مراجعة كتاب الكتب الجاهزة: تصنيع الخبراء ذوي الخبرة المحدودة والترويج لهم

حمزة المصطفى

قراءة في كتاب داعش: عودة الجهاديين

The Jihadis Return: ISIS and the New Sunni Uprising عنوان الكتاب بالإنكليزية: الكاتب: باتريك كوكبرن. الناشر: دار الساقي. الطبعة: الأولى،.2015 عدد الصفحات: 911 ص، من القطع الصغير.

تحتفي مواقع وصحف عربيّة بعضها محسوب على تيار سياسي بعينه، بكتاب "داعش عودة الجهاديين" وبكاتبه مراسل صحيفة The Indpendent باتريك كوكبرن Patrick Cockburn الذي ألّف على غرار كتابه الحالي ثلاثة كتب عن تاريخ العراق، فحصل على جوائز غربية عدة. يقدَّم كوكبيرن في بعض الإعلام الغربي والعربي بوصفه مرجعًا لا بدّ للمشتغلين والدارسين لمنطقة الشرق الأوسط وأزماتها أو للحركات الجهادية وتوسّع نفوذها من العودة إليه أو الاقتباس منه. وإذا كان تسويق ما يطابق التوجّه السياسي أمرًا مألوفًا في مؤسسات العالم العربي المعرفية أو الإعلامية، فإنّ توجّهًا إعلاميًّا غربيًّا واضحًا، وبالأخص في بريطانيا، للترويج للكتاب والكاتب ليكون ناقلً ومحلّلً ومختصًّا وحيدًا في ملفّات إشكالية مثل سورية والعراق، كما جرى سابقًا مع الصحافي البريطاني روبرت فيسك، أو حتى باتريك سيل وغيرهما. وللدلالة على ذلك، وقبل الغوص في ثنايا الكتاب وصفحاته نتوقّف عند غلافه الذي مهر بعبارات إشادة وتبريك من مؤسساتٍ وجهات عدة. لقد وصفته News BBC بأنّه "كتاب رائع"، و Guardian The بأنّه "كتاب ممتاز." أمّا الصحفي الاستقصائي الأميركي سيمور هيرش Seymour Hersh والذي خلص العام الماضي إلى أنّ المخابرات التركية شنّت هجوم الكيماوي في غوطتَي دمشق آب / أغسطس 2013 فزعم أنّ كاتبه "أفضل صحافي غربي في العراق اليوم." وفي إطار التضخيم والمبالغة للعينة الصورية كُتب بالخطّ العريض على الغلاف الخارجي ما يلي: "في هذا الكتاب القنبلة يحلّل المراسل الشهير باتريك كوكبرن الأحداث التي أدّت إلى استيلاء الجهاديين على مناطق شاسعة من العراق وسورية". بدايةً وبخلاف ما رُوّج سابقًا، فإنّ الكتاب يفتقد أيّ قيمة علمية أو بحثية تؤهّله ليكون خارج دائرة الكتب الاستهلاكية، والتي يطمح كتّابها عادةً إمّا إلى شهرة سريعة أو إلى مبيعات كبيرة أو غايات مادية أخرى؛ إذ يخلو من أيّ مصدر أو مرجع أو شهادة بحثية. وباستثناء بعض مقابلات المسؤولين في العراق وسورية وبعض الاقتباسات البسيطة من تقارير بحثية، فإنّ الكاتب اعتمد في جمع معلوماته وطرح ما يعدّه "تحليلً " على أقوال الأصدقاء أو المرافقين والرسائل البريدية، أو بعض المصادفات الغريبة، والتي يوظّفها لتعميم نتائج وتأكيد ما يذهب إليه؛ فعلى سبيل المثال يذكر الكاتب أنّ قطر وتركيا تمدّان المعارضة بأسلحة مضادّة للطائرات، وبأنّ هذه الأسلحة يجري الاستيلاء عليها بصورة منتظمة وتذهب إلى العراق. وإذا