تفسير السياسات الأميركية - الأوروبية والروسية تجاه الأزمة الأوكرانية:
الملخّص
تناقش هذه الورقة أوجه الاختلاف الكبير بين سياق الأزمة الأوكرانية الحالية وسياق أزمات الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي السابق والولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيين. ففي حقبة الحرب الباردة، لم يكن هناك اعتماد دولي متبادل، ومصالح اقتصادية ومالية وعسكرية وسياسية متشابكة بين الكتلة السوفياتية والكتلة الغربية، مقارنة بما هو قائم حاليًا بين روسيا من جانب، والولايات المتحدة الأميركية وأوروبا من جانب آخر، من اعتماد دولي متبادل ومصالح اقتصادية ومالية متشابكة. لذلك، فإن تكلفة الصراع الحالي أعلى اقتصاديا وسياسيًا وعسكريًا على أطراف الأزمة الأوكرانية، من أي أزمة حدثت إبان الحرب الباردة. ترى الورقة أن تكلفة استمرار الأزمة الأوكرانية، دون التوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي لها، ستكون أعلى على كلٍ من روسيا ودول الاتحاد الأوروبي، مقارنة بالولايات المتحدة الأميركية. كما ترى أن تكلفة استمرار الأزمة، بالنسبة إلى بعض الدول الأوروبية، ستكون أعلى من نظيرتها من الدول الأوروبية الأخرى داخل الاتحاد الأوروبي، المكون من 28 دولة ذات أولويات خارجية مختلفة، ومصالح سياسية واقتصادية متفاوتة مع روسيا. فالأزمات في حقبة الحرب الباردة كانت تحدث وُتدار في ظل نظام دولي ثنائي القطب مثلته الكتلتان الغربية، والسوفياتية. أمّا الأزمة الأوكرانية الأخيرة فجاءت في سياق دولي مختلف، ما زالت فيه الولايات المتحدة الأميركية، هي القطب الأوحد في العالم.
إدراكات مختلفة، ومصالح متعارضة ومتشابكة، وسيناريوهات مستقبلية
مقدمة
في 18 كانون الأول/ ديسمبر 2014، ألقى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خطابًا في مؤتمره الصحافي السنوي قال فيه: "يريد الغرب تقييد الدب الروسي بالأغلال...القضية ليست القرم، بل إننا نريد حماية سيادتنا وحقنا في الوجود، فهل تريدون لنا أن نتحول إلى دمية." لخّص بوتين، بهذه الكلمات وبذلك التعبير المجازي إدراكه الصراع الروسي مع الغرب على الأزمة الأوكرانية، خاصة ضم روسيا شبه جزيرة القرم والصراع المستمر في شرق أوكرانيا وجنوبها بين الانفصاليين، الموالين لروسيا، والحكومة الأوكرانية الحالية الموالية للغرب1. وفي مقابل ذلك الإدراك الروسي للأزمة، صرح الرئيس الأميركي، باراك أوباما في 21 كانون الأول/ ديسمبر 2014 أنّ: "بوتين ليس بطل اللعبة، ولم يتغلب علينا في الأزمة الأوكرانية"، وذلك خلال مقابلة مع شبكة (سي إن إن) الإخبارية الأميركية، للرد على انتقادات الداخل الأميركي بأن بوتين خرج منتصرًا في تلك الأزمة على الإدارة الأميركية، وبأنّ العقوبات الاقتصادية الغربية التي فُرضت على روسيا، قد أسفرت عن انهيار العملة الروسية (الروبل)، وأزمة مالية كبيرة، وانكماش اقتصادي هائل في روسيا، وذلك في محاولة الغرب تغيير السلوك الروسي تجاه الأزمة الأوكرانية2. في حين حذرت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، عقب لقائها الرئيس الروسي بوتين، في اجتماع مغلق على هامش قمة العشرين في بريسبان، من تداعيات الأزمة الأوكرانية المحتملة، ومن احتمال اندلاع حريق شامل في أوروبا، إذا لم يتم التوصل إلى حل سياسي وسلمي لها3. أشارت هذه التصريحات الثلاثة الصادرة عن أهم أطراف الأزمة الأوكرانية إلى حقيقة وجود اختلافات جذرية في إدراكات أطراف الصراع لهذه لأزمة، فبينما يدرك بوتين أنّ جوهر الأزمة يكمن في أنّ الغرب يحاول تقييد روسيا إستراتيجيًا، بل وحتى إسقاط النظام السياسي الروسي، فإنّ الولايات المتحدة الأميركية تدرك الأزمة، بالتنسيق مع حلفائها الأوروبيين، على أنها محاولة غربية لردع روسيا عن اتخاذ مزيد من الخطوات التصعيدية في جنوب شرق أوكرانيا وشرقها، بعد ضمها شبه جزيرة القرم، من خلال تصعيد تشديد العقوبات عليها، وفي الوقت نفسه ترك الباب مفتوحًا على مصراعيه للتوصل إلى حل سياسي للأزمة، يضمن الحفاظ على السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي لأوكرانيا عن روسيا. وتتفق دول الاتحاد الأوروبي مع هذه الرؤية الأميركية للأزمة، إل أنها تختلف في زيادة درجة الإلحاح والرغبة الأوروبية في التوصل إلى حل سياسي لها مقارنة بالولايات المتحدة الأميركية، وفي وجود اختلافات وانقسامات أوروبية - أوروبية حول كيفية التعامل مع السلوك الروسي، بصفة عامة، في تلك الأزمة وحول طبيعة العقوبات التي يجب أن تفرضها الدول الأوروبية على روسيا ومدى شدتها، بصفة خاصة، بهدف إقناعها بتغيير سلوكها العدائي تجاه الأزمة الأوكرانية.
وتنطلق هذه الورقة من مقولتين رئيستين؛ ترتكز الأولى على فرضية أن سياق الأزمة الأوكرانية الحالية يختلف تمامًا عن سياق أزمات الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي السابق والولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيين في نقطتين رئيستين؛ تتمثّل النقطة الأولى في حقيقة أنه أثناء الحرب الباردة، لم يكن هناك اعتماد دولي متبادل ومصالح اقتصادية ومالية وعسكرية وسياسية متشابكة بين الكتلة السوفياتية والكتلة الغربية مقارنةً بما هو قائم حاليًا بين روسيا من جانب، والولايات المتحدة الأميركية وأوروبا من جانب آخر، من اعتماد دولي متبادل ومصالح اقتصادية ومالية متشابكة، وهو ما يجعل بدوره تكلفة الصراع أعلى اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا على أطراف الأزمة الأوكرانية من أي أزمة حدثت إبان الحرب الباردة. ويمكن القول إجمالً، إنّ تكلفة استمرار الأزمة الأوكرانية، دون التوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي لها، ستكون أعلى على كلٍ من روسيا ودول الاتحاد الأوروبي مقارنة بالولايات المتحدة الأميركية، بل إنّ تكلفة استمرار الأزمة بالنسبة إلى بعض الدول الأوروبية أعلى من نظيرتها من الدول الأوروبية الأخرى داخل الاتحاد الأوروبي، المكون من 28 دولة ذات أولويات خارجية مختلفة، ومصالح سياسية واقتصادية متفاوتة مع روسيا. بينما تتجسد النقطة الثانية في واقع أنّ الأزمات إبان الحرب الباردة، كانت تحدث وُتدار في ظل نظام دولي ثنائي القطب بين الكتلتين
الغربية والسوفياتية، أمّا الأزمة الأوكرانية الأخيرة فجاءت في سياق دولي مختلف ما زالت فيه الولايات المتحدة الأميركية، هي القطب الأوحد في العالم. فعلى الرغم من وجود إرهاصات ومؤشرات عديدة تدل على تراجع مكانة الولايات المتحدة الأميركية على الصعيد الاقتصادي، وصعود قوى دولية عديدة على الساحة الدولية، تحاول صوغ نظام دولي جديد، تؤدي فيه دورًا ملموسًا، فإنّ ذلك لا يمنع من القول بأن روسيا، بصفتها أحد الأطراف الرئيسة في الأزمة الأوكرانية، ليست هي (الاتحاد السوفياتي)، على الأقل عندما يتعلق الأمر بقدراتها الاقتصادية والعسكرية التقليدية مقارنةً بالولايات المتحدة الأميركية. كما أنّ الاتحاد الأوروبي المكون من 28 دولة الآن، والذي دخلت في عضويته دول وسط أوروبا وشرقها التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفياتي السابق، يختلف عن الجماعة الاقتصادية الأوروبية إبان الحرب الباردة. وعلى الرغم مما يواجهه الاتحاد الأوروبي من أزمات اقتصادية ومالية وسياسية عديدة، فإنّه أصبح له وزن سياسي أكبر في النظام الدولي الحالي عما كانت عليه الجماعة الاقتصادية الأوروبية. بينما تنطلق المقولة الثانية من وجود قناعة بأنّ أطراف الأزمة لا تريد لها أن تتحول إلى بداية حرب باردة جديدة، أو صراع عسكري مسلح أو سباق تسلح جديد، بل يستخدمون الأدوات الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية (الرمزية والمحدودة)، بهدف تحقيق مصالح كل طرف من دون رغبة في تحول الصراع إلى صراع عسكري بين القوى الدولية الكبرى. ومع ذلك، لا يمكن القول إنّ علاقات الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا مع روسيا ستعود إلى سابق عهدها، حتى إذا تمت تسوية الأزمة الأوكرانية سلميًا ودبلوماسيًا في المستقبل. بمعنى آخر، تستطيع كل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي تجنب (حرب باردة جديدة) مع روسيا، ولكنهما لا يستطيعان تجنب وجود (سلام بارد) بينهما وبين روسيا في المستقبل. وارتكازًا على تينك المقولتين، تحاول هذه الورقة البحثية تفسير الدوافع الحقيقية لأطراف الأزمة الأوكرانية انطلاقًا من اقتراب المصلحة الوطنية، المنظور الواقعي، الذي يحاول تفسير المواقف الأميركية والروسية والأوروبية في التعامل مع الأزمة منذ بدايتها في آخر عام 2013، وحتى بداية عام 2015. وتتناول الورقة أولً، جذور الأزمة الأوكرانية منذ استقلال أوكرانيا عن الاتحاد السوفياتي السابق وحتى بداية الأزمة الحالية، ثم تتطرق ثانيًا، إلى رصد تطورات السلوك الروسي والغربي (الأميركي والأوروبي) تجاه الأزمة منذ بدايتها في نهاية 2013، وحتى بداية 2015، ما بين سعي كل طرف إلى التصعيد والتهدئة. ثم تحاول الورقة ثالثًا، تفسير المواقف الأميركية والروسية والأوروبية من الأزمة، انطلاقًا من اقتراب المصلحة الوطنية وحسابات الرشادة الاقتصادية، في مقابل الحسابات السياسية والإستراتيجية لدى كل طرف من أطراف الأزمة. وتعرض الورقة رابعًا، السيناريوهات المستقبلية للأزمة الأوكرانية في ضوء المعطيات المتاحة، ثم تحاول في النهاية وضع خاتمة تلخص المواقف والإدراكات الثلاثة: الأميركية والروسية والأوروبية للأزمة الأوكرانية.
جذور الأزمة الأوكرانية (كانون الأول/ ديسمبر 1991 - تشرين الثاني/ نوفمبر)2013
تعود جذور الأزمة الأوكرانية المعاصرة إلى ربع قرن مضى، منذ حصول أوكرانيا على استقلالها من الاتحاد السوفياتي السابق في كانون الأول/ ديسمبر 1991. فمنذ ذلك الحين، ظلت أوكرانيا منقسمة تاريخيًا وثقافيًا وحضاريًا، بل وحتى جغرافيًا، بين توجهين رئيسين: توجه يرى أنها جزء من الإرث السوفياتي، ويجب أن تظل على علاقات وثيقة مع روسيا، وتوجه آخر يرى أنها يجب أن تنفتح بدرجة أكبر على الغرب4. وعلى مدار ثلاثة عشر عامًا، فشلت النخبة السياسية الأوكرانية في التغلب على الانقسامات السياسية الداخلية، وفي بناء اقتصاد قوي يضمن استقرار الدولة السياسي. وعلى خلفية ذلك الفشل السياسي والاقتصادي والفساد الإداري، اندلعت الثورة البرتقالية في أوكرانيا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2004، في إطار ما عُرف بالثورات الملونة في دول شرق أوروبا، بعد ظهور دلائل واتهامات لفيكتور يانوكوفتش، الموالي لروسيا، بتزوير نتائج الانتخابات الرئاسية. وقد أجبرت تلك الثورة يانوكوفتش آنذاك على إعادة الانتخابات التي أدت إلى فوز زعيم المعارضة، فيكتور ياشنكو، الموالي للغرب5.
