عرض كتاب ومأزق الحداثة الأخلاقي الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة

خالد وليد محمود

عنوان الكتاب: الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي. المؤلف: وائل ب. حلاّق. المترجم: عمرو عثمان. الطبعة: الأولى.2014 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

يقدّم البروفيسور وائل حلاق طرحًا متميزًا وجريئًا في كتابه " الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي" الذي تُرجم إلى اللغة العربية، وصدر مؤخرًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ضمن سلسلة "ترجمان." ويثير هذا الكتاب الذهن للتفكير في قضايا أو أفكارٍ قد تتردد على أنّها بديهيات أو مسلمّات أو محرّمات ممّ يلقي حجرًا في المياه الآسنة، ويستحثّ الروح النقدية، ويشجّع البحث في مواضيع تتصل بالدولة الحديثة وما يسمّى الإسلام السياسي، وكذلك التعاطي مع الحداثة والحضارة المعاصرة. يعدّ مؤلّف الكتاب وائل بهجت حلاق من أبرز المتخصصين في الدراسات الإسلامية والفقهية في جامعات الغرب اليوم. وهو باحث كندي من أصل فلسطيني، وُلد في الناصرة عام 9551 لعائلة مسيحية، وتخرّج في جامعة حيفا. ثم انتقل إلى واشنطن للحصول على درجة الدكتوراه. ويأتي هذا الكتاب بحسب المترجم خطوة أولى في سلسلة مكوّنة من ثلاثة كتب أو أربعة يبني في سائرها على ما بدأه المؤلف في أوّلها. وفي الوقت نفسه يمثّل خلاصة منطقية لكتابات حلاق ومؤلفاته خلال العقدين الأخيرين. وهو ما تبرهن عليه إحالات الكاتب المتعددة إلى دراساته السابقة، والتي يدور أغلبها حول تاريخ الشريعة الإسلامية وفلسفتها وما يرتبط بها من علوم بصورة عامّة علاوة على الفلسفة والنظرية السياسية. وعليه، يتناول هذا الكتاب بحسب الدكتور عمرو عثمان أستاذ التاريخ في قسم العلوم الإنسانية في جامعة قطر الذي قام بترجمته الإسلام بمفهومه الحضاري الواسع وليس بمفهومه الديني الضيّق. ويسلّط الضوء على بعض الآفات التي ابتلُي بها الفكر العربي في تعامله مع التراث والحداثة على حدٍّ سواء، والتي جعلت بعض المراقبين أسرى رؤية نمطية تقليدية لهذه القضايا؛ إذ لا يمكن لدولة ما أن تكون إسلامية بحق في ظل هيمنة الدولة القومية الحديثة والعولمة التي أنتجتها تلك الدولة. وإذا افتُض جدلً إمكانية قيام تلك الدولة، فلن تكون قابلة للبقاء في ظل الظروف السائدة في عالم اليوم؛ فالتناقض الذاتي الأصيل في مفهوم الدولة الإسلامية الحديثة يقوم في الأساس، من وجهة نظر المؤلف، على المأزق الأخلاقي للحداثة، تلك الحداثة التي أفرغت العالم من قيمه الروحية، وتعاملت مع الكون باستعلائية مدمّرة، وسعت إلى تدجين الفرد وتشكيل ذاتيته، بحيث يستسلم تمامًا لمنطق القوة والثراء. يحدث كل ذلك من خلال رفع شعارات العقلانية والتنوير والتضحية في سبيل الدولة، وغيرها من الأساطير التي قامت عليها الدولة الحديثة كما يشرح مترجم الكتاب. في المقابل، يقوم الإسلام كلّه وشريعته التي شكّلت لحمته على مدار اثني عشر قرنًا، على نظام قيمي مختلف بالكلية، نظام أخلاقي بالدرجة الأولى، استطاع أن يمنع استغلال الفرد والتحكم فيه، بالطريقة التي تقوم بها الدولة الحديثة. كما أنّه قدّم نظامًا مغايرًا لما يطلَق عليه الآن "فصل السلطات"، نظامًا حقّق نموذجًا كان، بعبارة المؤلف، "أكثر دقةً في تجسيد معنى هذا الفصل وهدفه، وأكثر تفوّقًا قياسًا بما نجده في الدولة الحديثة النموذجية." وردَ الكتاب الذي يقع في 235 صفحة من القطع الكبير في سبعة فصول؛ يتناول الفصل الأوّل " مقدمات" وصف "الحكم الإسلامي النموذجي"، ويرسم حدود مفهوم "النموذج" كما سيجري استخدامه بوصفه مفهومًا مركزيًّا في أطروحة الكتاب الكلّية. ويصف الفصل الثاني "الدولة الحديثة النموذجية"، ويحدّد "خصائص الشكل" التي تمثّل الصفات الجوهرية للدولة الحديثة. ويقوم بتفكيك تلك الخصائص، معترفًا في الوقت عينه بالتغيرات المتزامنة والتنوّعات المتلاحقة في تكوين تلك الدولة. أمّا الفصل الثالث " الفصل بين السلطات: حكم القانون أم حكم الدولة"، فيناقش مفاهيم الإرادة السيادية وحكم القانون في ما يخصّ مبدأ الفصل بين السلطات؛ هادفًا من وراء هذه المناقشة إلى استعراض الأطر والبنى الدستورية لكلٍّ من الدولة الحديثة والحكم الإسلامي، وتسليط الضوء على الاختلافات الدستورية بين نظامَي الحكم هذين. واعتمادًا على هذه الاختلافات. يستكشف الفصل الرابع " القانوني والسياسي والأخلاقي"، معنى القانون وعلاقته بالأخلاق. ويؤكّد هذا العرض الفلسفي أساسًا الاختلافات النوعية بين المفهوم الأخلاقي للدولة الحديثة والحكم الإسلامي. وسيتحوّل هذا العرض في الجزء الثاني من الفصل الرابع إلى عرضٍ ذي طابع سياسي. وستتعزّز هذه التباينات القانونية - الأخلاقية بفعل  التباينات السياسية كاشفةً عن مجالٍ آخر من عدم التوافق بين الدولة الحديثة والشريعة. ويرى الفصل الخامس " الذات السياسية والتقنيات الأخلاقية لدى الذات" أنّ الدولة القومية الحديثة والحكم الإسلامي يميلان إلى إنتاج مجالين مختلفين من تكوين الذاتية، وأنّ الذوات التي ينتجها هذان المجالان النموذجيان تتباين تباينًا كبيرًا، الأمر الذي يولّد نوعين مختلفين من التصورات الأخلاقية والسياسية والمعرفية والنفسية والاجتماعية للعالم. وتلك الاختلافات العميقة بين أفراد الدولة القومية الحديثة ونظرائهم في الحكم الإسلامي إنّ ا تمثّل التجليات المجهرية المصغّرة للاختلافات الكونية المادية والبنيوية والدستورية، وكذلك الفلسفية والفكرية.

