الحكومة الائتلافية في تونس: قراءة في الملامح والتداعيات والتحديات
الملخّص
تناقش هذه الورقة حالة الحكومة الائتلافية الحالية في تونس التي شكلها الحبيب الصيد، وتقدم قراءة في ملامحها وفي إشكالاتها والتحديات التي تواجهها. فازت الحكومة الجديدة بأغلبيةٍ مريحة غير مسبوقة في حكومات ما بعد الثورة، وهو ما يدل على أن ها مسنودة سياسيًا وحزبيا. ومع ذلك، يرى آخرون أنّ تركيبتها لم تأخذ في الحسبان المناطق الطرفية والجهات المحرومة، وبدت ميّالة إلى مركزة السلطة لدى المنتمين إلى الساحل أو العاصمة. ترى الورقة أن الصيد بدا ميّالا إلى تكريس التعددية في تركيبة حكومته، وبدا معنيا بالظفر بأكبر نسبة من المؤيدين في مجلس نواب الشعب تمكن حكومته من اجتياز أي امتحان لكسب الثقة. أضاف الصيد في تشكيلته النهائية أحزابًا مهمة؛ وهي "حركة النهضة"، و"آفاق تونس"، و"الجبهة الوطنية." ترى الورقة أيض ا أن تركيبة الحكومة الجديدة تميزت بقيامها على ائتلاف تعددي سياسي/تكنوقراطي واسع جمع بين علمانيين وإسلاميين وغير متحزبين، واتسمت بتحييد معظم وزارات السيادة. أما "النهضة" فترى الورقة أنها نجحت في اختراق الموقف الإقصائي الصادر عن التيار العلماني/اليساري في "نداء تونس" وحزب "الجبهة الشعبية"، القاضي بعدم إشراكها. وتناقش الورقة التحديات التي الأمني والملف الاقتصادي والملف الاجتماعي تواجهها الحكومة؛ وفي مقدمتها الملف، وبخاصة الجماعات الإرهابية والجريمة المنظمة التي ظلت تهدّد السلم الاجتماعي والتجربة الديمقراطية في تونس، وتربك الأداء السياسي والاقتصادي للحكومات الانتقالية التي شهدتها البلاد بعد الثورة.
مدخل
بعد ثلاثة أشهر ونيّف من إعلان نتائج الانتخابات التشريعية 26( تشرين الأول / أكتوبر 2014)، رأت الحكومة التونسية الجديدة النور 5(شباط / فبراير 2015.) وهي الحكومة السابعة بعد انقضاء أربع سنوات على الثورة. وقد أشرف على اختيار أعضائها الحبيب الصيد 65(عامًا.) وهو سياسي مخضرم تولّ مناصبَ قيادية في وزارة الداخلية قبل الثورة وبعدها. ويقدّم نفسه على أنّه غير منتمٍ حزبيًا. كلّفه رئيس الجمهورية الحالي الباجي قائد السبسي 89(عامًا) في 5 كانون الثاني / يناير 2015، بتشكيل الحكومة مع الأخذ في الحسبان برنامج الحزب الفائز بأكبر نسبة في مجلس نواب الشعب، وهو حزب "نداء تونس" 86(مقعدًا.) وسبق أن قدّم الصيد أوّل مقترح لتشكيلته الحكومية المرتقبة أمام وسائل الإعلام بتاريخ 23 كانون الثاني / يناير 2015. غير أنّ تلك التشكيلة التي ضمّت 40 عضوًا لم تَلْق التأييد الواسع لدى القوى الفاعلة في المشهد السياسي؛ وذلك لأنّها اقتصرت على ضم ممثّلين عن حزب "نداء تونس" 86(مقعدًا)، و"الاتحاد الوطني الحر" 16(مقعدًا)، وعدد من التكنوقراط، وتجاهلت أحزابًا وازنة في مجلس نواب الشعب، وفي مقدمتها "حركة النهضة" 69(مقعدًا)، و"الجبهة الشعبية" 15(مقعدًا) و"آفاق تونس" 8(مقاعد.) وقد أنذرت هذه الأحزاب بأنّها لن تمنح حكومة الصيد في نسختها الأولى الثقة عند عرضها على المجلس النيابي1. وفي السياق نفسه، احتجّ آخرون بأن تركيبة تلك الحكومة لم تأخذ في الحسبان المناطق الطرفية والجهات المحرومة، وبدت ميّالة إلى مركزة السلطة لدى المنتمين إلى الساحل أو العاصمة2؛ كما كانت الحال في عهد بورقيبة وخلَفه بن علي. وقد دفعت تلك المآخذ رئيس الوزراء المكلّف إلى إعادة النظر في تشكيلة حكومته وتعديلها في ضوء ما أجراه من مشاورات