطبّقه مجموعة من الدول أبرزها أستراليا، وكندا، وكوريا، والسويد. ويؤدّي رئيس البعثة دورًا موحدًا للنشاطين الدبلوماسيين السياسي والاقتصادي2. أسلوب التوحيد من دون الدمج: قد يتمّ التوحيد بين وزارة الخارجية والوزارات الاقتصادية، فلا يتمّ دمج الوزارات (الخارجية والتجارة معًا كما في النموذج السابق) وإنمّا يتمّ تخصيص إدارة من وزارة التجارة والصناعة يكون موظفوها من هذه الوزارة، أو من هذه الوزارة ومن وزارة التنمية الدولية، فيكون إشراف وزارة الخارجية على الشؤون الاقتصادية الخارجية إداريًا وفنيًا لوزارة التجارة والصناعة، فوزارة الخارجية داخليًا تدير التجارة والاستثمار الخارجي بشكل مشترك مع وزارة التجارة والصناعة، ومن هذه الإدارة يتمّ إيفاد الدبلوماسيين التجاريين لممارسة العمل الاقتصادي في الخارج، وتعدّ وزارة الخارجية البريطانية مثالً لهذا النموذج.
الأسلوب السنغافوري3: فيه تبقى وزارة الخارجية في الداخل بعيدة عن العمل الاقتصادي إلى حدٍ كبير تاركة ذلك لمجلس التجارة السنغافوري ومجلس التنمية الاقتصادية السنغافوري تحت إدارة وزارة التجارة والصناعة، يتعامل ممثلو هذين المجلسين مع العمل الاقتصادي في الخارج، في إطار عدد محدد من البعثات التمثيلية السنغافورية تحت إشراف رئيس البعثة الدبلوماسية أو القنصلية، يساعدهم بقية أعضاء البعثة ليعمل الجميع كفريق واحد، في ما يعرف بالفريق السنغافوري، لكن العلاقات التنافسية تبقى قائمة في هذا النموذج. الأسلوب التنافسي: إذ توجد حالة من الغموض النسبي في كثير من الدول نتيجة للصراع المستمر بين وزارة الخارجية والوزارات الاقتصادية إزاء الصلاحيات ومن يجب أن يدير هذه الأنشطة، وينطبق هذا النموذج على كثير من الدول النامية، وهو ما يعيق دبلوماسيتها إذ لا تمكّنها هذه البيئة التنافسية من الإسهام في تطوير العلاقات والمصالح الاقتصادية مع العالم الخارجي، ولا تتمكّن من استغلال تمثيلها الخارجي في تحقيق منافع اقتصادية بشكل أفضل، وتعدّ تايلاند والهند مثالين لهذا النموذج. الأسلوب المحايد: وهو نموذج إعادة توحيد العمل الاقتصادي في وزارة اقتصادية واحدة، إذ يبقى دور النشاط الاقتصادي لوزارة الخارجية مقتصرًا على التسهيل والمساعدة وتوفير الأرضية لعلاقات اقتصادية أفضل، وتعدّ الولايات المتحدة الأميركية والصين وألمانيا أمثلة لهذا النموذج الذي يؤخذ عليه تبديد الموارد في العديد من الملحقيات التجارية بالخارج وتحقيقه قدرًا ضئيلً من الانسجام بين هذه الأطراف، ولا يتلاءم هذا النموذج مع قدرات دول العالم الثالث وإمكاناتها وخاصّة الدول الأقلّ نموًا4. نلاحظ في المغرب، أنّ كتابة الدولة المكلّفة بالخارجية والتعاون تقوم بمهمّ ت كثيرة، من بينها رسم خطة واضحة للتعاون مع البلدان الصديقة وكذلك مع المجموعات، أي على الصعيدين الثنائي والمتعدد الأطراف من خلال الاتفاقات والعقود التي تبرم في المجالات المختلفة، خصوصًا الاقتصادية والمالية والثقافية. وخلال الفترة الأخيرة جرى التركيز على علاقة المغرب مع القارتين الأفريقية والآسيوية، إضافة إلى العلاقات التقليدية مع أوروبا والولايات المتحدة وكندا، والعمل هنا موزّع على كل القارات، والمسألة الجوهرية هي توحيد وجهة النظر في مسألة التعاون وتوجيه الاهتمام أكثر نحو التعاون الاقتصادي، وفتح باب الاستثمارات الخارجية أمام المغرب. وما يلاحظ في هذا الصدد هو عدم وجود تعارض بين عمل وزارة الخارجية والتعاون مع نظيرتها وزارة الاقتصاد والمالية والوزارات الأخرى، لأن العمل الحكومي يتمّ في انسجام داخل المجلس الحكومي أولً برئاسة رئيس الحكومة، ثمّ وحتى لا ننسى، فالخطط الإستراتيجية غالبًا ما تبنى داخل المجلس الوزاري برئاسة الملك، وحينما تكون هناك مسألة معيّنة يجب حلّها، تتعاون وتنسّق الوزارات في ما بينها كونها وزارات تقنية، فهي لا تأتي بالأفكار لتفرضها ولكن لتتفاوض بشأنها5. يتّضح أنّ هناك إشكالً في معرفة من يسيّ الدبلوماسية الاقتصادية داخل العواصم، وهذا الإشكال يتعمّق كلمّا احتد الصراع والتنافس بين القطاعات الحكومية. وسنحاول تجميع مختلف النماذج السالفة ضمن ثلاث مجموعات كما جاء بها6Guy Carron بناءً على العلاقة بين وزاراتها المكلّفة بالشؤون الخارجية (الفقرة الأولى)، على أن نعمل في الفقرة الثانية على مقارنة الإستراتيجية المغربية في مجال الدبلوماسية الاقتصادية بنظيراتها في هذه المجموعات الثلاث.
الفقرة الأولى: عمل الوزارات المكلّفة بالشؤون الخارجية من خ لاا التجارب الدولية
وزير الخارجية له مسؤولية إدارة الشؤون الخارجية وتوقيع الاتفاقيات الدولية، لكن هذه المسؤولية ليست حكرًا عليه، بل هناك أطراف أخرى لها أحقية التوقيع والاتفاق7. فصلاحية التفاوض وتوقيع الاتفاقيات هي مجال تمّ توزيعه بين مختلف القطاعات الحكومية، وهكذا هناك قاعدة قديمة تهمّ مجموع المعاملات المالية، إذ تعطي الأولوية في مجال الاقتصاد إلى وزير الاقتصاد والمالية في ما يتعلّق بالمفاوضات متعدّدة الأطراف سواء تلك التي تعقد بشكل دوري ومسترسل وتهمّ عالم التجارة الخارجية أو تلك المتعلّقة بالمفاوضات مع مؤسّسات مالية (صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية... إلخ) أو المفاوضات
الثنائية المتعلّقة بالإعلانات، والقروض، والضرائب، وحماية الاستثمار، وغيرها من المواضيع ذات الصبغة المالية والتجارية. طبعًا وزير الخارجية لا يمكن تغييبه في هذا المجال، لكن بالنظر إلى دقّة المجال وشساعته، وتطوّره المستمر، فرض على وزير الخارجية التنازل لكلّ من وزير المالية ووزير التجارة الخارجية لإدارة هذا النوع من المفاوضات، وأصبح الأخيران رئيسي بعثات، يوقّعان الاتفاقيات الدولية. انطلاقًا ممّ سبق نجد أنّ هناك ثلاثة نماذج لطرق الاشتغال الحكومي على ملفات الدبلوماسية الاقتصادية، وانطلاقًا من هذه النماذج يمكن توزيع الدول إلى ثلاث مجموعات كبرى:
المجموعة الأولى: سيطرة وزراء الاقتصاد في مجال الدبلوماسية الاقتصادية
في الصف الأول هناك دول، وزراء الاقتصاد بها لهم قوة كبرى ومسيطرون، قد يتّخذون قرارات فردية شريطة إطلاع مجلس الحكومة بالقرارات ذات الصبغة المهمة والخطيرة، بغرض إيصال المعلومة لجميع الوزراء.
ففي فرنسا هناك توازن في العلاقة التي تجمع، من جانب وزارة المالية والشؤون الاقتصادية والتي تمتلك فقط القدرة والصلاحية في تسيير مجالها، خاصة لو تعلّق الأمر بنفقات آنية أو مستقبلية، ومن جانب آخر وزارات الشؤون الخارجية التي تعمل دائمًا على مراقبة مجموع العلاقات الدولية وتسييرها، وعدم البقاء خارج إطار السيطرة على هذا المجال. لكن في ما يخصّ القضايا الأكثر أهمية وذات الصبغة الحساسة هناك رئيس الدولة الذي ترجع له الكلمة الأولى والأخيرة. وهكذا يلاحظ أنّه لا توجد قيادة متعدّدة لنفس المواضيع؛ فكلّ متخصّص في مجاله دون إغفال التشاور مع كل الفاعلين. أمّا إسبانيا، فهي الأقرب في هذا المجال من فرنسا، فصلاحيات وزير المالية والاقتصاد تهمّ الجانب المالي والتعامل مع المنظمات الدولية من قبيل منظمة التجارة العالمية، كما أنّ هناك تعاونًا بين وزير المالية والاقتصاد ووزير الشؤون الخارجية في ما يخص المواضيع التي تهمّ المساعدات والتي لها علاقة بالتنمية. إنّ العلاقة التي تربط المؤسستين الاقتصادية والدبلوماسية تختلف باختلاف الدول، وباختلاف مشاريع التعاون التي تتبنّاها تجاه الخارج. فهناك تنسيق تامّ بين كل المصالح في المجال الاقتصادي (الداخلي والخارجي) وذلك عبر لجنة مالية تعقد برئاسة وزير المالية والاقتصاد، ويعقد هذا الاجتماع عادة قبل اجتماع المجلس الحكومي.