كان إثبات قيام قطر وتركيا بمساعدة المعارضة السوريّة ليس صعبًا كونهما تصرّحان بذلك علانية، فإنّ اختباره تدفّق الأسلحة إلى العراق ينطوي على سذاجةٍ في التحليل والتركيب. يقول الكاتب "لقد اختبرت مثالً بسيطًا على نتائج تدفّق الأسلحة حتى قبل سقوط الموصل حين حاولت في صيف سنة 2014 حجز رحلة إلى بغداد على متن شركة الطيران الأوروبية الفعّالة التي أستخدمها منذ سنة، فقد أخبروني أنّهم أوقفوا الرحلات إلى العاصمة العراقية خشية قيام الفدائيين الذين حصلوا على صواريخ مضادّة للطائرات تُحمل على الكتف، والتي أرسلت إلى القوّات المعارضة للأسد باستعمالها ضدّ الطائرات التجارية التي تطير إلى مطار بغداد الدولي" (ص. 33) لطالما طالبت المعارضة السوريّة بأسلحة مضادّة للطائرات، لكن الدول الغربية وبتصريحات مسؤوليها رفضت تسليم مثل هذه الأسلحة، بل منعت حلفاءها في الإقليم من تقديمها ذلك فإنّه من الصعب إثبات هذه المعلومة كحقيقة دون براهين أو أدلة منطقية أو الاستشهاد بحوادث تؤكّد هذه الرواية. والاعتماد على شهادة موظف أو شركة طيران مدني لتعميم نتيجة، هو استسهال أو استخفاف بعقل القارئ؛ فإحجام الطائرات عن السفر فوق العراق وسورية لا يعود للتكهنات السابقة، بل هو استجابة لتحذيرات أطلقتها منظمة الطيران المدني العالمية بعد سقوط الطائرة الماليزية فوق الأراضي الأوكرانية، وطالبت فيها الشركات الناقلة بتجنّب الطيران فوق مناطق الأزمات والصراعات، ما أجبر شركات كثيرة على تغيير مسار الرحلات إلى كلٍّ من دمشق وبغداد، وتقليص عددها أو إلغائها. المثال السابق واحد من أمثلة متعددة يقدّمها الكاتب بتسرّع ومن دون محاججة عقليّة لتعميم نتائجه. في المقابل يشكّك، وعلى الرغم من وجود دلائل كثيرة، في وقائع بعينها ويراها غير صحيحة؛ فعلى سبيل المثال يتجنّب الكاتب في معرض تناوله هجوم الكيماوي تحميل الحكومة السوريّة مسؤوليته في الغوطتين، وذلك على الرغم من تقارير الأمم المتحدة ومنظمة حظر انتشار الأسلحة الكيماوية ومسارعة الحكومة إلى عقد صفقة مع الولايات المتحدة لتسليم السلاح الكيماوي مقابل تجنّب ضربة عسكرية. فللوهلة الأولى، يحقّ لأيّ باحث نفي وقائع بعينها أو عدم تأكيدها دون براهين دامغة. لكن أن يشير بالاتهام، ولو بصورة مباشرة، للطرف للمقابل ودون استخدام أيّ أدوات استقصائية فهذا يعدّ من النقائص في الكتابة البحثية، بل في الصحافة الرصينة أيضًا. يقول كوكبرن "وقد رفضت زيتونة باحتقار أيّ فكرة توحي بأنّ الثوّار كانوا وراء استخدام غاز السارين" (ص. 92)، قبل أن ينتقل لحادثة خطفها من جانب مجموعات متشددة للإيحاء بأنّها كانت مخطئة، وأنّ الإسلاميين والجهاديين "والذين لهم سجلّ إجرامي باقتراف مجازر ضدّ الأقليات وبخاصة العلويين والمسيحيين" (يكرّرها على مدار صفحات الكتاب)، هم من يقف وراء مجزرة الكيماوي.