مع القوى الحزبية الفاعلة، ومع مكوّنات المجتمع المدني. وعرض التركيبة النهائية للحكومة الجديدة وبرنامجها يوم 4 شباط / فبراير 2015 على مجلس نواب الشعب 217(نائبًا.) وبعد جدلٍ واسع داخل قبة المجلس 162(مداخلة من جانب النوّاب)، جرى التصديق على حكومة الصيد يوم 5 شباط / فبراير 2015؛ فصوّت لها 166 نائبًا، واعترض عليها 60 نائبًا، في حين احتفظ ثمانية نوّاب بأصواتهم؛ وذلك من مجموع 204 من النوّاب الحاضرين. وبذلك فازت الحكومة الجديدة بأغلبيةٍ مريحة غير مسبوقة في حكومات ما بعد الثورة. وهو ما يخبر بأنّها مسنودة سياسيًا وحزبيًا. فما هي أهمّ ملامح هذه الحكومة من جهة تركيبتها وبرنامجها؟ وما هي انعكاسات تشكيلها على المشهد السياسي التونسي؟ وما هي أبرز التحديات التي تواجهها؟ ستوجّه هذه الأسئلة نظرنا في هذه الورقة.
في تركيبة الحكومة وبرنامجها
تركيبة الحكومة
تسلَّم الحبيب الصيد رسميًا مقاليد رئاسة الحكومة يوم 6 شباط / فبراير 2015 خلفًا للمهدي جمعة رئيس الحكومة غير الحزبية التي تولّت إدارة البلاد مطلع سنة 2014. وتتكوّن الحكومة الجديدة من 42 عضوًا 28(وزيرًا، و 14 كاتب دولة.) منهم المستقلون ومنهم المتحزبون الذين يتوزعون على خمسة أحزاب ممثّلة داخل مجلس نوّاب الشعب؛ وهي "نداء تونس"، و"حركة النهضة"، و"الاتحاد الوطني الحر"، و"آفاق تونس"، و"الجبهة الوطنية." وحاز النداء ثماني حقائب وزارية، في حين أ سندت إلى النهضة وزارة واحدة هي وزارة التكوين المهني والتشغيل و 3 كتّاب دولة (الصحة، والاستثمار، والمالية.) وكان حضور "الوطني الحر" و"آفاق تونس" ممثّلً بثلاث وزارات لكلٍّ منهما. في حين حصلت "الجبهة الوطنية" على منصب كتابة دولة لوزارة الخارجية. ومن ثمة فنحن إزاء حكومة ائتلافية تجمع بين قوى حزبية ممثّلة داخل مجلس نواب الشعب وعدد من التكنوقراط. وتقدَّر نسبة المستقلين فيها ب %54.8 23(من جملة 42) مقابل %45.2 من المنتمين إلى الأحزاب 19(من.)42 ومن إيجابيات الفريق الحكومي الجديد أنّه يشمل حضورًا للمرأة (ثماني نساء) وعددًا مهمً من الوجوه الشابّة؛ ذلك أن %44 من أعضاء حكومة الصيد تقلّ أعمارهم عن 50 سنة. كما أنّ وزارات السيادة فيها محيّدة (وزارة العدل، ووزارة الداخلية، ووزارة الدفاع) باستثناء وزارة الخارجية التي تولّ أمرها الطيّب البكّوش الأمين العام لحركة "نداء تونس." واشتملت التركيبة الجديدة أيضًا على إحداث منصب وزير لدى رئيس الحكومة مكلّف بالعلاقات مع الهيئات الدستورية
والمجتمع المدني. وهو منصب لم تشهده الحكومات التونسية السابقة، ويضمن التمكين لقوى المجتمع المدني، وتدعيم دورها في صناعة القرار، وتأمين التواصل بين الحاكم والمحكوم. لكن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى أنّ عددًا من الحقائب الوزارية قد جرى إسناده إلى أصحابه على أساس المحاصصة الحزبية؛ فالسِيّر العلمية لبعض الوزراء واختصاصاتهم المهنية لا تنسجم مع ما تقلّدوه من مناصب3. والظاهر أنّ المراد هو ترضية الأحزاب السياسية التي ينتمون إليها. والملاحظ أنّ وزارة الداخلية في حكومة الصيد ظلّت مهيمنة على الجماعات المحلية والمجالس الجهوية. وكان الأحرى إفرادها بوزارة بذاتها دعمً لمنهج اللامركزية، وإرساخ السلطة المحلية الذي نصّ عليه الدستور الجديد (كانون الثاني/يناير 2014.) ويظهر أنّ حكومة الصيد الجديدة قد وسّعت من امتدادها الجهوي والحزبي؛ فعلى الصعيد المناطقي ضمّت ممثلين عن