مؤتمر من ثورات الشعوب إلى ساحة للتنافس الإقليمي والدولي:

المنطقة العربية بين صعود تنظيم الدولة والانخراط الأميركي المتجدِّد

مقدمة

أربك صعود تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وسيطرته على مناطق واسعة في العراق وسورية الحسابات السياسية لمختلف القوى الفاعلة المحلية والإقليمية والدولية. ومع اتضاح فشل الفاعلين المحليين عن مواجهتها والحد من نفوذها، اضطرت الولايات المتحدة إلى العودة للتدخل العسكري في المشرق العربي، وخاصة بعد إقدام داعش على إعدام صحفيين أميركيين، وذلك بعد أن أحجمت عن التدخل المباشر في أزماته منذ إتمام سحب قواتها من العراق آخر عام 2011. وقد لاقى هذا التدخل الأميركي ترحيبًا لدى معظم القوى الإقليمية التي حاولت تقديم نفسها على أنها شريك أساسي في مكافحة الإرهاب. لكن الولايات المتحدة فضّ لت أن تقود تحالفًا دوليًّا وعربيًّا يلقى قبولً من المكوّنات الاجتماعية في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية. وانطلاقًا من أهمية التحولّات الجديدة التي شهدتها المنطقة بسبب صعود تنظيم الدولة الإسلامية وتنامي حضوره فيها، وتأثير ذلك في مجمل العلاقات الإقليمية والمواقف الدولية، عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤتمرًا أكاديميًّا يومي 891 و 1 تشرين الأول/أكتوبر 2014، بعنوان " من ثورات الشعوب إلى ساحة للتنافس الإقليمي والدولي: المنطقة العربية بين صعود تنظيم الدولة والانخراط الأميركي المتجدِّد" في فندق الريتز كارلتون في الدوحة. شارك في المؤتمر عدد من الباحثين الأكاديميين من بعض دول الوطن العربي والدول الأجنبية، وهم: عزمي بشارة، وفالح عبد الجبار، وبرهان غليون، ومروان قبلان، وحيدر سعيد، وعثمان المختار، ومحمد أبو رمان، وفاطمة الصمادي، وبولانت آراس، وعبد الحكيم خسرو، ومحمد المسفر، وعبد الله باعبود، وآلان غريش، وعبد الوهاب القصاب، وأندرياس كريغ، وجيمس دينسلو. توزّع المشاركون على خمس جلسات أكاديمية، إضافة إلى جلسة افتتاحية في بداية المؤتمر وحلقة نقاشية في ختامه. حاول المؤتمر أن يجيب عن عدد من الأسئلة البحثية وهي: كيف تحوّلت الثورات العربية من صراع مجتمعي ضدّ الاستبداد إلى صراع قوى إقليمي ودولي؟ في أيّ أوضاع وظروف سياسية واجتماعية نشأ تنظيم الدولة الإسلامية وتنامى؟ ما بنية تنظيم الدولة الإسلامية؟ ما تداعيات انهيار الدولة وصعود دور الفاعلين من غير الدولة في سورية والعراق؟ كيف تعاملت القوى الإقليمية مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية والتحالف الدولي الذي نشأ لضربه؟ ما هي سياسات دول الخليج العربية تجاه المتغيرات التي طرأت في سورية والعراق؟ ما هي تداعيات عودة تدخل الولايات المتحدة الأميركية عسكريًّا في المنطقة العربية؟ ما هو مستقبل الصراع المفتوح في سورية والعراق؟

من آمال الديمقراطية إلى صراع المحاور الخارجية

كانت الثورات العربية والتي انطلقت سلمية بداية عام 2011 حدثًا تاريخيًّا أكدت حضور الشعوب العربية وقدرتها على تحقيق التغيير. فعبرها تحوّل الشعب من لفظ وشعار ورمز واستعارة إلى جماعات فاعلة، تصنع "شعبًا" بفعلها السياسي. وشكلت الثورات العربية بكونها حركة شعوب من أجل الحرية والكرامة ضد الظلم، ولا سيما قمع المواطن، كإنسان، بواسطة أذرع الأمن الموجهة ضده، وليس لحمايته، والفساد بصفته رمزًا لمعوقات العدالة الاجتماعية والتنمية، نقيضًا أساسيًا للتدخل الخارجي والإرهاب. وكانت وعود الديمقراطية التي حملته فرصة الدولة العربية الوحيدة للتحرر من حالة السلطان والرعية، والتحول إلى دولة فعلً، تعبيرًا عن شعب وحكومة شرعية. وبمعنى أدق، كانت هذه فرصة الكيانات السياسية العربية لأن تصبح دولً. ساهم قمع الأنظمة ولا سيما في حالة النظامين الليبي والسوري واستخدامهما أكبر قدر من العنف ضد شعبيهما لقمع التظاهرات السلمية بالقوة، في تحويل الثورات العربية من ثورات سلمية إلى ثورات مسلحة، إذ تحولت أجهزة الدولة الأمنية إلى عصابات. وبما أنّ أنظمة الاستبداد مستندة، أصلً، إلى قواعد اجتماعية قبلية، أو طائفية، متحالفة مع مصالح طبقية مختلفة، انقسم المجتمع، واضطر الشعب إلى الدفاع عن نفسه. وبما أنّه لم يراكم تجربة حركات سياسية عسكرية، تخوض الكفاح المسلح، نشأ خطر تحوّل مبادراته المحلية للدفاع عن الذات إلى فوضى مليشياوية، يصعب تحويلها إلى جيش تحرير وطني. لقد بدأ هذا كله في سورية وليبيا. وهو ما فتح المجال، من جديد، لخطري التدخلات الأجنبية والإرهاب.

لم تغب المحاور الدولية عن مشهد الثورات العربية، فقد أدّت إيران وروسيا دورًا في تشجيع النظام السوري على الصمود في وجه المطالب الشعبية. كما تدخلت قوى غربية وخليجية مباشرة في ليبيا على شكل حظر جوي وضربات جوية ضد قوات القذافي من دون أن يتبع ذلك تدخل بري. أما في سورية، فاقتصر الدعم على تسليح غير منتظم للمعارضة من بعض دول الخليج. وكان الخوف الغربي على استقرار الحدود مع إسرائيل، والخوف من الإرهاب ذي الطابع "الإسلامي" من عوامل امتناع الغرب عن دعم الثورة السورية. في حين حظي النظام السوري بدعم غير محدود من روسيا وإيران. ولم يرغب الغرب في دخول صدام مع هذا المحور من دون أن يضمن النتائج، وشكل النظام القائم في سورية. مثّل السلوك البراغماتي الأميركي أبرز المفارقات خلال السنوات الماضية، فالولايات المتحدة تجاهلت نداءات استغاثة الشعب السوري من قصف النظام، ومقتل مئات آلاف المدنيين، وطلب المساندة لمواجهة ممارسات ممارسات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام. لكنها تدخلت بعد إعدام التنظيم لمواطنين أميركيين وبريطاني وطلبت من الجميع - بمن فيهم الشعبين - السوري والعراقي، التجنّد معها لمحاربته. أرسى التدخل الدولي من جهة والتركيز على مواجهة الإرهاب من جهة أخرى واقعًا جديدًا غابت عنه حركة الشعوب العربية وقضاياها وتطلعاتها. كما حلّت المداولات الجديدة الجيوستراتيجية محلّ النقاشات الداخلية حول العدالة والحرية والتنمية. فمصالح الدول وحسابات في الربح والخسارة تتكلم، الآن. فمن ناحية يجري الحديث عن دول أخرى وأدوارها ومصالحها: إيران تركيا، والولايات المتحدة وروسيا، ويُشهَر الصمتُ عن الدول العربية وسيادتها واستقلالها. ومن ناحية أخرى، تهمّش الدولة داخليًا بوصل التحالفات الدولية مباشرةً مع قضايا، مثل الأقليات الدينية والإثنية، كأنها قضايا قائمة بذاتها خارج حل قضايا الشعوب بمجملها، في إطار العدالة والديمقراطية والتعددية السياسية والثقافية وغيرها، ما يقود إلى حلها خارج مفهوم الدولة وإطارها. في المحصلة، كانت الثورة الشعبية (أو الإصلاح الديمقراطي) فرصة الدولة العربية الوحيدة. لكن قمعها بالخيار العسكري الأمني قلب الدولة إلى ساحة مواجهة بين محاور دولية، وهو ما نبه إليه الدكتور عزمي بشارة وأكده معظم المشاركين في المؤتمر.