نظرة استشراقية وتعامل فوقي

يسير الكاتب على هدي المستشرقين في تصنيف شعوب الساحات المدروسة أنتربولوجيًا إلى جماعات بشرية متمايزة دينيًّا وطائفيًّا، ويركّز على هذا المدخل أساسًا وحيدًا للتحليل. فهو لا يرى في الثورة السوريّة، والتي انطلقت عام 2011 امتدادًا للربيع العربي، إلا ثورة سنّية يقودها جهاديون وسلفيون لقتل "العلويين وسبْي المسيحيين." وضمن الفهم ذاته يتعامل مع الاحتجاجات العراقيّة عام 2012، ويضعها ردّة فعل ضدّ وصول الشيعة للحكم. كما لا يرى انتعاشة القاعدة وداعش في العراق إلا امتدادًا للثورة السنّية في سورية، وامتدادًا للتمرّد السنّي في العراق دون التطرّق إلى سياق النشأة والتكوّن والظروف التي ساهمت في إعادة إحياء هذه المنظمات على الأقلّ في العراق خلال الفترة الممتدة من عام 2009 إلى 2011 حيث كان تنظيم دولة العراق الإسلامية في حالة انهيار تامّ وتلكّؤ الحكومة العراقية عن ملاحقته في بيداء الأنبار، واستغلاله ذريعة للمضيّ في سياساتها التمييزية؛ إذ يقول "كانت القاعدة في العراق في أسوأ حالاتها بينما كان التمرد السنّي الذي لعبت فيه يوما دورًا قياديًّا ينهار. وقد أعيد إحياؤها بواسطة الثورة السنّية في سورية عام 2011." (ص. 45) يقرّ الكاتب بأنّ سياسات الأنظمة سواء في العراق أو في سورية، قامت بدورٍ في إيجاد حاضنة اجتماعية للجماعات الجهادية في الأوساط السنّية، لكنّه ينظر لسياسات الأنظمة بوصفها متغيّ ا تابعًا لآخر مستقلّ هو طبيعة هذه الثورات والقوى الرافعة لها، والعقيدة "الوهابية" الطاغية، والتي تسيّ ها وتحدّد وجهتها وأهدافها1. فعلى سبيل المثال، يبخس الكاتب التظاهرات السلمية ضدّ السياسات التمييزية، ويميل في وصفها إلى تبنّي الرواية الرسمية عن أنّها قلّة طائفية مسيّة من مموّلين خليجيين: "في مدينة تكريت السنّية عاصمة محافظة صلاح الدين في البدء كان يأتي 01 آلاف شخص ثم تقلّص العدد إلى ألف. وقد أفاد جميع المراقبين بأنّ إغلاق المساجد يوم الجمعة باستثناء جامع واحد، أجبر جميع المؤمنين على الذهاب إلى المسجد نفسه لأداء صلاة الجمعة. التقطت الكاميرات صورًا، وكذلك سجّلت أشرطة فيديو بطريقة حماسية عن الحشود لتجعل الأمر يبدو: أنّهم كلّهم متظاهرون وكانت صورهم تبثّ إلى منطقة الخليج حيث كان الأسياد يموّلون تلك الاحتجاجات ويخدعون بها فيعتقدون أنّ الاحتجاجات لا تزال تجتذب أعدادًا كبيرة من الناس" (ص. 70) من جهةٍ أخرى يحشد، وربّ ا عن قصد، الرأي العام الغربي ضدّ ما يسمّيه "التمرد السنّي" في كلٍّ من سورية والعراق واضعًا المجموعات الجهادية والثورية في سلّةٍ واحدة لجهة الموقف من الغرب، والرغبة في استخدام العنف ضدّ دوله، كما يتوضح في قوله "بعد أن تكلّمت في بداية هذا العام مع مجموعة من الجهاديين الثوار السوريين الذي لا ينتمون مباشرةً إلى القاعدة في جنوبي شرق تركيا خبرني أحد المصادر أنّهم جميعًا دون استثناء أظهروا الحماسة والاستحسان لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتمنّوا لو أنّ الشيء نفسه يحصل في أوروبا كما في الولايات المتحدة" (ص. 57) وبعد أن يبرّئ أنظمة الاستبداد من المسؤولية الرئيسة في ما يجري حاليًّا ويبرّر لها أفعالها2، يستغلّ الكاتب ما سبق ليدافع عن استمرارها صيغة وحيدة نافعة في حكم المجتمعات العربية المشرقية المتخلفة والجشعة كما يتّضح في قوله "العراقيون ليسوا سذّجًا فتجربتهم المروّعة مع حكّامهم على مدى الخمسين سنة الماضية جعلتهم يدركون أنّهم أنانيون وجشعون ووحشيون وغير كفوئين" (ص. 74)، وفي قوله "غرقت سورية في حرب أهلية طائفية مروعة عندما قصفت الحكومة مدنًا كأنّها أراضي عدوّ ويسيطر على المعارضة المسلحة مقاتلون سلفيون جهاديون يذبحون العلويين والمسيحيين فقط بسبب انتمائهم الديني. وبات على السوريين أن يختاروا بين نظام ديكتاتوري عنيف حيث تستأثر الرئاسة وجهاز الاستخبارات بالسلطة وبين معارضة تطلق النار على الأطفال في وجوههم لأبسط تجديف وترسل صورًا لجنودٍ مقطوعي الرؤوس إلى ذويهم" (ص. 94) يتجاهل الكتاب مطلقًا أثر الاحتلال الأميركي في العراق وفي المنطقة عمومًا لجهة تدمير مؤسسات الدولة العراقيّة، وترسيخ محاصصة طائفية في الحكم ساهمت وعلى مدار عقد في تقسيم المجتمع العراقيّ إلى طوائف متناحرة؛ فهو لا ينظر للعقد الماضي في العراق إلا كانقلاب شيعي يحصل للمرة الأولى في العالم العربي منذ أطاح صلاح الدين الأيوبي بالدولة الفاطمية (ص. 7)11 أمّا سياسات الاحتلال والحكومات المنبثقة عنه بمأسسة الطائفية والاكتفاء بإدارة أزمات الطوائف المتناحرة واحتواء خلافاتها عبر مزيد من الإجراءات السياسية

  1. يقول الكاتب "لقد اشتبه العراق منذ فترة طويلة بأن يد الوهابية الخفية تقف وراء الكثير من مشاكله." ص.82
  2. يقول الكاتب "ولا يجب أن يلام السيد المالكي على كل الأمور السيئة التي حصلت في العراق لكنه لعب دورا رئيسا في دفع المجتمع السني إلى أحضان داعش وهو ما قد يندم عليه." ويذكر أيضًا "تصر الحكومة السورية على أن الاحتجاجات لم تكن سلمية كما بدأت وأنّ قواتها تمّت مهاجمتها بالسلاح منذ المراحل الأولى. هناك بعض الحقيقة في ذلك لكن إذا كان هدف المعارضة هو جرّ الحكومة إلى فخ حمل الحكومة على القيام برد انتقامي يؤدي إلى نتيجة عكسية فقد نجحت نجاحًا تخطّى توقعاتها" (ص. 97)

أو الإدارية، والتي تعمّق الانقسام والاستقطاب، فيستثنيها الكاتب من تحليله. وهي برأينا عاملٌ رئيس أدّى إلى اختلال المنظومة القيمية على المستوى المجتمعي وأنتج فوضى عارمة تعدّ بالمنظور السيسولوجي تربة خصبة لنموّ الحركات الجهادية والمتطرفة. لم يتوقّف الكاتب عند هذا الحدّ، بل انتقد ضمنيًّا مواقف دول غربية أيّدت الحراك الشعبي في البلدان العربية، ولا سيمّا في العراق وسورية، ولمّح إلى جهلها بحقائق الأمور داعيًا إلى الإبقاء على الوضع الراهن مع التخفيف من وقع التداعيات الإنسانية (ص. 0-109)11، أو التقسيم كما في قوله "لقد بلغ تدهور الوضع في العراق وسورية حدًّا بعيدًا جدًّا تصعب معه إعادة إنشاء دول موحّدة حقيقية" (ص. 176)