كلّ المحافظات عدا اثنتين (زغوان، وتطاوين)، وشملت 14 عضوًا من الحكومة من الشمال، و 14 عضوًا من الوسط، و 13 عضوًا من الجنوب4. والمراد من ذلك توجيه رسائل طمأنة إلى المناطق الداخلية والجهات الطرفية بأنّها مشاركة في الحكم، وأنّ الأمر غير مقتصر على أهل الشمال أو أهل الساحل دون غيرهم. والمراد أيضًا توجيه رسالة لهم وللمراقبين عمومًا مفادها أنّ "نداء تونس" يريد تشكيل حكومة جامعة لكلّ التونسيين5 ولا تستثني أهل الجنوب بحجة أنّ أغلبيتهم لم تناصره في الانتخابات التشريعية، ولم تصوّت للسبسي في الانتخابات الرئاسية. أمّا على الصعيد الحزبي، فقد عدل الصيد عن مقترحه الأوّل لتشكيل الحكومة الذي اكتفى بحزبَ "نداء تونس" و"الوطني الحر" دون غيرهما. وأضاف في تشكيلته النهائية أحزابًا أخرى مهمة؛ وهي "حركة النهضة"، و"آفاق تونس"، وبخاصة "الجبهة الوطنية" بدرجة ثانية (لها نائب واحد في البرلمان.) فبدا ميّالً إلى تكريس التعددية في تركيبة حكومته، وبدا معنيًا أساسًا بالظفر بأكبر نسبة من المؤيدين في مجلس نواب الشعب عند اجتياز الحكومة امتحان كسب الثقة. فكانت الغاية الفوز بأغلبية مريحة، وضمان حزام سياسي وتوافق حزبي واسع يمكّن الحكومة الوليدة من كسب قاعدة شعبية من ناحية، ومن تمرير سياساتها والعمل في أجواء من الاستقرار من ناحيةٍ أخرى. وفي هذا الإطار يفهم استقدام "حركة النهضة" واستبعاد "الجبهة الشعبية" (ائتلاف من الأحزاب اليسارية والقومية يضم 11 حزبًا ممثّلً ب 15 نائبًا)؛ فالصيد ومن خلْفه بعض القيادات في "نداء تونس" على وعي بأهمية إشراك "حركة النهضة" في الحكم بما تتمتع به من ثقلٍ شعبي من ناحية 69(مقعدًا)، ولتفادي ما يمكن أن تقوم به من دورٍ في المعارضة وتعطيل تمرير بعض القوانين في مجلس نوّاب الشعب، إذا هي بقيت خارج الحكم. وأبدت "النهضة" في هذا السياق حالةً من المرونة. وقبلت بتمثيلٍ رمزي لها في مجلس الوزراء (وزير واحد)، على الرغم من أهمية حضورها في مجلس نواب الشعب 69(مقعدًا.) وأظهرت أيضًا رغبةً أكيدة في بناء حكومة توافقية تجمع أكبر طيف من الاجتماع السياسي في البلاد. ولم تلزم "نداء تونس" بشروطٍ مسبقة. وعلى خلاف ذلك قرنت "الجبهة الشعبية" مشاركتها في الحكومة بإقصاء النهضة6 منها لخلافها الأيديولوجي معها، ولأنّها تعدّها مسؤولة عن مقتل شكري بلعيد 6(شباط/فبراير 2013.) وفرضت على الصيد عددًا من المطالب7 أهمّها تجميد الأسعار، والتنصّل من الديون الخارجية، والترفيع في منحة البطالة، ودعم صندوق التعويض. وهي مطالب رآها بعض الندائيين والمقرّبين من حكومة الصيد تعجيزية اقتضت الاستغناء عن التحالف مع "الجبهة الشعبية"، والتآلف مع "النهضة" و"الاتحاد الوطني الحر" و"آفاق تونس." وهي أحزاب يمينية اجتماعية قد تختلف أيديولوجيًا إلى حدٍّ ما لكنّها تلتقي اقتصاديًا عند التسليم باقتصاد السوق، والعمل على تعزيز الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ولبرلة الاقتصاد وفقًا لما تمليه توجيهات الصناديق المالية8. وبذلك فقد تميزت تركيبة الحكومة الجديدة بقيامها على ائتلاف تعددي سياسي/تكنوقراطي واسع جمع بين علمانيين وإسلاميين وغير متحزبين، وتأسّس على تحييد معظم وزارات السيادة، وعلى الرغبة في
ضمان حزام سياسي وعمق شعبي داعم للحكومة الوليدة مع الأخذ في الحسبان تمثيلية أعضاء الحكومة معظم محافظات البلاد، وتعزيز المشاركة الفعلية للمرأة وفئة الشباب في اتخاذ القرار.