الأوضاع السياسية والاجتماعية في دول الهلال الخصيب

الأزمة العراقية: مشهد ما بعد الانتخابات

نشأت الوطنية العراقية على تفاهمات سياسية في النصف الأول من القرن الماضي، و كانت تقوم بالأساس على تفاهم شيعي سني و تفاهم جانبي مع الأكراد. لكن الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 غيّ التفاهمات السابقة وأوجد صيغة جديدة أساسها اتفاق شيعي كردي مع ترضية جانبية للسنة، وما خلق استقطابا واحترابًا طائفيًا برز عيانًا في الانتخابات البرلمانية العراقية 2014 من خلال القوائم الانتخابية الطائفية. لم يقتصر التشظي المجتمعي في الانتخابات الأخيرة على مستوى الطوائف، بل حضر ضمن الطائفة الواحدة. فعلى سبيل المثال تفتت المجال الإسلامي الشيعي خلال عقد واحد في التحالفات الانتخابية من تحالف موحد إلى قائمتين، و أخيرًا إلى أربع مجموعات رئيسة وثماني مجموعات صغيرة. يعكس المشهد السابق غياب ما يمكن تسميته "التهديد الخارجي" للفئة الطائفيّة، والذي كان دافعها للوصول "موحدة للسلطة"، وهو ما ساهم في تفتيت وحدة الطائفة إلى ولاءات أكثر فرعية. وبمعنى أدق، فإنّ تحقق هدف التجميع التوحيدي في الوصول إلى السلطة، والهيمنة على مقاليد الحكم وموارد الثروة المجتمعية (وشطرها الأكبر: ريع النفط) أعاد جميع عوامل التشظي الاجتماعية القائمة وسط أي جماعة، مهما كان معلمها الفارق، دينيًا أو إثنيًا. لقد اعتمد رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي إستراتيجية إضعاف الخصوم السياسيين ليستمر في الحكم لولاية ثالثة، و كانت تستند على ثلاثة مرتكزات: أ - تضخيم "الخطر السني"، ب- فكرة حكم الأغلبية كنقيض للحكم التوافقي، ج- تقسيم الكل منافسين أكانوا أم أعداء من طوائف وإثنيات أخرى. لكن نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية، والتي وضعت المالكي وتحالفه الانتخابي في المرتبة الأولى، تزامنت مع اقتحام تنظيم الدولة الموصل والاستيلاء عليها، فعرّى ذلك قوته ونسف الحسابات السياسية والانتخابية آنذاك بشكل حتّم استبدال المالكي كضرورة راهنة ملحّة لمواجهة تنظيم الدولة. وعلى الرغم من أنّ رحيل المالكي مثّل تطوّرًا إيجابيًا، فإنّ جوهر مشاكل العراق، وفق طرح الدكتور فالح عبد الجبار لا ينحصر في شخص، بل يكمن في غياب دولة المؤسسات.

المشهد السوري ما بعد التدخل الأميركي

لم يعرف المشرق العربي نشوء أيِّ نظام إقليمي بالمعنى الحقيقي للكلمة، وما كان قائمًا من استقرار نسبيٍّ في العقود الماضية لم يحصل على أساس تفاهمات واتفاقات تنشأ عنها التزامات الدول تجاه بعضها، وإنما نتج من تفاهمات من خارج الإقليم بين الدول الكبرى. لذلك فإن تسمية "النظام الإقليمي شبه الاستعماري"، تعدّ الأكثر تعبيرًا في وصف توازنات دول المشرق العربي وتفاعلاتها. ذلك أنّ استقراره كان نتاجًا لتوازنات خارجية، يكفي أن تهتز حتى يفقد الإقليم استقراره، وتندلع فيه حروب السيطرة من داخله تقودها عادةًالدول الأقوى لبسط سيطرتها على الدول الأضعف أو إلحاقها بها. مثّلت الثورات العربيّة عامّة والثورة السورية بشكل خاصّ فرصة لخلق توازنات في المشرق العربي، وساد أمل بأن تسهم الثورات في إنتاج أنظمة حكم حرّة الإرادة، تعبّ عن شعوبها، وتملك خياراتها وتعقلن توجهاتها الخارجية بما يتواءم مع مصالحها الوطنية. لكن قوى خارجية، وقوى إقليمية متضررة من تبدّل الحسابات وتغيّ التوازنات، قادت توجّها مناقضًا أفضى إلى الواقع الراهن الذي تعيشه سورية والعراق أيضًا. وبناء عليه، فإنّ تنظيم الدولة الإسلامية، وصعوده، يمثّل مصالح الثورة المضادة في إستراتيجية الحرب الدائمة في المشرق العربي كي يبقى تحت السيطرة ومنع الشعوب من أخذ السلطة بأيديها. فالتنظيم وكسائر التنظيمات الجهاديّة ينمو في بيئة تسودها الفوضى والانقسام المجتمعي، وتناقض المصالح. لذلك فإنّ إنقاذ المشرق العربي ودوله من التفكك والانقسام يفرض، وفق طرح الدكتور برهان غليون، على الفاعلين المحليين تجاوز منطق المصالح الآنية، والتركيز على التحديات الإستراتيجية، إضافة إلى عقد منتدى إقليمي للحوار بين النخب يضمّ نخبًا من المشرق العربي وتركيا وإيران.