المجموعة الثانية: وزراء الشؤون الخارجية يوجهون الدبلوماسية الاقتصادية
في الصف الثاني من الدول يسيطر وزراء الشؤون الخارجية، دون إغفال الحضور الكبير لوزراء المالية. ففي إيطاليا، تسيطر وزارة الشؤون الخارجية Farnesina()la8 ولا تستثني الشؤون الاقتصادية الدولية من جدول أعمالها، سواء تعلق الأمر بالتبادلات المالية أو التعامل مع المؤسسات المالية الدولية، والتي تقع تحت إشراف وزير الادّخار مصحوبًا بالبنك الإيطالي. كما أنّ وزير الشؤون الخارجية له حق التدخل في كلّ ما يخصّ المساعدات الدولية، والتجارة الدولية، والشؤون الأوروبية. لم تضع حكومة روما جهازًا للتنسيق بين مختلف أجهزة الحكومة في ما يخصّ الشؤون الخارجية، فهذا دور تضطلع به وزارة الشؤون الخارجية بشكل سلس وبمرونة بالغة وبمعية كل الوزراء. تعود هذه الوضعية المسيطرة بالأساس إلى سمعة الوزارة التي اكتسبتها من خلال قدرتها الكبيرة على الإدارة سواء في الشق الداخلي أو الخارجي للدولة، ومن خلال شبكة من مستشاريها الموزعين بجانب كل الوزراء، ومن خلال دبلوماسييها داخل كل الإدارات المركزية، إذ لا يقتصر عملهم على ربط الاتصال والتعاون مع السفارات، لكن كذلك تأمين التنسيق بين كل الوزراء الذين يعملون تحت وصايتهم. لا شيء إذًا يقع خارج سيطرة وزارة الشؤون الخارجية، ونفس الأمر يمكن تطبيقه بشكل كبير على هولندا، وبدرجة أقل على كندا.
المجموعة الثالثة: التوازن في علاقة الوزارات المعنية
داخل دول الصف الثالث الوزراء المعنيون هم على قدم المساواة، فاتخاذ القرار يتّسم بالتكرار والمشاورات، ومن الصعب تحديد من هم الوزراء الأكثر احتكارًا، ويمكن التركيز بالأساس على ثلاث دول توجد بهذا الصف الثالث وهي إنكلترا، وألمانيا، الولايات المتحدة. ففي إنكلترا، تهتم كتابة الخارجية FCO()، عن قرب بالشؤون المالية والنقدية، على الرغم من أنّ خازن الدولة Treasury(the) يسيطر على هذا المجال9، كما أنّ هذه الكتابة تشارك وتؤثّر في الصلاحيات الموكلة لوزارة الأعمال التجارية والمؤسسات والإصلاح التنظيمي وكذلك وزارة الابتكار والجامعات والمهارات. وتعدّ اللجان الوزارية المكلّفة بالتنسيق واتّخاذ القرارات الوزارية، وتكون عادة برئاسة أحد أعضاء المكتب الوزاري، وتقوم اللجنة بالتحليل والربط بين المعطيات الخاصة بمجال التجارة الخارجية، هكذا يتمّ ضمان التكامل في العمل الوزاري، لكن وفي الحالات الخاصة التي تهمّ الجانب الإداري وليس السياسي، فالمكتب الوزاري يدخل مباشرة تحت سلطة الوزير الأول، وهي سلطة ذات طابع إداري10. تتراوح السياسة المتّبعة لدى ألمانيا بين وضوح تقسيم المهام والغموض الذي يعمّ التنسيق في ما يخصّ السياسة الاقتصادية الخارجية؛ فالمواضيع الماكرواقتصادية المالية والنقدية، والمنظمات المالية الدولية، ومجموعة G8، كلّها مواضيع تدخل في اختصاص وزير المالية، وهو الرئيس الفعلي صاحب الاختصاص، فيما يأتي وزير الاقتصاد في الصف الثاني، ويليهما وزير الشؤون الخارجية. أمّا سياسة التعاون والتشارك، فهي موكلة لوزير التعاون التنموي الألماني، ووزير المالية لا يتدخّل في مهماته إلاّ في ما يخصّ التعامل مع بعض البنوك؛ كالبنك الدولي للإنشاء والتعميرIBRD()، أو بنك النقد الدولي FMI()، وتدخّله يقتصر على تحديد الغلاف المالي فقط. يقتصر دور وزير الشؤون الخارجية AA() على تحديد التوجّهات السياسية الكبرى للسياسة الخارجية، أمّا كلّ ما يتعلّق بالمصالح الاقتصادية والصناعية فهي يسيّ ها بالأساس وزير الاقتصاد والصناعة BMWI()؛ فهو الذي يهتم كذلك بمجال التجارة الخارجية وعلى الرغم من أنّ هذا المجال موزّع بشكل كبير بين مجموعة من المديريات، ما يجعلها دون خصوصية معيّنة من حيث التراتبية الحكومية بالنسبة إلى وزير الاقتصاد والصناعة. وفي ما يخصّ المجال الأوروبي فمهمة تدبير التشارك الأوروبي موكلة إلى وزير الاقتصاد والصناعة كذلك، لكنه ملزم بمشاركة هذه المهمات خاصة سياسة التعاون الفلاحي الأوروبي مع وزير الفلاحة، كما يجب أن يتعاون مع وزير الشؤون الخارجية، والذي يضبط مجال العلاقات الخارجية. لحد الآن كل هذه العلاقات واضحة، لكن، في حالة تضارب الاختصاص بين الوزراء خاصة وزير الاقتصاد (والذي كان لحدود الستينيات من القرن الماضي المسيطر الأول، لدوره في بناء ألمانيا الجديدة من جهة، وللشخصيات التي تقلّدت هذا المنصب من جهة أخرى)، وبين وزير المالية الذي عرف مع مرور الوقت تقوية لمهامه واختصاصاته المالية الأوروبية. هنا يجب التشاور ووضع مساطر، وهي أحد أسس الإدارة الفدرالية. في الشق المقابل فالمسؤولية الحكومية تتّسم باللامركزية، وهكذا نلاحظ أنّ رئيس الحكومة Fédéral(Chancelier Le) لا يملك صلاحيات حقيقية تسمح له بالتحكيم بين الوزراء وفضّ التنازعات الممكنة11، أكثر من هذا فلا توجد هيئة عليا مكلّفة بالربط أو التحكم في ما يخص العمل الحكومي خلافًا لما يوجد في كل من فرنسا، وبريطانيا، يضاف إلى هذه المعطيات طبيعة التآلف الحكومي، والتي تعقّد من هذه المعادلة الألمانية. وتبقى نقطة الالتقاء الوحيدة هي اجتماع كتّاب الدولة كل شهر تحت إشراف ثنائي لكل من وزير الشؤون الخارجية ووزير الاقتصاد والصناعة، الأول يترأ س والثاني يهتمّ بسير السكرتارية العامّة لمجلس كتابة الدولة. ولكن هذا المجلس يبقى عبارة عن بنية غير مهيكلة ونتائجها غير مضمونة، ولا تدرس كل الملفات والمواجهات، ولا تطال اختصاصات أي كاتب دولة12. في الولايات المتحدة الأميركية، كان ممكنًا القول ببساطة اتخاذ القرار في مجال السياسة الاقتصادية الخارجية الأمريكية، لو تعلّق الأمر فقط بالسلطة التنفيذية، إذ أنّ بنية اتخاذ القرار وهرميته يسيطر عليها
رئيس الحكومة13 الذي يعيّ عند قدومه كلّ الشخصيات الحكومية والوزارية التي سترافقه طوال فترة ولايته التشريعية، وتؤازره في اتخاذ قراراته الداخلية والخارجية. فالتمازج الحكومي إذًا قوي، فالعديد من وجهات النظر في ما يخصّ بعض الملفات الخارجية تمرّ عبر كتابة الدولة في التجارة DOC()، وكذلك السفراء المكلّفين بالمفاوضات التجارية TRS()، ولهاتين المؤسستين وزن كبير مقارنة بنظيراتهما في باقي الدول، ما يعطي لقراراتهما قيمة كبيرة بالنسبة إلى اتخاذ القرارات الاقتصادية والتجارية الخارجية. هناك إذًا، ضرورة ملحّة لتنسيق العمل داخل الحكومة، هذه المهمّة التي تتمّ أولً عبر المشاورات المستمرة داخل الجهاز الحكومي، وتتمّ كذلك عبر جهازين لهما أهمية جوهرية)TPCC(14، وكذلك.NEC(15) كل هذا التمازج والدقّة في اتخاذ القرار يتمّ بشكل سلس داخل الجهاز التنفيذي، لكن الأمور تصبح أكثر تعقيدًا عندما يتعلّق الأمر بالفاعلين الآخرين وهم: الكونغرس، والولايات، والقضاة، دون أن ننسى المنظمات غير الحكومية، والجمعيات، وغيرها من جماعة الضغط.