وعلى خلفية الثورات الملونة في دول وسط أوروبا وشرقها، والتي عدّتها روسيا محاولة غربية لتغيير النظم السياسية الموالية والصديقة لها في منطقة أوراسيا والبلقان وشرق أوروبا، اندلعت الحرب في عام 2008، بين روسيا وجورجيا. ففي نيسان/ أبريل 2008، كانت قمة حلف الناتو قد وعدت جورجيا بالانضمام إلى الحلف. وتمثّلت ردة فعل روسيا على هذا الوعد بمزيد من تطبيع العلاقات مع إقليم أوسيتيا الجنوبية الذي كان يطالب بالانفصال عن جورجيا، ودعم هذا التوجه الانفصالي. وفي آب/ أغسطس 2008، اجتاحت القوات المسلحة الجورجية إقليم أوسيتيا الجنوبية. وعلى الفور أرسلت روسيا قواتها المسلحة إلى جورجيا وسيطرت على عاصمة الإقليم، وقبل أن تنسحب أقامت مناطق عازلة حول أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا التي كانت بدورها تطالب بالانفصال. وفي 26 آب/ أغسطس 2008، اعترفت روسيا بجمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا6. وتمثّل الهدف الأساسي لروسيا من تلك الحرب آنذاك، في منع توسع حلف الناتو في جورجيا وأوكرانيا، لكونهما منطقة نفوذ روسية خالصة، وخط دفاع أول للأمن القومي الروسي7. فلم تقتصر محاولات توسع حلف الناتو على أوروبا الشرقية فقط، بل امتدت إلى محاولات بناء علاقات قابلة للتنامي مع مناطق أخرى، ذات نفوذ، روسية خالصة (من خلال اتفاقيات الشركة من أجل السلام، والتدريبات العسكرية المشتركة.) فأذربيجان كانت أيضًا مرشحة للانضمام إلى حلف الناتو، وهو ما تعدّه روسيا لجمً لمجالها الحيوي، وهو أمر يتصادم مع منظور ألكسندر دوغين (المفكر الإستراتيجي الروسي)، والذي يتبناه بوتين كما يتبيّ من وثائق الأمن القومي الروسي منذ 2002. بمعنى آخر، عدّ ألكسندر دوغين "أوكرانيا" المنطقة الضعيفة [البطن] في جسد دائرة النفوذ الروسية. ويشرح دوغين الأمر بأنه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وظهور مؤشرات عديدة لميول أوكرانيا نحو الغرب، قد جعلها تتحول إلى ما يشبه مركزًا أمنيًا بالنسبة إلى الغرب في منطقة متقدمة، داخل القطب الشرقي أو بتعبير آخر أصبحت تقترب من أن تؤدي دور حصان طروادة للغرب في دائرة النفوذ الروسية، وهو ما جعل دوغين يؤكد ضرورة الحيلولة دون حدوث هذا الأمر8. ومنذ ذلك الحين، حاولت كل من روسيا والدول الغربية استقطاب أوكرانيا، من خلال محاولات دمجها في تحالفات اقتصادية وسياسية، بما يضمن دورانها في دائرة النفوذ السياسي لكل طرف. ففي عام 2009، دشن الاتحاد الأوروبي مبادرة عُرفت بمبادرة الشراكة الشرقية Eastern Initiative Partnership)) مع أوكرانيا ودول وسط أوروبا وشرقها، بهدف خلق منطقة مستقرة على حدود الاتحاد الأوروبي الشرقية، وتدعيم توجه هذه الدول السياسي والاقتصادي نحو الغرب. وفي المقابل، أطلقت روسيا في العام نفسه مبادرة تكامل اقتصادي إقليمية في 2011، هدفت إلى تأسيس ما يعرف باتحاد جمركي أوروآسيوى Eurasian Customs Union(بحلول 2015)، يهدف إلى استعادة النفوذ الروسي في الدول التي كانت في السابق جزءًا من الاتحاد السوفياتي، من خلال إقامة تجمع اقتصادي قوي يضم 200 مليون مستهلك، وتمثّل أوكرانيا ما يقرب من ربع سكان هذا التجمع9. إلا أنه في 2010، أعادت الانتخابات الرئاسية في أوكرانيا يانوكوفتش، الموالي لروسيا، إلى سدة الحكم من جديد وبدعم روسي واضح. وظل يانوكوفتش، طوال فترة حكمه لأوكرانيا منذ 2010 وحتى 21 شباط/ فبراير 2014، يراوغ ويناور ما بين عقد اتفاق شراكة اقتصادي مع الاتحاد الأوروبي من جانب، أو اتفاق للانضمام إلى الاتحاد الجمركي الأوراسي من جانب آخر، يهدف إلى انتشال أوكرانيا من أزمتها الاقتصادية الخانقة. وعلى الرغم من أنّ أغلبية الشعب الأوكراني، كانت ترغب في توقيع أوكرانيا اتفاقية الشراكة الاقتصادية والسياسية مع الاتحاد الأوروبي، فإنّ بوتين استطاع من خلال ممارسة الضغوط السياسية على يانوكوفتش، وتقديم وعود بمساعدات مالية هائلة، وتخفيضات في أسعار الغاز الروسي إلى أوكرانيا، إقناعَه بتعليق اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013 10.
السلوك الروسي ورد الفعل الغربي تجاه الأزمة الأوكرانية (تشرين الثاني/ نوفمبر 2013 - كانون الثاني/ يناير)2015
عندما اتخذ يانوكوفتش قراره بتعليق توقيع أوكرانيا اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، ووقع في المقابل
اتفاقية اقتصادية مع روسيا في كانون الأول/ ديسمبر 2013، تحت إغراء بوتين بمنح كييف 15 بليون دولار في صيغة قروض، وتخفيض سعر الغاز الذي تستورده أوكرانيا من روسيا بمقدار الثلث، كان قد أطلق العنان لردات فعل غاضبة لعدد كبير من الأوكرانيين، الأمر الذي أدى إلى احتلال المتظاهرين ميدان الاستقلال في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 201311. ثم تصاعدت حدة التظاهرات الأوكرانية وكثافتها عندما أصدر البرلمان الأوكراني قانونًا ينظم ويقيد حق التظاهر، الأمر الذي حول ساحات المدن الأوكرانية وميادينها، خاصة العاصمة كييف، ساحة معارك، واندلعت مواجهات عنيفة بين الشرطة والمتظاهرين، أسفرت عن مصرع المئات وإصابتهم، ما زاد من تفاقم الأزمة السياسية في البلاد، خاصة وأنّ الدولة كانت تمر بأزمة اقتصادية كبيرة منذ فترة، فضلً عن انتشار الفساد في معظم أجهزتها ومفاصلها الأساسية12. واستمرت الأزمة بين المتظاهرين (المعارضة) والحكومة الأوكرانية قرابة الثلاثة أشهر. وكان وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبولندا والممثلة العليا للسياسية الخارجية والأمنية الأوروبية السابقة (كاثرين أشتون)، قد دخلوا في وساطة بين المعارضة الحكومة الأوكرانية آنذاك، أدت إلى اتفاقية تم توقيعها في 21 شباط / فبراير 2014، وقضت بأن يقّدم النظام الحاكم تنازلات سياسية كبيرة إلى المعارضة. وتضمنت أهم بنود الاتفاقية آنذاك، تشكيل حكومة وحدة وطنية، وإجراء انتخابات مبكرة بحلول كانون الأول/ ديسمبر 2014، وإدخال تعديلات دستورية تضمن توازن السلطات والقوى بين الرئيس والبرلمان والحكومة. إلّ أنّ الحوادث على الأرض شهدت تدهورًا شديدًا بعد مقتل عدد كبير من المتظاهرين على يد قوات الشرطة الأوكرانية، وفرار الرئيس الأوكراني إلى روسيا مساء يوم توقيع الاتفاقية التي رفض بنودها المتظاهرون في ميدان الاستقلال13. وفي صباح اليوم التالي لفرار الرئيس إلى روسيا، قرر البرلمان الأوكراني في جلسة طارئة عزل الرئيس يانوكوفتش من منصبه وتحديد يوم 25 أيار/ مايو 2014، موعدًا لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة في أوكرانيا، وتسليم مهمات الرئيس المعزول إلى رئيس البرلمان الأوكراني، ألكسندر تورتشينوف، مؤقتًا14. وتمثّل الموقف الروسي آنذاك في أنّ كلً من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، قد ساهما في الإزاحة غير الشرعية للرئيس المنتخب (يانوكوفتش) والمجيء بحكومة متطرفين ومتعصبين (حكومة انقلابية.) وعقب فرار يانوكوفتش من أوكرانيا، وافق البرلمان الأوكراني على تعيين أرنسي ياتسينيوك رئيسًا لوزراء أوكرانيا، مؤقتًا إلى حين إجراء الانتخابات. وكان القرار الأكثر ضررًا هو الذي اتخذه البرلمان الأوكراني بالتصويت على جعل اللغة الأوكرانية هي اللغة الرسمية الوحيدة للبلاد على كافة المستويات، وإلغاء اللغة الروسية لغة رسمية ثانية لأوكرانيا، ما أدى بدوره إلى ردات فعل غاضبة من السكان ذوي الأصول الروسية في شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا وجنوب شرقها، وأدت إلى اندلاع تظاهرات واضطرابات في شوارع هذه المناطق15. وتعاملت روسيا مع الأزمة الأوكرانية من منطلق أنها تمثّل مصدر تهديد خطير لأمنها القومي، ففي 27 شباط/ فبراير 2014، استولى مسلحون موالون لروسيا على عدد كبير من الأبنية الحكومية في شبه جزيرة القرم وعلى المطارات الرئيسة. وفي 1 آذار/ مارس 2014، وافق البرلمان الروسي (الدوما) على طلب بوتين السماح باستخدام القوة العسكرية الروسية في أوكرانيا، بذريعة حماية مصالح الأقليات الروسية المضطهدة في القرم، وهو الأمر الذي مثّل نقطة تحول خطيرة في الأزمة الأوكرانية. وفي صبيحة اليوم التالي وافق البرلمان الروسي على استخدام القوة العسكرية الروسية في أوكرانيا، فدخلت القوات الروسية إلى القرم، وفرضت سيطرتها الكاملة عليها. وفي 16 آذار/ مارس 2014، تم إجراء استفتاء في القرم حول الانضمام إلى الاتحاد الروسي ووافق %97 من السكان في الاستفتاء على ذلك من دون مراقبة دولية له. وفي 18 آذار/ مارس 2014، تم ضم القرم رسميًا إلى الاتحاد الروسي وفعليًا في ظل شجب ورفض وإدانة من أميركا وأوروبا للسلوك الروسي، بسبب انتهاك روسيا استقلال أوكرانيا وسلامتها الإقليمية16. إضافة إلى ذلك، دعت روسيا، على لسان وزير خارجيتها سيرجى لافاروف في 29 آذار/ مارس 2014، إلى إعادة اللغة الروسية لغةً ثانية رسمية لأوكرانيا، وإلى إجراء تعديلات دستورية تصبح من خلالها أوكرانيا دولة فيدرالية، الأمر الذي رفضته الحكومة الأوكرانية الجديدة لأن هذه الدعاوى الروسية، تعطي الأجزاء الشرقية والجنوبية من أوكرانيا سلطات كبرى تؤدي في النهاية إلى استقلالها. وتمثّل الهدف الروسي آنذاك في إثارة المشكلات للحكومة الأوكرانية الجديدة التي لا تعترف بها، وتقويض شرعيتها. وعلاوة على ذلك، ألغى البرلمان الروسي اتفاقًا، كان قد تم التوصل إليه في 2010، يقضي بمد أوكرانيا بالغاز بأسعار
مخفضة، مقابل إعطاء روسيا حقوقًا في إقامة قواعدها العسكرية في شبه جزيرة القرم17. وتمثّلت السمة الأولى في ردة الفعل الغربي (الأميركي والأوروبي) في بداية الأزمة في محاولات احتوائها وعدم تصعيدها. فقد سعت العواصم الغربية إلى أن يكون لها موقف قوي من دون الدخول في حرب، وذلك من خلال إجراء محادثات عالية المستوى مع الجانب الروسي، واجتماعات طارئة للمنظمات الدولية. وكان التقدير المبدئي الغربي بأنّ الغرب لا يمكن أن يفعل الكثير في ما يتعلق بضم روسيا للقرم، ولهذا تم توجيه كل الجهد الغربي إلى منع تهديد روسيا لسلامة أوكرانيا واستقرارها، خاصة مناطق شرق أوكرانيا وجنوبها التي اندلعت فيها أعمال عنف، عقب إطاحة الرئيس يانوكوفتش، قام بها انفصاليون يريدون الانفصال عن أوكرانيا، والانضمام إلى الاتحاد الروسي18.
