التحالف الشرقي المقبل: منظمة شنغهاي للتعاون والتوجّه نحو العالمية
الملخّص
تناقش هذه الورقة بروز منظمة شنغهاي كنواة عملية لسياسات جديدة وتحالفات قوية، تت جه إلى بناء نظام دولي جديد، تكون فيه هذه المنظمة الوليدة ركن ا أساسيًا ضمن معادلة توازن القوى الدولية. فقد انتقلت المنظمة من وضع التنظيم الإقليمي ذي الهدف المحدّد إلى تنظيم دولي، وذلك ببلورة مواقف ورؤى مختلفة عن الرؤية الأميركية، ظهرت في موقف المنظمة من عديد الأزمات، كالملف النووي الإيراني والمشكلة الكورية، والأزمة السورية، وكذا قضايا الأمن في آسيا الوسطى. يضم هذا التنظيم الدولي الجديد في صفوفه عضوين دائمين في مجلس الأمن (روسيا والصين) وقوى نووية كالهند وباكستان، بصفة مراقب. تحاول الورقة الإجابة على سؤال مركزي: إلى أي حدّ يمكن لمنظمة شنغهاي للتعاون أن ترسّ خ تعدّدية الأقطاب في العاقات الدولية بعيدًا عن الهيمنة الأميركية؟ وما أثر ذلك في معادلة التوازن الدولي؟
مقدمة
نجم عن انهيار الاتحاد السوفياتي وانفراط عقد المعسكر الاشتراكي بروز الولايات المتحدة الأميركية، بصفتها قطبًا وحيدًا في العلاقات الدولية، وما ترتّب على ذلك من سياسة الإملاء والتدخّل وتجاهل الدول الأخرى، ما أدّى إلى رفض ضمني لهذا النزوع لدى أغلبية دول العالم، الأمر الذي أنتج نشوء تجمعات إقليمية رافضة لنزعة الهيمنة والتفرّد الأميركي. ويرى خبراء كثيرون أنّ منتدى شنغهاي للتعاون أصبح يمثّل قطبًا ولاعبًا دوليًا جديدًا؛ إذ بات رمزًا لترسيخ تعددية الأقطاب في العلاقات الدولية؛ فقد انتقلت المنظمة من وضع التنظيم الإقليمي ذي الهدف المحدّد إلى تنظيم دولي، وذلك ببلورة مواقف ورؤى وصوغها مختلفة عن الرؤية الأميركية، وهو ما ظهر في موقفها من عديد الأزمات، كالملف النووي الإيراني والمشكلة الكورية، والأزمة السورية، وكذا قضايا الأمن في آسيا الوسطى؛ كما أصبح يضمّ في صفوفه عضوين دائمين في مجلس الأمن (روسيا والصين) وقوى نووية (بالإضافة إلى روسيا والصين توجد الهند وباكستان بصفة مراقب) كل ذلك مؤشّ على بروز منظمة شنغهاي كنواة عملية لسياسات جديدة وتحالفات قوية، تتّجه إلى بناء نظام دولي جديد، تكون فيه المنظمة ركنًا أساسيًا ضمن معادلة توازن القوى الدولية
الإشكالية
إلى أي حدّ يمكن لمنظمة شنغهاي للتعاون أن ترسّخ تعدّدية الأقطاب في العلاقات الدولية بعيدًا عن الهيمنة الأميركية؟ وما أثر ذلك في معادلة التوازن الدولي؟
محاور الدراسة
الفكر الإستراتيجي لنشأة منظمة شنغهاي للتعاون منظمة شنغهاي للتعاونSCO: مسار والتطور منظمة SCO: من الانتشار الإقليمي إلى العالمي هل تقبل الولايات المتحدة الأميركية ببروز SCO كقطب مواز لها؟ SCO ودورها في ترسيخ تعددية الأقطاب في العلاقات الدولية
الفكر الإستراتيجي لنشأة منظمة شنغهاي للتعاون
أدّت التحولّات الجديدة التي نتجت عن الحرب الباردة إلى بروز مفاهيم جديدة، أكّدت على أهمية التنسيق والتعاون بين الدول بديلً عن عوامل الفوضى وال اررع التي هيمنت على تحليلات الواقعيين في نظرتهم للعلاقات الدولية. وتعدّ الظاهرة التكاملية من المواضيع الجوهرية في هذا الصدد؛ وذلك بتركيزها على شق هام من التفاعلات الدولية، وهو التعاون ويبرز التحليل الإقليمي للعلاقات الدولية بوصفه أحد المستويات التحليل الجديدة؛ لأنها تشكل تفاعلات متميّزة وذات خصوصيات تختلف عن تفاعلات النظام الدولي. ويعدّ مفهوم الإقليمية الجديدة ذات البعد الاقتصادي أحد الاتجاهات المهمة في العلاقات الدولية المعاصرة، والذي تزامن مع إنشاء عدد من المنظمات الإقليمية. ففي الأميركيتين ظهرت السوق المشتركة لدول أميركا الجنوبية MERCOSUR() عام 9911، كما تمّ إنشاء منطقة التجارة الحرة لأميركا الشمالية NAFTA() عام 9941، وتأسست أيضًا رابطة جنوب شرق آسيا ASEAN() عام 9921 إلى جانب العديد من المنظمات الإقليمية. تجد هذه التجمعات الإقليمية تأصيلها النظري في العديد من النظريات التي قامت بتفسير الظاهرة، أهمّها نظرية الوظيفية الجديدة لصاحبها أرنست هاس الذي انطلق من نقد أفكار دافيد ميتراني (الوظيفية التقليدية) الخاصة بإمكانية الفصل بين الأمور السياسية والفنية في عملية التكامل، وقدّم في هذا الصدد مفهوم الانتشار Over Spill، لتفسير التداخل بين هذه العوامل؛ فالتكامل في القطاعات الفنية (الوظيفية) سوف يؤدي إلى انتشار العملية بشكل تدريجي إلى مجالات أكبر بما في ذلك المجال السياسي. كما أنّ بروز تهديدات أمنية عابرة للحدود (كالإرهاب والجريمة المنظمة)[...]فرضت على الدولة إعادة صياغة عقيدتها الأمنية للتكيّف مع هذه التحديات المختلفة وذلك بالانتقال من مفهوم الأمن بمعناه الوستفالي إلى مفهوم الأمن الإقليمي، يعني التحوّل من مستوى الأمن القاعدي إلى مستوى الإقليمي الذي يستلزم توحيد الجهود الإقليمية لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، ونجد في ذلك طروحات باري بوزان، وأولي ويفر اللذين طرحا مفهوم "مركب الأمن الإقليمي" بصفته إطارًا نظريًا بارزًا لبناء الأمن بشكل يجعل من المشاكل التي تواجهها الدولة صعبة الحل في إطار منفصل عن بعضهم البعض، وقدّما متغيّ الاختراق الذي يتناول معنى التدخل