يبدو دور الكونغرس الأمريكي قويًا للغاية؛ وذلك لكونه يضطلع دستوريًا بدور الحسم النهائي في ملفات التجارة مع الدول الأجنبية، وهكذا فهو صاحب القرار في مجال السياسة الاقتصادية الخارجية. إذ تمتدّ صلاحياته لمجال البحث والتتبّع والتعيينات وميزانية الدولة، وعمومًا فالإدارة لا تضطلع إلاّ بالمهمات التي فوّضها إيّاها الكونغرس، ونجد لهذه المؤسسة الأمريكية العديد من المواقف أهمّها تسبّبه في فشل اتفاقية (هافانا Havane La)، وهو من تبنّى عبر مشورته وتعديلاته اتفاقيات L’ALENA(، ومراكش.) بين الكونغرس، والإدارة، والحكومة هناك سلسلة من التعقيدات، والمشاورات التي تتحكّم فيها اللوبيات وجماعات الضغط التي تحاول إدارةَ السياسة الاقتصادية الخارجية. قد تتّسم الإستراتيجية الأميركية في اتخاذ القرار بالبطء، وقد تصل للباب المسدود، ولكن وفي هذه الحالة يظهر دور الإدارة المركزية state(of Department)، والتي تعمل على إدارة المفاوضات والاتفاقيات، وترغم باقي الوزارات على أن تصبح مجرّد مموّل بالملفات المتعلّقة بالاتفاقيات. ولا يجب في هذا الصدد أن نغيِّب دور الولايات التي تقف عبر ممثّليها قوةً خامسة تضاف لباقي الفاعلين، إذ يظهر دور الولايات في تحديد مصير الدولة ككل في القضايا ذات الصبغة الدولية، ومن بينها السياسة التجارية والاقتصادية الخارجية، وهذا ما يزيد من صعوبة اتخاذ القرار الدبلوماسي الاقتصادي.
الفقرة الثانية: النموذج المغربي في اتخاد القرار الدبلوماسي الاقتصادي
لو عملنا على تفكيك بنية اتخاذ القرار الإستراتيجي للدبلوماسية الاقتصادية المغربية، سنلاحظ أنّ المؤسسة الملكية تملك زمام القرار الدبلوماسي المغربي وهذا أمر ثابت، فبحكم طبيعة النظام المغربي شبه الرئاسي (أو المختلط) يضطلع الملك بالدور التقريري في السياسة الخارجية للدولة، وتحديد خياراتها الأساسية والإستراتيجية، وهنا يمكن مقارنته بالنموذج الفرنسي16 والأميركي17، إذ يملك الرئيس سلطات كبرى في هذا المجال، ففي إطار ما يعرف بالمجال المحفوظ لرئيس الدولة، والذي أسس بنيانه الجنرال ديغول عند تأسيسه للجمهورية الخامسة الفرنسية، يتمتّع رئيس الدولة بسلطات واسعة في مجال السياسة الخارجية18.
تمركز الملك في قمة الفاعلين الرسميين للدبلوماسية الاقتصادية
بما أنّ التفاوض من الآليات البارزة في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، يجب أن نفرّق بين المشاريع الكبرى التي تجسّد سيطرة المؤسسة الملكية المغربية، في الوقت الذي تبقى للحكومة عن طريق الوزارات المختصة صلاحية التفاوض في باقي الاتفاقيات الدولية. والجديد في الدبلوماسية المغربية ظهور قوة فاعلة أخرى تتمثّل في مستشاري الملك (الزيارة الأخيرة لدول الخليج تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 وكذلك الزيارات المتكرّرة لأفريقيا آخر عام 2013 وبداية 2014، دون إغفال زيارات بعض رؤساء الدول، وأبرزها زيارة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولند 2013)، يمكن تصنيف هؤلاء المستشارين في إطار فاعل الصف الثاني، على الرغم من عدم التحديد الذي يطال مستشاري العاهل المغربي في صلب الوثيقة الدستورية، فإنّ القرب من المؤسسة الملكية يعطي لمستشار الملك سلطة قد تتعدّى سلطة الوزراء التي تقتصر على الشقّ التنفيذي بصفته فاعلً من الصف الثالث منفّذًا للإستراتيجية العليا التي يخطّط لها الملك. وعليه، فالثابت في الدبلوماسية الاقتصادية المغربية بقي على مستوى المؤسسة الملكية، بينما المتغيّ هو اضطلاع مستشاري الملك بدور ثان، وهو التفاوض والتهيئة للمستوى الثالث التنفيذي الذي يمارسه الوزراء. على الرغم من أنّ أطروحة عدّ السياسة الخارجية بمنزلة المجال المحفوظ للملك لا تجد أي سند دستوري أو قانوني، إذ تبقى هذه الأطروحة قاصرة سواء على مستوى المنهج المتّبع أو النصّ القانوني المعتمد أرضيةً للتحليل، فإنّ المنهج القانوني لا يكفى للإحاطة بكل جوانب الظاهرة السياسة، كما أنّ النصّ المعتمد منطلقًا للفرضية المذكورة لا يكفي، فهناك نصوص أخرى تتطرّق لفاعلين في السياسة الخارجة المغربية، ونصوص في دور الملك في صنع السياسة الخارجية ومساهمة باقي المؤسسات السياسية والتشريعية في صنع هذه السياسة، وإن كان بشكل محدود، إلاّ أنّه يبقى حاضرًا، فمن غير المعقول تغييب مرسوم 20 كانون الثاني/ يناير 9951 المتعلّق باختصاصات وزير الشؤون الخارجية وتنظيم وزارة الشؤون الخارجة والتعاون، كما لا يمكن التغاضي عن دور رئيس الحكومة، وهو ما يظهر واضحًا من خلال تصريح السياسة العامة للحكومة (التصريح الحكومي)، إذ احتلت السياسة الخارجية مكانة مهمة في هذا التصريح من خلال التأكيد على مكانة المغرب في عالم مليء بالمتغيّرات. وعلى الرغم من كل هذه المعطيات، يبقى للملك دور مركزي ومحدّد، تكرّسه عوامل مرتبطة بالأعراف والممارسات الدولية، إذ يشكّل الملك وحدة صنع القرار الرئيسة، بينما يشكّل باقي الفاعلين وحدة ثانوية أو هامشية، فالدور الذي يضطلع به الملك في وضع السياسة الخارجية للمغرب أكثر أهمّية مما تتضمّنه نصوص القانون العام المغربي، وإذا ما تمّ التركيز على تحليل هذه النصوص ستبقى الاستنتاجات التي يمكن التوصّل إليها جزئية، فسلط رئيس الدولة وامتيازاته في السياسة الخارجية تدخل في خانة ما يعرف بالاختصاصات الخاصّة بالملك، فالتحكّم الخاص للملك في السياسة الخارجة والدفاع والأمن الوطني لا يوجد في أي نصّ من القانون العام، بل هو نتيجة للجدل القائم منذ الاستقلال مع الحركة الوطنية حول الممارسة الفعلية للسلط19. وإذا كانت فرضية المجال المحفوظ مثّلت الأساس الذي يشرّع للفاعل الواحد احتكار القرار الخارجي، فإنّ هذه الفرضية باتت تتلاشى في خضم المستجدات التي يعرفها العالم اليوم والتي تتميّز بالتعقيد والتشابك، الأمر الذي سينتج عنه تراجع في تبنّي هذه الفرضية، فالدولة تحقيقًا للمصلحة العليا المشتركة بدأت تتخلّ عن أدوارها التقليدية في الميادين الاقتصادية والاجتماعية، وأحيانا السياسية لصالح فاعلين جدد، وهو اتجاه تكرّس بفعل انتشار الديمقراطية وحقوق الإنسان.