الهلال الخصيب: صراع داخلي أم تنافس إقليمي ودولي؟

يرتبط النظام الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط ارتباطًا يصل حد التبعية ببنية النظام الدولي، إذ كان الأول (الفرعي) يتحوّل ويتغيّ بموجب التحوّل والتغيّ الذي يطرأ على بنية الثاني (الكلي.) فمنذ نشأة النظام الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى، كانت علاقات التبعية واضحة، واستمرت تجلياتها حتى اليوم. إن نشأة النظام الإقليمي العربي والشرق الأوسطي عمومًا نتيجةً لتغيّ علاقات القوة في النظام الدولي أثّر بشدة في بنيته وانعكس على مكوّناته. وقد أسهم النظام الدولي الذي نشأ في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية في تكريسه وضبط توازناته. لقد استقرّ النظام الإقليمي عندما تحوّل النظام الدولي إلى نظام الثنائية القطبية، لأنّ علاقات القوة السائدة في المستوى الأعلى ما كانت لتسمح بأي تغيير جوهري في المستوى الأدنى، فظلت الصراعات و التغيرات الإقليمية مضبوطة، لا بل ممنوعة، لأنّ حدة الاستقطاب كان يمكن أن تنقل أي مواجهة إقليمية إلى مواجهة على المستوى الدولي، وكان البديل للصراع بين القوى الرئيسة في الإقليم الطامحة إلى مزيد من القوة والثروة وتغيير موازين القوى لصالحها أو على الأقل منعه من التغيّ لصالح غيرها، هو انطلاق حرب باردة إقليمية شكّلت صدى للحرب الباردة الكبرى الدائرة على المستوى الدولي ومرتبطة بها. لذلك فإن تجدّد الانخراط الأميركي في المنطقة نتيجة صعود تنظيم الدولة، سوف يعيد ترتيب علاقات القوة فيها عبر مدخلين أساسيين: الأول تراجع نسبي في أدوار الفاعلين الإقليميين في ضوء عودة واشنطن لممارسة دور أكبر خاصة في العراق، والثاني عبر التحالفات والتفاهمات الإقليمية التي ينشدها الأميركيون لمواجهة صعود تنظيم الدولة. وتأسيسًا على ما سبق يطرح الدكتور مروان قبلان تساؤلً جوهريًا هو: هل سيستمر التحالف الذي أنشأه الأميركيون مع شركائهم التقليديين؟ أو هل سيطرأ تغيير عليه مع تزايد المؤشّات على تنيسق غير مباشر أميركي- إيراني في العراق؟

السلطة المركزية وانفلات الميلشيات

شهدت منطقة الهلال الخصيب خلال العقد الأخير تغيرات بنيوية مهمة، فقد ساهم الاحتلال الأميركي للعراق في انهيار الدولة العراقيّة ومؤسساتها، كما أنّ انتقال الثورة في سوريّة إلى العمل المسلّح، وتحوّل الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية إلى "ميليشيا مقاتلة"، وغياب الحسم العسكريّ لمصلحة أي من الأطراف المتصارعة، ودخول العنصر العسكري الخارجي (حركات جهادية، وميليشيات طائفية) ألقى بتداعياته على سورية والعراق، وعلى المنطقة بشكل عام لجهة حضور دور الفاعلين من غير الدولة وازدياده.

دور التنظيمات الشيعية في ظل تراجع دور الدولة العراقية

يعود التنافس الهوياتي في العراق إلى بداية القرن العشرين، لكن السياسات الأميركية في العراق بعد الاحتلال أحدثت تغييرًا فارقًا بنقل

العراق من دولة أمّة إلى دولة مركّبة من هويات طائفية وإثنية، الأمر الذي مهد الطريق لبروز ظاهرة الميليشيات المسلحة والمرتكزة على ولاءات فرعية. لطالما كانت العلاقة بين قوة الدولة وتنامي دور الميليشيات علاقة تناسب عكسي، فكلما ضعفت الدولة، ازدادت قوة الميليشيات، والعكس صحيح. فعلى سبيل المثال، التفّ قسم كبير من الميليشيات أوروبا. الشيعية حول فكرة المهدي وما يدور حولها بصفتها فكرة خلاصية، وفي الوقت ذاته فكرة "استعمالية" توحي بأنها صاحبة فكرة العدالة وحاملة لها بعد عقود من التهميش السياسي والاجتماعي. لم يتنبه الأميركيون بعد احتلالهم للعراق عام 2003 إلى احتمالية نشوء ميليشيات طائفية شيعية، لذلك عمدوا بعد ظهورها إلى دمج الميلشيات في المؤسسة الأمنية الرسمية. ومن ثمّ توسّعت الدولة في هذا الأمر، وأصبح دعم المليشيات ضمن السياسات الطائفية التي اتبعتها الحكومات المتتالية. كانت الإستراتيجية الرئيسة للميليشيات ما قبل سقوط الموصل، هي إحداث نوع من توازن الرعب مع التنظيمات الراديكالية السنية في محاولة لتكرار تجربة حزب الله مع إسرائيل، وكان هذا هو تفكير جيش المهدي الذي فكر بأن يشكّل توازن رعب مع تنظيم القاعدة. وظلت الميليشيات الشيعية، في السنوات اللاحقة، تتبنّى هذه الإستراتيجية بوصفها هدفًا أساسيًا لها. لا يمكن الحديث عن تحوّل عن هذه الإستراتيجية إلاّ بعد سقوط الموصل، إذ أطلق التحوّل داعش إلى مبدأ مسك الأرض وإقامة دولة الخلافة، الباب لمواجهة شاملة معها من الميليشيات الشيعية. مثّل سقوط الموصل نقطة مفصلية في مشهد الميليشيات الشيعية، التي شهدت طفرة ما بعد هذا التاريخ لجهة حضورها وتوسّع دورها ونفوذها. لكن مستقبلها لا يبدو واضحًا مع برنامج رئيس الوزراء العراقي الحالي حيدر العبادي القائم على حصر السلاح في الدولة، ما يعني حل هذه الميلشيات. علاوة على تناقض مشروع الحرس الوطني تمامًا مع فكرة وجود الميلشيات. في المحصلة فإنّ نموّ القوى أو التنظيمات المسلحة غير الرسمية (الميليشيات) وتطوّرها في العراق، يرتبط بمنطق الدولة الفاشلة، إذ أنّه كلما أصبحت الدولة فاشلة، في العراق وفي المنطقة العربية عمومًا، أي كان ثمة نقص في الاعتراف بشرعيتها، أو عجزت عن أداء الخدمات العامة، ومنها خدمة الأمن، تنشأ تنظيمات ميليشياوية، استجابةً لارتباك البنية الأمنية، وهو جوهر ما طرحه الدكتور حيدر سعيد.