وفي الوقت الذي أكد فيه الرئيس باراك أوباما في بداية الأزمة صراحة،ً أنه لا يرى ضرورةً لاستخدام القوة في الأزمة الأوكرانية، كانت معظم الدول الأوروبية التي تربطها علاقات تجارية واقتصادية هائلة مع روسيا، خاصة ألمانيا، ممتنعةً في البداية عن فرض عقوبات اقتصادية عليها. وفضلت الدول الأوروبية تدعيم الاقتصاد الأوكراني الذي كان على حافة الانهيار. ففي 5 آذار/ مارس 2014 وافق الاتحاد الأوروبي على تقديم حزمة مساعدات مالية، تمثلت في قروض ومنح بقيمة 11 بليون يورو، وحثت صندوق النقد الدولي على تقديم تمويلات إلى الحكومة الأوكرانية التي كانت من دونها ستضطر كييف إلى إعلان إفلاسها19. بمعنى آخر، كان قرار الولايات المتحدة الأميركية ودول أخرى تعليق مشاركتها في قمة سوشي Sochi لمجموعة الثماني الكبرى G8 في روسيا، أول ردة فعل غربي على السلوك الروسي تجاه أوكرانيا. وفي خطوة أوروبية لاحقة، بيوم واحد على القرار الأميركي، بدأت مشاورات بين دول الاتحاد الأوروبي الثماني والعشرين حول ضرورة فرض عقوبات على روسيا من عدمه، أوضحت عدم وجود إجماع أوروبي على الاستجابة الملائمة للسلوك الروسي20. في المقابل، طالب البيت الأبيض في 6 آذار/ مارس 2014، بعدم تصعيد الأزمة من خلال حث الحكومة الأوكرانية على عقد لقاءات مباشرة مع روسيا برعاية دولية، ونشر مراقبين دوليين لضمان حقوق الشعب الأوكراني وحرياته بما في ذلك العرقيات الروسية، وعودة القوات الروسية إلى قواعدها، ومساعدة المجتمع الدولي على عقد انتخابات رئاسية مبكرة في أيار/ مايو 2014 21. إلّ أنّ قرار بوتين ضم القرم إلى الاتحاد الروسي في 16 آذار/ مارس 2014 ودعمه الانفصاليين في شرق أوكرانيا وجنوبها، غيّ ردة الفعل الغربي بشكل كبير. ففي 17 آذار/ مارس 2014، أي بعد يوم واحد من ضم روسيا القرم، فرضت دول الاتحاد الأوروبي عقوبات رمزية ومحدودة على روسيا شملت وقف المفاوضات مع روسيا حول عدد من القضايا، ومنع تأشيرات 21 مسؤولً روسيًا وأوكرانيًا وتجميد أصولهم، كان لهم شأن في ضم روسيا القرم. وفي 21 آذار/ مارس 2014، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على 12 مسؤولً روسيا إضافيًا بعد أن وقّع بوتين اتفاق ضم القرم إلى الاتحاد الروسي في 18 آذار/ مارس 2014. وفي نيسان/ أبريل 2014، أضاف الاتحاد الأوروبي 15 اسمً إضافيًا إلى القائمة ثم 13 اسم وشركتين في القرم إلى القائمة في 12 أيار/ مايو 2014 22. وتتمثل الملاحظة الأولى على هذه العقوبات الأوروبية في تلك الفترة في أنها اقتصرت على دائرة داخلية صغيرة من المحيطين ببوتين أو الشركات المرتبطة به، لأن بعض الدول الأوروبية كانت ممتنعة عن توسيع العقوبات على روسيا، بسبب الروابط الاقتصادية الهائلة بين روسيا وهذه الدول، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات23. بينما تتمثل الملاحظة الثانية في أنّ هذه العقوبات الأوروبية جاءت في سياق خطة أوروبية للعقوبات على روسيا، مكونة من ثلاث مراحل، تتدرج فيها الدول الأوروبية في توسيع نطاق العقوبات وشدتها، في حال استمر السلوك الروسي التصعيدي للأزمة، وكانت تلك العقوبات هي الموجة الأولى من العقوبات الأوروبية24. أما الملاحظة الثالثة فتجسدت في أن
الانقسامات بين الدول الأوروبية أصبحت أعمق وأوضح في ما يتعلق بفرض عقوبات على روسيا. فبينما طالبت بولندا ودول البلطيق الثلاث (إستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا) بموقف أوروبي قوي ضد روسيا، فإنّ دول أخرى كإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا، كانت تحاول عدم تقويض علاقاتها وروابطها الاقتصادية المتبادلة والقوية مع روسيا. بمعنى آخر، حاولت الدول الأوروبية الحفاظ على مصالحها الوطنية الضيقة على حساب انتهاج سياسة خارجية وأمنية أوروبية موحدة. والدليل على ذلك أنّ أحد كبار المسؤولين البريطانيين علّق قائلً: "يجب أن ترتكز الاستجابة الأوروبية لضم روسيا القرم من خلال العقوبات على معيار الألم المتساوي Pain(Equal)، لأنّ العقوبات الأوروبية على روسيا ستضر بمصالح ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بدرجة أكبر من باقي الدول الأوروبية25. وبالتوازي مع العقوبات الأوروبية المحدودة (الموجة الأولى من العقوبات الأوروبية)، أصدرت الإدارة الأميركية موجتها الأولى هي الأخرى من العقوبات على روسيا. ففي 6 آذار/ مارس 2014، صدر قرار تنفيذي أميركي بفرض عقوبات على روسيا (منع التأشيرات، وتجميد أصول مسؤولين روس) وعلقت التعاون الثنائي مع روسيا في مشروعات عديدة كانت قائمة بين البلدين. وبعد ضم روسيا القرم، أصدرت الإدارة الأميركية قرارين تنفيذيين إضافيين بتوسيع نطاق العقوبات المفروضة على روسيا، ليس فقط باستهداف مسؤولين كبار في الإدارة الروسية وحكومة القرم، ولكن أيضًا استهداف قطاعات رئيسة في الاقتصاد الروسي بما فيها الخدمات المالية، والطاقة، والتعدين، والهندسة والدفاع. وفي 20 آذار/ مارس 2014، أعلنت الإدارة الأميركية تجميد أصول 16 عضوًا في الحكومة الروسية وفي البرلمان الروسي، ثم أضافت 7 مسؤولين رفيعي المستوى إلى قائمة الأشخاص المعاقبين في 28 نيسان/ أبريل 2014، وأعلن أوباما أنّ الهدف الأميركي هو تغيير سلوك بوتين في إدارة الأزمة الأوكرانية. واتهمت الإدارة الأميركية وأوروبا روسيا بدعمها الانفصاليين في جنوب أوكرانيا وشرقها، وبإرسالها 40 ألف جندي روسي إلى الأراضي الأوكرانية26. وتصاعدت حدة الأزمة الأوكرانية في 12 نيسان/ أبريل 2014، عندما سيطر الانفصاليون على منطقتي دونيتسك ولوغانسك في جنوب أوكرانيا وشرقها27. وعلى الرغم من العقوبات الأميركية على روسيا، فإنّ الإدارة الأميركية استمرت في استخدام الأداة الدبلوماسية في التعامل مع الأزمة، ففي 17 نيسان/ أبريل 2014، توصل وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، ووزير خارجية روسيا، سيرجى لافاروف، إلى اتفاق في جنيف يهدف إلى تهدئة الأزمة الأوكرانية شملت بنوده: أن تترك الجماعات المسلحة في شرق أوكرانيا وجنوبها السلاح، وأن يتم إخلاء المباني المحتلة في جنوب أوكرانيا وشرقها، وأن يتم إرسال بعثة من منظمة الأمن والتعاون الأوروبي لمراقبة وقف إطلاق النار، وأن تقوم الحكومة الأوكرانية بإصلاح دستوري كبير يعطي مزيدًا من الحقوق والسلطات إلى جنوب أوكرانيا وشرقها. إلّ أن هذا الاتفاق لم ينفذه روسيا أو الانفصاليون في شرق أوكرانيا وجنوبها أو حتى الحكومة الأوكرانية. وحذّر لافروف من أنّ روسيا ستدافع عن مصالحها في شرق أوكرانيا، إذا اقتضت الضرورة، من خلال شن هجمات مماثلة لما حدث في الحرب مع جورجيا في 2008، لتبدأ مرحلة أخرى من تصعيد الصراع في أوكرانيا28. وتصاعدت حدة الأزمة الأوكرانية من جديد مع إجراء استفتاءين في منطقتي دونيستك ولوغانسك في 11 أيار/ مايو 2014، للاستقلال عن كييف، وأعلنت في 12 أيار/ مايو 2014 استقلالهما عن أوكرانيا وتقدمت بطلب إلى موسكو بضمهما إلى الاتحاد الروسي الفيدرالي29. ومع فشل اتفاق جنيف في نهاية نيسان/ أبريل 2014، وتدهور الأوضاع على الأرض في شرق أوكرانيا وجنوبها، بدأت دول الاتحاد الأوروبي بفرض موجة ثانية من العقوبات على روسيا في أيار/ مايو 2014، حين قررت توسيع الأساس القانوني للإجراءات العقابية ضد روسيا، لتشمل عددًا أكبر من المسؤولين الروس في الكرملين. وكان أحد القرارات المهمة التي اتخذها الاتحاد الأوروبي في أيار/ مايو 2014 في توقيعه الشق السياسي لاتفاقية الشراكة مع أوكرانيا، والتي كانت السبب الرئيس في بداية الأزمة، وإزالة القيود الجمركية على الصادرات الأوكرانية بهدف تحسين الاقتصاد الأوكراني. وبعد انتخاب الرئيس الجديد في أوكرانيا في 25 أيار/ مايو 2014، زاد الدعم الأوروبي لأوكرانيا، وامتد من الجانب الاقتصادي إلى إجراءات أخرى لتحسين أداء الحكومة الأوكرانية في مجالات العدل والطاقة. وفي حزيران/ يونيو 2014، قرر الاتحاد الأوروبي إرسال بعثة أوروبية إلى أوكرانيا مهمتها الأساسية مساعدة أوكرانيا في قطاع الأمن المدني30. وفي حزيران/ يونيو 2014، بدأت محاولات تهدئة الصراع من جديد عندما تقدم الرئيس الأوكراني المنتخب، بترو بورشينكو، بخطة سلام وأمر بوقف إطلاق النار من جانب واحد. ونصت الخطة أولً على "ضمانات لأمن المشاركين في المحادثات"، يليها العفو "عن الذين سلموا السلاح
ولم يرتكبوا جرائم خطيرة" وإطلاق سراح الرهائن، وإنشاء منطقة عازلة من 10 كلم على الحدود بين أوكرانيا وروسيا. كما نصت الخطة على "نزع السلاح"، و"إزالة مركزية السلطة، وحماية اللغة الروسية من خلال تعديلات دستورية" وإنشاء وحدات تخضع لسيطرة وزارة الداخلية، تتولى تسيير دوريات مشتركة31. ورحبت روسيا والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي بالخطة الأوكرانية للسلام. وفي 24 حزيران/ يونيو 2014، طلب بوتين من البرلمان الأوروبي سحب حق استخدام الجيش في أوكرانيا الذي كان قد حصل عليه في بداية آذار/ مارس 2014. بل إنّ بوتين، في أول تصريح غير تصعيدي في الأزمة الأوكرانية، رأى أنّ الانتخابات الرئاسية الأوكرانية خطوة على الطريق الصحيح، ورفض مطالب الانفصاليين بضم روسيا منطقتي دونيتسك ولوغانسك للاتحاد الروسي. ومع ذلك، فشلت خطة بورشينكو في التهدئة وفي التوصل إلى حل سلمى، واتهمت الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي روسيا بتزويد الانفصاليين بالأسلحة، وبدعم الانفصاليين، وتوعدتا بموجة ثانية من العقوبات على روسيا. وبالتوازي مع الضغوط الأوروبية الاقتصادية المحدودة على روسيا، بدأت الولايات المتحدة الأميركية توسيع نطاق عقوباتها الاقتصادية على روسيا بشكل أعمق وأقوى في صيف 2014. فإضافة إلى اتهامات واشنطن المتكررة بدعم روسيا العسكري للانفصاليين في شرق أوكرانيا وجنوبها، فقد اتهمت واشنطن روسيا بانتهاكها اتفاقية نووية، لأنها اختبرت صاروخًا أرضيًا ممنوعًا بموجب الاتفاقية. وقررت الولايات المتحدة الأميركية، في ظل امتناع أوروبي، أول مرة فرض عقوبات على قطاعات اقتصادية روسية مؤثرة، إضافة إلى استهدافها الأشخاص المقربين من بوتين. وبينما تم الإعلان عن العقوبات الأميركية الموسعة على روسيا في 16 تموز/ يوليو 2014، فرض الاتحاد الأوروبي هو الآخر موجة أخرى من العقوبات الموسعة على روسيا عقب إسقاط الطائرة الماليزية في أوكرانيا في 17 تموز/ يوليو 2014، استهدفت بالأساس القطاع البنكي والمالي الروسي وقطاعات الدفاع الروسية. وردّت روسيا على هذه العقوبات في 8 آب/ أغسطس 2014، من خلال فرضها حظرًا روسيًا على الواردات من اللحوم والأسماك والفواكه والخضروات والجبن ومنتجات الألبان من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا والنرويج32. ومن الجدير بالذكر أنه بعد انتخاب الرئيس الأوكراني الجديد، بوروشنكو، في نهاية أيار/ مايو 2014، زاد جهد الحكومة الأوكرانية عسكريًا ضد الانفصاليين في شرق أوكرانيا وجنوبها. الأمر الذي دفع بوتين إلى إرسال معدات أكثر حداثة إلى الانفصالين، بما فيها أسلحة مضادة للطائرات وصواريخ جراد، وهو ما أدى إلى إسقاط الطائرة الماليزية بصاروخ روسي الصنع في منتصف تموز/ يوليو 2014، وإدانة دولية واسعة وتوسيع العقوبات الأميركية الأوروبية على روسيا. وقد دفع ذلك التدخل الروسي المباشر بالأسلحة المتطورة