تعق د مجال العلاقات الدولية يؤث ر في صناعة القرار الدبلوماسي الاقتصادي
ممّ سبق نلاحظ، أنّ صنع القرار في مجال السياسة الخارجية، أصبح اليوم معقدًا أكثر بالنظر لتعقّد العلاقات الدولية وتشابكها، فقد صار لزامًا تضافر أدوار مجموع الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين في تدبير الشأن العام الخارجي للدولة، وذلك من أجل تفاعل أمثل مع تحولّات العالم المعاصرة، ولا سيما أنّ الدبلوماسية المغربية أضحت طموحة إلى بناء علاقات إقليمية ودولية مهمّة، حسب ما هو معلن في الأجندة والأهداف التي سطّرتها ديباجة الوثيقة الدستورية الجديدة. هكذا برز دور وزارة الشؤون الخارجية والتعاون في الدبلوماسية الاقتصادية إلى جانب وزارات تقنية أخرى فاعلة في الدبلوماسية الاقتصادية. ويمكننا الحديث عن دور وزارة الشؤون الخارجية والتعاون في الدبلوماسية الاقتصادية من خلال المرسوم المتعلّق باختصاصات
وزير الشؤون الخارجية وتنظيم وزارة الشؤون الخارجية20، وإن كان لا ينصّ صراحة وحرفيًا على الدور الاقتصادي لوزارة الخارجية، فإنّه يمكن ملاحظة ذلك على مستويين التاليين: على المستوى الداخلي، إذ نجد على مستوى الإدارة المركزية ثلاث مديريات من عشر تهتمّ بالشؤون الاقتصادية، وهي المديرية العامة للعلاقات الثنائية، والمديرية العامة للعلاقات متعددة الأطراف والتعاون الشامل، ومديرية الدراسات والتعاون القطاعي إلى جانب مركز التحاليل والأبحاث وإن كان تابعًا مباشرة لسلطة الوزير21. على المستوى الخارجي، إذ تشكّل البعثات الدبلوماسية والقنصلية مراكز تمثيل المغرب في الخارج وتنفيذ سياسته الخارجية، والتي تفتح بقرار من وزير الخارجية وتنظّم وتصنّف بمرسوم ويتولّ السفير رئاستها. وتبقى من بين أهمّ مهمّ ته إلى جانب الأنشطة الدبلوماسية المهمّ ت الاقتصادية. وإلى جانب السفير نجد أنّ المغرب أقدم على إحداث منصب مستشار اقتصادي في الخارج عام221.982 ومهما يكن من أمر، فإنّ التطوّر الذي عرفته وزارة الخارجية منذ تأسيسها عام 9561 وإلى غاية 9951 نحو الاهتمام بالقضايا الاقتصادية للمغرب، لم يتمكّن من مسايرة دخول فعل قطاعات وزارات أخرى، ما أفرز تراجع دور وزارة الشؤون الخارجية والتعاون في العمل الدبلوماسي الاقتصادي خاصّة؛ الأمر الذي جعل المصالح المكلّفة بالشؤون الاقتصادية بالإدارة المركزية لوزارة يقتصر دورها على التنسيق بين القطاعات الوزارية الأخرى. كما جعل دور المستشار الاقتصادي غير معمول به، ومتجاوزًا من حيث التطبيق؛ نظرًا لتعقّد العمل الدبلوماسي وعدم تحيين نصوص المرسوم المنظّم للمستشار الاقتصادي. وعلى الرغم من أنّ البرنامج الحكومي الحالي لم يشر إلى الدبلوماسية الموازية، فإنّ المرسوم المنظّم لوزارة الخارجية 2.11.428 حدّد اختصاصات الدبلوماسية الموازية وتدارك هذا الفراغ23، إذ أنشأ هذا المرسوم مديرية جديدة تهتمّ بهذا الجانب من الدبلوماسية، وهي "مديرية الدبلوماسية العامّة والفاعلين غير الحكوميين"24 التي أسندت إليها مهمات كثيرة من بينها "تقوية التفاعل مع مجموع مكوّنات المجتمع المدني ومجموعات التفكير والرأي." تبعًا لهذه المعطيات، سيبرز إلى جانب وزارة الشؤون الخارجية والتعاون مجوعة من الوزارات التقنية التي فرضت المتغيّ ات الدولية مشاركتها بصفتها فاعلً في الشؤون الخارجية. ومن هذه المتغيّ ات ازدياد مجالات التعاون الدولي، والاعتماد المتبادل، واتفاقيات التبادل الحرّ المبرمة بين المغرب ومجموعة من الدول والتكتلّات الاقتصادية.
لكلّ هذه الأسباب، انخرط المغرب مع المرحلة الجديدة في العلاقات الدولية من خلال منح صلاحيات واختصاصات ذات بعد اقتصادي دولي لبعض القطاعات الوزارية، فصارت بعض الوزارات ملزمة بتنفيذ معاهدات دولية، بل تشارك في إعدادها وتوقيعها. ويمكن اختصار الاختصاصات ذات البعد الخارجي لدى هذه الوزارات في تحديد اختيارات التعاون واتجاهاته بين المغرب وشركائه الأجانب، سواء كانوا دولً، أو منظمات، أو تكتلات دولية، والسهر على تطبيق برامج التعاون واتفاقياته المبرمة معها، وكذلك المشاركة في مفاوضات الاتفاقات الدولية والسهر على تنفيذها. بعد سرد كلّ هذه النماذج، وبغضّ النظر عن تنوّع مستوى توسيع السلط هناك ملاحظة مقتسمة تهمّ وزارة الشؤون الخارجية؛ نخلص إلى أنّ هذه الوزارة لا تخرج عادة عن دائرة الاقتصاد الذي يحيط بها، لكن بشرط ألّ يقترن الاقتصاد بخطر خارجي محتمل، قد يأتي لتأزّم سياسي بين الدول. ففي الأوقات العادية يفرض الاقتصاد سيطرته على العلاقات الدبلوماسية، لكن وزارة الشؤون الخارجية تراقب دائمًا، وتتدخّل لتحلّ محلّ الاقتصاد عند الأزمات التي تتعدّى مجاله.
المطلب الثاني: الدبلوماسية الاقتصادية خارج العواصم
عادة ما تمارس بعثات الدول مختلف الأنشطة الاقتصادية والتجارية والثقافية والعلمية. لكن حجم هذه الأنشطة يختلف من دولة إلى أخرى ومن بعثة إلى أخرى. وفيما تقلِّد الدولُ النامية والفقيرة الدولَ المتطوّرة في إرسال موظفين، وملحقين، ومستشارين تجاريين واقتصاديين من الوزارات المختصة مثل وزارة التجارة أو الاقتصاد، ليعملوا بشكل مستقلّ (إلى حدٍ ما) في بلدان الاعتماد، في مبان مستقلّة أو داخل مبنى البعثة الدبلوماسية أو البعثة القنصلية، وتحت إشراف رئيس البعثة، لكنّهم يمثّلون جهاتهم وليس وزارة الخارجية. وعلى الرغم من أنّ البعثات التمثيلية أدركت مبكّرًا قيمة العمل الاقتصادي، فإنّ الأسلوب التقليدي ظلّ هو السائد في أنشطتها. وغالبية الدول النامية والأقلّ نموًّا تكتفي بفتح عدد من الملحقيات الاقتصادية والتجارية أو الملحقيات التجارية في عواصم معيّنة، بعضها مختارة بعناية وبعضها تفصيلية ومختلقة لشخصيات معيّنة أو أقارب. إنّ دور البعثة الدبلوماسية والقنصلية في الدبلوماسية الاقتصادية يجب أن يكون مَرشّد التكلفة وموجّه النتيجة Effective(Cost Oriented Result and)، وعلى خلاف بعثات الدول المتقدّمة، فإنّ وضع غالبية بعثات الدول النامية يكاد ينحصر في القضايا القنصلية، والأعمال الإدارية اليومية، وحضور حفلات الاستقبال، ورفع تقارير نمطية عن الأوضاع الداخلية في بلد الاعتماد من واقع ما تنشره وسائل إعلامه. وجاءت ثورة المعلومات ووسائل الاعلام الحديث لتنشر تقارير وتحليلات سياسية واقتصادية أكثر كفاءة مما يُرسل من البعثات. بل ظهرت مراكز معلومات صغيرة تعرض خدماتها الإعلامية وتقاريرها اليومية والدورية والخاصة على بعثات الدول في العواصم المختلفة باشتراك شهري. فيما استمرت وزارات خارجية (الدول النامية والفقيرة) في كثير من الأوجه تعمل وسيطًا (في القضايا الاقتصادية) بين البعثات الوطنية في الخارج والوزارات القطاعية التي تتعامل مع المساعدات والقضايا الاقتصادية الأخرى بنفسها، خاصّة أنّ الدول والمنظمات المانحة تتعامل مع الوزارات القطاعية. ساعد على ذلك أنّ هذه الكيانات في معظم البلدان النامية غير مرتبطة ببعثات بلادها في الخارج. الإشكال إذًا، يكمن في الكيفية التي يتمّ بها رسم إستراتيجية الدبلوماسية الاقتصادية خارج العواصم، في ظلّ التنوّع والتباين الكبير بين مختلف التجارب الدولية. لنفهم أكثر الأدوار الدبلوماسية الاقتصادية خارج العواصم، سنحاول تفكيك الدبلوماسية الاقتصادية بحسب وظيفتها إلى دبلوماسية ماكرواقتصادية ودبلوماسية ميكرواقتصادية، مع سرد مجموعة من النماذج إلى جانب النموذج المغربي في شكل دراسة مقارنة (الفقرة الأولى)، ثمّ سنطّلع على كيفية جمع الدبلوماسية الماكرو والميكرواقتصادية في أجهزة موحّدة ودائمًا في إطار مقارنة أبرز النماذج الدولية (الفقرة الثانية.)
الفقرة الأولى: الدبلوماسية الماكرواقتصادية والميكرواقتصادية الخارجية
في شبه عملية تشريح للعمل الدبلوماسي الاقتصادي، سنحاول تعريف هذه العملية من منطلق المهمّ ت أولً ثمّ الهيكلة، وذلك عبر الإشارة إلى قدرات القائمين على عملية اتخاد القرار الدبلوماسي والرؤية الماكرواقتصادية والميكرواقتصادية التي يباشرون في ظلّها عملية اتخاد هذا القرار.
الدبلوماسية الماكرواقتصادية
هذا النوع من الدبلوماسية عادة ما تتمّ إقامته بالسفارات، لكن مجاله والتعيينات داخله لا تتوقّف دائمًا على وزارة الشؤون الخارجية. لأسباب واضحة، تعمل مجموعة من الخلايا داخل السفارات على مجموعة من الملفّات تهتمّ بالسياسة، والاقتصاد، والتعاملات المالية، والتمويلات العمومية، وكلّها موضوعات حسّاسة ينتمي القائمون عليها إلى دائرة السلطات العمومية، وأهميّة الملفّات المعروضة وعددها تستوجب من السفراء إحاطة دائمة ودقيقة. تحدد تراتبية هذه الأجهزة وهيكلتها داخل السفارات مجموعة عوامل، تجعلها متنوّعة من حيث الشكل والتراتبية حسب حجم المهمة الدبلوماسية الموكلة وأهميتها. في البداية، فالسفارة لا تنفرد بمهمة العمل الاقتصادي، لكن هذا لا يعني عدم دخول هذا المجال ضمن مهمّ ت إشرافها من خلال خضوع المجال لمختصين في هذا المجال، يحملون في بعض الأوقات صفة وزير الاقتصاد.