المرتبط بالقوى الكبرى في مركبات الأمن الإقليمي المختلفة، لأجل حماية مصالحها وتعزيز نفوذها وهيمنتها على المواقع الحيوية، وكردة فعل على ذلك يسعى الاعتماد الأمني المتبادل إلى إنتاج ديناميات أمنية إقليمية لزيادة مستوى التنسيق الأمني بين الأطراف الإقليمية1. للحيلولة دون اختراق القوى الكبرى للمجال الحيوي للوحدات المكوّنة للمركّب الإقليمي. كما انتقد إيمانويل آدلر ومايكل بارنت مفهوم "الهوية الأمنية الجماعية" التي طرحها كارل دويتش، واقترحا مفهومًا مطوّرًا للجماعة الأمنية، وذلك بالحديث عن الظروف التي تدفع نحو التكامل لمواجهة التهديدات الأمنية المشتركة داخلية أ كانت هذه التهديدات أم خارجية، وذلك بالتنسيق خطوة طوعية. بالإضافة إلى وجود الثقة المتبادلة بين أعضاء الجماعة الأمنية2 التي من شأنها أن تزيد من مستوى تلاحم الهوية بين الأطراف الإقليمية؛ الأمر الذي يدفعهم إلى تحقيق الأهداف التي تتلاءم وتوجهات الجماعة ككل، وهكذا تقلّص من التنافس والشك الذين طرحتهما أدبيات الواقعية الجديدة. وتختلف دوافع إنشاء المنظمات الإقليمية باختلاف المناطق الجغرافية، فقد تكون ذات أسباب ثقافية كما قد تكون ذات أسباب اقتصادية سياسية، أو لأسباب أمنية جيوسياسية سببها الشعور بضرورة التكامل لمواجهة التهديدات المشتركة أو نتيجة لاختراق قوى أجنبية لإقليم هذه الدول، وهو الحال بالنسبة إلى منظمة شنغهاي للتعاون SCO عام 2001 التي أنشئت لمواجهة الشرور الثلاثة المتمثّلة في التطرّف والإرهاب والحركات الانفصالية، ولكن أيضًا رفض كل من روسيا والصين الدول المحورية في المنظمة سياسة الهيمنة الأميركية في انتهاجها سياسة القطب الواحد والتدخّل في شؤون وسط آسيا. أخذت الصين بزمام المبادرة بإنشاء خماسي شنغهاي 9961 الذي ضم بالإضافة إليها كلً من روسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، ولاشكّ أنّ المبادرة الصينية تشكّل أحد التوجهات الإستراتيجية للقوة الصينية الصاعدة في رؤيتها لدوائرها الإقليمية، وخصوصًا الدائرة الإقليمية التي تحوي دول آسيا الوسطى، فشعار "نمو الصين السلمي" القطبية. Rise Peaceful China's الذي استخدمه النائب الأول للّجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني زهينغ بيج يانغ في أحد المنتديات الآسيوية آخر 2003 أصبح مبدأ في السياسة الخارجية الصينية في القرن الحادي والعشرين، وذلك لطمأنة دول جوارها الإقليمي من أنّ نموّ الصين الاقتصادي والعسكري لا يمثّل تهديدًا للسلم والأمن بالمنطقة. وسواء كانت الصين تشكّل تهديدًا لجيرانها أم لا، فهي مسألة تدخل في إطار النقاشات بين الواقعيين والليبيراليين حول مضامين الصعود الصيني، وصعوبة التكهّن بنواياها المستقبلية، هل هي قوة وضع قائم تقبل قواعد النظام الدولي التي يسميها هيدلي بول "المجتمع الدولي"3، وهي حجة الليبيراليين، أو أنها قوة تعديلية غير راضية4، هدفها تحقيق الهيمنة الإقليمية في آسيا بابتكار نسخة شبيهة بمبدأ مونروا، وبالطريقة نفسها التي سيطرت بها الولايات المتحدة الأميركية على نصف الكرة الغربي وفق منطق الواقعية الهجومية5؟ وهي طروحات الواقعيين التي تروّج لها الولايات المتحدة الأميركية لمنع أي تقارب صيني مع دول آسيا الوسطى، وذلك بالتشكيك في نوايا الصين من صعودها. فمبادرة الصين من إنشاء تجمع شنغهاي، تدخل في إطار إجراءات بناء الثقة بين دول آسيا الوسطى؛ وذلك لتبديد الشكوك والمخاوف من هذا الصعود، وبأنّ الصين قوة محافظة لا تسعى لقلب موازين القوى لصالح تعزيز نفودها في محيطها، وهو ما نصت عليه الأهداف التي جاءت في إعلان تأسيس المنظمة. أما بالنسبة إلى روسيا الدولة الثانية في منظمة شنغهاي من حيث عناصر القوة، فإنّ لها رؤيتها الخاصة، إذ ترى أنّ التهديدات الأمنية التي يفرضها الإرهاب والحركات الانفصالية دوافع أساسية. لكن الأهمّ من ذلك، هو توسّع حلف الناتو في الخاصرة الجنوبية التي تشكّل مجالً حيويًا بالنسبة إليها. فانهيار الاتحاد السوفياتي على يد القوة الأطلسية ظلّ يشّكل صدمة لروسيا الجديدة الطامحة إلى بعث مشروعها الأوراسي الكبير، فهي لا تزال تحسب أنها في صراع دائم مع التالاسوكراتيا التي ما فتئت تحقق انتصاراتها للهيمنة وإقرار الأحادية
في حين يرى الكسندر دوغين أنّ هزيمة التيلوكراتيا أمام التالاسوكراتيا لا يمثّل إلاّ ظاهرة موقّتة وتعود أوراسيا بعدها إلى رسالتها القارية6. وقدّم مؤسّس المذهب الأوراسي الجديد رؤيته لمستقبل روسيا وكيف يمكنها إنقاذ هوية بيت أوراسيا المشترك في نظريته التي سمّ ها "نظرية السياسية الرابعة" إذ انتقد النظرية السياسية الأولى الليبيرالية التي ظهرت نتيجة الإصلاحات اللوثرية التي تمثّل رمزًا من رموز البروتستانتية، ثم كردة فعل على النظام البرجوازي، ظهرت النظرية السياسية الثانية ممثّلة في الشيوعية، ثمّ ظهرت الفاشية لاحقًا وقد تحالفت الأولى مع الثانية وفازت على الثالثة (الفاشية)، ثم بعد ذلك درات حرب باردة بين النظريتين الأولى والثانية وانتصرت الأولى على الثانية. والآن الليبيرلية هي الوحيدة المتبقية7 (فرانسيس فوكوياما.) وتعدّ "نظرية السياسية الرابعة" نموذجًا جديدًا وبديلً عن الشيوعية والفاشية التي زالت، ولكن الأهم من ذلك بديلً عن الليبيرالية التي وصلت إلى حالة من العدمية. وعليه، فهذه النظرية مناقضة لعالم مابعد الحداثة، كما تبرز الحاجة إلى عالم متعدّد الأقطاب، لذا يرى