إلى الانفصاليين إلى تصريح رئيس وزراء أوكرانيا، في آب/ أغسطس 2014، أنه من الصعب على أوكرانيا أن تحارب ضد القوات الروسية المدربة بشكل عالٍ وذات التسليح المتطور. وعلى الرغم من التدخل العسكري الروسي المباشر في الأزمة في آب/ أغسطس 2014، فإنه تم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في 5 أيلول/ سبتمبر 2014 في (مينسك)، عاصمة روسيا البيضاء، بتوقيع ممثلين عن روسيا، وأوكرانيا، ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، وقادة منطقتي لوغانسك ودونيتسك. وارتكز هذا الاتفاق على خطة بورشينكو للسلام التي كان قد اقترحها في تموز/ يوليو 2014، والتي كانت تنص على عدم مركزية السلطة في أوكرانيا، وحماية اللغة الروسية والأقليات الإثنية المختلفة، وإعادة الإعمار الاقتصادي للمناطق المنكوبة، وتحرير الرهائن، وانسحاب التشكيلات العسكرية، وإقامة منطقة عازلة على الحدود33. وتم التوصل إلى هذا الاتفاق الجديد في 20 أيلول/ سبتمبر 2014، في مينسك، ونص على إنشاء منطقة عازلة تبلغ 30 كيلومترًا، وحظر الطائرات العسكرية من التحليق في أجواء منطقة معينة من شرقي أوكرانيا، وسحب "المرتزقة الأجانب" التابعين لكلا الطرفين34. وقد أعطى هذا الاتفاق الجديد (اتفاق مينسك) منظمة الأمن والتعاون الأوروبي دورًا كبيرًا في مراقبة تنفيذ أطرافه المختلفة بنوده. وفي 24 أيلول/ سبتمبر 2014، أعلن حلف الناتو أنّ هناك انسحابًا واضحًا للقوات الروسية من أوكرانيا. وعقب اتفاق مينسك، ظلت روسيا تطالب بألّ تقترب أوكرانيا أكثر إلى الاتحاد الأوروبي. وفي اجتماع ثلاثي أوروبي – روسي - أوكراني في 12 أيلول/ سبتمبر 2014، تم الاتفاق على تأجيل تطبيق اتفاق التجارة الحرة الأوروبي مع أوكرانيا من تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 إلى نهاية عام 2015، وهددت روسيا بفرض قيود جمركية على أوكرانيا، إذا تم تطبيق الاتفاقية. وكان جوهر اتفاق مينسك إعطاء الانفصاليين حكمً ذاتيًا لمدة ثلاث سنوات في إطار أوكرانيا الموحدة. ولكن الاتفاق أعقبه مزيد من
المواجهات العسكرية بين الحكومة الأوكرانية والانفصاليين، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى إنهاء المحادثات السياسية بينهما مرة أخرى35. وقد دفع ذلك دول الاتحاد الأوروبي، في 12 أيلول/ سبتمبر 2014، إلى الإبقاء على العقوبات المفروضة على روسيا، بل وتوسيع نطاقها بشكل أكبر، لأن اتفاق السلام في مينسك لم تطبقه أطراف الصراع بشكل فعال36. إلّ أنّ دول الاتحاد الأوروبي أوضحت، في الوقت نفسه، أنها يمكنها أن ترفع هذه العقوبات في غضون شهر، إذا ما التزمت موسكو بنود اتفاق مينسك. وبالتوازي مع الجهد الأوروبي، بدأت الولايات المتحدة الأميركية في إعداد حزمة أقوى وأشد من العقوبات على قطاعات الاقتصاد الروسي الأساسية، خاصة القطاع البنكي وقطاع النفط37. إلا أنه في آخر تشرين الأول/ أكتوبر 2014، توصلت روسيا والحكومة الأوكرانية إلى اتفاق يتعلق بحل أزمة الغاز بينهما برعاية أوروبية. وكانت روسيا قد أوقفت إمدادات الغاز إلى أوكرانيا، منذ حزيران/ يونيو 2014، بسبب عدم سداد أوكرانيا ديون الغاز المترتبة عليها لروسيا. وأسفرت المفاوضات التي جرت بين روسيا وأوكرانيا، برعاية الاتحاد الأوروبي، حول أزمة الغاز بينهما، عن توقيع بروتوكول ملزم بشأن شروط إمدادات الغاز الروسي إلى أوكرانيا ودول الاتحاد، حتى آخر آذار/ مارس 2015 38. وبالتوازي مع ذلك الاتفاق، تم إجراء الانتخابات البرلمانية في أوكرانيا في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2014، وأسفرت عن أغلبية لمصلحة الأحزاب السياسية الموالية للغرب. إلاّ أنّ كل ذلك الجهد الدبلوماسي لم يمنع توقف القتال بين الحكومة الأوكرانية والانفصاليين في شرق أوكرانيا وجنوبها. ولهذا وصف بعض المراقبين اتفاق مينسك بأنه كان اتفاقًا على (عدم التصعيد) أكثر من كونه (اتفاقًا على الهدنة أو وقف إطلاق النار.) وبينما يرغب الانفصاليون في الحصول على استقلال كامل عن أوكرانيا، فإنّ روسيا ترغب في أن يظل شرق أوكرانيا وجنوبها جزءًا من أوكرانيا، ولكن مع حصولهما على درجة عالية من الاستقلال والحكم الذاتي، لأن الهدف الروسي من هذه الأزمة هو استمرار عدم الاستقرار في أوكرانيا لردعها عن اختيار الغرب بديلً منها39. ومنذ اتفاق مينسك في أيلول/ سبتمبر وحتى نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2014، ظلت الأزمة في أوكرانيا مشتعلة، ولكن بحجم أقل من العنف من الجانبين (الحكومة الأوكرانية والانفصاليين.) وكان أوباما قد استبعد الحل العسكري للأزمة الأوكرانية في قمة حلف الناتو في أيلول/ سبتمبر 2014، وذلك في إشارة إلى أنّ حلف الناتو لن يتورط عسكريًا في الصراع. وعلى الرغم من أنّ بروشينكو كان قد قدّم التماسًا عاجلً أمام الكونغرس الأميركي بطلب مساعدات عسكرية أميركية للحكومة الأوكرانية لمواجهة الانفصاليين، وعلى الرغم من ضغوط الكونغرس الأميركي على إدارة أوباما بتسليح الحكومة الأوكرانية بمعدات عسكرية عالية المستوى، فإنّ البيت الأبيض كان حريصًا على تجنب الدخول في حرب بالوكالة في أوكرانيا مع موسكو. ومن ناحية أخرى، أكد بوتين في خطابه في تشرين الأول/ أكتوبر 2014، حق تقرير المصير للقرم، ولكنه أكد دعمه استقلال أوكرانيا الإقليمية وسلامتها، وتطبيق اتفاق مينسك40. وفي منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2014، فرضت الولايات المتحدة الأميركية عقوبات جديدة على روسيا، شملت حظر تصدير السلع والتقنية والخدمات إلى شبه جزيرة القرم. وقال الرئيس الأميركي إن هذه الخطوة تؤكد أنّ واشنطن لن تقبل أبدًا بضم روسيا شبه جزيرة القرم41. ففي 13 كانون الأول/ ديسمبر 2014، أقر الكونغرس الأميركي بمجلسيه بالإجماع ما عرف بقانون دعم الحرية في أوكرانيا، والذي يفرض عقوبات جديدة على شركات الأسلحة الروسية والمستثمرين في مشروعات النفط التي تعتمد على تكنولوجيا متطورة. وقررت إدارة أوباما عدم استخدام حق النقض (الفيتو) ضد مشروع القانون الذي تم تمريره من الكونغرس الأميركي، ويفرض عقوبات أقوى وأشمل على قطاع النفط الروسي، وعلى شركة غازبروم (أكبر شركات الغاز الروسية على الإطلاق)، ويمد أوكرانيا المرة الأولى منذ اندلاع الأزمة بمساعدات عسكرية بقيمة 350 مليون دولار أميركي. ومع ذلك ترك أوباما الباب مفتوحًا أمام الدبلوماسية عندما صرّح المتحدث باسم البيت الأبيض عقب إقرار ذلك القانون: "أنّ بوتين يستطيع وقف كل تلك العقوبات، إذا طبق اتفاق مينسك لوقف إطلاق النار الذي كان قد تم التوصل إليه في أيلول/ سبتمبر "201442.
وبالتنسيق مع العقوبات الأميركية الموسعة على روسيا، فرض الاتحاد الأوروبي حزمة أخيرة من العقوبات، استهدفت جمهورية القرم الروسية، فقد حظر على الأوروبيين السياحة والاستثمار والتجارة في القرم، إلّ أنّه لم يفرض عقوبات جديدة ضد الاقتصاد الروسي بشكل عام، متفاديًا مزيدًا من التدهور في العلاقات الأوروبية مع موسكو، وفاتحًا الباب أمام تسوية سلمية للأزمة، من خلال تأكيده استعداده لرفع العقوبات، في حال تغير السلوك الروسي تجاه الأزمة الأوكرانية. ويتوقع الخبراء أن يتوخى الأوروبيون في عام 2015، منتهى الحذر في التفكير بتشديد عقوباتهم ضد روسيا، فيما سيعاد فتح ملف العقوبات مجددًا مع انتهاء مدة سريان عدد من العقوبات المفروضة الربيع المقبل، وانعقاد قمة الاتحاد الأوروبي في آذار/ مارس 2015 43. وفي 23 كانون الأول/ ديسمبر 2014، اتخذت أوكرانيا خطوة تاريخية في تصويت البرلمان الأوكراني على مشروع قانون، يلغي وضع الحياد الأوكراني الذي كان يمنعها من الانضمام إلى أي تحالفات عسكرية، ومن المشاركة في الحروب. وألغى هذا التصويت بدوره القرار الذي كانت قد اتخذته أوكرانيا في عام 2010، تحت ضغوط روسية، في أن تظل في وضع الحياد. والجدير بالذكر أنّ روسيا كانت قد وضعت استبعاد أوكرانيا من أي تحالفات عسكرية شرطًا مسبقًا لأي اتفاق ينهي الاضطرابات في شرق أوكرانيا وجنوبها. وقد مثّل ذلك القرار الصادر عن البرلمان الأوكراني تصعيدًا خطيرًا من وجهة نظر روسيا، لأنّ رئيس الوزراء الروسي، ميدفيديف، كان قد صرّح: "أنّ طلب أوكرانيا الانضمام إلى عضوية حلف الناتو، يعني حتمً تحولها إلى عدو محتمل، وأنّ روسيا سترد على ذلك بقوة." وتجدر الملاحظة في هذا الصدد، أنّ المسافة بين الحدود الأوكرانية من جهة والعاصمة الروسية من جهة أخرى، لا تزيد عن خمس وأربعين دقيقة بالطيران44. وفي اليوم التالي لقرار البرلمان الأوكراني، هددت روسيا على لسان وزير خارجيتها، سيرجى لافاروف، بقطع علاقاتها المتبقية مع حلف الناتو، إذا تقدّمت أوكرانيا بطلب انضمام إليه، بل وعُدّ أنّ ذلك سيمثّل خطرًا ليس فقط على أوكرانيا، ولكن أيضًا على الأمن الأوروبي45. ومع بداية 2015، ظل الوضع في أوكرانيا غير مستقر، وإن قلّت حدّة العنف بين الحكومة الأوكرانية والانفصاليين. فقد استطاعت روسيا، من خلال تقديمها الدعم العسكري للانفصاليين، الإضرار بأوكرانيا من خلال استمرار حالة عدم الاستقرار فيها، ولكنها لم تهزمها. واستطاع الغرب، من خلال التزام كلٍ من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو فرض عقوبات اقتصادية وليست عسكرية على روسيا، الإضرار بموسكو من دون هزيمتها. واستمرت الأزمة الأوكرانية، لأنّ الانفصاليين لم يستطيعوا تقبّل منطق اتفاق مينسك الذي يعني من الناحية العملية قبولهم أنهم لن ينفصلوا عن أوكرانيا، وأنه قد يتم دمجهم من جديد في الدولة الأوكرانية. وحتى لو ظلت روسيا مسيطرة على القرم بحكم الأمر الواقع، سيواجه بوتين اتهامات الانفصاليين إيّاه بالخيانة، إذا ظلت دونيتسك ولوغانسك جزءًا من أوكرانيا، أو سيفقد نفوذه داخل أوكرانيا، إذا أصبحت هذه المناطق بالفعل جزءًا من روسيا46. وفي سياق ذلك التعقيد في الأزمة الأوكرانية، بدأت محاولات التوصل إلى اتفاق سلام جديد في أوكرانيا. ففي 5 كانون الثاني/ يناير 2015، انطلقت في برلين مباحثات تمهيدية حول الأزمة الأوكرانية بين ممثلي وزارات خارجية دول ما يسمى ب "الإطار النورماندي:" روسيا وألمانيا وفرنسا وأوكرانيا، تمهيدًا للقاء وزراء الخارجية في أستانا (عاصمة كازخستان) في 15 كانون الثاني/ يناير 2015، وهو ما تم الاتفاق عليه في الثاني عشر من شباط/ فبراير 2015، في ما عُرف باتفاق مينسك الثاني الذي نصت أهم بنوده على وقف كامل لإطلاق النار، وسحب الأسلحة الثقيلة، وإطلاق سراح المسجونين47. لكن الالتزام باتفاق مينسك لم يكن تامًا، بدليل استمرار المعارك في ديبالتسفيا، وانسحاب القوات الحكومية الأوكرانية منها، على خلفية هجمات الانشقاقيين، ومطالبة حكومة كييف رسميًا في 18 شباط/ فبراير 2015، بإرسال قوات دولية لفرض السلام وحفظه، في شرق أوكرانيا، ورفض موسكو ذلك في ظل اتهامات متبادلة من الطرفين بانتهاك الاتفاق48. وفي ضوء تلك الحوادث المتلاحقة في الأزمة الأوكرانية من تصعيد وتهدئة من أطراف الصراع، يحاول الجزء الثالث من هذه الورقة تفسير مواقف روسيا، والولايات المتحدة الأميركية، ودول الاتحاد الأوروبي تجاه الأزمة الأوكرانية، منذ بدايتها وحتى الآن، في ضوء اقتراب المصلحة الوطنية، ومدى موازنة الأطراف المختلفة بين حسابات الرشادة الاقتصادية والمصالح السياسية والإستراتيجية.