برنامج حكومة الصيد
عرض رئيس الحكومة الحبيب الصيد برنامج عمل فريقه الحكومي خلال السنوات الخمس المقبلة يوم 4 شباط / فبراير 2015 أمام مجلس نواب الشعب. وشمل البرنامج9 تأكيد التزام تعزيز المسار الديمقراطي، وتبنّي أهداف الثورة في تحقيق الحرية والعدالة، وضمان الكرامة لعموم المواطنين، والقطع النهائي مع دولة الاستبداد. وفي هذا الإطار ذهب الصيد إلى أنّ "الحفاظ على المسار الديمقراطي وتعزيزه، وصيانة الحريات العامة والفردية، واحترام حقوق الإنسان)...(، وتكريس سلطة القانون)...(هي من صميم أولويات حكومته"10. وأعلن عزمه على "مقاومة كل أشكال الفساد والمحسوبية واستغلال النفوذ، وتجاوز القانون، وتجسيد مبادئ الحوكمة الرشيدة والمساءلة"11؛ فأعرب بذلك عن التزام أخلاقي/رسمي تجاه المواطنين بالوفاء لروح الثورة وتحقيق مطالبها من ناحية، والعمل على إرساء دولة الحق والواجب ولزوم الشفافية من ناحية أخرى. فبعث بذلك رسائل طمأنة مهمة إلى الرأي العام المحلي والدولي مفادها أنّ الحكومة الجديدة لن تنقلب على الثورة، على الرغم من وجود بعض وجوه النظام القديم فيها، ولن تكون نافذة لعودة الاستبداد أو الارتداد عن المكاسب الحقوقية التي غنمها التونسيون بعد الثورة. وركّز الصيد في خطابه البرامجي على عددٍ من الملفات التي عدّها من أولويات حكومته وفي مقدمتها الملفّ الأمني والملف الاقتصادي والملفّ الاجتماعي؛ فعلى الصعيد الأمني، أكّد أهمية استكمال مقومات بسط الأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظّمة، داعيًا إلى ضرورة التسريع في التصديق على قانون مكافحة الإرهاب، ووضع منظومة قانونية تشريعية تضمن للأمنيين والعسكريين حقوقهم وتتيح لهم الحماية أثناء أداء واجبهم12، واعدًا بتأمين المعدات اللازمة للقوات المسلحة لتفعيل النجاعة المطلوبة في مواجهة المخاطر التي تهدد الأمن القومي والانتقال الديمقراطي في البلاد. والملاحظ هنا أنّ الصيد لم يفصّل القول في المراد بحماية الأمنيين وتحصينهم قانونيًا. فهل المراد تمكينهم من حمل سلاح خارج أوقات العمل؟ وهل المراد تمكينهم من حقّ إطلاق النار دون شروط مسبقة؟ وهل القصد تمتيع عون الأمن بنوعٍ من الحصانة دستوريًا؟ تبدو هذه المعطيات غير واضحة، وتحتاج إلى المزيد من التدقيق في مستوى قراءة الصيد المسألة الأمنية. أمّا على الصعيد الاقتصادي، فوعَد الصيد بالعمل على "الحفاظ على المقدرة الشرائية للمواطنين، ومكافحة الاحتكار والمضاربة)...(، والعمل على تنظيم السوق والتحكم في الأسعار)...