هذا ما نجده في أغلب السفارات حيث المهام الاقتصادية تمتدّ من الفلاحي إلى الصناعي، كما تهمّ إشكالات اقتصادية دولية كبرى كمحاربة المخدرات وتبييض الأموال وغيرها. العاملون إذًا في السلك الدبلوماسي هم عادة دبلوماسيون ذوو تكوين عام وغير متخصصين (هذا راجع بالأساس للمدة القصيرة للتكوين)، لهذا السبب يلاحظ تكاثر نوع جديد من الدبلوماسيين، عبارة عن موظّفين تابعين لوزارة المالية. هذا المعطى الجديد ظهر في البداية بالسفارات الأميركية من خلال اللجان المالية القادمة من وزارة الادخار الأميركية، نفس الإستراتيجية تبنّتها فيما بعد السفارات الكندية وبعض السفارات البريطانية، في الوقت الذي يعيّ فيه المستشار المالي بالسفارات الألمانية والإيطالية من البنك المركزي. في السفارات الفرنسية لا يمكن الحديث عن مجموعة بل قطبين؛ فهناك مراكز امتداد اقتصادي PEE() إذ نجد: في الجانب الأول مستشارًا (في بعض الأوقات صفة وزير الاقتصاد والتجارة) يتكلّف بحقيبة الصناعة، والفلاحة، والخدمات والتجارة الخارجية، بالإضافة إلى المواضيع الاقتصادية التي تهمّ مديرية العلاقات الاقتصادية الخارجية DREE() لوزارة الاقتصاد والمالية. كما نجد في جانب ثان، وفي العديد من المواضيع الخارجية ومن نفس الوزارة لكن هذه المرة من مديرية الادخار، وكالةً مالية يسيّ ها مستشار أو (وزير المالية) إذ يعتنون بالمواضيع الخاصة بالتعاملات النقدية والمالية بالإضافة إلى دراسات ماكرواقتصادية تضعها المديرية المكلّفة بذلك. كما أنّه وفي العديد من السفارات الفرنسية تمّ دمج المهمّ ت ذات الامتداد الاقتصاديPEE() والمهمّ ت المالية وذلك ضمن إدارة واحدة ذات امتداد اقتصادي وماليMEF(.) تتبّع هذه الإدارة فيها كل مصلحة للوزارة المعنية بها مع خضوعها لسلطة السفير، والذي تعود له مهمة التنسيق في ما يخصّ المهمات الدبلوماسية، والتي يعدّ رئيسها الفعلي. وفي ما يخّص موارد هذه المصالح المالية والبشرية فهي تابعة للوزارات المشرفة عليها، علمً أنّه ابتداءً من عام 9941 تمّ وضع لجنة وزارية CIMEE()، وهي لجنة مختصّة في موارد الدولة في الخارج، ومن مهماتها تدبير الموارد المالية بمشاركة كلّ الوزارات، وتعدّ هذه اللجنة الآن من آليات تداول المعلومات المشتركة، ولها مهام استشارية، ولا تتمتّع بسلطة تقريرية. وقد شرعت فرنسا مؤخّرًا في 2013، في تبنّي إستراتيجية جديدة للنهوض بالدبلوماسية الاقتصادية، واتخاذ مجموعة من التدابير المهيكلة لهذا المجال كرافعة للاقتصاد الفرنسي25. وتتبنّى إسبانيا سياسة قريبة من نظيرتها الفرنسية، فهناك مصالح مختصة اقتصادية وتجارية، تتمّ إدارتها بواسطة نخبة تابعة للوظيفة العمومية الإسبانية: اقتصاديون إسبان قادمون من وزارة الاقتصاد والمالية (كتابة الدولة في التجارة، والسياحة والمقاولات الصغرى والمتوسطة) فهذه الوزارة هي المعنية بمتابعة موظفيها وتدبير مواردهم المالية بشكل مباشر. وتعدّ هذه النخبة بمنزلة المستشارين الاقتصاديين الوحيدين للدبلوماسيين في جلّ السفارات الإسبانية، لكن فيما يخصّ السفارات الكبرى يضاف لهذه النخبة مستشارين ماليين (بدون مهام اقتصادية)، وبالرغم من انتمائهم لوزارات معينة (الصناعة والفلاحة) لكنهم لا يخضعون لسلطتها المباشرة26. بالنسبة إلى المغرب وكما سبق ورأينا، فوزارة الشؤون الخارجية والتعاون تؤدي دورًا بارزًا في مجال الدبلوماسية الاقتصادية إلى جانب وزارات تقنية أخرى. ويمكننا الحديث عن دور وزارة الشؤون الخارجية والتعاون في الدبلوماسية الاقتصادية من خلال المرسوم المتعلق باختصاصات وزير الشؤون الخارجية وتنظيم وزارة الشؤون الخارجية27 وإن كان لا ينص صراحة وبالحرف على الدور الاقتصادي لوزارة الخارجية، فإننا نجد داخل ثلاث مديريات عامة 81 مديرية، و بالإضافة لسبع مديريات ذات بعد اقتصادي ثنائي وجهوي والمنتمية للمديرية العامة للعلاقات الثنائية والجهوية، هناك كذلك ثلاث مديريات تابعة للمديرية العامة للعلاقات متعددة الأطراف والشاملة، والمديرية العامة للتنمية الاقتصادية والعمل الثقافي والدبلوماسية العامة، هذه المديرية التي تمّ الاعتراف فيها أول مرة بالفاعل غير الحكومي في الدبلوماسية المغربية من خلال وضع مديرية الدبلوماسية العامة والفاعلين غير الحكوميين28.
كما أنّ وزارات أخرى تعمل في مجال الدبلوماسية الاقتصادية ودورها بارز في الجانب الماكرواقتصادي: أولً: وزارة التجارة الخارجية، والتي تتكلف في مجال العلاقات الخارجية بما يلي: المساهمة في المفاوضات المتعلقة بالاتفاقيات التجارية الثنائية والمتعددة الأطراف، وتحضير أعمال اللجان المختلفة للتعاون الاقتصادي والتجاري، وتتّبع تطبيق القرارات الصادرة عنها. إعداد مشاريع الاتفاقيات التجارية والتعريفية. تحضير المفاوضات المتعددة الأطراف المتعلقة بالاتفاقيات العامة للتجارة والتعريفية الجمركية، والمنظمات المتعددة الأطراف ذات الطابع التجاري واجرائها وتتبعها. اقتراح كل تدبير من شأنه تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على المنافسة في الأسواق الخارجية، وكذا التدابير التي تمكّن من تحسين الإطار الكفيل بالبحث عن تنمية أعمال التصدير29. ثانيًا: وزارة المالية، ويتولى وزير المالية إعداد السياسة المالية والنقدية وسياسة القرض والمالية الخارجية للدولة وتتبع تنفيذها وفقًا للنصوص التشريعية والتنظيمية المعمول بها30. ثالثًا: الوزارة المكلّفة بالشؤون الاقتصادية والشؤون العامة وتأهيل الاقتصاد، وتتكلف باقتراح كل التدابير التي من شأنها تحسين المحيط الخاص بالتنمية الاقتصادية: المساهمة في إعداد السياسة الاقتصادية للحكومة، باتصال مع الوزارات المعنيّة وتتبّع تنفيذها. إعداد سياسة المنافسة وتتبّعها وتطبيقها بتنسيق مع الوزارات المعنية. تنسيق السياسة الحكومية وتنفيذها في مجال العلاقات مع المؤسسات التابعة لمجموعة البنك الدولي. المساهمة في إعداد اتفاقات التعاون الاقتصادي والمالي الثنائية والمتعددة الأطراف وفي المفاوضات المتعلقة بها31.