دوغين أنّه إذا ما قامت روسيا بالانخراط في عالم الليبيرالية ستقوم على خسارة هويتها الثقافية والعرقية8. ويجب التنويه في هذا الصدد أنّ هناك تطابقًا بين تطلّعات دوغين الفلسفية الأوراسية، والممارسة البراغماتية التي ينتهجها الرئيس بوتين، بغية إنشاء الفضاء الأوراسي الجديد الممتد من فلاديفوستوك من المحيط الهادي شرقًا إلى القناة المانش غربًا. وتجسيدًا لمشروع روسيا بإقامة اتحاد أوراسي مركزه موسكو، يرى دوغين أنّ على روسيا تجميع الدومينويات السوفياتية السابقة التي تبدأ من الجنوب الروسي (وتضمّ كلً من شمال شبه جزيرة البلقان من صربيا إلى بلغاريا، ومولدافيا، وأكرانيا الجنوبية والشرقية، ومنطقة روستوف وإقليم كراسنودار، والقوقاز، وساحل بحر قزوين الشرقي والشمالي، ودول آسيا الوسطى)9، لكن أحد المطالب الأكثر إلحاحًا لتجميع هذه الدومينويات يبدأ من آسيا الوسطى التي تعدّ ذات أهمية مركزية، تجعل التركيب الجيوبوليتيكي للجنوب الأوراسي ذا دلالة جيوستراتيجية. من هذا المنطلق فإنّ منظمة شنغهاي في المنظور الروسي تعدّ تكتيكًا أوليًا ضمن مشروع آوراسيا الكبير، هذا ما دلّت عليه توجّهات القيادة الروسية نحو الجنوب وإعطائها الأولوية بالنسبة إلى أمن روسيا، من خلال إقامة روابط وأحلاف على أساس الأنموذج التيلوكراتي بصفته بديلً للبرامج التي تتضمّن عناصر أطلسية تلاسوكراتية10. وكما أكّدنا سابقًا، إنّ أهمية التنسيق والتعاون بين الدول على المستويين الإقليمي والعالمي أصبح سمة مميزة للعالم المعاصر، وهو ما أصبحت تدركه الصين وروسيا، خاصة أنّ العلاقات الصينية الروسية من حيث طبيعتها لا تؤثّر في أمن الدولتين فحسب بل تحدث أثرًا عميق المدى في أمن منطقة آسيا. على المستوى الواقعي عملت الشكوك المتبادلة بين الصين وروسيا على الحد من تطوّر الشراكة الإستراتيجية بينهما نظرًا لحالة الشك المتبادل، هذا ما انعكس على أولويات الصين وروسيا في نظرتهما لمنظمة شنغهاي؛ فالصين تنظر إليها في إطار مقاربة اقتصادية، في حين تنظر روسيا إليها من زاوية أمنية جيوستراتيجة. غير أنّ قواسم مشتركة تفرض على روسيا والصين توحيد جهودهما في إطار منظمة شنغهاي انطلاقا فرضيات تشارلز كيبشان حول إيجاد مناطق سلام مستقرة، وكيف يمكن تحويل العداوة إلى صداقة، وبناء هوية مشتركة وبديلً عن الهويات المتعارضة11. فالتفاعلات بين الصين وروسيا تتحدد أساسًا كردة فعل على سياسات الولايات المتحدة الأميركية، ومحاولاتها الرامية للحفاظ على مكانتها بوصفها القوة الأولى والوحيدة والأخيرة12، والحيلولة دون بروز قوى منافسة على شاكلة الصين وروسيا. فسعي الولايات المتحدة نحو ترسيخ الأحادية القطبية وكذا اختراق المبادئ التي ظلت تسيّ النظام الدولي منذ نشأته كمبدأ احترام السيادة واستقلال الدول، وعدم التدخل التي أضحت لا وجود لها في ظل الهيمنة الأميركية. أمام هذا الوضع فإنّ روسيا والصين أضحت تدرك ضرورة التقارب لحماية مصالحهما الاقتصادية والأمنية ووقف
التغلغل الأميركي في آسيا الوسطى، وذلك بإزالة أسباب الولايات المتحدة وذرائعها للتدخل في المنطقة التي تعدّ الخاصرة الطرية لروسيا، كما هي الحبل المشدود على عنق الصين13، لذا فمبدأ "العدو المشترك" المتمثّل في العداء للأطلسية أضحى العنصر الرابط في البناء الجيوبوليتيكي الروسي الصيني وفعالية هذا العنصر غير مشكوك فيها14.
منظمة شنغهاي للتعاون SCO: النشأة والمسار
لقد تمّ إنشاء منظمة شنغهاي للتعاون SCO() في 2001/6/15 م، غير أنّ بدايتها الفعلية تعود إلى عام 9961، حين بادرت الصين بتشكيل منظمة "شنغهاي خمسة" مع دول الجوار (روسيا، والصين، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان)؛ إذ كان الدافع الأمني الهدف الأساسي لإنشاء هذه المنظمة15، وهو القضاء على الحركة التحررية الإيغورية المسلمة، وتصفية ما تسمّيه دول المنظمة بالحركات الأصولية الإسلامية في المنطقة. وكذا حلّ الخلافات الحدودية، والاتفاق على إجراءات ثقة في المجال العسكري لتخفيف التوتر في المناطق الحدودية. وكانت لجان خبراء من الدول الخمس قد عقدت اجتماعات مطوّلة في عامي 1994 – 9951، ومن ثمّ توقيع اتفاقيات ثنائية بهذا الشأن، وقد انتهت هذه اللقاءات إلى قمة شنغهاي في 1 التي أفريل 996 أسفرت عن توقيع اتفاقية حول إجراءات الثقة في المجال العسكري ودشنت ميلاد الخماسي؛ وفي هذا الاجتماع تمّ الاتفاق على عقد اجتماعات قمة سنوية في عاصمة إحدى الدول الخمس؛ فعقدت القمة الثانية في موسكو عام 9971 (إذ وقّعت معاهدة تخفيض القوات المسلحة على الحدود في ما بينها) والقمة الثالثة في ألماآتا في كازاخستان عام 9981، والرابع في بشكيك عاصمة قرغيزستان عام 1999 16 والخامسة في دوشنبه عاصمة طاجيكستان عام 2000، وفي الاجتماع السنوي السادس الذي عقد في عام 2001 في شنغهاي انضمت دولة أوزبكستان إلى الاتفاقية، عندها أعلن الزعماء الستة لهذه الدول تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون SCO() ليصبح الاسم الجديد "منظمة شنغهاي للتعاون" عنوانًا لتطور آلية العمل، كما تمّ توقيع ميثاق المنظمة الذي يعدّ البناء القانوني لهذه المنظمة الدولية الجديدة17.
والموضوع المتناول في هذا المقال يحلل توجّه منظمة شنغهاي للتعاون التي أثار بروزها العديد من الأسئلة حول أهدافها.