تفسير السلوك الروسي والغربي تجاه الأزمة الأوكرانية
تفسير السلوك الروسي من الأزمة الأوكرانية: الإدراكات الرئيسة، والدوافع الحقيقية
ارتكزت القراءة الروسية للحوادث والاضطرابات في أوكرانيا على ثلاثة إدراكات راسخة لدى موسكو، والتي كانت عاملً مؤثّرًا في تفسير السلوك الروسي تجاه الأزمة الأوكرانية. تمثّل الإدراك الروسي الأول في أنّ التظاهرات التي حدثت في أوكرانيا وإزاحة الرئيس يانوكوفتش في توافق مع المصالح الغربية، وأنّ الغرب لم يدعم تلك التظاهرات فقط، بل كان طرفًا أصيلً في قيامها. ومن هذا المنطلق، أدرك القادة الروس أنّ هدف الغرب هو تنصيب حكومات موالية للغرب في جوار روسيا الجغرافي، تهدف بالأساس إلى تحجيم النفوذ الروسي في دول وسط أوروبا وشرقها. وعليه، وفقًا للمنظور الروسي، لم تتمثل المصلحة الغربية في دعم الديمقراطية في أوكرانيا، بل في خلق مناطق نفوذ غربية في الفناء الخلفي ومناطق النفوذ الروسية التقليدية في شرق أوروبا. بينما تجسد الإدراك الروسي الثاني في أنّ إزاحة يانوكوفتش من السلطة في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، ما هو إلّ انقلاب عسكري غير دستوري على الرئيس الشرعي المنتخب، واستيلاء على السلطة من خلال استخدام القوة العسكرية. وارتكز التفسير الروسي لذلك الإدراك، على أنّ الاتفاق الذي كان قد تم التوصل إليه، بوساطة ألمانية فرنسية بولندية، بين الرئيس والمعارضة في 21 شباط/ فبراير 2014، بتشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية، وتعديل دستوري كان قد رفضته المعارضة، وهو ما دفع يانوكوفتش للخروج من السلطة قسرًا49. في حين تمثّل الإدراك الروسي الثالث في أنّ الحكومة الأوكرانية الجديدة التي جاءت بعد يانوكوفتش، قد أتم السيطرة عليها قوميون متطرفون ومعادون لروسيا، ويهددون سلامة الأقلية الروسية في أوكرانيا، والدليل على ذلك أنّ أول قرارات الحكومة الجديدة تمثّل في إلغاء اللغة الروسية لغةً رسمية ثانية لأوكرانيا، ونزوح آلاف الأوكرانيين من أصل روسي إلى روسيا. واستنادًا إلى تلك الإدراكات الثلاثة، بررت روسيا قرارها بضم القرم وفقًا لمبدئها العسكري الذي كانت قد أقرته في 2010، والذي تحتفظ فيه روسيا بحقها في نشر قوات عسكرية خارج حدودها إذا تم تهديد مصالحها الأمنية50. ويمكن تفسير السلوك الروسي تجاه الأزمة الأوكرانية وفقًا للرؤية الروسية. فوفقًا لتلك الرؤية، اتخذت روسيا هذا الخط التصعيدي للأزمة الأوكرانية ردةَ فعل، لتجنب ما أدركه صانع القرار الروسي على أنه تهديد مباشر لمصالح روسيا في أوكرانيا. فقد تشكلت لدى بوتين ونخبته السياسية قناعة تامة بأنّ انهيار اتفاق 21 شباط/ فبراير 2014، جاء نتيجة مؤامرة غربية لتنصيب حكومة موالية لهم في كييف، ستلغي اتفاق القواعد العسكرية الروسية مع أوكرانيا 2042-1997() في القرم، وستطلب الانضمام إلى عضوية كل من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وستقمع الأقلية الروسية في أوكرانيا، وتضع فكرة تغيير النظم السياسية سابقةً أو نموذجًا في العلاقات الدولية في مناطق النفوذ الروسية، وهو الأمر الذي يمثّل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي ولروابطها الاقتصادية مع أوكرانيا51. وهكذا، ووفقًا للإدراك الروسي، مثّلت الأزمة الأوكرانية محاولة غربية لإضعاف أمن روسيا القومي، من خلال خلق دولة أوكرانية معادية لها أيدولوجيًا على حدودها. ففي حديثه مباشرة عقب ضم القرم، أعاد بوتين التأكيد أنّ الناتو يمثّل تهديدًا مباشرًا لروسيا، وأنه لو لم تختر القرم الانضمام إلى روسيا، لكانت روسيا سترى قواعد عسكرية لحلف الناتو فيها في المستقبل القريب52. ويعني ذلك أنه كانت هناك مصلحة روسية في إزالة مخاوفها حول مستقبل القاعدة البحرية الروسية (سفاستبول) في القرم، وزيادة السيطرة على البحر الأسود من خلال نشر أنظمة الدفاع الصاروخي على شبه جزيرة القرم، وتوسيع المنطقة الاقتصادية الروسية من خلال التنقيب عن النفط والغاز في القرم53. ووفقًا للرؤية الروسية، يتمثّل مصدر الغضب الحقيقي لدى بوتين، في أنّ الحكومة الجديدة التي جاءت إلى الحكم ذات توجهات غربية خالصة، وهو ما يمثّل بدوره هزيمة للطموح الروسي في دائرة نفوذه الإقليمي. فقد كان الوضع المثالي لروسيا يتمثّل في إبعاد أوكرانيا عن الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وفي دخولها في الاتحاد الأوروآسيوى. وبالنتيجة تمثّل البديل الروسي المتاح في الإبقاء على أوكرانيا في حالة من الفوضى الدائمة، وعدم اليقين في جنوب أوكرانيا وشرقها، حتى لا تنضم إلى الاتحاد الأوروبي54. بمعنى آخر، يتمثّل هدف روسيا في عدم استقرار أوكرانيا إلى الحد الذي إمّا أن تستسلم لمطالب موسكو ومصالحها الحيوية، وإما أن تصبح دولة فاشلة، وبذلك تصبح الخبرة الأوكرانية تحذيرًا لأي دولة أخرى، تعدّها روسيا داخل نطاق نفوذها الإقليمي،
أن تتجه نحو الاندماج مع الغرب ضد المصالح الروسية55. ويتفق ذلك الهدف الروسي (عدم استقرار أوكرانيا) مع ما ذكره رئيس أركان الجيش الروسي، فاليري جيراسموف، في بداية 2013 بقوله: "يتمثل التكتيك الروسي في أنّ استخدام الأدوات العسكرية يصبح أكثر فعالية، عندما يتم إدخال أدوات غير عسكرية معها - سياسية، واقتصادية، واستخباراتية - كفيلة بتحويل دولة مستقرة إلى أكثر مناطق العالم اضطرابًا، وبحيث يتم تجنب المواجهات العسكرية الكبرى بين الجيوش النظامية"56. واعتمد تكتيك بوتين في التعامل مع الأزمة الأوكرانية على تقييمه ردة فعل الغرب، وعلى حقيقة اعتماد أوكرانيا الاقتصادي على مواردها من النفط والغاز. فقد كان أحد التفسيرات لتوقف روسيا عن تصعيدها الأزمة الأوكرانية، خاصة في شهر أيلول/ سبتمبر 2014، أنّ العقوبات الغربية على روسيا اتسع نطاقها إلى قطاعات رئيسة في الاقتصاد الروسي، وهو الأمر الذي زاد من صعوبة الوضع الاقتصادي الروسي، وربط الغرب بين تخفيف تلك العقوبات وتطبيق اتفاق مينسك للسلام الذي كان قد تم توقيعه في أيلول/ سبتمبر 2014. ويفسر ذلك تصريح بوتين في أكتوبر 2014، أول مرة منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية، على دعمه استقلال أوكرانيا وسلامتها الإقليمية وتطبيق اتفاق مينسك57. ويدرك كلٌ من روسيا والغرب حقيقة أنّ الاقتصاد الأوكراني يعتمد بصفة كبيرة جدًا على روسيا في عديد من المجالات التي لا يستطيع الغرب تعويضها، خاصة في مجال الطاقة. فالاقتصاد الأوكراني لا يمكن أن يستمر، إذا تطلّب الأمر دفع الثمن الكامل للغاز وفقًا لاتفاق 2009 مع روسيا، بل الأكثر من ذلك أنّ ثلث صادرات أوكرانيا يذهب إلى روسيا، كما أنّ روسيا يعمل بها ملايين الأوكرانيين، ويرسلون منها مدخراتهم إلى كييف. بمعنى آخر، تستطيع روسيا تقويض أي جهد غربي لتحسين وضع أوكرانيا الاقتصادي والأمني، إذا ما قررت واختارت ذلك. وهكذا، لم يكن الأمر مفاجئًا عندما طالب الكرملين بدفع مقدم لثمن الغاز الروسي، كما كان منصوصًا عليه في اتفاق عام 2009. وعليه، رأت روسيا أنّ الضغط الاقتصادي على الحكومة الأوكرانية الجديدة، وتمويل الانفصاليين ومساعدتهم، هي الإستراتيجية الأنسب، والتي أدت في النهاية إلى إجبار الحكومة الأوكرانية على تقديم تنازلات مهمة، تمثّلت في إعلان الحكومة الأوكرانية نيتها تعديل الدستور الأوكراني، ولامركزية اتخاذ القرار، والسماح بإجراء انتخابات محلية، ومنح حقوق الأقليات في ما يتعلق باللغة الروسية58. وجاء استخدام بوتين فكرة دفاع روسيا عن الأقليات الروسية في الدول الأخرى، خاصة (دول البلطيق، وبيلاروسيا، وكازخستان، وبولندا، والسويد، وفنلندا) في سياق إستراتيجية روسية ترتكز على ردع تلك الدول وتخويفها من الخروج عن النفوذ الروسي. ففي منتصف أيلول/ سبتمبر 2014، أبلغ بوتين الرئيس الأوكراني، بيترو بروشينكو، أنه: "يستطيع، إذا أراد إرسال القوات الروسية في يومين ليس فقط إلى كييف، بل أيضًا إلى ريجا، وفيلنس، وتالين، ووارسو، وبوخارست" في إشارة منه إلى استعداده للتدخل العسكري ولتصعيد الأزمة الأوكرانية، إذا لم تتم تلبية المصالح الروسية في أوكرانيا. ومع ذلك تدرك روسيا حدود قوتها، لأن تنفيذها تلك التهديدات يعني دخول حلف الناتو في الأزمة، وفقًا للمادة الخامسة من ميثاقه، وهو ما يعني تحول الأزمة إلى حرب شاملة، وهو الأمر الذي تتجنبه موسكو منذ بداية الأزمة وحتى الآن59. ونخلص من ذلك إلى أنّ روسيا حاولت الحفاظ على مصالحها السياسية والإستراتيجية في تلك الأزمة التي تتمثّل في منع أوكرانيا أو أي دولة أخرى في دائرة النفوذ الروسي الإقليمي من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أو إلى حلف الناتو، من خلال تحكمها الاقتصادي (الطاقة) والعسكري (القرم) والسياسي العسكري (في جنوب أوكرانيا وشرقها) في مستقبل أوكرانيا، واستمرار عدم الاستقرار السياسي أكان أم الاقتصادي فيها، لتصبح نموذجًا لأي دولة تحاول أن تخرج على نطاق النفوذ الروسي، وحتى تصبح هناك شروط مقبولة للتسوية السياسية، تأخذ في الحسبان كامل المصالح الروسية في أوكرانيا. وفي المقابل، تسعى روسيا لتجنب الدخول في حرب شاملة مع الغرب حول أوكرانيا، وإلى تقليل تأثيرات العقوبات الاقتصادية الغربية فيها، من خلال تنويع صادراتها من النفط والغاز، ولكنها تمتلك في الوقت نفسه إمكانية تصعيد الأزمة في أي وقت تريد، إذا لم تتم التسوية السياسية وفقًا لمصالحها وشروطها. إلّ أنّ التكلفة الاقتصادية للأزمة الأوكرانية أصبحت أعلى كثيرًا مما توقعته دوائر صنع القرار في الكرملين، بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية الروسية، وسعر صرف العملة الروسية، وزيادة نطاق العقوبات الغربية عليها، وانهيار أسعار النفط إلى أقل من النصف، بما يجعل هامش قدرتها على المناورة محدودًا، ويجعلها تسعى إلى التوصل إلى تسوية يحافظ من خلالها النظام السياسي الروسي على مصادر شرعيته في الداخل، وهي تحسّن الاقتصاد، وتراجع البطالة، وفي الوقت نفسه تضمن مصالحه الأساسية في أوكرانيا.