تنظيم الدولة الإسلامية فاعل ا إقليميًّا

لم يتحوّل تنظيم الدولة الإسلامية فاعلً إقليميًّا عابرًا للحدود إلّ مع إزالته الحدود بين سورية والعراق، وإعلان زعيم التنظيم أبي بكر البغدادي الخلافة الإسلامية. ومن ذلك الوقت، عزّز حضوره، ونوّع مصادر تمويله، وقدراته العسكرية وطرح نفسه في الإعلام حالةً جهاديةً ناجحةً، واستطاع استقطاب كثير من الجهاديين القادمين من

مثّل تنظيم الدولة نموذجًا من نماذج متعددة عابرة للمجتمعات، تتمثّل بالجماعات الدينية والطائفية، والتي أصبحت فاعلً رئيسًا في ظل حالة الفوضى السياسية والأمنية، فالجماعات الشيعية العراقية وحزب الله والقوى الكردية والحركات السلفية الجهادية وفروع القاعدة والحوثيين تتوافر فيها الشروط السياسية والمجتمعية نفسها التي أدت إلى صعود تنظيم الدولة. لكن، ما ميّز تنظم الدولة أنّه وبخلاف الحالات السابقة استطاع السيطرة على مناطق واسعة في سورية والعراق خلال وقت قصير، وهو ما يطرح تساؤلات عدة. يعود صعود نفوذ تنظيم الدولة إلى عاملين وزيادته كذلك؛ الأول: صعود المسألة الطائفية ووجود فراغ سياسي سني، وتوظيف إيران للورقة الشيعية والانتماء الشيعي للتمدد في المنطقة وبناء النفوذ فيها، وأيضًا انحراف طابع الصراع في المنطقة من صراع سياسي إلى صراع هوياتي؛ والثاني: سياسات الأنظمة السلطوية وقمع الاحتجاجات السلمية، وحالة الانسداد السياسي، وتعثّ التحوّل الديمقراطي في المشرق العربي. إنّ نموّ الدور السياسي والأمني والعسكري لهذه التنظيمات والجماعات، يدلّ على فشل الدولة الوطنية العربية في الإدماج السياسي وحماية قيم المواطنة والقانون، وسيادة حالة من الفوضى الأمنية والفراغ السياسي. وعليه، فإنّ صعود تنظيم الدولة الإسلامية محليًا وإقليميًا، وفق طرح الدكتور محمد أبو رمان، ليس طارئًا وهزيمته تتجاوز الجانب العسكري والأمني، إلى مواجهة الشروط الموضوعية السياسية التي تقف وراءه، ووراء التنظيمات والنماذج الشبيهة.

دينامية تطور دور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق

على الرغم من أنّ تنظيم الدولة ينشط بشكل فاعل في كل من سورية والعراق، إلاّ أنّ تجربته تختلف بين فرعي التنظيم. فبنيته في العراق يغلب عليها الطابع المحلي على عكس الجناح السوري الذي يشكّل

فيه المقاتلون الأجانب أغلبية واضحة أو قوة مسيطرة. كما أنّ مقاتلي التنظيم في العراق أقل "تشددًا" من أعضاء التنظيم في سورية، وهو ما يبدو جليًا في تعامل الجناحين مع المدنيين في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في البلدين كل على حدة. كما يكتسب مقاتلو التنظيم في العراق حاضنة شعبية أكثر من تلك التي يتمتّع بها الجناح السوري، لاضطرار العراقيين السنة المفاضلة بينه والمليشيات الشيعية والقوات الحكومية؛ أما مقاتلوه، فهم ثلاثة أصناف: الصنف الأول: جهاديون فكرًا وعملً وهدفًا، وهم أعضاء تنظيم القاعدة السابقون وجماعات سلفية جهادية عراقية أخرى ومقاتلون عرب وغربيون من جنسيات مختلفة. وهم يمثّلون ما بين 03 إلى %35 من مجموع مقاتلي التنظيم بشكل عام في العراق من بينهم %90 مشاريع لعمليات انتحارية، وغالبية المقاتلين العرب من السعودية وتونس ومصر وسورية واليمن، فيما تحتل فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا الصدارة في الدول الغربية. الصنف الثاني: هم ما يطلق عليهم اليوم المضطهدين، وهم من المعتقلين السابقين في سجون الحكومة ومن قبلها القوات الأمريكية ومن ذوي ضحايا العنف الطائفي بالعراق والمسحوقين تحت آلة التهميش والإقصاء والتمييز الإثني الطائفي، والذي حوّل جزءًا كبيرًا من العراقيين السنة إلى مواطنين من الدرجة الثانية. لقد وجد هذا الصنف تنظيم الدولة الإسلامية فرصة نجاة وحيدة من البطش اليومي لقوات الحكومة، وأداة للانتقام من المليشيات الممولة إيرانيًا ومسنودة حكوميًا. يتغذى هذا الصنف على الحقد والكراهية والرغبة في الانتقام، ويمثّل الأغلبية المطلقة في الجسد العام لتنظيم الدولة الإسلامية، ويعدّ تاريخ انتمائه للتنظيم حديثًا جدًّا لا يتجاوز تسعة أشهر في أفضل حالاته، ويمتازون بخبرة عسكرية وشراسة في القتال، لا تقل عن الصنف الأول إلاّ بمسألة الإيمان بالهجمات الانتحارية والقابلية لتنفيذها. كما أنّ غالبيتهم لا تؤمن بفكرة الخلافة الإسلامية التي أعلنها البغدادي ويعدّونها صعبة التنفيذ على الأرض ومشروعًا غير مؤهّل للقبول من الوسط العربي السني على أقل تقدير لا سياسيًا ولا اجتماعيًا ولا دينيًا وجميعهم من النسيج العراقي الشمالي والغربي والأوسط. الصنف الثالث: مقاتلو المصلحة وعلى الرغم من كونهم قلة في التنظيم، فإنّهم مهمّون من ناحية تأثيرهم داخل المجتمع السني بالسلب أو الإيجاب. وهم بتعريف أدق، الساعون إلى عودة عقارب الساعة إلى الوراء، إلى ما قبل عام 2003. و يستخدم هؤلاء تنظيم الدولة الإسلامية كحصان طروادة لتحقيق أهدافهم. وعلى الرغم من معرفة قيادات التنظيم العليا بذلك، فإنّهم يستمرّون في علاقة الشراكة تلك لمصالح تتعلّق بالطرفين. ولعل العلاقة الجيدة مع تنظيم جيش الطريقة النقشبندية التابع لنائب الرئيس العراقي السابق عزة الدوري، تشرح استمرار هذه الشراكة في وقت دخل فيه تنظيم الدولة في صراع من فصائل جهادية سلفية معروفة، ولها ثقلها في الشارع السني لأسباب أقلّ ما يقال فيها أنّها لا تستحق. لقد استغل تنظيم الدولة الحراك الاحتجاجي السلمي في المحافظات الغربية في العراق ومن ثمّ المسلح، وتغذّى على نقمة الشارع ضد الحكومة وأخطائها. و تقتضي مواجهة تنظيم الدولة بحسب الإعلامي عثمان المختار إنهاء الظلم والاضطهاد والتهميش والإقصاء منذ الاحتلال الأميركي للعراق، والذي استمر في عهد الحكومات التوافقية العراقية.

سياسات الفاعلين الإقليميين تجاه صعود تنظيم الدولة الإسلامية

أحدثت الثورات العربية تغيرًا كبيرًا في المشهد الجيوبولتيكي للمشرق العربي، ولا سيما بعد تراجع تأثير دول مركزية ضمنه، وتوسع حضور اللاعبين الإقليميين ونفوذهم خارجه، ولا سيما إيران وتركيا، والتنافس بينهما. وقد أحدث صعود تنظيم الدولة منتصف عام 2014 وسيطرته على مساحات واسعة من سورية والعراق إرباكًا للحسابات الإستراتيجية للفاعلين الدوليين والإقليميين، وأعاد خلط الأوراق والتحالفات القائمة.