(، ومقاومة التهريب والتجارة الموازية"13. وهي مطالب مهمة وحاجات ملحّة بالنسبة إلى المواطن التونسي لا محالة، بخاصة ما تعلّق منها بتخفيض الارتفاع المشط للأسعار، ودعم المقدرة الشرائية للمواطن14. لكن رئيس الحكومة المكلّف لم يقدّم خطة تفصيلية واضحة لتحقيق تلك الوعود؛ فلا نجد في برنامجه قولً مفصّلً في كيفية التحكّم في الأسعار، بخاصة أنّ ثمن المواد الاستهلاكية خاضع لقانون العرض والطلب، ولحركة الاستيراد والتصدير في البلاد. ولم يفصح أيضًا في برنامجه عن الآليات التي يمكن أن يقترحها لتنظيم السوق ومقاومة التهريب والاحتكار والمضاربة. فغلب بذلك العموم على التفصيل في برنامجه الاقتصادي. أمّا على الصعيد الاجتماعي، فوعد الصيد "بإدماج متعاطي الأنشطة غير المهيكلة في المنظومة القانونية وإيجاد حلول للأخذ بيد ضعاف الحال الذين يمارسون التجارة في المسالك غير المنظمة." ولم يكشف عن معالم تصوّره لكيفية إعادة إدماج هؤلاء في الدورة المهنية، وآليات تحسين أوضاعهم الاجتماعية. وصرّح بأنّه بداية من شهر نيسان / أبريل 2015 سيجري الترفيع في المنحة المسندة إلى العائلات المعوزة من 120 دينارًا إلى 150 دينارًا للعائلة الواحدة. وسيشمل هذا الإجراء 230 ألف عائلة معوزة15. والواقع أنّ هذه الإجراءات على أهميتها لا تحلّ معضلة الفقر في تونس بصورة جذريّة. بل تكتفي بتقديم حلول ترقيعية موقّتة. وكان من الأفضل تخصيص الأموال المرصودة لزيادة المنح المسندة للعائلات البائسة لضمان الحاجيات الأساسية والمرافق الضرورية لتلك
الأسر الموجودة بخاصة في المناطق الطرفية، وأغلبها تعيش في مناطق لا توجد فيها المدارس والمستشفيات ومواطن الشغل. فكان بالإمكان توجيه الاهتمام نحو التنمية المحلية، وضمان موارد دخل قارّ للعائلات المعوزة، حتى لا تبقى عالة على الميزانية العامة للدولة. وفي السياق نفسه، فإنّ وعد رئيس الحكومة الجديد بإلغاء كل الإجراءات الإدارية المتعلقة بتخلّ الدولة عن القروض المسندة لصغار الفلاحين والبحّارة بالنسبة إلى كلّ من لا يتجاوز أصل دينه ألفَي دينار16، يعدّ إجراء "شعبويًا" إلى حدٍّ ما؛ لأنّه لا يأخذ في الحسبان الأثر الناجم اقتصاديًا عن تنصّل نحو 42500 فلّ ح، يشملهم هذا الإجراء من دفع الديون المتخلدة بذمّتهم، وهو ما يؤثّر سلبيًا في الميزانية العامة للدولة وفي الأداء الصرفي في البنوك. وبناءً عليه، فإنّ برنامج حكومة الصيد، على الرغم من تأكيده أهمية الاستمرار في دعم التجربة الديمقراطية التونسية، ووعده بالقيام بإصلاحات اقتصادية واجتماعية، فإنّه يبقى من الناحية العملية برنامجًا لا يتجاوز مستوى إعلان النوايا؛ ذلك أنّه لا يقدّم جدولً زمنيًا واضحًا لتحقيق ما أعلنه من وعود، ولا يضبط مخططًا مفصلً لحل المشكلات العالقة التي تعانيها البلاد، ولا يرتكز على رؤية إستراتيجية استشرافية لمقدرات البلاد وإمكانياتها واحتياجاتها على المديين المنظور والبعيد. وهو ما قد ينعكس سلبيًّا على أداء الحكومة الائتلافية في المرحلة المقبلة. "النهضة" تمكنت في هذا المستوى من التفاعل مع الاستحقاق الحكومي من اختراق الموقف الإقصائي الصادر عن التيار العلماني/اليساري في "نداء تونس" وعن حزب "الجبهة الشعبية"، والقاضي بعدم إشراكها (النهضة) في الحكم.