منظمة شنغهاي S.C.O
| ال)1(د ل | ||
|---|---|---|
| الجدول)1( نظ ة شنغهاي للت ا ن: الق م المن قدة نذ النشأة | ||
| منظمة شنغهاي للتعاون: القمم المنعقدة منذ النشأة | ||
| التاريخ | البلد | المدينة |
| 41 جوان 2001 | الصين | شنغهاي |
| 71 جوان 2002 | روسيا | سان بترسبوغ |
| 29 ماي 2003 | روسيا | موسكو |
| 71 جوان 2004 | أوزبكستان | طشقند |
| 5 جويلية 2005 | كازخستان | أستانا |
| 15 جوان 2006 | الصين | شنغهاي |
| 61 أوت 2007 | قرغيزستان | بيشكك |
| 28 أوت 2008 | طاجيكستان | دوشنبه |
| 61،15 جوان 2009 | روسيا | ريكتنبيرغ |
| 11،01 جوان 2010 | أوزبكستان | طشقند |
| 41، 15 جوان2011 | كازخستان | أستانا |
| 7،6 جوان 2012 | الصين | بيجين |
| 13 سبتمبر 2013 | قرغزستان | بيشكك |
| 21 سبتمبر 2014 | طاجيكستان | دوشنبه |
| المصدر: من إعداد الباحث | ||
(الدول الأعضاء، والمراقبون، وشركاء الحوار)
وقد توالت القمم ليتمّ فتح الأبواب بعدها لعضويات جديدة، إذ تمّ قبول كل من منغوليا عام 2004، والهند وباكستان، وإيران عام 2005، وأفغانستان في 2012 بصفة مراقب في المنظمة، وسريلانكا، وبيلاروسيا، وتركيا عام 2012 بصفة شريك في الحوار18. كما أعربت العديد من الدول عن رغبتها في الانضمام إلى المنظمة (أوكرانيا19، والعراق، والولايات المتحدة الأميركية 2006)، إلاّ أنّ الصين رفضت انضمام الولايات المتحدة، إذ صرّح مندوب الصين في المنظمة "إنّ أمرًا جيّدًا أنّ منظمة شنغهاي للتعاون ولا تدخل الولايات المتحدة الأميركية فيها بأي صفة"20. ونصّ الإعلان عن تأسيس المنظمة وأنّها وجدت لتحقيق الأهداف الآتية: تعزيز سياسات الثقة المتبادلة وحسن الجوار بين الدول الأعضاء. تطوير التعاون الفاعل بينها في السياسة والتجارة والاقتصاد، والعلوم والتكنولوجيا والثقافة، وفي شؤون التربية والطاقة والنقل والسياحة وحماية البيئة. العمل على توفير السلام والأمن والاستقرار في المنطقة. العمل على تطوير الأفكار وتقديمها للوصول إلى نظام سياسي واقتصادي عالمي ديمقراطي، عادل وعقلاني متوازن. وقد جرى التركيز منذ الإنشاء على أنّ الهدف المباشر لدول منظمة هو مواجهة المخاطر وأهمها: الإرهاب وحركات الانفصال في بعض أقاليمها، والتطرّف والديني أو الإثني، كذلك تمّ تأكيد على محاربة تجارة المخدرات وتهريبها عبر الحدود وفق آلية مشتركة بينها. إلاّ أنّه يمكن الإشارة في هذا الصدد إلى اختلاف الرؤى والمصالح بين كل من روسيا والصين ودول آسيا الوسطى من إنشاء منظمة شنغهاي21، فروسيا ترى فيها أداة لتحقيق أغراض جيوسياسية وإستراتيجية بعيدة المدى، أما الصين فترى في المنتدى مجالً لتأمين موارد الطاقة خدمة لقفزتها الاقتصادية، أمّا حكومات دول آسيا الوسطى ذات التوجّه العلماني فتعدّ المنتدى ملجأ يحميها من المد الإسلامي، ويؤمّن لها تعاملً متوازنًا مع المراكز الدولية الكبرى مثل أميركا وأوروبا من جهة والصين وروسيا من جهة أخرى. وعلى الرغم من ذلك فإنّ دول الخماسي تجمعها الكثير من المصالح المشتركة في هذا المنتدى، فهي تقع على امتداد جغرافي واحد، وتخشى
بنفس القدر تقريبًا طغيان الهيمنة الأميركية في العلاقات الدولية، وخطر المد الإسلامي القادم من أفغانستان؛ فالصين تخشى امتداده إلى تركستان الشرقية، بينما تخشى روسيا تواصله مع جمهوريات الخاصرة الروسية الهشة مثل بشكيرستان وتتارستان وكذلك اتصاله بالقوقاز والشيشان. وتمتلك منظمة شنغهاي للتعاون من الإمكانات ما يؤهّلها لأن تكون أحد الأقطاب الدولية في النظام الدولي الراهن، إذ تعدّ الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون ذات قوة اقتصادية كبيرة من حيث ما تملكه من معطيات طبيعية (إذ تبلغ مساحتها 03 مليون كلم مربع ما يعادل 3/5 من مساحة القارة الأوراسية)، وتسيطر على 1/5 الاقتصاد 1/ احتياطي النفط العالمي)، العالمي، و 8 ومعطيات بشرية (تمثّل من سكان العالم أي ما عدده الدول الأعضاء في المنظمة 60%1,5 مليار نسمة)، ومعطيات عسكرية (تضمّ دول المنظمة أربع دول نووية وأخرى على العتبة النووية كإيران وربما كوريا الشمالية مستقبلً)، هذا ما يؤثّر في التوازن الإقليمي بالقارة؛ ما يجعل المنظمة تؤثّر من خلال ثقلها السكّاني والبشري في مختلف القرارات والسياسات التي ترتبط بالقارة الآسيوية ومنطقة أوراسيا. هذا بالإضافة إلى رفض كل من الصين وروسيا سياسة الهيمنة الأميركية في انتهاجها سياسة القطب الواحد، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول وسط آسيا وتايوان والتبت ومحاصرة روسيا في منطقة شرق أوروبا وقطع طريقها إلى البلقان بانتزاع أوكرانيا وإعلان بحر قزوين منطقة مصالح حيوية للولايات المتحدة الأميركية22. وبهذا التكوين الجيوبولتيكي تمتلك شنغهاي إمكانيات نوعية كبيرة، تؤهّلها لتكون واحدة من أهمّ المنظمات الإقليمية، وأحد الأقطاب الجديدة في العلاقات الدولية.