المنطقة العربية ساحة للتنافس: إيران وتوظيف الفوضى

يحدد العقل الإستراتيجي الإيراني التطرف الإيديولوجي المعادي للشيعة بالعموم والسياسة الإيرانية على وجه الخصوص كأحد أبرز التهديدات لإيران، بمحتواه بالغ التشدد. ويقف تنظيم الدولة الإسلامية في هذا الخصوص بوصفه النموذج الأبرز، والأكثر تمثيلً لهذا التهديد، وذلك في ثلاث ساحات رئيسة هي سورية والعراق واليمن.

في الحالة السورية، تبنّت إيران خطابًا سياسيًا يحذّر ممّ تعدّه "كارثة" تحلّ بسقوط الأسد، كون التركيبة الطائفية الهشة والمعقدة في سورية ستختل، وهو ما يسمح بتمدد القوى الإسلامية السنية، خصوصًا في نسختها الأشد تطرفًا، ويخلق فوضى عارمة، لن تبقى آثارها ضمن حدود سورية، بل ستمتد لجوارها خصوصًا في العراق ولبنان، وربما المجال الإقليمي كلّه. وفي العراق، لم تنظر إيران لداعش بوصفه تهديدًا فحسب، بل اتهمت أطرافًا إقليمية بدعمه ماديًّا وبشريًّا، وتوفير حاضنة شعبية له في الأوساط السنية وذلك بالتركيز على الدعاية الطائفية ضدها. أمّا في اليمن، فقد استثمرت إيران ساحة الفوضى وأزمة الدولة وحالة الفراغ السياسي بعد الثورة اليمنية، وعززت موقف الحوثيين والانقسام الطائفي، ودفعت صوب تأكيد هوية شيعية لليمن. بعد صعود تنظيم الدولة، بدأت الحكومة الإيرانية الحالية تستثمر بشكل متصاعد في خطاب مكافحة الإرهاب، واستخدامه كأرضية للتقارب مع الولايات المتحدة، خصوصًا أنّه قد جرب في أفغانستان وإن على نحو محدود، عندما وفّرت إيران معلومات إستراتيجية ساعدت الجيش الأميركي في هجماته على طالبان. وعلى الرغم من وجود تيارات سياسية في إيران تعارض التقارب مع الولايات المتحدة الأميركية، فإنّ الحكومة الحالية ترى أنها تشترك مع الولايات المتحدة في وحدة المخاوف بخصوص احتمال سقوط الحكومة العراقية عسكريًا على يد تنظيم الدولة الإسلامية، كما يتشارك الطرفان الرغبة في بناء جيش عراقي قادر على ردع تنظيم "الدولة"، والحد من تمدد سيطرته الجغرافية على المزيد من المدن والمناطق العراقية. وهو ما سيكون له، وكما يرى أصحاب هذا التيار، في الداخل الإيراني أثر كبير في نفوذ إيران في المنطقة العربية، وسيعضده ولا يقلّص منه عكس ما يروّج. ووفقًا للدكتورة فاطمة الصمادي، فإنّ هذا النفوذ سيحظى بدعم دولي، في منطقة تعاني فراغًا للقوة، وتبحث عمّن يوازن القوة فيه.

جيوبوليتيك ما بعد الربيع العربي: تنظيم الدولة وتركيا

تشير التغيرات الجيوبولتيكية الأخيرة في المشرق العربي إلى أنّ ثمّة جغرافيا سياسية عربية قيد التشكّل، وإن لم يظهر جليًا على أي صورة ستستقر. ومن أبرز سماتها بروز الفاعلين من غير الدول، والتنظيمات دون الدولة، على حساب الدولة القومية (الدولة الأمة، والمنظمات تركيا. الإقليمية.) لقد شكّل صعود الفاعلين من غير الدول، ونموذجه داعش، حالة غير مسبوقة في الجغرافيا السياسية العربية، فتآكل الدولة السريع في وجه الهبّات الجماهيرية ثم ترديها في وجه مخاطر الانقسام والعنف والفوضى، على الرغم ممّ تملكه نظم الاستبداد من منظومات أمن ودفاع، طالما استثمرت فيها على حساب التنمية التي حرمت منها شعوبها. تمثّل حالة تنظيم الدولة أبرز صور التحوّل الهيكلي في النطاق الأمني الإقليمي العربي. فبينما ظلت تركيا وإيران خارج الجغرافيا السياسية الحالية التي خلفها الربيع العربي وتعثّه، وإن ظلّ جزءًا من المكون الذي يصنع اللحظة، تقف السعودية بصفتها أبرز الفاعلين من الدول في مواجهتهما، في تعارض واضح بين توجهاتها وتوجهات هاتين الدولتين، ما أنتج أزمات مع تركيا على خلفية دعمها لحكم الإخوان، ورفضها لانقلاب السيسي في مصر، ومع إيران التي تجابهها في مختلف بؤر التوتر الشيعية السنية، من سورية إلى العراق وحتى لبنان واليمن. سارت السياسة الخارجية التركية على المنوال التقليدي الذي أثبت نجاعته لسنين عدة "صفر مشاكل مع الدول المجاورة" كهدف لهذه السياسة، ووصف لها، لكن ببروز التحدي المتمثّل في تنظيم الدولة، وتحوّله من تهديد يمكن التعامل معه واحتواؤه، إلى تهديد حقيقي توسّعي، خصوصًا بعد أحداث عين العرب، وما سبّبه من انعكاسات سلبية داخلية أثّرت بشكل كبير في السلام بين أنقرة والأقلية الكردية في الجنوب، ما دفع بمخططي السياسة التركية للتفكير في مراجعتها، وإعادة النظر في بعض مسلماتها، خصوصًا أنّ أنقرة بدا أنها تفقد بسرعة نفوذها لدى حلفائها التقليديين من الدول العربية (باستثناء قطر.) وأنّه عليها البحث عن تحالفات قوية في المنطقة. وعلى الرغم من تململ أنقرة وتردّدها في الانضمام للتحالف، فإنّ الباحث ال كيرر بولنت أرس يرى أنها أصبحت في حكم المنضمّ للتحالف، لكنها تحاول استثمار دورها لتحقيق أهداف في سياساتها الخارجية كإضافة منطقة لحظر الطيران في الشمال السوري، والنظر في مشكلات الحدود الراهنة خصوصًا في مسألة اللاجئين، وعدم التعامل مع مشكلة سورية بمنهج مجتزئ، وضرورة التعامل الشامل معها، مرر حزب العدالة والتنمية قرارًا برلمانيًا – بعد معارضة شرسة - يجيز للقوات المسلحة التركية العمل عبر الحدود، ويتيح لقوات أجنبية استخدام الأراضي التركية في العمليات العسكرية التي تدخل فيها

دور إقليم كردستان العراق في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة

أدى الإقليم دورًا رئيسًا في التوفيق بين الأحزاب الكردية في سورية متحالفةً أكانت أم معارضةً للنظام السوري، وسعى الإقليم لتحييد المكوّن الكردي عن بيئة الصراع الطائفي المحتدمة في الشرق الأوسط. خلال السنوات الأخ ةرر، وصل التطور السياسي لإقليم كردستان العراق إلى حد التطرف دولةً مستقلةً، ولعل مساهمات الإقليم في إحراز السلام بين حزب العمال والحكومة التركية رسخت من هذا الواقع. فقد كانت حكومة الإقليم جزءًا من الاتفاق الذي تضمّن سحب المقاتلين من تركيا إلى إقليم كردستان العراق، وهو ما قد يفسّ استهداف تنظيم الدولة الإسلامية لعين العرب (كوباني) وإثارتها للصراع بهدف ضرب عملية السلام داخل تركيا. يمثّل إقليم كردستان، الكيان المركزي بالنسبة إلى المسألة الكرديّة، لذلك يرى الباحث عبد الحكيم خسرو أنّ أمن هذا الإقليم واستقراره ضمانة لعدم ظهور صراعات يكون الكرد أحد أطرافها داخل العراق أو تركيا أو سورية، وسيخلق أي تهديد لإقليم كردستان العراق بالضرورة حالة من عدم الاستقرار في المنطقة، ويدفع صوب مزيد من سيناريو الدولة الفاشلة، الأمر الذي يفسّ المصلحة الغربيّة في مساعداته وتسليحه ضد تنظيم داعش، والحيلولة دون تمدده لمناطق الإقليم ثانية.

المواقف الخليجية من تنظيم الدولة الإسلامية

تعدّ منطقة الخليج العربي، ودول مجلس التعاون أبرز المتأثرين بالتطورات الأخيرة في المشرق العربي؛ فالدول الخليجية نظرت لتمدد تنظيم الدولة بوصفه تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، فانخرطت معظمها في التحالف الدولي الذي أنشأته الولايات المتحدة، وذلك على الرغم من خلافات عصفت بدول المجلس على خلفية الموقف من الثورات العربيّة. إنّحشد الولايات المتحدة لقوى إقليمية ودولية في حروبها ليس جديدًا، فقد كان لدول مجلس التعاون الخليجية دور في عدد من الحروب الأميركية، بل وساهمت في تمويلها. يسود رأي لدى شرائح شعبية خليجية مفاده أنّ دول الخليج مستهدفة من أطراف عدة لإجهاضها ماليًا وتخويفها من خطورة الحركات الدينية المتطرفة، ومن ثمّ، فقد جاء انضمامها إلى التحالف الدولي ضد داعش بسبب هذا التخويف الذي ساقه الغرب، والذي تم تصويره على أنّه شرُّ داهم تجاه دول المجلس ولا بدّ من ردعه. لذلك، يرى الدكتور محمد المسفر أنّ ثمّة عناصر أخرى غير الرهان على التحالف والحرب الطويلة الأمد ضد التنظيم، تستطيع من خلالها دول المجلس تحصين نفسها ضد هذا الخطر؛ وذلك عبر تحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين والإسراع في إجراء إصلاحات سياسية وإدارية واقتصادية، ومعالجة أسباب ظهور التطرف، وتحقيق تنمية مستدامة. من جهة أخرى، فإنّ الدول الخليجية مضطرّة، وبحكم التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تتعرّض لها المنطقة العربية، ومن ضمنها تفاعلات الثورات العربية وانعكاساتها على أمن المنطقة، وظهور التطرف الديني الطائفي، وتدّخل قوى إقليمية وعالمية في الشأن العربي، لتجاوز خلالفاتها، وتطوير العمل المشترك ضمن مجلس التعاون وصولً إلى صيغ وحدوية، تجعل شعوب الخليج ودوله جماعة واحدة ذات مصالح مشتركة، وهو ما ركّز عليه الدكتور عبد الله باعبود، بصفتها ضرورة راهنة في ظل غياب المنظمات الإقليمية العربية وشللها كجامعة الدول العربية والاتحاد المغاربي. ولتحقيق ذلك، تقع على السعوديّة مسؤولية كبيرة كونها أكبر دول المجلس من حيث المساحة والحجم السكاني، عدا عن كونها تمتلك موقعًا مهمًّ، وسياسة خارجية نشطة. لكن سلوك السعودية السياسي يتّسم بمجموعة من المحددات، تجعله ضيّق الأفق على المدى الطويل، فالخوف من إيران، ومواجهتها، واحتواء تداعيات الربيع العربي يعدّ أبرز أولويات المملكة وأهدافها حاليًا. وقد شبّه الباحث والصحفي الفرنسي آلان غريش السياسة السعودية تجاه الثورات العربية بسياسة الرئيس جورج بوش الابن وتبنيه مبدأ "من ليس معنا فهو ضدنا"؛ الأمر الذي خلق تناقضًا وخلافًا مع دول خليجية كقطر، وإقليمية كتركيا، وخصوصًا بعد التغيير في مصر. لطالما حرصت المملكة العربيّة السعودية في إستراتيجيتها في الساحة العربية على التواصل مع الحركات الإسلامية ولا سيما السلفية منها، ووظّفتها في بعض الحالات لتعزيز دورها وحضورها العربي. لكن بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 واحتلال العراق 2003، بدأت المملكة العربية السعودية تستشعر خطر السلفية الجهادية على المجتمع السعودي، وخاصة أنّ علماء الدين المحيطين بالمؤسسة الملكية لهم خطاب الجماعات الجهادية نفسه، وهذا أسس تناقضًا بين خطاب الدولة وخطاب العلماء، وفي المناهج التعليمية الرسمية. لذلك لا يوجد هوية سعودية واضحة، وليس لدى المملكة اتجاه سياسي واضح يفرض تبنّي إستراتيجيات معيّنة، ما يجعل سياساتها تتسم بالمرحلية والآنية، وردة الفعل.