الدبلوماسية الميكرواقتصادية
ونعني هنا بالخصوص سياسات دعم المقاولات والمنظمات الوطنية في الخارج بطرق متعدّدة. هذه السياسات قليلً ما تضعها وزارات الشؤون الخارجية، وهي غالبًا من وضع شبكات تابعة لوزارات متعددة، وفي بعض الأوقات منظمات غير تابعة للإدارة المركزية بمفهومها المتعارف. هذا النوع من الدبلوماسية عادة لا يضعه دبلوماسيون تابعون لوزاراتهم المركزية، لكن مع ذلك يمكن ذكر بعض الدول التي تبنت هذه الطريقة مثل إنكلترا، وكندا، وهولندا. فإنكلترا تبنّت تنظيمً مركزيًا إداريًا بالكامل تم إدماجه ضمن)DTI(32 إذ نجد مديرية تسمى الدبلوماسية التجارية ودعم التصدير، ومن مهام المديرية وضع سياسة للتجارة الخارجية، وتوجيه دعم الصادرات البريطانية والتي يتم إيكالها لدبلوماسيين تابعين لوزارة الشؤون الخارجية. هؤلاء الدبلوماسيون ليسوا متخصصين في المجال الاقتصادي، ولكنّهم متمرسون في مجالهم التجاري ذلك أنّ منصب دبلوماسي يفرض حاليا المرور من منصب تجاري. هكذا تعمل وزارة التجارة والصناعة البريطانية على توجيه مصالحها التجارية بالخارج من خلال تنظيم مشترك Joint" Directorate Export" والذي يتبع لوزارة الخارجية. أمّا بالنسبة إلى كل من كندا وهولندا فقد وضعتا تنظيمً مشابهًا لما قامت به بريطانيا. إن مساعدة المقاولات بالخارج بالنسبة إلى أغلب الدول، تعطي صلاحيتها لأجهزة مستقلّة وتابعة لوزارات مختلفة ولها خصوصياتها، على الرغم من أنّ هذه الأجهزة مدمجة في محيط السفارات. ونجد هذا واضحًا في كل من فرنسا، وإسبانيا، والولايات المتحدة. فمخطط حماية المقاولات PEE() الفرنسي يعمل من جهة على مساعدة المقاولات، ومن جهة أخرى يضع مسؤولية اقتصادية للسفارات تجاه المقاولات كما تمّ توضيحه سابقا من خلال DREES(.) من دعامات المقاولات إعطاء أولوية في السفارات لموظفين من خريجي المدارس
العليا للتجارة وتسيير المقاولات ولمهندسين متعاقدين بعقود محدودة المدة، بالإضافة إلى موظفين تابعين لوزارات مختلفة، وبالنسبة إلى الفلاحة فتوكل لمكلفين تابعين للمركز الفرنسي للتجارة الخارجية). CFCE(ونهجت إسبانيا أسلوبًا شبيهًا بالأسلوب الفرنسي، مع اختلاف في كون المكتب التجاري في السفارات والذي يسيّ ه المستشار الاقتصادي والتجاري لا يدخل تحت سلطة وزارة الاقتصاد والمالية، إذ ينتمي)33لمؤسسة عمومية وهي المركز الإسباني للتجارة والاستثمار.ICEX(وتتبنى الولايات المتحدة الأميركية، ومنذ سنوات، نفس الطريقة بالنسبة إلى الجانب التجاري في سفاراتها مع ملاحظة مهمة أنّ اختصاصاتها تقتصر على مساعدة المقاولات في الشق التجاري دون الانصراف لباقي مجالات الدبلوماسية الاقتصادية، وهي تقع تحت الوصاية المزدوجة للسفير ولكتابة الدولة في التجارة)DOC(34 وتحديدًا تحت وصاية) وهذا الجهاز أحد U.S. and Foreign Commercial Service(مكونات TPCC() كما سبق وأوضحنا ذلك، والموظفون قادمون من هذا الجهاز ولا ننسى أولئك القادمين من مكتب المكلّف بالزراعة الخارجية Foreign Agricultural Service Charged(تحت 35) وصاية وزير الزراعة الذي تمتد اختصاصاته لتشمل الإشراف على تصدير المنتجات الزراعية والغابية. هناك صنف ثالث، وهو الغالب، ويتكوّن من دول أسندت مهمّة الإشراف على المقاولات لأجهزة تتمتع بالاستقلال الذاتي عن الحكومة، وهناك من يوكلها للقطاع الخاص. وباختصار فهي توكل لأجهة بعيدة عن السلك الدبلوماسي، وألمانيا مثال على ذلك، فهي توكل مهام الإشراف ومتابعة المقاولات لغرف تجارية بالخارج)AHK(36، هي الغرف الألمانية التجارية خارج ألمانيا، كما توكل مهمّة تحصيل المعلومات التجارية للمقاولات الألمانية بالخارج للمكتب الفدرالي للمعلومات التجارية بالخارج)BFAI(37، والذي يقوم بخلق مناصب ومراكز لمراسلين له بالخارج. من الناحية القانونية كل هذه الأجهزة مستقلة، وتعمل بعيدًا عن سلطة السفراء الذين لا يتدخّلون بأي شكل من الأشكال في عمل هذه الأجهزة. وتبنّت فنلندا كذلك هذه الصيغة لكن بقي المجال ممنوحًا على العموم، فالفدرالية الفنلندية للتجارة الخارجية UL()، تقوم بالإشراف على المجالس التجارية والوكلاء التابعين لها، وكذلك تشرف على المراكز التجارية الفنلندية بالخارج. أمّا بالنسبة إلى كل من إيطاليا، واليابان، وأستراليا، وبلجيكا، فقد أوكلت هذه الدول مهمة الإشراف على المقاولات لمؤسسات عامة، لكنها تعمل بشكل مستقل عن سفاراتها، دون أي صفة دبلوماسية: l'ICE() الإيطالي، وJETRO() الياباني، وL’AUSTRADE() الأسترالي. نلاحظ في كل هذه الحالات، عدم وجود مستشارين تجاريين لدى السفارات التي تنظر للتجارة بشكل شمولي، يدمجها ومفهوم الاقتصاد العام، وتأثيرها السياسي، وقدرتها على التدخّل في فترات الأزمات. تبنّت البرتغال شكلً أكثر تنوّعًا، فالمستشار التجاري يعيّنه وزير الشؤون الخارجية ولكن باقتراح من وزير التجارة الخارجية، هذا المستشار قد لا يكون موظفًا وزاريًا، فهو ينتمي للسفارة البرتغالية، ويقوم بالإشراف على وفد معهد التجارة الخارجية البرتغالية ICEP() الذي لا ينتمي للسفارة38. في المغرب هناك فاعلون في الدبلوماسية الاقتصادية يقومون بدور تقني شبه مستقل عن سلطة الحكومة وأحيانا مستقل تمامًا عنها. وهي عبارة عن مجالس ومكاتب وطنية مرتبطة بوزارة معيّنة، وأهم هذه المكاتب: أولً: مديرية الاستثمارات الخارجية، وهي آلية أنشئت في إطار القانون المنظّم لوزارة المالية والاقتصاد والخصخصة والسياحة، وانفصلت عنها عام 2002 إذ أصبحت تحت وصاية الوزارة المكلفة بالشؤون الاقتصادية والشؤون العامة وتأهيل الاقتصاد، إذ أسندت لها منذ إنشائها مهمات عديدة لتحسين صورة المغرب بصفته بلدًا مستقبلً للاستثمارات ومن بين هذه المهمات نذكر: توفير المعلومات حول الاقتصاد المغربي، والقيام بتحليل ميكرواقتصادي
- متابعة تطوّر الدبلوماسية الاقتصادية بتكوين تطور الاقتصاد الوطني ودراسته - تقوية الشراكة، وتنظيم ندوات بتنسيق مع تنظيمات دولية ذات الاهتمام نفسه - تقوية نظام معلوماتي حول الاقتصاد الوطني وبصفة عامة، فإنّ الهدف الذي تسعى إليه المديرية من هذه المهمات، هو دعم الدبلوماسية الاقتصادية المغربية، وتزويدها بما تحتاجه من معلومات ومعطيات حول السوق الاستثمارية الوطنية، من أجل استقطاب المزيد من المستثمرين الأجانب39. ثانيًا: المجلس الوطني للتجارة الخارجية CNCE()، وهو آلية تمّ إنشاؤها بوصفها أداة دائمة للتشاور والحوار بين المتعاملين الاقتصاديين ممثلي مختلف القطاعات العامة والخاصة، والتي أنيط بها على سبيل المثال لا الحصر40 ما يلي: - إبداء آراء استشارية في أي قضيّة تهمّ العلاقات التجارية الخارجية - تقديم اقتراحات من شأنها تعزيز قدرات المنتجات والخدمات المغربية في الأسواق الأجنبية - تقديم المشورة للوزارات في التدابير التي تريد اتخاذها في شأن التجارة الخارجية. ثالثًا: المركز المغربي لإنعاش الصادرات CMPE()، تمّ إنشاؤه في 1976 41 لكن لم يتمّ تفعيل دوره إلاّ في تشرين الثاني/ نوفمبر 9801، وهو تابع لوصاية وزارة الخارجية ومن مهماته: • إقامة أنشطة للتعريف بالمنتجات المغربية في الأسواق العالمية إقامة دراسات حول توقّعات تصدير المنتج المغربي وخصائص الأسواق الخارجية مساعدة المصدّرين على الوصول إلى الأسواق، وتوجيه المستثمرين العموميين والخواص نحو الاستثمارات المطلوبة في الأسواق الدولية. كما أنّ المركز لا يبحث فقط عن منافذ خارجية للمنتجات المغربية، بل أيضًا يعمل في مختلف أشكال الحضور الاقتصادي للمغرب بالخارج، والوسائل الكفيلة بإعطاء قيمة للتحرّك المغربي الدولي. خلاصةً، أغلب هذه الهياكل يتمّ تدعيمها وتكميلها بأشكال متنوّعة بواسطة تنظيمات مختلفة. كما نلاحظ أنّ مفهوم الجهة حاضر بشكل كبير بالنسبة إلى الدول الفدرالية وغير المركزية (ألمانيا، وبلجيكا، وإسبانيا) كذلك بالنسبة إلى فرنسا، والمغرب وإنكلترا إذ نجد غرفًا تجارية وفدراليات مهنيّة مختصّة.