منظمة SCO: من الانتشار الإقليمي إلى العالمي
عالجت منظمة SCO() منذ نشأتها سنة 2001 الكثير من المشكلات التي أنشئت من أجلها، كتعزيز الثقة المتبادلة وحسن الجوار بين الدول الأعضاء، إلى جانب تطوير التعاون الفاعل بينها في السياسة والتجارة والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والثقافة وفي شؤون التربية والطاقة والنقل والسياحة وحماية البيئة، والعمل على محاربة الجريمة المنظمة، ومواجهة المخاطر المشتركة التي تواجهها وأهمّها: الإرهاب وحركات الانفصال في بعض أقاليمها، والتطرّف الديني، كذلك محاربة تجارة المخدرات وتهريبها عبر حدودها، وفق آلية مشتركة بينها، آخرها توفير السلام والأمن والاستقرار في المنطقة. وهذه كلها قضايا داخلية تعاني منها الدول الأعضاء. ويرى الكثير من المحللين أنّ الفترة الممتدة من عام 2005 حتى القمّة الأخيرة في دوشنبه 2014، انتقلت المنظمة من وضع التنظيم الإقليمي ذي الهدف الأمني المحدود وتعزيز التعاون في مجالات التجارة والاستثمار الطاقة والنقل والسياحة، إلى التنظيم الدولي الفاعل والهادف لتأسيس نظام عالمي متعدّد الأقطاب، وتخفيف هيمنة الولايات المتحدة القطب العالمي الوحيد على قضايا الأمن والتنمية على المستويين الإقليمي والعالمي23. إذ دعا البيان الختامي لاجتماع دول المنظمة في شنغهاي عام 2005، الولايات المتحدة إلى تحديد موعد لإغلاق قواعدها العسكرية في دول آسيا الوسطى، ما شجّع جمهورية أوزبكستان على طرد القوات الأميركية من قاعدة كارشي خان آباد الجوية، وجمهورية قيرغيزيا على إغلاق قاعدة ماناس في مطار بيشكيك. بينما طالب البيان الختامي للمنظمة في اجتماع القمة التاسعة بمدينة في مدينة إيكاترينبرغ Yekaterinburg في منطقة الأورال (روسيا) خلال الفترة ما بين 15 و 61 يونيو/ حزيران 2009 بالتوجّه إلى النظام المتعدّد الأقطاب في العالم باعتباره أمرًا لا مفرّ منه في ظلّ وجود دلالات متنامية لقدرة المنظمات الإقليمية على حلّ المشاكل والأزمات الكونية، وإعادة صياغة نظام مالي واقتصادي عالمي قائم على العدالة والمساواة. كما دعت القمة الثالثة عشرة قبل الأخيرة يومي 13 و 41 سبتمبر/ أيلول 2013 التي انعقدت في العاصمة القيرغيزية بيشكيك، في بيانها الختامي: المجموعة السداسية إلى استئناف المفاوضات السداسية بسرعة حول المشكلة النووية في شبه الجزيرة الكورية، وكذا بناء أفغانستان السلمية والمستقلة، وإعلاء الدور المحوري للأمم المتحدة في عملية التسوية السلمية للقضية الأفغانية، وتهيئة الظروف المواتية للإسراع في إحلال السلام وإعمار أفغانستان. كما كان لمنظمة شنغهاي موقف من الأزمة السورية، إذ دعت القمة الأخيرة التي انعقدت في دوشنبه 21 أيلول/ سبتمبر 2014، إلى تسوية
الأزمة السورية بالطرق السياسية والدبلوماسية وذلك عبر حوار سوري شامل24، كما رحّبت بنجاح عملية تدمير الأسلحة الكيماوية التي انتهت تحت إشراف دولي، وبالتوازي مع ذلك رحّب بيان دوشنبه بتوقيع بروتوكول "مينسك" الرامي إلى تنفيذ خطة الرئيس الأوكراني ومبادرة الرئيس الروسي حول تسوية الأزمة الأوكرانية25. وفي معرض التغير الذي طرأ على المنظمة شنغهاي للتعاون على مدار أكثر من عقد من الزمن، يؤكّد المحللون أنّها تحوّلت إلى لاعب دولي كبير، وأصبحت رمزًا لترسخ تعددية الأقطاب في العلاقات الدولية، ومما يدل على صحة ذلك؛ مواقف المنظمة المشترك حيال المسائل الإقليمية كسورية وإيران، وكذا انخراط الهند وباكستان وأفغانستان في فلك نشاطات المنظمة. على الصعيد الدولي، نجد القوتين الكبيرتين في المنظمة روسيا والصين، تتفقان على عديد المسائل كرفضهما لتركيبة النظام الدولي الحالي وتوزيع القوة فيه، إذ لا يفوت مسؤولي الدوليتن فرصة إلاّ وقدموا تصريحات مشتركة حول رفض النظام الأحادي القطبية، مع التركيز على محورية الأمم المتحدة ومجلس الأمن في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين. ونظرًا لفشل جهود الدولتين المنفردة لمنع الولايات المتحدة الأميركية من المضي في إتمام مشروع الدرع الصاروخي، لم تجد روسيا والصين ومن ورائهما دول آسيا الوسطى، بدًا من تنسيق جهودهما في هذا المجال، للحيلولة دون عسكرة الفضاء الخارجي من خلال مشاريع قرار اقترحتهما الدولتان في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن26. فهل تنجح معاهدة شنغهاي للتعاون SCO() بتبنيها بعض المواقف تجاه القضايا الدولية في وضع اللبنات الرئيسة لنظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، يحل مكان النظام الحالي "وحيد القرن" (كما يسمى) الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة؟ وهل تكون منظمة معاهدة شنغهاي التي تضم الآن ربع سكان الأرض، وقد تضم نصف البشرية في حال انضمام الهند وباكستان ومنغوليا إليها، حجر الأساس في نظام عالمي تعددي جديد؟
هل تقبل الولايات المتحدة ببروز SCO قطبًا موازيًا لها؟
تنظر الولايات المتحدة إلى أي منظمة دولية لا تشترك فيها كمنظمة مناهضة لها27، وقد كان أن تقدّمت بطلب للانضمام إلى منظمة شنغهاي عضوًا مراقبًا عام 2005، إلاّ أنّه تمّ رفضها من الصين، إذ أصبح يسترعي كل اجتماع لدول منظمة انتباه الولايات المتحدة الأميركية واهتمامها، ولو لسبب واحد هو أنّ هذه المنظمة التي تأسست منذ 13 عامًا تضمّ في عضويتها اثنتين من دول العالم الرئيسة – الصين وروسيا – ومن هنا فإنّ الدول الغربية الرئيسة تنظر بعين خوف إلى هذه المنظمة، مشتبهة في أنها تتوجّه لمنازعة العالم الغربي ولا سيما أنه تدور في فلك منظمة شنغهاي دول مهمة مثل إيران وأفغانستان والهند وباكستان.28 فبالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية، من الواضح أنّ هناك تضاربًا في المصالح الإستراتيجية بين الدول الكبرى (روسيا، والصين، والولايات المتحدة الأميركية) في آسيا الوسطى، الأمر الذي يعدّ مؤشرًا واضحًا للعودة إلي حقبة الحرب الباردة والي سياسة الاستقطاب الدولي29. إذ تعدّ منطقة آسيا الوسطى في طليعة الاهتمامات الأميركية، نظرًا لما تتمتع به من موقع إستراتيجي متميز، فهي بمنزلة المكافأة الجيوبولوتيكية الرئيسة للولايات المتحدة الأميركية (أوراسيا)، ومفتاح السيطرة على آسيا الوسطى، إذ تمكّنها من التحكّم في العديد من القوى الصاعدة كالصين وروسيا وإيران، لذا تبذل الإدارة الأميركية جهودًا مضنية من أجل تقييد النفوذ الصيني والإيراني والروسي في المنطقة30، من خلال الحيلولة دون نشوء أي تحالف بين دول آسيا الوسطى ودول شرق آسيا وعرقلة بروز قوة مركزية في القارة الآسيوية قادرة على منافستها حتى في المستقبل البعيد، وذلك بنسف أي تقارب صيني روسي يمكن أن يفضي إلى تحالف بينهما، ما يعني أنّ الولايات المتحدة ستحاول قدر الإمكان تقويض هذه القوة وتطويقها لأسباب إستراتيجية جيوسياسية.