رؤية تحليلية للتحالف العسكري ضد تنظيم الدولة وتداعياته

فرض تنامي قوة تنظيم الدولة، وعودة التدخل الأميركي العسكري في المنطقة واقعًا إقليميًا جديدًا، لم تتضح توازناته بعد، فالتطورات الأخيرة في العراق وسورية تنطوي على مخاطر وتهديدات جمة للبيئة الجيوستراتيجة العربية، لكنّ دولً إقليمية ترى فيها فرصة لتعظيم مكاسبها، وتعزيز نفوذها. يمكن القول أنّ المشكلات الراهنة التي تواجه العرب حاليًّا هي امتداد للتصدعات والعقبات التي أصابت العرب خلال نصف القرن الماضي، فالنظام العربي انقسم منذ نشوء الدولة الوطنية بين أنظمة "تقدمية" وأخرى "تقليدية"، لكن كلا المعسكرين غيّب الشعب عن المشهد السياسي، إذ شيّدت الأنظمة "التقدمية" دولة الاستبداد والتسلط، بينما تعاملت الأنظمة "التقليدية" مع الشعوب من واجب تأمين متطلباتهم المادية والحياتية فقط. ونظرًا لهشاشة التوازانات السابقة والتبعية للمحاور الدولية، فقد بدأ انهيار النظام الإقليمي العربي مع غزو العراق للكويت وتبعاته. إذ غاب العراق عن دوره ومكانته، وصعدت إيران بقوة على حساب الفراغ الذي خلّفه غياب العراق وضرب قدراته، ومع صعودها انتشرت الطائفية وبرز التطرّف. نسف تنظيم الدولة الإسلامية، الفاعل الجديد في المشرق العربي، القواعد الدبلوماسية المتعارف عليها، وتجاوز الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو، وعرض نفسه على العالم على أنّه استمرار للتاريخ الإسلامي القديم، ما دفع الولايات المتحدة الأميركية للعودة إلى التدخل عسكريًا في المشرق العربي. لكن حدود التدخل العسكري الأميركي ضد تنظيم الدولة واقتصاره على الغارات الجويّة، وغياب إستراتيجية أميركية لحل الأزمة في العراق من شأنه أن يبقي المشهد على حاله، بحسب رأي الدكتور عبد الوهاب القصاب، لجهة عدم معالجة الأسباب التي ساعدت تنظيم الدولة في العراق ووفّرت له الحاضنة الشعبية وفي مقدمتها الميليشيات الشيعية المرتبطة بإيران، وهي التي تعمل بدفع وتوجيه من إيران على زيادة الانقسام الطائفي والتفتت المجتمعي. وتعقيبًا على ما طرح عن "عودة التدخل الأميركي في المنطقة" تساءل الباحث أندرياس كريغ ال عن مدى حقيقة غياب الدور الأميركي في المنطقة حتى تعود من جديد؛ فالولايات المتحدة الأميركية وإن كانت غابت سياسيًا عن المنطقة، فإنّ تأثيرها كان حاضرًا في قوتها العسكرية والاقتصادية. وقد حاولت خلال الربيع العربي أن تتدخل بالحد الأدنى بسبب أولويات أخرى في منطقة شرق أسيا. بمعنى أنّ الانكفاء الأميركي خلق فراغًا حاولت القوى الإقليمية شغله، لكن صعود داعش اضطر الولايات المتحدة الأميركية للتدخل "عسكريًا" في المنطقة مرة أخرى على الرغم من عدم وجود إستراتيجية شاملة لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية. حاليًا، إن الخيار المتاح أمام الولايات المتحدة، هو احتواء تنظيم الدولة الإسلامية واستنزافه لا القضاء عليه. لذلك تعوّل على تدخل الدول العربية للتأثير في البيئة السنية؛ أي القبائل والعشائر العربية في العراق وسورية، ومحاولة استخدام الأكراد في الحرب على التنظيم، دون اهتمام جدّي بالمشاكل والمظالم الواقعة على الشعبين السوري والعراقي. وعلى الرغم من أنّ غالبية حلفاء الولايات المتحدة ينظرون لداعش بصفته مصدر تهديد، فإنّ مواقفهم ومصالحهم تتفاوت بشكل يحدد درجة انخراطهم. فعلى سبيل المثال، لا تتحمس تركيا وقطر للانخراط بفاعلية في التحالف فهما لا يعدّان الإسلام السياسي تهديدًا على المنطقة. كما أنّ أولويات تركيا تتمثّل بإزاحة النظام السوري والأخطار الأمنية التي يمثّلها حزب العمال الكردستاني، وعلى الطرف المقابل تبرز المملكة العربية السعودية والإمارات كدول متحمّسة ومنخرطة بفاعلية، لاعتقادهما أنّ أخطار الإسلام السياسي تفوق أي تهديد أخر على المنطقة العربية؛ ما يعني أنّ أطراف التحالف الدولي متضاربة في أهدافها ومصالحها وأولوياتها. يتناغم ما سبق، مع أخطار متعددة تشهدها منطقة الشرق الأوسط ببروز ظواهر محلية وخارجية معادية لفكرة الدولة الوطنية، واستمرار الشعور بالولاءات والانتماءات الضيقة في المشرق؛ ما يعني أنّ الحدود القائمة، والتي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو لم تعد ذات أهمية في ظل أزمة الهوية والاستقطاب القائم. أخيرًا، وبالنظر إلى جملة العوامل السابقة فإنّه من الصعب إنزال هزيمة سريعة بتنظيم الدولة الإسلامية دون وضع إستراتيجيات دولية وإقليمية (خليجية) لمواجهة التهديدات الخارجية للمنطقة العربية، وتوفير العدل في المجتمعات العربية، وإجراء الإصلاحات الثقافية، وتجديد فكر الحركات الإسلامية.