تداعيات تشكيل الحكومة الائتلافية على القوى السياسية
حركة النهضة
مع أنّ التحالف مع "نداء تونس" ليس محلّ إجماعٍ داخل الحركة بالضرورة ولا يرقى إلى حجم تمثيليتها في ال لمرران17، فهو خيار إستراتيجي تشبّثت قيادات الحزب18 البارزة بالدفاع عنه، مصرّ ة على ضرورة حضور "النهضة" في المشهد الحكومي. ويمكن تفسير هذا التوجّه الغالب على الحركة بعدة أسباب/معطيات؛ منها ما هو ذاتي ومنها ما هو موضوعي. فمن الناحية الذاتية يتبين دارس الخطاب السياسي لحركة النهضة أنّها قد دأبت في أغلب بياناتها خلال فترة ما بعد حكومة "الترويكا" الثانية على التجاوب مع مشروع "الحوار الوطني"، وعملت على إقناع أتباعها بأهمية الحكم التوافقي، وضرورته في الحالة التونسية. وخاضت حملتها الإعلامية خلال الانتخابات التشريعية (تشرين الأول/أكتوبر 2014) بطريقة تتجنّب التصادم مع الخصوم السياسيين والتهجّم عليهم؛ رافعةً شعار "الوفاق الوطني"، مؤكدةً أهمية تأسيس حكومة وحدة وطنية19 تشارك فيها أبرز القوى الحزبية والمدنية لتجاوز الأزمات التي تعانيها البلاد سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا. وتوجُّه الحبيب الصيد نحو تشكيل حكومة ائتلافية ينسجم مبدئيًا مع تصوّر "حركة النهضة" لتجربة الحكم التوافقي/التعددي، وذلك على الرغم من تمثيليتها المحدودة في تلك الحكومة، ويسمح للنهضة بالظهور في موقع الحركة المسؤولة أمام أتباعها وأمام عموم المواطنين؛ فتبرز في مقام من يقدّم الوحدة الوطنية على المصلحة الحزبية من ناحية، وتقنع من ناحية أخرى قواعدها بصواب مقاربتها في لزوم المرونة والديبلوماسية السياسية في المرحلة الانتقالية، مؤكدةً صواب مراهنتها على الحكم الائتلافي20. ومن خلال حضورها الرمزي في تشكيلة الحكومة، تريد "النهضة" أن تحافظ لها على موطئ قدم داخل مجلس الوزراء بوصفه أحد مراكز اتخاذ القرار المهمة في الدولة التونسية الجديدة؛ فهي حريصة على المشاركة في المشهد الحكومي ومتابعة تطوّراته والتأثير فيها بالتزكية أو بالنقض. وهي تريد بهذا الحضور إثبات وجودها في هرم السلطة، والدفاع عن مصالح ناخبيها وحمايتهم من جور الحكم وتبدلّاته؛ فهي حريصة على تفادي انفراد اليساريين و"الدساترة" بزمام الأمور في قصر الحكومة، لأنّ ذلك قد يؤدي إلى عزل "النهضة" أو الشروع في
استبعادها من المشهد السياسي، وملاحقة أتباعها كما حصل في فترة التسعينيات من القرن الماضي زمن هيمنة بن علي ورموز التجمعيين واليساريين على دفّة الحكم. أمّا من الناحية الموضوعية، فإنّ النهضة على درايةٍ بمآلات حضور الإسلاميين في المشهد السياسي في الدول العربية، وما لقوه من مصاعب آلت ببعضهم إلى الخروج من الحكم (مصر بخاصة.) لذلك كانت حريصة على تفادي الصدام مع رجال العهد القديم في حزب "نداء تونس"، ميّالة إلى تقديم مطلب المشاركة على المغالبة في التعامل مع تجربة الحكم؛ فقدّمت نفسها للرأي العام على أنّها حزب مدني، ديمقراطي ذو خلفية إسلامية، يقبل التواصل مع الآخر السياسي والتحالف معه من أجل الصالح العام. فبرزت في موقع الحزب الذي يحسن المناورة والمحاورة والتنازل، ولا يتمترس خلف أحكام أيديولوجية راديكالية أو نهائية. فربحت بذلك معركة التطبيع مع الدولة وحافظت على وجودها في حكومة يغلب عليها اللون الليبرالي العلماني. وتمكّنت "النهضة" في هذا المستوى من التفاعل مع الاستحقاق الحكومي من اختراق الموقف الإقصائي الصادر عن التيار العلماني/ اليساري في "نداء تونس" وعن حزب "الجبهة الشعبية"، والقاضي بعدم إشراكها (النهضة) في الحكم.