لذا أقامت الولايات المتحدة الأميركية علاقات أمنية واقتصادية مع بعض دول آسيا الوسطي وبالتنسيق مع حلف الناتو، فبعض هذه الدول أعضاء في برنامج الناتو للمشاركة من أجل السلام، ويضم هذا البرنامج كلً من تركمنستان، وقرغيزستان، أوزبكستان، كازاخستان، وطاجيكستان. ومنذ العام 9961 بدأت دول آسيا الوسطي في الدخول في تدريبات على مكافحة الإرهاب وحفظ السلام. وفي الجانب الاقتصادي مازالت الأطماع الأميركية قائمة تجاه غاز تركمنستان عبر بحر قزوين ونفط كازخستان؛ إذ يمثّل هذا الأمر أهمية اقتصادية قومية للولايات المتحدة الأميركية ولأمنها القومي. كما عملت الولايات المتحدة على خلق منظمة 5(+ 2) في آسيا الوسطي كبديل لمنظمة شنغهاي تحقق أهدافها التكتيكية والإستراتيجية والتي تضم بالإضافة إلي أوزبكستان وطاجيكستان وقرغيزستان وكازاخستان وتركمنستان، كلً من أفغانستان وباكستان كي تضغط على كل من الصين وروسيا وإيران وحتى على باكستان نفسها من أجل تقوية تأثيرها في موضوعة بحر قزوين، فهو يزخر بالثروات النفطية وبالغاز وبالمعادن النفيسة أيضًا. بعبارة أخرى تريد واشنطن عبر هذه المنظمة البديلة 5(+ 2) حضورًا سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا، يبعد ويحجّم ويقزّم الدور الروسي والصيني المتعاظمين31. من جهة أخرى فعلى الرغم من أنّ إعلان تأسيس "منظمة شنغهاي" ينصّ على أنّ المنظمة ليست تحالفًا موجهًا ضد دول أو مناطق أخرى32، إلاّ أنّ معظم المراقبين يعتقدون أنّ أحد أهمّ أهداف هذا التجمع، هو العمل على قيام تعددية قطبية33، تعبيرًا عن رفض أحادية الولايات المتحدة في قيادة العالم، إذ صرّح رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية الجنرال يوري بالويفسكي، في كلمة ألقاها في اجتماع رؤساء أركان جيوش الدول الأعضاء في المنظمة في 2007/8/9، قائلً: "لا يمكن أن تنجح منظمة شنغهاي للتعاون في المجال الاقتصادي، إلاّ عندما يتمّ تدعيم الأمن الإقليمي، فالقيادة العسكرية الروسية ترى أنّ تطورات الوضع السياسي الدولي تستوجب إقامة تعاون عسكري أيضًا." وفي سابقة هي الأولى من نوعها، أجريت مناورات عسكرية مهمّة بين روسيا والصين، تحت اسم "مهمة السلام 2005"، وشاركت فيها مختلف أنواع الأسلحة العسكرية من سفن، وغواصات، وقاذفات، ومروحيات، وطائرات قتالية، بالإضافة إلى اتساع نطاقها الجغرافي وحجم القوات العسكرية التي تشارك فيها (حوالى عشرة آلاف جندي)، كما رفضت منظمة شنغهاي الموافقة على طلب أميركي بحضور مراقبين عسكريين أميركيين لمتابعة تدريبات "مهمة السلام 2007" التي أجرتها المنظمة في إطار ما يسمى "مكافحة الإرهاب"، الأمر الذي أضفى المزيد من الأهمية على تلك المناورات، وعلى الرغم من تأكيد الصين وروسيا أنّ تلك المناورات لا تستهدف طرفًا ثالثًا، وعلى الرغم مما تحمله من اسم (مهمة السلام) إلاّ أنّ هذا لا ينفي بحال من الأحوال الأهداف والأبعاد الإستراتيجية البعيدة المدى لتلك المناورات،؛ الأمر الذي دفع بالولايات المتحدة إلى مراقبة تلك المناورات بشكل دقيق34. ومنذ تأسيسها اكتسبت المناورات العسكرية التي تقوم بها المنظمة (كانت آخرها المناورات تحت مسمّى بعثة "السلام" التي أجريت بالصين في آب/ أغسطس 2014) قدرًا متزايدًا من الطموح، فتطوّرت من مناورات ثنائية إلى مناورات تضمّ جميع البلدان الأعضاء35؛ ولا يمكن فهم تلك المناورات بمعزل عن التوجهات الصينية الروسية بشأن مستقبل النظام الدولي بشكل عام، ومنطقة آسيا الوسطى بشكل خاص؛ فقد استطاعت البلدان، خلال السنوات الأخيرة، خلق مجال للتعاون المشترك في ما يتعلق بالعمل على إعادة هيكلة النظام الدولي في الاتجاه نحو نظام متعدد الأقطاب، وطرح في هذا السياق تشكيل المحور الصيني الروسي أساسًا لقطب موازٍ. وقد نجحت البلدان في السياق ذاته في خلق إطار يؤسس لفضاء مشترك لهذا "القطب" بوصفه نقطة انطلاق أولى، تمثّل في تأسيس منظمة شنغهاي التي تبنّت في قمة 2005، مطالبة الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها بوضع جدول زمني لإغلاق قواعدها العسكرية في آسيا الوسطى، فعمدت جمهورية أوزبكستان إلى طرد القوات الأميركية من قاعدة كارشي خان أباد الجوية، و قاعدة ماناس في مطار بيشكيك بقرغيزيا. لقد سعت موسكو وبكين لتقوية تجمّع دول شنغهاي للتعاون أمام المد الأميركي في آسيا الوسطي؛ وذلك بإضافة أهداف إستراتيجية جديدة سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية، فهي بمنزلة ضمانة للأمن والاستقرار لدول المنظمة وآسيا الوسطى.