الفقرة الثانية: إمكان الربط بين الدبلوماسية الماكرواقتصادية والميكرواقتصادية
الدبلوماسية الاقتصادية إذًا، لا تستحوذ عليها فقط وزارات الشؤون الخارجية، كما أنّ من يملكون الصفة الدبلوماسية بالسفارات ليسوا فقط العاملين بالسلك الدبلوماسي، أضف إلى هذا أنّ الأدوار والمسؤوليات الموكلة للعاملين في المجال الدبلوماسي، لم يتمّ إنشاؤها بسبب توسّع الدبلوماسية الاقتصادية؛ فالفضل يعود لعوامل أخرى، لأشخاص ومؤسسات أخرى تركت مراكز حيوية حساسة لأجيال جديدة من الدبلوماسيين، ولنوع جديد من الدبلوماسية، دفعت للتفكير بجدّ في مستقبل العمل الدبلوماسي. سنحاول التطرّق لأماكن عمل الدبلوماسية الاقتصادية، وإمكان الربط بين العمل الدبلوماسي الماكرو والميكرو اقتصادي مع محاولة تقييم دور الدبلوماسيين في ظلّ المتغيّ ات العالمية الجديدة.
تجميع العمل الدبلوماسية الماكرواقتصادية والميكرواقتصادية
مواكبة المقاولات الوطنية بالخارج ليست عملً دبلوماسيًا فقط، فهي عملية تسويق Marketing، وهي تقنية تجارية ومالية ومعرفة السوق، وهي كلّ التراكمات المعرفية والتقنية التي لا تدخل ضمن المدارك المتعارف عليها في تكوين الدبلوماسيين. وإذا كان لكل قاعدة استثناء فبريطانيا تعدّ الاستثناء الكبير في هذا المجال، فالعاملون في مجال الشؤون الخارجية في بريطانيا، لا يهتمون
فقط بالدبلوماسية السياسية بشكلها العام، ولا يزاولون فقط مهامهم في مجال الدبلوماسية الماكرواقتصادية، ولكنهم يقومون بتأطير الدبلوماسية الميكرواقتصادية، بمعنى مواكبة المقاولات البريطانية في الخارج بما في ذلك مواردها البشرية؛ إذ نجد تعيينًا ممركزًا ومتخصصًا في هذا المجال. وقد نهجت كل من كندا وهولندا الأسلوب نفسه في التسيير والتدبير. يبقى الإشكال في حالة الفصل التام بين العمل الدبلوماسي من جهة ومساندة المقاولات الوطنية بالخارج من جهة أخرى، إذ تسند المهمة الأخيرة لأجهزة مستقلة في الغالب تابعة للقطاع الخاص، وهذا حال ألمانيا، أو لأجهزة مستقلة تابعة للقطاع العام وهذا حال كل من إيطاليا، وإسبانيا، أو البرتغال. في هذه الحالة، فالقول إن إسناد مهمة المواكبة لأجهزة غير تابعة للدولة قد يجعل المقاولات في وضعية أفضل، استنتاج يحتاج للتحليل، لأننا في كلا الحالتين أمام أجهزة تقنية، موظفوها حاصلون على ديبلومات من المدارس العليا للتسيير، يعملون بواسطة عقود تابعة لغرف تجارية، وهي لا تختلف كثيرًا عن العقود المبرمة مع المصالح التجارية بالسفارات. ومن الطبيعي بالنسبة إلى كلا الحالتين أن يتمّ التعاقد مع مختصين ذوي الخبرة في التسيير والتجارة. أمّا بالنسبة إلى جانب التمويل، فالفرق كذلك لا يبدو كبيرًا وقاطعًا، ففي كلا الحالتين يتمّ احتساب مصاريف الخدمات المقدّمة، وفي كلا الحالتين تصرف الدولة بشكل يكاد يكون متساويًا على هذه الخدمة بغضّ النظر عن كونها ممنوحة أم لا. الاختيار إذًا، يرجع إلى العامل السياسي بالخصوص، وما يتناسب مع كل دولة بحسب توجهاتها بين الدول التي تحتفظ لنفسها بالتزامات اقتصادية في التدبير العام للدولة، وبين دولة أخرى متحررة من كل التزام لا يدخل ضمن مفهومها السيادي. في الحقيقة، فهذا التنازل الذي يروق الكثيرين يصطدم بمجموعة من العوائق الدائمة؛ فتغيير النظام يعني بالضرورة إعادة بناء شبكة اقتصادية أخرى، وهو أمر ليس بالبسيط. وهذه الاستنتاجات تهمّ السفارات تمامًا مثل القنصليات، فخارج العاصمة يتمتّع القنصل بمركز رسمي متميّز لا نجده لدى المستشار أو الملحق التجاري. فتقاطع وظائف القنصلية مع الخدمات التجارية ووجودهما تحت نفس السلطة التي تمنح صفة قنصل والتي تمنحه إمكان التسيير وتيسير التواصل بين الفريق التجاري العامل في الخارج في أعلى مستوياته. وفي العديد من الدول من بينها المغرب تمّ وضع مناصب مزدوجة يتمّ خلالها توزيع قناصله يزاولون كذلك مهمة مستشارين اقتصاديين. بالطبع، فالملاحظة السابقة لا تسري على التعاملات ذات الصبغة السياسية، فالمشاريع الاقتصادية الضخمة والاستثمارات الكبرى يجب أن تمرّ لزامًا على المستشار الاقتصادي والتجاري، في الوقت الذي يتابع السفراء حالات التسديد والوفاء. هذا يدفعنا لضرورة معرفة مكان الربط بين دعم المقاولات الوطنية بالخارج والدبلوماسية الماكرواقتصادية، بمعنى آخر إمكان تجميع الدبلوماسية الميكرواقتصادية والدبلوماسية الماكرواقتصادية في جهاز واحد. هذه ليست الحالة العامة، ولكن هذا ما يقوم به البريطانيون، والفرنسيون، والهولنديون؛ إذ أنّ المستشار (أو وزير) الاقتصاد والتجارة يزاول المهنتين، وكما سبق وتطرّقنا لذلك، فالتجارب لا تسمح بالجزم لهذا الاتجاه أو للآخر. فلو افترضنا ضرورة التفرقة، فسنبرّرها بضرورة التخصّص وعدم اكتساب المهارات التجارية والاقتصادية لدى الدبلوماسيين بالمعنى التقليدي بسبب التكوين، إذ هناك خصوصية الأعمال التجارية من جهة، وهناك اختلاف المحاورين من جهة أخرى، ما يفرض مهارات خاصة. أما إذا افترضنا ضرورة التجميع، فذلك يجد تبريره في كون المقاولات في حاجة للمعلومات التي تستقيها من الدبلوماسية الماكرواقتصادية التي تتغذّى من تجارب السوق، والمعلومات عن المقاولات الصغرى والمتوسطة PME() والمنتجات المتداولة. سيكون من غير الممكن إنشاء مقاولة والتعامل مع المحيط الاقتصادي من دون معرفة مسبقة بالمناخ الاقتصادي العام لهذه الدولة، وهنا نستنتج أنّ التحول العالمي يفرض وجود السفراء ذوي التكوين المزدوج.
أهمية الدبلوماسيين في ظل الأدوار الجديدة للدبلوماسية الاقتصادية
لقد أضحى العالم عبارة عن قرية شمولية تتخذ القرارات داخلها في ثوان، لهذا يتوجّب العمل بشكل أسرع لمواكبة التطوّر في مجال الإعلام والمواصلات الذي سهّل مأمورية التواصل بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين، وفتح الأسواق العالمية بشكل يصعب معه التحكّم في حركة السلع والأشخاص والأموال، فلم يعد من الممكن
اتّخاذ القرارات في العواصم فقط، بل يجب الحضور في قلب الحدث لمواكبة المقولات الوطنية ومساندتها في تحرّكاتها وتوسّعها واستثمارها. وعليه، فتراكم التجارب وضرورة التحرّك بشكل سريع تفرض التغيّ في مهمات الدبلوماسيين لكنّه تحوّل في ظلّ الاستمرارية. حقيقة واحدة هي التي تفرض ذاتها الآن، المعلومات الآنية والمباشرة قراءتان: تمّر عبر قنوات أخرى والمفاوضات المباشرة لم تعد حكرًا على السفراء، ولكن كلمّا اتسع نطاق القرارات التي تتخذ في الرباط أو بروكسل أو جنيف أو واشنطن، تعاظمت الحاجة لتهيئة الحكومات، ومرافقها ورأيها المحلي للتدابير المزمع اتخاذها، والمواقف الممكنة، وأسباب اتخاذها، والمصالح الممكن جنيها، والعمل على كسب ثقتهم ومواكبتهم لتلك القرارات، مع استطلاع رأيهم لمعرفة حجم المساندة. أكثر من هذا فالإعدادات الثنائية للدبلوماسية المتعددة بالخارج تبقى مع أهميتها ناقصة؛ فمن المؤكّد أنّ المؤتمرات الدولية، توفّر فرص اللقاء لكنها لقاءات سريعة؛ فالمشاركون كثيرون لدرجة عدم السماح بلقاءات شخصية أو مفاوضات ثنائية، على الأقل بشكل كاف يمكّن من تكوين رؤية شاملة وواضحة. قد تتعدد داخل الإدارات المركزية وسائل الاتصال من هاتف وأنترنيت وعلب الرسائل الإلكترونية، وقد تتكوّن مع مرور الوقت شبكات من الصداقات الخاصّة، لكنها تهمّ فقط المسؤولين الرئيسيين بالملفات. كل المحيط السياسي، والإداري، والاجتماعي، وكلّ المؤثّرين غير المباشرين، كلّ هؤلاء بعيدون عن شبكات الاتصال الخاصة، فقط السفراء