نداء تونس
عقب الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية (تشرين الأول / أكتوبر 2014)، تصدّر "نداء تونس" مجلس نواب الشعب بحصوله على 86 مقعدًا من مجموع 217. وهي نسبة على أهميتها لا ترقى إلى درجة الأغلبية الساحقة التي تخوّل له تشكيل الحكومة وحده. ووجدت الحركة نفسها موزَّعة بين ثلاثة خيارات في مستوى تعاملها مع الاستحقاق الحكومي؛ يتمثّل الأوّل في التخلي عن "النهضة" و"الجبهة الشعبية"، والتحالف مع "الاتحاد الوطني الحر" و"آفاق تونس." وهو خيار على الرغم من أنّه يسمح للحركة بالحصول على العدد الأدنى المطلوب من الأصوات لكسب الثقة في البرلمان 109(أصوات)، فإنّه تحالف يبقى هشًا ويواجه بالضرورة معارضةً شرسة من جانب الإسلاميين واليساريين على السواء. أمّا الخيار الثاني فكان التحالف مع "الجبهة الشعبية" وعددٍ من المستقلين والمنتمين إلى ما يسمّى ب"العائلة الديمقراطية." وهو تحالف يقوم على عزل "حركة النهضة"، ولا يحظى بالضرورة بتأييدٍ واسع تحت قبة مجلس نواب الشعب وفي الشارع التونسي، وينذر باستعادة حالة الاستقطاب الثنائي بين الإسلاميين والعلمانيين. ويؤدّي إلى تقسيم المجتمع بين حداثيين ولا حداثيين، ويربك مسار البناء الديمقراطي وجهود التهدئة الاجتماعية والاستقرار السياسي التي بشّ بها "نداء تونس" ناخبيه ومناصريه أثناء حملته الانتخابية. ويتمثّل الخيار الثالث في الاستغناء عن "الجبهة الشعبية" والتحالف مع "حركة النهضة" و"الاتحاد الوطني الحر" وحركة "آفاق تونس." وهو تحالف يميني/يميني، يجمع بين اليمين المنفتح (نداء تونس، وآفاق تونس، والاتحاد الوطني الحر) واليمين المحافظ (حركة النهضة.) ويتميز بحالةٍ من التقارب في مستوى الهويّة البرامجية الاقتصادية، ويؤمّن الحصول على أكبر نسبة من الأصوات داخل البرلمان؛ ذلك أنّ النهضة حازت ثلث مقاعد مجلس نواب الشعب 69(مقعدًا)، و"آفاق تونس" حاز 8 مقاعد، في حين يحظى "الاتحاد الوطني الحر" ب 16 مقعدًا. ومكّن مجموع هذه القوى الحزبية المتآلفة الحبيب الصيد وحزب "نداء تونس" من الفوز بمطلب كسب الثقة في البرلمان، ويضمن للحكومة الوليدة حزامًا سياسيًا وعمقًا شعبيًا يقيانها مطبّات التجاذبات الأيديولوجية والهزات الاجتماعية والحركات الاحتجاجية. من هنا فإنّ إشراك النهضة في الحكومة الائتلافية لم يكن فعلً عفويًا، أو عملًاعتباطيًا من جانب "نداء تونس." بل كان خيارًا إستراتيجيًا رام الندائيون من خلاله تحقيق عدة مطالب؛ من بينها نيل الثقة في البرلمان بأغلبيةٍ مريحة وغير مسبوقة في تاريخ حكومات ما بعد الثورة. ويروم الحزب من التحالف مع النهضويين تحقيق أهداف أخرى، من بينها احتواء الإسلاميين المعتدلين وتحويلهم من قاعدة احتجاجية شعبية معارضة للحكومة إلى قاعدة جماهيرية داعمة خياراتها السياسية والاقتصادية في المقبل من الأيام. وإلى جانب ذلك، يريد الندائيون دفع شبهة وراثة النظام القديم عنهم؛ فهم بالتحالف مع "النهضة" يطبّعون مع القوى النضالية التي ناهضت الدولة القامعة على عهد بن علي، ويظهرون في موقع أوّل حزب علماني/ليبرالي في تاريخ تونس السياسي يقبل بعد فوزه في الانتخابات التشريعية بإشراك الإسلاميين في الحكم. ويظهر "نداء تونس" بذلك في صورة الحزب القديم/الجديد الذي يكيّف نفسه مع مقتضيات الراهن السياسي التونسي، ويقبل بالحكم التشاركي مسلّمً بالتعددية بديل عن الأحادية والاستقطاب الثنائي، ومكرّسًا التوافق21 بدل التنافر تأمينًا للوحدة الوطنية.