| السنة | البلد المنظم | عدد الجنود المشاركين |
|---|---|---|
| مهمة السلام 2005 | روسيا، الصين | 10000 |
| مهمة السلام 2006 | / | / |
| مهمة السلام 2007 | روسيا، الصين | 6000 |
| مهمة السلام 2008 | / | / |
| مهمة السلام 2009 | روسيا | 31000 |
| مهمة السلام 2010 | كازاخستان | 3000 |
| مهمة السلام 2011 | روسيا | / |
| مهمة السلام 2012 | طاجيكستان | 2000 |
| مهمة السلام 2013 | روسيا | 5100 |
| مهمة السلام 2014 | منغوليا الداخلية | أكثر من 7000 |
من جانب آخر تعرقل المنظمة المحاولات الأميركية الساعية لتقليص الدور الروسي في المنطقة، وحصارها وإضعافها بصورة تمنعها من استعادة دورها بصفتها قوة عظمى في المستقبل المنظور على الأقل، وعزلها عن مجالها الحيوي في آسيا الوسطى والقوقاز36. في حين تريد الصين تعزيز وجودها في المنطقة، وهو ما تشجعه دول آسيا الوسطى، بهدف الموازنة بين هذا الدور ودور كل من روسيا والولايات المتحدة اللاعبين العملاقين الآخرين. وتقف "شنغهاي" عقبة أمام محاولات تطويق إيران (التي تحظى بصفة مراقب في المنظمة)، وفرض عزلة دولية عليها، ومنعها من إقامة علاقات مع العملاقين الإقليميين الصين وروسيا ودول آسيا الوسطى. وعليه، فإنّ الموقف من منظمة شنغهاي هو الموقف من فكرة إيجاد بديل للنظام العالمي الحالي، وفي ضوء الإستراتيجيات المتباينة بين "منظمة شنغهاي" وواشنطن، هل يمكن لمنظمة شنغهاي للتعاون أن تشكّل قطبًا موازيًا للغرب (حلف الناتو والولايات المتحدة الأميركية)؟
SCO ودورها في ترسيخ تعددية الأقطاب في العلاقات الدولية
وضعت منظمة حلف شمال الأطلسي العديد من المبادرات الناجحة التي ساعدت في تعزيز الاستقرار العالمي وتعزيز الثقة المتبادلة بين مختلف الجهات الفاعلة الجيوسياسية، وأول إجراء قامت به بعد تفكك حلف وارسو، كان مجلس شمال الأطلسي للتعاون الذي يضمّ أميركا الشمالية الكاريبي قد تأسس عام 9911، وفي عام 9971 أصبح مجلس الشراكة الأوربية الأطلسية وتحوّل إلى مبادرة الشراكة من أجل السلام التي أطلقت 9941، وفي السنة نفسها أطلقت مبادرة أخرى ضمّت سبع دول من الضفة الجنوبية للمتوسط هي المغرب وموريتانيا، وتونس، والجزائر، ومصر، والأردن، وإسرائيل؛ وفي عام 2002 تأسست لجنة الناتو وأكرانيا؛ وفي عام 2004 مبادرة إسطنبول للتعاونICI() بين التحالف وبعض دول الخليج الفارسي (الإمارات العربية، وعمان، وقطر، والبحرين)، وكذا المبادرة الجورجية التي ولدت في صيف 2008 في أعقاب الحرب في القوقاز37. وفي حديثه أمام طلاب جامعة كانساس في الولايات المتحدة الأميركية في الأول من الشهر الحالي، قال مدير وكالة الاستخبارات الأميركية CIA() مايكل هايدن، أنّ معادلات مرحلة ما بعد الحرب الباردة، والتي شهدت سيطرة أميركية أحادية على العالم في كافة المجالات، قد انتهت مع صعود تأثير أطراف أخرى سواءً أكانت حكومات أم أطرافًا مستقلة، أو منظمات إقليمية وازدياد تأثيرها في مسرح الأحداث العالمية. ويقصد بذلك روسيا والصين38. وتضمّ منظمة شنغهاي للتعاون في عضويتها دولً (أورو- آسيوية) كما ستشهد في المستقبل القريب انضمامَ اثنين من أكبر البلدان الآسيوية، فقد أيّدت موسكو والصين طلب الهند وباكستان الانضمام إلى هذه المنظمة، وكان الحديث يدور في السابق حول إمكان انضمام إيران أيضًا، وبهذا التكوين الجيوبوليتيكي تمتلك المنظمة إمكانًا كبيرًا لتكون واحدة من المنظمات الأممية، لتتحوّل بالتدريج إلى لاعب بارز على الساحة الدولية39.
ويرى البعض أنّ المنظمة تسعى لتشكّل منافسًا لحلف الناتو بحيث يقف في وجه التمدد الأطلسي الأووربي (على الرغم من نفي مؤسسيها لذلك)، أو إلى تشكيل حلف جديد على أنقاض حلف وارسو الذي سقط مع انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينيات من القرن الماضي40. فهل يمكن لمنظمة شنغهاي للتعاون التي تضمّ الآن ربع سكان العالم، وقد تضمّ نصف البشرية في حال انضمام الهند وباكستان ومنغوليا إليها، أن تشكّل حجر الأساس في نظام عالمي تعددي جديد؟ وما دورها في معادلة التوازن الدولي؟ وهل يمكن للتحالفات الناشئة أن تقف في وجه القوى الراسخة أ و أنّه دفاع «قلب العالم» عن نفسه؟ كما يصفه علماء الجيوبوليتيك، أمام هجوم الدولة البحرية الأقوى الولايات المتحدة، كما يقول زبغنيو بريجنسكي في كتابه لعبة الشطرنج الكبرى، وهل تستطيع منظمة شنغهاي أن تتحمّل مسؤولياتها كاملة في المنطقة، بعد رحيل حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة من أفغانستان في 2014؟ يمكننا في هذا السياق أن نعدّد أربعة آراء تعتقد ذلك: الأول هو أرييل كوهن، الباحث البارز في دائرة الدراسات الروسية والأوراسية في "هاريتيج فاونديشن" الذي يقول إنّ "عودة الصين إلى حديقتها الخلفية في آسيا الوسطى بعد غياب دام ألف عام، وعودة روسيا إلى ممتلكاتها القديمة في الاتحاد السوفياتي السابق، يجب أن تدقّا أجراس الإنذار في واشنطن، ليس فقط حيال وجودها في هذه المنطقة الغنية بالطاقة، بل أيضًا إزاء مستقبل زعامتها العالمية"41. صحيفة "الغارديان" البريطانية التي أعادت إلى الأذهان أنّ منظمة شنغهاي حدّدت في وقت مبكّر من عام 9991 هدفها بإقامة نظام عالمي تعددي جديد، حين شدّد كلّ من الرئيسين (آنذاك)، الصيني زيانغ زمين والروسي بوريس يلتسين على "إيمانهما بضرورة إقامة نظام عالمي تعددي، يحلّ مكان النظام الحالي الأميركي"42. القمة الثالثة عشرة الأخ ةرر لمنظمة شنغهاي للتعاون التي عقدت في العاصمة القرغيزية بشكيك يومي 13 و 