نظرة مقلوبة في تحليل سطحي

يرى الكاتب أنّ ما جرى في العراق هو ارتدادات للأزمة السوريّة. وفي هذا السياق يتبنّى صراحةً تشخيص رئيس الحكومة العراقي نوري المالكي الأزمة قائلً "كان واضحا أنّ الحكومات الغربية قد فهمت الوضع في العراق وسورية بطريقة خاطئة كليًّا. فعلى مدى عامين كان السياسون العراقيون يحذّرون كلّ من هو مستعدّ للاستماع إليهم من أنّ استمرار الحرب الأهلية في سورية سيزعزع الوضع الراهن الهشّ في العراق. وعندما سقطت الموصل ألقى الجميع اللوم على المالكي الذي لا شك تقع المسؤولية عليه، لكن السبب الحقيقي لانهيار العراق كان الحرب عبر الحدود العراقية. فقد أحدثت ثورة السنّة في سورية انفجارًا مماثلً في العراق." (ص. 166) لا شكّ في أنّ انطلاق الثورة السوريّة ساهم في "تشجيع" شرائحَ عراقية على الاحتجاج ضدّ حكم المالكي كما ساهمت الثورات العربية الأخرى في تحفيز الشعب السوري على الاحتجاج والثورة؛ فعلى الرغم من خصوصية العراق المجتمعية، فإنّ ترابطه العضوي مع محيطه العربي، وتوق مواطنيه للحرية جعلاهم يتأثّرون بمناخ الثورات العربية بصورة عامة وبالثورة السورية بخاصة. لذلك، لم ينعزل العراق عن الربيع العربي، وشهد في الربع الأوّل من عام 2011، وقبل اندلاع انتفاضة الأنبار احتجاجاتٍ شعبية محدودة في بغداد طالبت بإلغاء المحاصصة الطائفية وإصلاح العملية السياسية، ومكافحة الفساد. وشاركت فيها أطياف المجتمع العراقي كافّة. كما أنّه، وبخلاف الاحتجاجات العراقيّة الأولى والثورة السوريّة التي انطلقت مطلع عام 2011 بعناوين وطنية شاملة لا تقتصر على السوريين السنّة، ورفعت مطالبَ إصلاحية بدايةً وتدرّجت في رفع سقفها بحسب درجة العنف ضدّها من الإصلاح إلى ضرورة "تغيير النظام" وصولً إلى إسقاطه، جاءت انتفاضة الأنبار أواخر عام 2012 صرخة "طائفية" ضدّ ممارسات طائفية (اعتقال حماية رافع العيساوي، اتّهام وزراء ونوّاب "سنّة" بارتكاب أعمال إرهابية، المادة 4 إرهاب والتي جيّ ت لملاحقة معارضي المالكي، والإعدامات، واحتجاز نساء المطلوبين وأطفالهم) لحكومة يُفترض أن تمثّل جميع العراقيين دون استثناء. آنذاك، وعلى الرغم من دوافعها ومطالبها الفئوية فإنّها لاقت دعمً وتفهّمً من شخصيات ومرجعيات عراقية شيعية عدا عن دعم الأكراد لها. وبناءً عليه، يمكن القول إنّ انتفاضة الأنبار لم تكن امتدادًا لما يسمّيه الكاتب "التمرد السنّي في سورية"، ولم تكن تمردًا سنيًّا لغايات طائفية ضيقة، بل انتفاضة لشريحة مجتمعية طالبت بالمساواة مع الشرائح المجتمعية، ورفع الحيف الواقع عليها من ممارسات الحكومة الطائفية. كما أنّ الحراك الذي بدأ سلميًّا واستمرّ لفترة طويلة، حرص (ينطبق ذلك على فترة العمل المسلّح) على التمايز عن الحركات الجهادية وخطابها، وسعى