فقد أثّرت العقوبات الغربية كثيرًا في الاقتصاد الروسي، على الرغم من محاولات بوتين التقليل من شأنها. إذ انخفضت قيمة الروبل الروسي بمقدار النصف في شهر نيسان/ أبريل 2014. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، ارتفعت معدلات التضخم الاقتصادي على نحو غير مسبوق، كما شهد الناتج القومي الإجمالي الروسي أول تراجع ملحوظ له، منذ خمسة أعوام تقريبًا. وشهدت بداية عام 2015، أول انخفاض حقيقي في دخول المواطنين الروس، منذ أن جاء بوتين إلى الحكم في عام 2000، في عقد اجتماعي يقوم ضمنيًا على تحقيقه الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية للروس، في مقابل عدم مشاركتهم الكاملة في الأمور السياسية. فطبقًا لأحد التقارير الحكومية، سيقل الدخل القومي للأفراد إلى 8(إلى 10 آلاف دولار) في عام 2015، بالمقارنة ب 14(ألف دولار) في عام.2013 ويعني تراجع الدخل القومي الروسي، والارتفاع الكبير في نسبة التضخم، والتراجع الحاد في حجم الاستثمارات الغربية في روسيا في 2015، أن العقوبات الغربية أثّرت كثيرًا في المواطن الروسي العادي، وهو ما يعني تزايد الغضب الشعبي الروسي من أداء الحكومة الروسية60. وهكذا، سيرتكز الموقف الروسي المستقبلي من الأزمة على الموازنة بين (حسابات الرشادة الاقتصادية) و(المصالح السياسية والإستراتيجية الروسية.) بمعنى آخر، قد تدفع الآثار الاقتصادية للأزمة الأوكرانية في روسيا إلى تغير الموقف الروسي في المستقبل، لكن الأكيد أنّ روسيا قد تستغرق فترة طويلة حتى تتخلى عن خطها التصعيدي في الأزمة الأوكرانية، لأنّ بوتين وكبار مساعديه أصبحت لديهم شعبية جارفة في الداخل الروسي، على خلفية تحديهم الغرب، وسيكون من الصعب على الرئيس بوتين أن يتراجع حتى لو أراد ذلك. إلّ أنّ تدهور الاقتصاد الروسي، وارتفاع نسبة البطالة، وتراجع معدلات النمو الاقتصادي، وتزايد تأثير العقوبات الغربية، قد يقوّض أسس شرعية نظام حكم بوتين داخليًا، وهو ما قد يدفعه إلى تغيير سلوكه أو حتى تكتيكاته تجاه الأزمة في المستقبل. أمّا الوضع على الأرض في أوكرانيا فيتمثل في أنّ بوتين بين خيارين أحلاهما مر، فهو سوف يواجه اتهامات الانفصاليين في دونيتسك ولوغانسك إيّاه بالخيانة، إذا ظلت هاتان المنطقتان جزءًا من أوكرانيا في أي اتفاق سلام، أو يفقد نفوذه داخل أوكرانيا، إذا أصبحتا بالفعل جزءًا من روسيا. فمن جهة، يريد الانفصاليون الحصول على الاستقلال الكامل عن أوكرانيا، بينما تريد موسكو التوصل إلى حل وسط تظل فيه دونيتسك ولوغانسك جزءًا من أوكرانيا، ولكن مع حصولهما على درجة عالية من الاستقلال والحكم الذاتي. ومن جهة أخرى، يعني انفصال دونيتسك ولوغانسك الكامل عن أوكرانيا أنّ باقي أوكرانيا قد أصبح كليًا في دائرة النفوذ الغربي، وأنّ موسكو لن تستطيع التأثير في صانع القرار الأوكراني، أو أن تضغط عليه للحصول على تنازلات، مقابل تهدئتها الأوضاع في شرق أوكرانيا وجنوبها. وما تقوم به موسكو حتى الآن، هي أن تحاول تحسين قدراتها على المساومة مع الغرب، بهدف التوصل إلى تسوية تضمن مصالحها في أوكرانيا، من خلال إشاراتها المتكررة إلى استعدادها لتصعيد الأزمة في أي وقت. بمعنى آخر، سيحاول بوتين الإبقاء على الصراع في أوكرانيا مشتعلً حتى يحصل على اتفاق وفقًا لشروطه.
تفسير الموقف الأميركي من الأزمة الأوكرانية: الإدراكات الرئيسة، والدوافع الحقيقية ما بين الداخل والخارج
وفقًا للرؤية الغربية، اتبعت روسيا سياسة عدائية وتوسعية في أوكرانيا. وتوضح المقارنة بين الحرب الروسية/ الجورجية في 2008، وغزو روسيا القرم في آذار/ مارس 2014، حقيقة هذا السلوك العدائي الروسي. ففي الحرب الجورجية/ الروسية، كانت القوات الجورجية هي التي بدأت الهجوم، وأعطت بذلك ذريعة لروسيا للتدخل العسكري في جورجيا، أما في القرم لم يكن هناك مبرر لذلك، فلم تكن هناك هجمات على المدنيين في شبه جزيرة القرم، ولم تستخدم الحكومة الأوكرانية الجديدة القوة في قمع الأقليات الروسية، سواء في كييف أو في دونيتسك أو أي منطقة أخرى، حدثت فيها تظاهرات رافضة للحكومة الجديدة61. وارتكازًا على تلك الرؤية، أدرك البيت الأبيض السلوك الروسي في الأزمة الأوكرانية على أنه سلوك قوة إقليمية، تهدد بعض جيرانها المباشرين بهدف تحقيق حلم إستراتيجي، وهو فكرة الإمبراطورية الأوروآسيوية، والذي يستلزم حفاظ روسيا على وضعها المهيمن على دول شرق أوروبا، وعدم خروج أي دولة عن دائرة نفوذها الإقليمي، خاصة أوكرانيا جارتها المباشرة62. منذ بداية الأزمة الأوكرانية، أعلنت إدارة باراك أوباما استبعادها خيار التدخل العسكري63. وقد اتفق ذلك التوجه الأميركي مع التحول الإستراتيجي الأميركي في البعد عن استخدام القوة العسكرية في الأزمات السياسية المختلفة. فقد أشار الدليل الإستراتيجي الأميركي الذي أصدرته إدارة أوباما الثانية في 2012، إلى حتمية التحول من استخدام القوة العسكرية إلى الدبلوماسية والمفاوضات، وأنه حتى عندما تتطلب بعض الأزمات تدخلً عسكريًا، فإنه يجب أن يكون محدودًا. وارتكز ذلك الدليل على حقيقة أنّ الشعب الأميركي لن يقبل التدخل العسكري ذا
التكاليف المرتفعة والنتائج غير المتوقعة، إضافة إلى أنّ استخدام القوة العسكرية قد لا يضمن بالضرورة تحقق الأهداف المرجوة64. وتزايدت الانتقادات في الداخل الأميركي لإدارة أوباما، خاصة من الجمهوريين، في تعاملها مع الأزمة الأوكرانية، بأنها إدارة ضعيفة، ولم تتعامل بحسم مع السلوك الروسي العدائي والتوسعي في شرق أوروبا. وتزايدت تلك الانتقادات بدرجة أكبر، قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس التي فاز فيها الحزب الجمهوري بأغلبية مقاعد المجلسين، وستزداد تلك الانتقادات قبل الحملة الانتخابية الرئاسية في 2016 65. وعلى الرغم من تزايد الانتقادات في الداخل الأميركي، فقد استمرت الإدارة الأميركية، بالتنسيق مع حلفائها الأوروبيين، في استخدام أداة العقوبات الاقتصادية، والتوسع فيها تدريجًا ضد روسيا بهدف تغيير السلوك الروسي تجاه الأزمة الأوكرانية. ويمكن تفسير السلوك الأميركي في تلك الأزمة، من خلال اتباع الولايات المتحدة الأميركية إستراتيجية ترتكز على هدفين: تمثّل الهدف الأول في تقوية وجود حلف الناتو في دول وسط أوروبا وشرقها. فقد كانت أهم نتائج الأزمة الأوكرانية توقف التعاون الأميركي الروسي حول ملف الأمن النووي، ففي تموز/ يوليو 2014، وافقت لجنة القوات المسلحة في الكونغرس الأميركي على قانون، يعلّق التعاون الأميركي مع روسيا في مجال الأمن النووي، ما لم تحترم روسيا سيادة أوكرانيا الإقليمية وسلامتها66. إضافة إلى ذلك، بدأ حلف الناتو إجراء مراجعة شاملة لقوات الدفاع والردع في دول وسط أوروبا وشرقها67. فقد أدى استخدام روسيا فكرة الدفاع عن الأقليات الروسية في الدول الأخرى مبررًا لانتهاك سيادة أوكرانيا وسلامتها الإقليمية إلى تخوف عدد كبير من دول وسط أوروبا وشرقها، خاصة دول البلطيق وإستونيا تحديدًا التي توجد بها أقليات روسية، من سلوك روسيا العدائي في المستقبل. ولذلك تبنى حلف الناتو خطة عمل جاهزة، لتأسيس قواعد عسكرية في شرق أوروبا، وقوة تدخل سريع أطلنطية، لحماية أعضائه في التدخلات الروسية. كما التزم حلف الناتو تقديم دعم مالي وعسكري إلى أوكرانيا، وتدريبات عسكرية مشتركة منتظمة على أراضيها68. بينما تمثّل الهدف الثاني في اتباع سياسة احتواء جديدة للسياسة الروسية التوسعية في شرق أوروبا، تقوم على استخدام أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية في شن حرب اقتصادية مكبلة على روسيا، بالتنسيق مع حلفائها الأوروبيين. فعلى امتداد العقد الماضي، كانت وزارة الخزانة الأميركية تدعم أدواتها لشن أي حرب اقتصادية، تستطيع من خلالها تركيع الدول من دون إطلاق رصاصة واحدة. وتعتمد تلك الإستراتيجية الأميركية على سيطرة الولايات المتحدة الأميركية على النظم البنكية الدولية وعلى شبكة حلفائها الدوليين. وكانت إيران قد شعرت بتلك الحرب بقوة، والدليل على ذلك ما صرح به رئيس فريق التفاوض الإيراني مع مجموعة 1+5() "إنها حرب من نوع جديد، من خلال هجوم اقتصادي كاسح، يهدف إلى إخضاع الدول الأخرى بصورة كبيرة"69. ويتفق ذلك مع ما صرح به بوتين، في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2014، من أنّ تراجع سعر النفط إلى النصف هو بترتيب أميركي - سعودي يهدف إلى تقويض الاقتصاد الروسي على خلفية الأزمة الأوكرانية70. نخلص من ذلك إلى أنّ الإستراتيجية الأميركية تجاه الأزمة الأوكرانية ارتكزت على أربعة أهداف كبرى: تمثّل الهدف الأول في تقديم عروض اقتصادية وأمنية قوية لجيران روسيا، بهدف عدم تشجيعهم على التنسيق معها، بينما تمثّل الهدف الثاني في الاستمرار في توسيع العقوبات على روسيا، والتفاوض معها في الوقت نفسه، بغرض تغيير سلوكها العدائي، ليس فقط تجاه أوكرانيا، ولكن تجاه باقي دول شرق أوروبا. في حين تمثّل الهدف الثالث في تعزيز قدرات حلف الناتو ودفاعاته في وسط أوروبا وشرقها، من أجل مواجهة أي تهديدات روسية أو التصدي لها في المستقبل، أمّا الهدف الأميركي الرابع والأكبر فتمثّل في زيادة تكلفة تدخل روسيا في أوكرانيا إلى أقصى مدى، لأنّ ذلك هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار السلوك الروسي في أوكرانيا، وفي باقي دول وسط أوروبا وشرقها في المستقبل71. تفسير الموقف الأوروبي من الأزمة الأوكرانية: الرشادة الاقتصادية، والحسابات السياسية، وتناقض المصالح منذ نهاية الحرب الباردة، كانت هناك محاولات أوروبية للتوصل إلى علاقات روسية - أوروبية مستقرة، ووصلت ذروتها في عام 2000، عندما اتفقت دول الاتحاد الأوروبي وروسيا على بناء ما يسمّى (فضاء مشتركًا Space Common) يتشارك فيه الجانبان في كل شيء ماعدا المؤسسات. إلّ أنّ أزمة جورجيا 2008، ثم أزمة أوكرانيا، حولتا مسار