2013/9/14، واللقاءات الثنائية ولا سيما بين الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني والرئيسين الصيني تشي جين بينج والروسي فلاديمير بوتين، والثلاثية المشتركة بين الرؤساء روحاني وبينج وبوتين، إضافة إلى ما صدر عنها بعد هذه اللقاءات؛ إذ شكّلت هذه اللقاءات كما لاحظ مراقبون غربيون نواة عملية لسياسات جديدة، وتحالفات قوية، تتجه إلى بناء نظام دولي جديد43. عبّ عنه مراسل "بي. بي. سي" الذي كان يغطّي قمة بيشكيك حين قال: "ثمة مؤشّات عدة برزت من قمة هذا العام بأنّ معاهدة شنغهاي بدأت تأخذ دورها بشكل جدي للغاية، والرسالة التي وجّهتها هذه المرة هي أنّ العالم أكبر من الغرب"44. من المهم التأكيد على أنّ هذا التنظيم يتكوّن من عضوين دائمين في مجلس الأمن الدولي، وفي الوقت نفسه اثنين من البلدان الأعضاء G8 مهمّة (روسيا والصين (وهما القوتان النوويتان بين الدول الأعضاء (مرة أخرى روسيا والصين)، وغيرها ثلاث قوى نووية بين الدول المراقبة (الهند، وباكستان، وإيران)، وهما من بين الدول الأكثر سكانًا في العالم (الصين و الهند)، واثنين من الاقتصادات الرئيسة توسيع (الهند والصين مرة أخرى)، وثلاثة من أصل أربعة أعضاء من دول البريكس (البرازيل، وروسيا، والهند والصين، وجنوب أفريقيا)، والمنتجين والمستهلكين الرئيسين للطاقة (الصين، والهند)، وعلى مساحة تقدّر ب 83 مليون كيلومتر مربع وأكثر من 3 مليارات نسمة 60(٪) من سكان العالم. فمن الواضح أنّ واقعًا مثل منظمة شنغهاي للتعاون لا يمكن ولا يجب الاستهانة بها أو ما هو أسوأ، تجاهلها45. ومع تحوّل الصين إلى أكبر مركز اقتصادي؛ إذ ستصبح كما تقول السيناريوهات الاقتصاد الأول في العالم مع مطلع 2020، وتحوّلها بمساعدة روسيا إما بالتحالف العسكري معها وإما بتزويدها بالأسلحة الحديثة إلى قوة عسكرية ضاربة، فإن موازين القوى يمكن أن تنقلب في القارة الأوراسية من ناحية، وستعمل من ناحية أخرى على تفريغ النصر الذي حققته أميركا في الحرب الباردة من محتواه ويحوّلها ثانية إلى دولة تدافع عن نفسها، مما سيعصف بسياسة القطب الواحد
في العلاقات الدولية كما سبق أن عصفت الحرب الباردة بالمعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفياتي. كما أنّ القدرات الاقتصادية والعسكرية لدول المنتدى توازي القدرات العسكرية الأميركية. أمّا في حال توحيد القوتين العسكريتين لروسيا والصين فإنهما ستتفوّقان على الولايات المتحدة الأميركية في عدة جوانب أهمها مضادات الصواريخ التي تملكها روسيا وحدها دون غيرها؛ ما سيجعل مشروع الدرع الأميركي المضاد للصواريخ حجر الأساس في التفوق الأميركي عديم الجدوى، بالإضافة إلى ذلك فإنّ دخول الهند وباكستان إليها قد يشكّل رجحانًا مهمً على الصعيد الجيوبوليتيكي والجيوستراتيجي العالمي46، كذلك انضمام إيران ببرنامجها النووي، وربما كوريا الشمالية مستقبلً، فنكون في هذه الحالة أمام أربع قوى نووية (روسيا، والصين، والهند، وباكستان) وهكذا تميل موازين القوى في هذه الحالة لصالح بكين وموسكو (منظمة شنغهاي) ولغير صالح واشنطن، الأمر الذي فسره البعض بأنّ المنظمة تعمل لتكون وريثة لحف وارسو. ولكن في حقيقة الأمر، يمكن القول إنّ منظمة شنغهاي وتحالفاتها الناشئة بعيدة عن أن تمثّل بديل47، أو أن تشكّل قطبًا موازيًا أمام القوى الراسخة لحلف الناتو والولايات المتحدة الأميركية والغرب بصفة عامة، صحيح أنّها نجحت في تحقيق الهدف الأول والأهم الذي كانت تسعى إليه كل من الصين وروسيا وهو منع انفلات الأوضاع والأزمات بالقرب منهما لكي لا تحصل الولايات المتحدة على مبرر أو محفز للتدخل السياسي أو العسكري في (الفناء الخلفي) أو المنطقة القريبة من حدودهما، وكذلك المطالبة بالخروج المبكّر للقوات الأميركية من منطقة آسيا الوسطى عمومًا48. فهناك عقبات كثيرة تحوّل دون بروز شنغهاي قطبًا دوليًا جديدًا، أهمّها، التنافس على النفوذ ومشكل تسلسل الأولويات بين موسكو وبكين، إذ تميل موسكو إلى التركيز على المسائل الأمنية، فيما تنحاز بكين للتركيز على التعاون الاقتصادي، بعبارة أخرى روسيا تريد أن تكون منظمة شنغهاي وسيلة لتدعيم الوجود الإستراتيجي الروسي في آسيا الوسطى، في حين تريد الصين أن تكون المنظمة أداة لمد نفوذها الاقتصادي49. وما يبرر ذلك أنّ الصين هي المستورد الأول للطاقة وعليه فمن الضروري أن تركّز على النمو الاقتصادي، في حين أنّ روسيا هي مصدر للطاقة وعليه يكون التركيز على بناء القوة العسكرية، وبالنتيجة فإن عسكرة قضية اقتصادية مثل أمن الطاقة يدفع لالتقاء المصالح بين الصين وروسيا، وقد أكدت على ذلك من خلال الإستراتيجية الروسية في 21 أيار/ مايو 2009، والتي أكدت على موضوع الأمن من خلال التنمية الاقتصادية، والقوة العسكرية اللازمة لحماية أمن إمدادات الطاقة50. بالإضافة إلى ذلك فإنّ منظمة شنغهاي لا تعدّ نفسها حلفًا منافسًا للولايات المتحدة الأميركية؛ فلكل من دولها علاقات واسعة معها، ولا تعتزم التضحية بها51. ثم هناك مواقف متباينة بين روسيا والصين في جنوب آسيا، ففي حين تدعم الثانية باكستان بقوة، تجد الأولى مصالحها مع الهند، وهذه نقطة قد لا يحلها انضمام الهند وباكستان معًا إلى معاهدة شنغهاي، بل قد يعقَدّها إذا لم تحلّ أزمة كشمير. وعليه يمكن القول إنّه من السابق لأوانه القول ببروز منظمة شنغهاي قطبًا دوليًا جديدًا، لكنّ تشكّل المنظمة واستمرارها إضافة إلى دول البريكس BRICS() قوة دولية يمكن أن تكون اللبنة الأولى والمؤثّرة لانطلاق نظام عالمي تعددي في المستقبل.