ما أمكن لإغلاق منافذ تغلغلها. أمّا في ما يتعلّق بانتشار "داعش" وتوسّعه، فإنّ دلائل وشواهد كثيرة توضح أنّ ما جرى في العراق كان سببًا رئيسًا في زيادة نفوذ التنظيم وليس العكس. لطالما اشتكت الحكومات العراقيّة من استخدام النظام السوري الجهاديين في العراق ودعمهم، ووصل الأمر إلى درجة اتّهم فيها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي النظام (التحالف البعثي التكفيري) بالوقوف وراء تفجيرات بغداد 91 آب / أغسطس 2009، لكن عند اندلاع الثورة السوريّة اتّخذ المالكي موقفًا مغايرًا بتأييده النظام وتبنّي روايته المضادّة تجاه الاحتجاجات، ودعمه المالي السخيّ عدا عن التجييش الطائفي في الخطاب الإعلامي ما عزّز الاستقطاب السنّي – الشيعي في المنطقة، ومنح الجهاديين براهين ووقائعَ لتأكيد خطابهم عن الصراع الهوياتي والاصطفاف الشيعي في مواجهة السنّة. عدا عن ذلك، كان تنظيم دولة العراق الإسلامية غداة انطلاق الثورة السوريّة في أضعف حالاته بعد نجاح ما يُعرف ب "مشروع باتريوس" في هزيمة التنظيم في عموم المدن العراقية ذات الأغلبية السنّية بعد الاعتماد على أبناء العشائر العراقية. خلال تلك المرحلة، كان لدى المالكي فرصة سانحة للقضاء عسكريًّا على التنظيم بصورة شبه كاملة، لا سيمّا بعد أن فقد مرتكزات قوّته وتحوّل إلى مجموعات معزولة منتشرة في بيداء العراق، لكنّه أجحم عن ذلك. كما أنه بدل تحصين المجتمع العراقي من التنظيم أتاح المالكي عبر ممارساته الطائفية واستهداف مكوّن عراقي أصيل، فرصة للتنظيم ليعيد نشاطه تحت عناوين مختلفة في مناطق الأنبار والرمادي وغيرها. لذلك، استغلّ

تنظيم دولة العراق الإسلامية هذه الممارسات لإعادة ترتيب صفوفه. ثم جاء انتقال الثورة السوريّة إلى المرحلة المسلّحة فرصة استغلّها التنظيم في بناء ذراع جهادية له، فكانت "جبهة النصرة" والتي اعتمدت غداة تأسيسها 24 كانون الثاني/  يناير ٢201 على مساندة تنظيم دولة العراق الإسلامية ودعمه. انطلاقًا من ذلك، فإنّ تجربة الحركات الجهادية المرتبطة بالقاعدة أو بفكرها في سورية هي امتداد للتجربة العراقية وليس العكس. وبخلاف ما يذهب إليه الكاتب في أكثر من موضع، فإنّ الوقائع والأحداث في العراق هي من قامت بالدور الرئيس في تعاظم نفوذ "داعش" في سورية. فعلى الرغم من ارتباطها بدولة العراق الإسلامية، مثّلت جبهة النصرة تجربة جهادية مختلفة. ولم يُخْف كثير من قادتها نفورهم من تجربة العراق. ونتيجة لذلك، ولطبيعة المجتمع السوريّ فشل تنظيم دولة العراق الإسلامية في جعل جبهة النصرة ظهيرًا له في الساحة السوريّة، بل على العكس توسّع الخلاف تدريجيًّا مع رفض النصرة استنساخ تجربة العراق وتطبيقها. ما دفع أبا بكر البغدادي، والذي نجح نتيجة قمع المالكي انتفاضة العشائر في إحياء تنظيمه في الحواضر العراقية من جديد، إلى دمج النصرة ودولة العراق الإسلامية في تنظيمٍ واحد سمّ ه الدولة الإسلامية في العراق والشام. وقد