رؤية مستقبلية

كانت الجلسة الأخيرة (الطاولة المستديرة) في المؤتمر بمنزلة عصف ذهني للباحثين المشاركين في الندوة، وتضمنت مقترحات لدراسة ظاهرة داعش وتحولات المشرق العربي بشكل عام. فقد رأى عالم الاجتماع العراقي الدكتور فالح عبد الجبار أنّ المشكلة الأكبر في المنطقة تتجلّ في سؤاله: كيف تكون الدولة ممثلة للأمة؟ وشدد على هذه النقطة إطارًا يجب أن ننطلق منه لفهم دينامية الظواهر في المشرق العربي، لأنّ اختلال توزيع السلطة والموارد رمزيةً أكانت أم ماديةً بين مجموعات إثنية ضمن الدولة نفسها يؤدي إلى نزعات انفصالية، واختلاله بين طوائف يؤدي إلى حرب طائفية، واختلاله بين الطبقات يؤدي إلى صراع طبقي. أمّا الباحث التركي بولنت أراس فقد ركّز على ضرورة العودة إلى المسار الديمقراطي، وأخذ المطالب الشعبية في الحسبان كونها مصادر الاستقرار الحقيقيّة، وأنّ نشوء داعش، وتعاظم نفوذه مرتبط بشكل كبير بحالة الفوضى وغياب الاستقرار الناجمة عن الصراعات. ورأى الباحث العراقي حيدر سعيد أنّ دول المشرق العربي، والتي زوّدت المنطقة العربية بآدابها وفنونها وعلومها تنهار، وينهار معها التعدد والتنوع المعقد. لقد كان سقوط الموصول التعبير الأكثر دقة عن فشل مشروع التحديث في المنطقة العربيّة، فالجيل الذي نشأ في ظل الأنظمة الديكتاتورية جيل لا يؤمن بالآخر والتعددية، وما أبو بكر البغدادي إلاّ أحد إفرازات هذا الجيل؛ أمّا عبده موسى الباحث في المركز العربيّ فتطرق إلى مشكلة العقل التحليلي في تقييم خطر داعش معتقدًا أنّه "لا يمكن مواجهة خطر هذا التنظيم من دون تقييم موضوعي صحيح"، وما يفرض تسليط الضوء على هيكلية التنظيم وبنيته بحثيًا. ونبّه الباحث البريطاني في منتدى الدبلوماسية الجديدة جميس دنيسلوا إلى ضرورة أن تصل نقاشات المؤتمر، والمقترحات المطروحة إلى صنّاع القرار في الغرب عبر قنوات مختلفة كالتعاون مع مراكز الأبحاث الغربية أو عبر القنوات الدبلوماسية، وهو مقترح أيّده أندرياس كريغ الأستاذ المساعد في دائرة دراسات الدفاع في كنيغر كولج في جامعة لندن، ولا سيما أنّ معظم الباحثين اتفقوا على أنّ مواجهة داعش تتضمن بعدين رئيسين؛ اجتماعيًا وسياسيًا، وبعدًا عسكريّ. وأشار الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية في الأردن محمد أبو رمان إلى أنّ المؤتمر كان فرصة لتفكيك الشروط التي أدّت إلى الحال الراهنة، وأنّ غالبية المشاركين خلصوا إلى أنّ الأزمة الحالية تتجاوز أزمة الحدود، وتتجاوز أزمة داعش، فهي أزمة الدولة الوطنية ذاتها والتي تتطلب دارسة معمقة. ونوّه أبو رمان إلى أنّ جلسات المؤتمرات ركّزت على دراسة المتغيّ ات في الواقع الراهن متمنيًا أن تعقد ندوات تسلّط الضوء على ما سمّ ه "اليوم التالي" للوضع العربي الراهن، وعلى السيناريوهات المستقبلية. وختم أبو رمان مداخلته بالقول "إنّ القلق في المنطقة اليوم لا يتمثّل بصعود داعش عسكريًا، بل صعود داعش ك "نموذج"، وطرح الجدال الحاصل في مصر مثالً واضحًا على ذلك، ولا سيما أنّ الكثير من المصريين، ونتيجةً للانقلاب العسكري في مصر وما تمخّض عنه من انتهاكات واعتقالات ومصادرة للحقوق، بدأوا يرون في داعش نموذجًا أفضل للتعامل مع الديكتاتورية في المرحلة القادمة. كما تطرّق الباحث في المركز العربي الدكتور النور حمد إلى جانب غير مغطّى في النقاشات والمداولات ألا وهو الجانب الفكري. وبحسب حمد فإنّ مشكلة المنطقة الإسلامية الممتدة من أفغانستان إلى المشرق العربي إلى شمال أفريقيا هي مشكلة فكريّة، وهي ناجمة عن غياب الإصلاح الديني. ورأى أنّ أي حلّ لا يعالج القضايا الجوهريّة المتمثلة بغياب الإصلاح الدينيّ لن يذهب للمدى المأمول. وذكّر حمد بدور المثقفين قائلً "إن المثقفين مغرّبين بغالبيتهم، بمعنى تركهم الدين لرجل الدين، واعتقادهم أنّ الدين سيموت موتًا بطيئًا. الأمر الذي جعل الإسلام يبتعد عن قيم الحداثة." ولردم الهوة الحاصلة لا بدّ للنخب أن تقطع انفصالها عن الجمهور، وتركّز على موضوع إصلاح الدين، وأن تناقش التراث وتسعى لمزاوجته بالحداثة، أمّا عثمان المختار مدير مكتب صحيفة العربي الجديد في بغداد، فقد أعاد التذكير بأنّ معالجة ظاهرة داعش وأي ظاهرة متطرّفة تفرض معالجة الأسباب التي أدت إلى نشوئها وفي مقدمتها ما أسماه ب "المظلوميّة السنية في العراق وسوريّة"، وأفرد المختار جزءًا كبيرًا من مداخلته للحديث عن انتهاكات الميليشيات الشيعيّة، والتي تدفع كثيرًا من العراقيين السنة للانتساب لداعش ليس إيمانًا بأفكاره، بل لمواجهة انتهاكات الجيش والقوى الأمنية والميليشيات الطائفيّة. وعقّب الباحث العراقي عبد الحكيم خسرو على مداخلة المختار، ورأى أنّ ما يجري هو نتيجة من نتائج الحرب الطائفيّة في العراق مركّزًا على ضرورة تجاوز هذه الحالة ومعالجة من دون الوقوف على جدليّة "من بدأ؟" مشيرًا في هذا السياق إلى أنّ ظهور الميليشيات الشيعية هو نتيجة لسلوك المتطرفين والذين أجّجوا الحرب الطائفية بتفجير مرقدي الإمامين العسكريين عام 2006.

أمّا الدكتور برهان غليون فقد أوضح في مداخلته أنّ الأزمة تتمثّل في انهيار الدولة والعقد الاجتماعي الوطني. أي أنّ ما سبق ليس ناجمً عن افتقاد السيطرة أو التعدد الطائفي والمذهبي، بل مرتبط بخيارات سياسية خارجية امتدت لنصف قرن من تعطيل مجلس الأمن والعطب الحقيقي في النظام الدولي. لقد أوجد هذا الواقع دولة عظمى تتحكم في المصائر، وعلى الشعوب الأخرى أن تتحمل تداعيات قرارها إذا كان خاطئًا. وأشار غليون إلى الحالة السورية بصفتها حالة شارحة، فسياسات الولايات المتحدة وامتناعها عن لجم النظام وجرائمه ضد الشعب من جهة، وامتناعها عن تسليح قوى المعارضة أو السماح لآخرين بتسليحهم على الرغم من أنّ المعارضة السورية كانت أول من تصدى لخطر الإرهاب من جهة أخرى، قد أوصلت سورية إلى هذا الوضع السياسي المعقّد بما فيه ظهور تنظيم الدولة الإسلامية. اختتمت الجلسة بمداخلة الدكتور عزمي بشارة أثنى فيها على النقاشات الجدية خلال جلسات المؤتمر، وشدد على أنّ تنظيم الدولة الإسلامية أصبح ظاهرة جديرة بالدراسة بعد موجة العنف التي تلت ومرّت بها المنطقة، فلا القاعدة ظاهرة جديدة ولا السلفية الجهادية جديدة. فالحرب الأميركية في أفغانستان صدّرت إلى المنطقة نماذج فرعية من القاعدة، تشكّل مزيجًا ما بين القاعدة وحركة طالبان. وأشار بشارة إلى أنّ داعش ليس ظاهرة طائفيّة كما يعتقد البعض، بل نموذج يعبّ عن حرب دينية تكفيريّة كونها تكفّر الجميع حتى داخل الجماعة نفسها. كما أنّ الادّعاء بأنّ داعش تمثّل السنة أو تمثّل مظلومية سنية هو غير صحيح، والدليل أنّ غالبية العمليات الانتحارية في سورية نفذّتها ضد فصائل إسلاميّة، بل ضد فصائل سلفية كأحرار الشام ولواء التوحيد. ونوّه الدكتور بشارة إلى أنّ هناك عطبًا أخلاقيًا قيميًا تجاه معاناة الشعوب، يجعلنا ننفر من هذا الاستهجان فجأة. فجزء من الذين تستحوذ عليهم فكرة داعش، كان ينظر بعدم المبالاة التامة لما قامت به مجموعات الشبيحة والميليشيات الأخرى من ذبح وقتل بالسكين، وهذا يتطلب فحصًا وبالذات لدى فئات النخب العربية، فما مدى قدرة المثقفين العرب على إخضاع الموقف السياسي للقيم؟ وأكد على ضرورة أن نتخذ موقفًا عموميًا من رفض استخدام العنف في السياسة. وذكر بشارة أنّ التدخل الأميركي يجري الآن نتيجة حساسية الفيديوهات التي أثارتها لدى الرأي الغربي، وأنّ هذا التدخل هو تدخّل لحظي من دون إستراتيجية، ومن دون أن يكون هناك سيناريوهات مستقبلية لديها لما بعد هذه الحرب.