هذا الخط التعاوني إلى خط صدامي. وبدأت أغلبية الدول الأوروبية بعرض حلول دبلوماسية للأزمة الأوكرانية وفضلت عدم تصعيدها، إل أنّ مواقفها سرعان ما تغيرت، بعد ضم روسيا القرم، عندما أصبحت أكثر اقتناعًا بأنّ اتخاذ ردة فعل قوية مطلوبة لكبح جماح السلوك الروسي في شرق أوروبا72. وهكذا تمثّلت ردة الفعل الأوروبي في عدم التسامح مع ضم روسيا القرم، ولا لتهديد السلامة الإقليمية واستقرار أوكرانيا، واتباع سياسة احتواء روسيا من خلال زيادة الضغوط تدريجًا عليها، إذا ما قررت تصعيد الأزمة في شرق أوكرانيا وجنوبها، وإذا استمرت في اتباع دور الدولة الحارس للأقليات الروسية في وسط أوروبا وشرقها، وفي الوقت نفسه عدم الرغبة في العودة إلى أجواء الحرب الباردة، لأنّ تكلفة الصراع في ظل وجود تشابك واعتماد اقتصادي وتجاري متبادل بين أوروبا وروسيا سيكون مكلفًا بشدة للطرفين. وعلى الرغم من ذلك كان الانقسام بين دول الاتحاد الأوروبي الثماني والعشرين، والتردد في فرض عقوبات اقتصادية على روسيا، ثم التدرج في فرض تلك العقوبات مع الاستعداد لرفعها في حال تم التوصل إلى تسوية سياسية، هو السمة الغالبة على الموقف الأوروبي منذ بداية الأزمة الأوكرانية وحتى الآن. بمعنى آخر، كان هناك شقاق بين دول الاتحاد الأوروبي الموسع حول مدى، بل وحول فكرة العقوبات نفسها على روسيا. فبينما طالبت الدول الشيوعية السابقة، خاصة دول البلطيق وبولندا، باتخاذ موقف صارم وحاسم ومتشدد تجاه روسيا، فإنّ دول أوروبية أخرى مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبعض الدول الأوروبية المتوسطية إضافة إلى بلغاريا والمجر كانت ممتنعة في البداية عن ذلك. ويمكن تفسير ذلك بعدد من الأسباب: يتمثل السبب الأول في جوهر طبيعة قيادة الاتحاد الأوروبي للأزمة الأوكرانية. فقد أصبح اتخاذ القرار الآن أصعب في اتحاد أوروبي مكون من 28 دولة، وذلك مقارنةً بالأزمات السابقة، عندما كانت فرنسا وألمانيا تستطيعان قيادة التوجه الإستراتيجي للاتحاد الأوروبي في الأزمات73. بينما يتمثّل السبب الثاني في تغلب المصالح الوطنية للدول الأوروبية على فكرة وجود سياسة خارجية أوروبية موحدة. فقد اتّبعت ألمانيا اقترابًا يرتكز على ثلاث نقاط (المحادثات – المساعدات - العقوبات) في التعامل مع الأزمة الأوكرانية. بمعنى آخر، سعت ألمانيا إلى الاضطلاع بدور (الوسيط) في المحادثات بين الحكومة الأوكرانية وروسيا، ومن ناحية أخرى سعت إلى المساهمة في تدعيم الحكومة الأوكرانية من الناحية الاقتصادية، ووافقت من ناحية ثالثة على فرض عقوبات اقتصادية محدودة، على مستوى الاتحاد الأوروبي على روسيا، إلّ أنها كانت ممتنعة عن توسيع نطاق تلك العقوبات لتشمل قطاعات حيوية في الاقتصاد الروسي. ويرجع ذلك السلوك الألماني إلى حقيقة أنّ الصادرات الألمانية إلى روسيا، هي الأعلى من أي دولة أوروبية أخرى، فقد وصلت قيمة تلك الصادرات في 2013 إلى 38 بليون يورو، في حين تستورد ألمانيا %30 من الغاز والنفط من روسيا، فضلً عن وجود أكثر من 6 آلاف شركة ألمانية تعمل داخل الأراضي الروسية. ولذلك، ارتكز المنطق الألماني في التعامل مع الأزمة الأوكرانية على مبدأ مهم مفاده أنّه لا يجب أن تندلع حرب على خلفية الأزمة الأوكرانية، وفي الوقت نفسه لا يمكن التغاضي عن المصالح الاقتصادية الألمانية - الروسية74. واستنادًا إلى ذلك المبدأ وضعت السياسة الخارجية الألمانية ثنائية (الحوار والعقوبات) بناءً على سلوك القادة الروس تجاه الأزمة، على أن تأخذ العقوبات نسقًا متدرجًا، وفقًا لمدى تقدم المحادثات والحوار أو تراجعهما75. واتخذت فرنسا موقفًا مشابهًا لموقف ألمانيا في ضرورة حل الأزمة الأوكرانية بشكل سلمي، ومن خلال الدبلوماسية، وتجنب انزلاق الصراع إلى حرب عسكرية تحت أي ظرف من الظروف، فيكفي أن نعلم أن حجم التبادل التجاري بين روسيا وفرنسا يبلغ نحو 15 بليون دولار76. وعلى الرغم من أنً بريطانيا دعمت كافة العقوبات الأوروبية التي تم التوافق عليها على مستوى الاتحاد الأوروبي، فإنّ الحكومة البريطانية كانت قد أعلنت أنها لن تقطع علاقاتها التجارية مع روسيا، أو تغلق مركز لندن المالي في وجه روسيا جزءًا من أي حزمة عقوبات أوروبية ضد روسيا. إلّ أنه مع اسقاط الطائرة الماليزية MH17، في تموز/ يوليو 2014، تغير الموقف البريطاني وأصبح أكثر تشددًا تجاه روسيا، وعلى الرغم من موافقتها على الموجة الثالثة من العقوبات الأوروبية على روسيا، والتي استهدفت قطاعات روسية حيوية، فإنّ بريطانيا احتفظت ببعض العلاقات التجارية مع روسيا77. وعلى النقيض من المواقف الألمانية والفرنسة والبريطانية، اتخذت كل من بولندا ودول البلطيق الثلاث (لاتفيا، وليتوانيا، وإستونيا) موقفًا
أكثر تشددًا من الأزمة الأوكرانية. فمنذ بداية الأزمة، انتقدت وارسو بشدة السياسة الروسية التوسعية والعدائية تجاه أوكرانيا، وطالبت كلً من الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي بفرض عقوبات مشددة على موسكو. ويكمن السبب وراء هذا الموقف البولندي المتشدد من الأزمة في شعورهم بأنهم كانوا في موقف كييف نفسه من قبل، وأوضح وزير خارجية بولندا ذلك بقوله "يخوض جيراننا في أوكرانيا المعركة نفسها التي خضناها من قبل في 1989، بهدف بناء دولة أكثر ديمقراطية، وأقل فسادًا، وأكثر توجهًا نحو أوروبا." إضافة إلى ذلك، تمثّل الأزمة الأوكرانية خطرًا شديدًا على أمن بولندا القومي مقارنةً بباقي دول الاتحاد الأوروبي، لأن وارسو لديها حدود مشتركة مع أوكرانيا ومرتبطة بها اقتصاديًا وتاريخيًا وثقافيًا، كما أنّ خمس صادراتها كان يذهب إلى أوكرانيا، ويعتمد مئات الآلاف من فرص العمل لديها على تجارتها مع كييف. علاوة على ذلك، كانت بولندا تعدّ أوكرانيا منطقةً عازلةً بينها وبين روسيا، وانتهزت وارسو فرصة الهجوم الروسي على أوكرانيا للتوسع في قدراتها العسكرية من دون أن يزعج ذلك جيرانها، وأن تصبح دولة إقليمية قوية، وتتزعم منطقة وسط أوروبا وشرقها في مواجهة روسيا78. وتشترك دول البلطيق الثلاث، إضافة إلى مولدوفا وجورجيا، في مخاوفها من السياسة الروسية التوسعية في وسط أوروبا وشرقها. فعلى سبيل المثال، زادت ليتوانيا من إنفاقها العسكري كثيرًا على خلفية الأزمة الأوكرانية، خاصة بعد أن أعلن بوتين أنّ روسيا تحتفظ بحقها في حماية الأقليات الروسية من أي خطر يتهددها في أي دولة أوروبية79. إضافة إلى ذلك، ترتبط تلك الدول اقتصاديًا بروسيا، فروسيا هي شريكها التجاري الأساسي ومصدر الغاز الرئيس لديها. علاوة على ذلك، فهذه الدول الثلاث لديها نسبة كبيرة (الأقليات الروسية) في تركيبتها السكانية، تقريبًا ثلث سكان لاتفيا وإستونيا أقليات روسية، وهو ما يعنى أنه كلما زاد الغرب من ضغوطه على روسيا، فإنّ احتمالات أن تردّ روسيا بإشاعة عدم الاستقرار في تلك الدول، سواء اقتصاديًا أو سياسيًا واجتماعيًا، تصبح أقوى. ويفسر ذلك قرار الاتحاد الأوروبي بتسريع وتيرة تقوية روابطها الاقتصادية مع دول وسط أوروبا وشرقها، خاصة مولدوفا وجورجيا، ولإبرام اتفاقات شراكة معهما في تموز/ يوليو بدلً من آب/ أغسطس 2014. فقد جاء ذلك ردة فعل أوروبي على تزايد ضغوط موسكو على هذه الدول، بهدف عدم تقوية روابطها الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي، خاصة مولدوفا، بسبب نسبة الأقليات الروسية الكبيرة في داخلها، والتي قد تسبب لها فوضى وعدم استقرار في أية لحظة في المستقبل، إذا ما استمرت روسيا في اتباع دور الدولة الحارس للأقليات الروسية في دول وسط أوروبا وشرقها80. في حين يتمثّل السبب الثالث في تشابك المصالح الاقتصادية بين أوروبا وروسيا بصفة عامة، خاصة في مجال الطاقة. فعلى خلفية الأزمة الأوكرانية، اتخذ الاتحاد الأوروبي قرارًا إستراتيجيًا في آذار/ مارس 2014، بتقليل اعتماد أوروبا على الغاز الروسي وعلى تنويع مصادر وارداتها من النفط81. إنّ أحد أسباب تردد دول الاتحاد الأوروبي في فرض عقوبات على روسيا، وحتى عندما تقرر فرض عقوبات عليها، فإنها تكون حريصة على عدم المساس بالقطاعات الحيوية في الاقتصاد الروسي، ولا سيما في مجال النفط والغاز، هو أنّ أوروبا ليس لديها بديل على المدى القصير أو المتوسط من الغاز الروسي. فعلى المدى البعيد (في غضون عشر سنوات)، لدى الاتحاد الأوروبي بدائل وخيارات عديدة، يستطيع من خلالها أن ينوّع مصادر حصوله على الطاقة، بما يعطيه هامشًا أكبر في حرية الحركة في التعامل مع روسيا، إلّ أنه على المدى القصير والمتوسط، ستظل روسيا هي العمود الفقري لأوروبا في إمدادات الطاقة، وأكثر من نصف الغاز الروسي الذي يذهب إلى أوروبا يمر من خلال أوكرانيا. ووفقًا للتقديرات المتعددة، فإن %30 من استهلاك الغاز الأوروبي و%35 من استهلاك النفط الأوروبي يأتي من روسيا. وفي المقابل، تعتمد روسيا بشكل عال في دخلها القومي على صادراتها من الغاز والنفط إلى أوروبا، والتي تراوح بين 70 %، و%80 من صادراتها النفطية. وتشير تلك المعلومات إلى أنّ حسابات الرشادة الاقتصادية تقول إنه ليس من مصلحة روسيا ولا الاتحاد الأوروبي تعريض علاقاتهما التجارية في مجال الطاقة للخطر82. إضافة إلى ذلك، فإنّ فرض عقوبات أوروبية على روسيا هو أمر مؤلم ومكلف لأوروبا كثيرًا، لأن أوروبا ظلت تتواصل اقتصاديًا وتجاريًا مع موسكو لمدة 25 عامًا، وبعد الأزمة كان عليها أن توقف أو تعلّق هذا التعاون. والدليل على ذلك ما ذكره وزير خارجية بريطانيا في تعليقه على العقوبات الأوروبية على روسيا: "إذا وجهت لكمة قوية لأحد، فأعلم أنّ معصمك لابد أن يتألم." أضف إلى ذلك، أنّ ردة الفعل الروسي الانتقامية ستكون مؤلمة أيضًا في قطع إمدادات الغاز الذي