وظّف التنظيم الجديد الزخم العسكري والمعنوي الذي كسبه في العراق في الربع الأوّل من عام 2013 في توسيع نفوذ في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. وخلال ذلك العام تجنّب الصدام مع قوّات النظام، بل على العكس تدخّلت الأخيرة لمصلحته في بعض المواجهات مع قوّات المعارضة. في معرض تناوله تأثير الحرب السورية في زيادة نفوذ داعش في العراق، يتجاهل الكاتب أيضًا المواجهة المسلّحة التي انطلقت مطلع عام 2014، بين فصائل الجيش الحرّ وفصائل إسلامية مع تنظيم داعش، والتي انتهت بطرده من مساحات واسعة من سورية. فالكاتب لا يرى في هذه المواجهة إلا "حربًا أهلية جهادية" يتقاتل فيها الأشرار على مناطق النفوذ، ويشارك فيها الجيش الحر، والذي يعدّه الكاتب مجموعة لصوص أو عملاء مستندًا إلى مقابلة أجراها داعش مع صدام الجمل القيادي في ألوية أحفاد الرسول بعد أسره (ص. 00)1 لتبرز من جديد انتقائية الكاتب في اختيار مصادره دون إخضاعها للنقد أو للسياق الذي تجري فيه. أيًّا يكن الأمر، فإنّ نفوذ داعش تقلَّص كثيرًا في سورية خلال عام 2014 بعد أن خسر معظم جولاته مع فصائل المعارضة وجبهة النصرة التي انضمّت للمواجهة اضطرارًا لا اختيارًا بعد أن هدّد داعش بقاءها. وإلى ما قبل سقوط الموصل، اقتصر نفوذ داعش على مناطق بعينها، كمدينة الرقة وريف حلب الشرقي، وفشلت جميع محاولاته في تحقيق اختراق عسكري ضدّ قوّات المعارضة في دير الزور لتأمين تواصل جغرافي لمناطق سيطرته في العراق، والتي توسّعت خلال الفترة نفسها لا سيمّا بعد أن أصبح داعش قوّة رئيسة في مواجهة قوّات المالكي. جاء سقوط الموصل 01 حزيران / يونيو (لا يعدّه الكاتب نقطة تحوّل) ليقلب مشهد التوازنات داخل سورية؛ فقد وظّف التنظيم من جديد غنائم نوعية تحصّل عليها هذه المرة من الجيش العراقي، في طرد قوّات المعارضة السوريّة من المنطقة الشرقية وبعض قرى الريف الحلبي. ما سبق جزء يسير من مغالطاتٍ وثغراتٍ في الكتاب لا يتّسع المجال لذكرها أو التعليق عليها جميعًا، لكنّها تؤكّد افتقاد الكاتب المعرفة الضرورية والتفصيلية للظاهرة المبحوثة مع عدم إدراكٍ لسياقاتها ومراحل تطوّرها. لذلك، حرص على أن يعكس بسطحية رواية النظاميَن العراقي والسوريّ اللذَين استقبلاه وأتاحا له التسهيلات لزيارة مناطق بعينها، ونقْل صورةٍ أريدَ لها أن تُنقل، وإيراد وقائع اجتُزئت من سياقها العام. لم تعد الأنظمة القائمة معنيّة بالترويج لنفسها أنظمة منتخبة أو شرعية كما دأبت روايتها الإعلاميّة دائمًا، بل هي تعتمد على تخويف الغرب من بديل أو طرف مقابل ساهمت في ظهوره أو على الأقلّ شجّعت عليه. وقد حقّقت هذه الإستراتيجية نجاحات جيّدة بالتعاون مع كتّاب وصحفيين غربيين طامحين للشهرة يجري اعتمادهم والترويج لهم ضمن مؤسسات إعلامية غربيّة بوصفهم خبراء بمنطقة تعجّ بالصراعات، وتقدّم كتبهم بوصفها وجبات جاهزة لسدّ جوعٍ معرفي عن مجتمعات المنطقة وتفاعلاتها.