الذين يشرفون على هذه العمليات يمكنهم ولوج هذه المعلومة في حينها والتأثير في سيرها. يجب أن نضيف أنّه فقط في عين المكان يمكن بحث ضوابط العلاقات الثنائية المثمرة، فهي لا تفرض من المكاتب، ولا تقرأ في الجرائد ووسائل الاتصال، ولكنها توضع جنب المقاولات وفي غالب الأحيان عبر لقاءات مباشرة. لا يمكن القول أنّه لم تعد هناك أهمية للسفراء، في حين يمكن القول إن الوسائل والطرق التقليدية للسفراء هي التي أصبحت غير ذات أهمية كبرى. فهناك ضرورة لوجود السفراء شريطة تغيير أساليب العمل لضمان اندماجهم التنفيذي في المهمات الدبلوماسية للعمل الوزاري، بما يعني تحسين التواصل وربط مشاريع العمل ووصول المعلومة وانتقالها من المركز إلى المحيط. إنّ الدبلوماسية الماكرواقتصادية ووزارات الشؤون الخارجية، موضوع ذو أهمية حيوية، بطبيعة الحال، ويمكن قراءته من جانبين: من جهة، خارجيًا في السفارات لو وضعنا جانبًا دور السفراء، فهذه الدبلوماسية تباشر إمّا عبر دبلوماسيين أو عبر شبكات تابعة بشكل مباشر لوزارة المالية، وهذا ما تقوم به كل فرنسا وإسبانيا. ومن جهة أخرى، يبقى إمكان اضطلاع وزارات الشؤون الخارجية والتعاون بدور الربط ما بين الوزارات محلّ تساؤل، للجواب عليه
القراءة الأولى: ترتكز بالأساس على نسبة ارتباط هذه الوزارة ومرافقها وترتيبها في هرم السلطة. من الجيد تداول المعلومة والبحث عنها وتقاسمها، ومن المفيد أن يكون ذلك بشكل دائم ويومي؛ ففي النموذج الفرنسي، يتلقّى المستشارون الاقتصاديون والتجاريون والماليون تكوينًا كافيًا، ويحظون بتجربة مع المقاولات التي يعملون بجوارها تمامًا كعملهم جنبًا لجنب مع المصالح التنفيذية بالعاصمة، بما أنّهم ينحدرون منها، ولكن قد يحدث أن يقدّم السفراء لهؤلاء المستشارين لبعض الملفات ناقصة بدعوى صبغتها السياسية، وهذ أحد مظاهر الخلط. وهذا النوع من الخلط غير موجود في النظام البريطاني، والمعلومات تنتقل بشكل أفضل لعدم وجود التقسيم الإداري داخل السفارات، ولأنّ السفير يرى في المستشار الاقتصادي شريكًا وليس ممثلً إداريًا ومنافسًا. تتمتع الحكومة في النظام الفرنسي بتعدّد وجهات النظر، مع الغنى الكبير الذي يمنحه مثل هذا النظام الذي يمكن تشبيهه بالمنظار، في الوقت الذي تعمل أنظمة أخرى على منح رئيس البعثة مسؤولية تحقيق التوازن وتقريب وجهات النظر، كما تعود له مهمّة وضع توليفة لكل أعمال السفارة. القراءة الثانية: هي أكثر صعوبة من حيث التفسير. عمليًا، وكما رأينا، فالوضعيات هي أكثر تعددًا، وفي أغلب الأوقات غير واضحة، لأنها باختصار تخضع لشبكات التأثير، ولعلاقات القوى المستقرة داخل كل حكومة. وبما أنّ هذه العلاقات محكوم عليها بالتغيّ مع حلول تركيبة جديدة بتغيّ الحكومات، مع تواجد فرق عمل جديدة وخطط أخرى بتفكير آخر، مع هذا النوع من المتغيّ ات لا يمكن الجزم بوجود معادلة قارة للتحليل، وهذا يوقف منذ البداية كلّ محاولة لوضع خلاصات عامة. إذا كانت التعريفات التقليدية لمفاهيم الدبلوماسية والسياسة الخارجية تجد مرجعيتها في اختصاص الدولة في هذا المجال، فإنّ التحولّات الدولية المتسارعة خلال العقدين الأخيرين، قد أفرزت بروز فاعلين جدد في الحقل الدبلوماسي إلى جانب الدولة. كما أنّ تعقّد العلاقات الدولية المعاصرة وتنوّعها قد فرض على الدول ضرورة
البحث عن قنوات دبلوماسية جديدة، تساعدها على تجاوز النقص الذي يمكن أن يعتري الآليات الدبلوماسية التقليدية.
نستنتج، أنّ المقصود بالفاعل في الدبلوماسية الاقتصادية هي كل سلطة، أو جهاز، أو جماعة، أو حتى شخص، قادر أن يضطلع بدور على المسرح الدولي، وقد يتطلّب هذا الدور اتخاد قرار ما أو الإتيان بفعل، وهذا ما يؤكّد أنّ الفاعلين الذين تدور حولهم الدبلوماسية الإقتصادية، متنوّعون بقدر ما هم متعددّون. لقد اعتمدنا تحليل وظيفة الفاعلين في هذا المجال ولم نركّز على وضعهم القانوني، لأنّ وظيفة الفاعلين هي التي تمكّننا في الواقع من تحديد موقعهم ومدى فاعليتهم في المسرح الدولي، فإضفاء صفة الفاعل في الدبلوماسية الاقتصادية مرتبط بمدى تأثير هذا الفاعل ومساهمته في التدفقات الدولية، وقدرته على القيام بالتنفيذ الواعي والهادف للإستراتيجيات المحدّدة من خلال عمل منهجي يومي، عن طريق المفاوضات أو على الأقل المحادثات التي تجري بين الدبلوماسيين، أو بين الدبلوماسيين والوزراء ووزراء الخارجية، أو المالية، أو مختلف القطاعات الحكومية، والشركات وباقي الفاعلين الدوليين. وعليه، فنظرية الدولة بصفتها فاعلً وحيدًا - حسب المدرسة الواقعية - يحتكر الفعل الدبلوماسي في متابعة الأهداف الدبلوماسية السياسية الخارجية يحسب في عداد التقليد البائد، فقد أوضحنا التحولّات التي شملت الممارسات الدبلوماسية، والتي كشفت بوضوح أنّ قوى عديدة في النظم الديموقراطية على الأقل وبعض التجارب الحديثة (المغرب) تتقاسم الصلاحيات في إطار الجهاز التنفيذي، مع ارتباط هذه القوى بجماعات سياسية واقتصادية واجتماعية تدفعها باستمرار للانغماس بشكل متزايد في عملية صنع القرار الدبلوماسي الاقتصادي، والتعاون مع الفاعلين الرسميين، لتحقيق المرونة الدبلوماسية المطلوبة. أصبحت الدبلوماسية الكلاسيكية إذًا، لا تتلاءم والتطورات الكبرى التي يعرفها العالم خاصة على المستوى التكنولوجي والإعلامي والاقتصادي. وهكذا، فقد برزت إلى جانب الدبلوماسية الرسمية، دبلوماسية موازية تباشرها هيئات حكومية وغير حكومية في تكامل مع الدبلوماسية الكلاسيكية. وهذا ما يفسّ ظهور الدبلوماسية الاقتصادية من جهة، كما يفسر التباين بين الدول في ممارستها للدبلوماسية الاقتصادية التي تبدأ أساسًا في الداخل من خلال دمج المصالح الاقتصادية الوطنية في الأهداف السياسية الخارجية للدولة. صحيح، أنّ الدبلوماسية ليست كلّها اقتصادية، لكن، كلّ تحركاتها تحمل في طياتها البعد الاقتصادي، وهذا هو التغيير الذي عرفته الدبلوماسية؛ فهي لا يمكنها تجاهل العامل الاقتصادي عند اشتغالها. أكثر من هذا فالاقتصاد أضحى يؤدّي دورًا مركزيًا في تحقيق الأمن بين الدول، إذ كان يعتمد سابقًا على القوة العسكرية والتحالفات الدولية، لكن استعمال القوة أصبح من الصعوبة بمكان، بل وأضحى إشكالً دوليًا. فالعالم الآن آمن أن الأسلحة النووية صنعت لكي لا تستعمل، وأي تدخّل عسكري مكلف ليس فقط اقتصاديًا ولكن بشريًا كذلك42. في المغرب برز العامل الاقتصادي محركًا رئيسًا وفعالً في تسيير الدبلوماسية المغربية الحديثة، ولنا في انخراط المملكة في تعاون شمال - جنوب ودوره في علاقات جنوب - جنوب، أمثلة بارزة لمدى تسلّم الدبلوماسية الاقتصادية لقاطرة المرحلة الجديدة للدبلوماسية المغربية. وعليه، ففي المغرب كغيره من الدول، تمّ توزيع الملفات الدبلوماسية الاقتصادية على مجموعة من الفاعلين في إطار إعادة تنظيم لضوابط الدبلوماسية الاقتصادية بمفهومها الحديث. فظهر فاعلون جدد يساهمون في هذه الدبلوماسية الاقتصادية من قبيل ظهور دور الجماعات المحلية، والمنظمات غير الحكومية والشركات، بل وأصبح دور هؤلاء الفاعلين الجدد يتعاظم أكثر فأكثر على الساحة الدولية. ومع أنّ هؤلاء الفاعلين ليسوا مفوضين مباشرة للتدخل في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، إلاّ أنهم أضحوا مؤثّرين وبشكل كبير في العلاقات المشتركة المغربية43. لهذا تعاظمت قوى من قبيل "أرباب المقاولات" وشكّلوا كتلة قوية ونافذة في رسم إستراتيجية الدبلوماسية الاقتصادية المغربية.