ويحاجج الفصل السادس " عولمة تضرب حصارها واقتصاد أخلاقي " في أنّ الأشكال الحديثة للعولمة ووضع الدولة في هذه الأشكال المتعاظمة القوّة، يكفيان لجعل أيّ صورة من الحكم الإسلامي إمّا أمرًا مستحيل التحقّق، وإمّا غير قابل للاستمرار على المدى البعيد هذا إذا أمكن قيامه أصلً. وبعبارة أخرى، يصل المؤلف إلى نتيجة مفادها: إذا جرى أخذ كلّ العوامل في الحسبان، فإنّ الحكم الإسلامي لا يستطيع الاستمرار نظرًا للظروف السائدة في العالم الحديث. ويختتم المؤلف كتابه بالفصل السابع " النطاق المركزي للأخلاقي"، متفحّصًا مآزق أخلاقية حديثة مع الإشارة إلى أسسها المعرفية والبنيوية بصفتها تؤسّس لأصل الأزمات الأخلاقية التي واجهتها الحداثة في كلّ صورها الشرقية والغربية. ويرى المؤلف أنّ استحالة فكرة الحكم الإسلامي ناتجة بصورة مباشرة من غياب بيئة أخلاقية مواتية تستطيع أن تلبّي أدنى معايير ذلك الحكم وتوقعاته، ويرى أنّ هذه الاستحالة هي تجلٍّ آخر لعدة مشاكل أخرى ليس أقلّها شأنًا الانهيار المطّرد للوحدات الاجتماعية العضوية ونشأة أنماط اقتصادية استبدادية، إضافةً إلى ما هو أكثر أهمية من ذلك، وهو الدمار الشامل للموائل الطبيعية والبيئة. يخلص المؤلف إلى القول إنّ الدولة الإسلامية مستحيلة وتنطوي على تناقض، لا سيمّا إذا ما حكمنا عليها بمعايير الدولة الحديثة. ذلك أنّ المقارنة بين تاريخ الإسلام ما قبل الحديث والتاريخ الغربي الحديث، قانونًا وسياسة وأخلاقًا ومؤسسات تكشف أنّ الحداثة تعاني مأزقًا أخلاقيًا يجعل من المستحيل قيام مشروع يستند إلى الأسس الأخلاقية وحدها. وتبدو غاية المؤلف في هذا الكتاب واضحة وهي إتاحة سبيل للمسلمين إلى الحياة الحسنة المستندة إلى موارد تاريخ الإسلام الأخلاقية. وهو يثبت في هذا السياق، أنّ أزمات الإسلام السياسية وغيرها ليست بالفريدة أو الخاصة، بل هي جزء لا يتجزّأ من العالم الحديث وفي الغرب كما في الشرق. أمّا من وجهة نظر المترجم فتزداد أهمية هذا الكتاب لصدوره في وقتٍ تبدو فيه بعض الشعوب العربية والإسلامية ساعيةً لتحديد أسس مرجعيتها وملامح هويّتها، تحسّبًا لاغتنام الفرصة التاريخية السانحة. الكتاب كما يصرّح المؤلف لا يهدف إلى إصابة القارئ المسلم والعربي بالإحباط واليأس من عدم قدرته على الفكاك من ورطة الحداثة التي وجد نفسه فيها بلا اختيار منه، ومن استحالة قيام دولة إسلامية تحافظ على خصوصيته الأخلاقية والتاريخية في ظلّ مناخ دولي لن يسمح لتلك الدولة بأن تزدهر. فهو يعرض المشكلة بأبعادها التاريخية المعقّدة ويطرح سريعًا مسارات للحلّ. يختتم الكتاب القول إنّ العيش معًا في سلام على الأرض هو عمل شاقّ، وقد يكون يوتوبيا حديثة أخرى. بيد أنّ إخضاع الحداثة لنقدٍ أخلاقي يعيد هيكلتها ويبقي الحاجة الأساس، لا لقيام حكم إسلامي فحسب بل لبقائنا المادي والروحي أيضًا.