سيكون له عواقب وخيمة على دول مثل (المجر، وبلغاريا، وسلوفاكيا) التي تعتمد بنسبة %100 على الغاز الروسي. فعندما قررت روسيا في آب/ أغسطس 2014، تعليق استيرادها بعض المنتجات الأوروبية لمدة عام، تأثر عدد من الدول الأوروبية كثيرًا، خاصة بولندا وفنلندا لأن %25 من صادراتها الزراعية كانت تذهب إلى روسيا. ويفسر ذلك سبب امتناع بعض الدول الأوروبية عن توسيع نطلق العقوبات المفروضة على روسيا، واستعدادها لرفعها حال حدث تحسن في المفاوضات بهدف تسوية الأزمة سلميًا83. أما السبب الرابع فتمثّل في إدراك أوروبا أنّ استقرار أوكرانيا الاقتصادي والسياسي لا يمكن أن يتحقق من دون التعاون مع روسيا. فبالمنطق الاقتصادي الغربي، أوكرانيا (دولة زرقاء) تعتمد في واردتها من الطاقة على روسيا (الدولة الحمراء)، والعلاقة في مجال الطاقة بين روسيا وأوكرانيا هي علاقة السيد بالعبد، وفقًا للتعبيرات الغربية، لأن أكثر من نصف الغاز الأوكراني يأتي من موسكو84. فالحقيقة الأكيدة، أنّ الاقتصاد الأوكراني يعتمد اعتمادًا كبيرًا على روسيا في العديد من المجالات التي لا يستطيع الغرب أن يحل محلها فيها، خاصة في مجال الطاقة. بمعنى آخر، تستطيع روسيا تقويض أي جهد غربي لتحسين وضع أوكرانيا الاقتصادي والأمني، إذا أرادت ذلك85. وتدرك الدول الأوروبية أنه من دون تعاونها مع روسيا، فإنّ أوكرانيا لا يمكن أن تستعيد عافيتها الاقتصادية أو حتى استقرارها السياسي86. وفي سياق تلك الأسباب الأربعة الكبرى، وفي ضوء الهدف الإستراتيجي الأوروبي من الأزمة الأوكرانية (تصعيد الضغط على موسكو لردعها عن مزيد من ضم الأراضي الأوكرانية في جنوب أوكرانيا وشرقها، وعن عدم اثارتها للاضطرابات في أوكرانيا أو باقي دول وسط أوروبا وشرقها، وفي الوقت نفسه فتح الباب للحوار والتهدئة والحل الدبلوماسي معها)، يمكن فهم تصريحات الرئيس الفرنسي، فرانسوا أولاند، في 5 كانون الثاني/ يناير 2015، بضرورة رفع العقوبات على روسيا، إذا ما حدث تقدم في تلك المحادثات المتوقعة في منتصف كانون الثاني/ يناير (قمة ألمانية - روسية - أوكرانية في أستانا 15 كانون الثاني/ يناير 2015)، وأنّ بوتين لا يريد ضم شرق أوكرانيا، وأنّ هدفه هو منعها من الانضمام إلى حلف الناتو، وأنّ العقوبات المفروضة على روسيا تنعكس سلبًا على الاقتصاد الأوروبي. ويمكن أيضًا فهم تحذير سيغمار غابرييل، نائب المستشارة الألمانية ميركل، من خطورة فرض عقوبات جديدة على روسيا، لأنّ الهدف هو تسوية الصراع في أوكرانيا سلميًا، وليس إخضاع روسيا87. نخلص من ذلك إلى أنّ الأهداف الأوروبية الأساسية الأربعة في الأزمة الأوكرانية تمثّلت في منع تصاعد الصراع وتسويته سلميًا (لأنّ تكلفة استمرار الأزمة هي الأعلى على الدول الأوروبية وروسيا)، واحتواء السلوك العدائي الروسي ومنع تكراره في الدول المجاورة (لأنّ فكرة الدولة الروسية الحارس على الأقليات الروسية في منطقة وسط أوروبا وشرقها، تهدد صميم الاستقرار والأمن الأوروبيين)، وعودة العلاقات التجارية بين أوروبا وروسيا (لأنه على المديين القصير والمتوسط لا يوجد بديل لأوروبا عن الغاز الروسي، ولأنّ تشابك المصالح الاقتصادية بين الدول الأوروبية وروسيا لمدة ربع قرن يجعل خسائر الدول والشركات الروسية أكانت أم الأوروبية هائلة ومؤلمة)، ودعم استقرار أوكرانيا السياسي والاقتصادي بالتعاون مع روسيا، ودعم توجهها نحو الغرب (وأنّ تحقيق ذلك لا يمكن أن يتم من دون التعاون مع روسيا، لأنّ روسيا تستطيع تصعيد الأزمة سياسيًا وعسكريًا في أي وقت، وتستطيع تكبيل الاقتصاد الأوكراني، بل شلّه في أي وقت أيضًا.)
السيناريوهات المستقبلية للأزمة الأوكرانية: التهدئة والتطبيع، التصعيد، السلام البارد
في ضوء المواقف الروسية والأميركية والأوروبية من الأزمة الأوكرانية، والتي تتعارض فيها المصالح السياسية والإستراتيجية مع تشابك المصالح الاقتصادية وتعقدها، توجد سيناريوهات ثلاثة لمستقبل الأزمة الأوكرانية: يتمثل السيناريو الأول في (التهدئة وتطبيع العلاقات الروسية الغربية.) ووفقًا لذلك السيناريو، تصبح أوكرانيا دولة مستقلة، من خلال اتفاق سلام نهائي، يتم التوصل إليه بين أطراف الأزمة، وتراقب تنفيذه منظمة الأمن والتعاون الأوروبي. إضافة إلى ذلك، يتم الحفاظ على سلامة أوكرانيا الإقليمية واستقلالها السياسي، من دون جزيرة القرم التي أصبح ضم روسيا لها أمرًا واقعًا، ويقل نفوذ روسيا تدريجًا على كييف. ويعدّ ذلك هو السيناريو المفضل لدى واشنطن وبروكسيل، ويتم تطبيع
العلاقات الغربية مع روسيا، وتعليق العقوبات عليها بناءً على الخطوات الإيجابية التي قد تتخذها روسيا في المستقبل. بينما يتمثّل السيناريو الثاني في التصعيد في شكل حرب أهلية، أو غزو روسي، أو تهديد أعضاء حلف الناتو. ووفقًا لهذا السيناريو، يصبح عدم استقرار أوكرانيا هو السمة الرئيسة مع احتمال تحول الأزمة إلى حرب أهلية. وفي إطار هذا السيناريو، قد تتدخل روسيا عسكريًا في شرق أوكرانيا وجنوبها، وتعلنهما مناطق منفصلة عن أوكرانيا. وفي هذه الحالة، ستفرض كل من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا عقوبات أشد وأوسع نطاقًا على القطاعات الروسية الرئيسة، بهدف شل اقتصاد روسيا كليًّا، وقد تمتد تلك العقوبات إلى كازاخستان، ومن ثم تقلل احتمالات تشكل اتحاد أوروآسيوى في 2015، وستتدهور العلاقات الروسية الغربية أكثر، إلى درجة أنّ قنوات التعاون الباقية بينهما ستغلق تمامًا. وقد يمتد التدخل الروسي العسكري من شرق أوكرانيا وجنوبها إلى كييف نفسها. وفي تلك الحالة، سيزداد تعقيد الأزمة، لأنها تعني عمليًا الدخول في (حرب باردة جديدة)، سيشكّل فيها الاتحاد الأوروبي ما يعرف باتحاد طاقة أوروبي، بهدف التوقف نهائيًا عن الاعتماد على الواردات الروسية، وستنضم فلندا والسويد إلى حلف الناتو، وسيتوسع حلف الناتو شرقًا أكثر وبدرجة أسرع من ذي قبل بهدف مواجهة روسيا. وضمن هذا السيناريو، يوجد سيناريو أسوأ، وهو توجه روسيا نحو الغرب، إذا تحولت روسيا من تدخلها المحدود في أوكرانيا إلى تهديدها مباشرة أعضاء حلف الناتو في البلطيق، بحجة حماية الأقليات الروسية فيها، وهنا تصل احتمالات المواجهة بين حلف الناتو وروسيا إلى نقطة اللاعودة88. في حين يتمثّل السيناريو الثالث في (السلام البارد.) ووفقًا لذلك السيناريو، يتجنب أطراف الصراع أن تتحول الأزمة إلى حرب أهلية، ولكن تظل حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في أوكرانيا، هي الحالة السائدة والمسيطرة. وفي هذا السيناريو، تختار روسيا عدم تصعيد الصراع بشكل كبير، لتجنب التكلفة الدولية المتمثلة في العقوبات الاقتصادية، وفي احتمال مواجهة دول حلف الناتو، إلّ أنها في الوقت نفسه تظل تؤدّي دور (المعرقل أو المفسد) لأي تسوية سياسية للأزمة. وفي تلك الحالة، لا تستطيع أوكرانيا لا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ولا إلى الاتحاد الأوروآسيوى89. ووفقًا لهذا السيناريو، ستظل روسيا تحت العقوبات الأميركية -الأوروبية لعقود، وستسعى موسكو إلى أداء دور المفسد والمعطل لمصالح الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا في القضايا الأخرى في العالم90.
الخاتمة
يتمثل جوهر الأزمة الأوكرانية، في المقام الأول، في كونها أزمة حول هوية الدولة واختياراتها لسياساتها الاقتصادية والخارجية. فقد أدت تلك الاختيارات إلى أزمة لروسيا أكثر منها للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، لأنها كانت تعني تحديًا مباشرًا لمشروع بوتين (الاتحاد الأوروآسيوي) الذي كان يمثّل له تعويضًا عن انهيار الاتحاد السوفياتي السابق. وكان التحدي الرئيس لأطراف الأزمة المختلفة، هو حماية مصالحها الحيوية، وفي الوقت نفسه تجنب الدخول في حرب كبرى بينهم. تمثّل جوهر الموقف الروسي في محاولة منع أوكرانيا أو أية دولة أخرى في دائرة نفوذها الإقليمي من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو إلى حلف الناتو، من خلال قدرتها على تصعيد الأزمة الأوكرانية، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، في أي وقت. بمعنى آخر، تحاول موسكو الإبقاء على الأزمة في أوكرانيا مشتعلة وعلى عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في كييف، حتى يمكنها التوصل إلى اتفاق مع الغرب يضمن مصالحها الأساسية. بينما تمثّل جوهر الموقف الأميركي في سياسة (احتواء جديدة) تقوم على تقوية وجود حلف الناتو في دول وسط أوروبا وشرقها، ورفع تكلفة تدخل روسيا في أوكرانيا إلى حدها الأقصى، من خلال التنسيق مع حلفائها في أوروبا لفرض عقوبات تدرجية على روسيا، لأنّ ذلك هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار السلوك الروسي في أوكرانيا وفي باقي دول وسط أوروبا وشرقها في المستقبل. في حين انبنى جوهر الموقف الأوروبي على الاحتواء، والردع، والتعاون، في محاولة احتواء الأزمة وعدم تصعيدها، لأنها تهدد مصالحه الاقتصادية والأمنية، وفي محاولة ردع روسيا عن اتباع سياسة توسعية وعن اتباع دور الدولة الحارس للأقليات الروسية في دول وسط أوروبا وشرقها، وفي الإبقاء على أطر التعاون مع روسيا لأن بعض الدول الأوروبية ما زالت غير مستعدة لخسائر اقتصادية جراء قطع العلاقات معها، ولأنه في المديين القصير والمتوسط لا يمكن لأوروبا ألّ تعتمد على روسيا في مجال الطاقة. وتظل سيناريوهات الأزمة الأوكرانية، لأنها إحدى أكبر الأزمات وأحدثها في العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة، مفتوحةً على مصراعيها بين التهدئة أو التصعيد أو السلام البارد، في ضوء تناقض المصالح السياسية والإستراتيجية بين أطرافها من ناحية، وتعقد مصالحهم الاقتصادية والتجارية وتشابكها من ناحية أخرى، وفي ضوء رغبة جميع الأطراف المعنية في تجنب الوصول إلى حرب كبرى، يصبح الكل فيها خاسرًا.