وقد دعم هذا التوجّه من جانب "نداء تونس" الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي الذي يعدّ الأب الروحي عند معظم الندائيين. ويطمح من خلال دعمه مقترح إشراك "النهضة" في الحكم إلى أن يظهر في موقع الرئيس الذي يجمع التونسيين ولا يفرّقهم22. والواقع أن إقدام الصيد ومِن ورائه صنّاع القرار في "نداء تونس" على إشراك النهضة في الحكم هو سيف ذو حدّين؛ فهو خيار يمكن أن يضاعف شعبية السبسي واستقطاب "نداء تونس" لعددٍ من المناصرين الجدد لسياساته الانفتاحية/التوافقية، لكنّه يلقي بظلاله أيضًا على الوحدة الداخلية للحزب؛ فقد بدا جليًا افتراق الندائيين في شأن موقفهم من التحالف مع "النهضة." وظهرت للعيان حدّة الصراع بين التيار الدستوري والتيار اليساري الفرنكفوني في هذا الخصوص؛ ففي حين يرى معظم "الدساترة" أنّه من المحال إقصاء النهضة من تجربة الحكم23 لأنّ ذلك يعني إقصاء ثلث الناخبين التونسيين، يرفض اليساريون الراديكاليون في الحزب أيّ شكلٍ من أشكال التحالف مع "النهضة"، ويعدّون ذلك خيانة للناخبين الذين اختاروا "نداء تونس" ليكون بديلً عن "النهضة" لا حليفًا لها24. ويروْن "النهضة" حزبًا دينيًا بعيدًا عن العائلة الديمقراطية. وقد انعكس هذا الخلاف على المواقف المتعارضة الصادرة عن المكتب التنفيذي والهيئة التأسيسية ل"نداء تونس" في هذا الشأن. فانتصر الأوّل لمطلب هيمنة النداء على الحكومة ودعت الثانية إلى ضرورة تقديم مطلب الوحدة الوطنية على المصلحة الحزبية. والثابت بعد تشكيل الحكومة أنّ الفسيفساء التي تشكَّل منها "نداء تونس" قد تفرّقت نسبيًا في مستوى موقفها من تجربة الحكم عمومًا، وإشراك الإسلاميين في الحكومة خصوصًا. ومن المفيد الإشارة إلى أنّ تخلّ الباجي قائد السبسي عن رئاسة الحزب وتفرّغه لمنصب رئاسة الجمهورية قد أحدثا فراغًا في مستوى الزعامة الكاريزمية الجامعة داخل الحزب، وأجّجا أسباب الصراع على خلافته، والتنافس على الإمساك بزمام القرار داخل هياكله. وبدا من الصعب على الحزب التوفيق بين مهامّ قيادة الدولة ومهامّ ترتيب بيته الداخلي والمحافظة على قاعدته الشعبية المهدّدة بالتشتت نتيجة بعض القرارات السياسية التي قد تمرّر دون استشارة القواعد وممثّليهم، حتى إنّ بعض الندائيين يتحدّث عن عدم وجود حلقات اتصال بين ممثلّي الحزب في مجلس نواب الشعب وممثّليه في الحكومة وقادته في قصر قرطاج25. وهو ما يخبر بحالةٍ من الارتباك تبقى متوقّعة في حزبٍ حديث النشأة، اجتمع أساسًا على معاداة "النهضة" وقد يفترق بسببها26. ولعلّ انعقاد المؤتمر الأوّل ل"نداء تونس" في حزيران / يونيو 2015 قد يحسم الأمر لفائدة الدستوريين أو اليساريين، ويخبر بالوزن الحقيقي للحزب ومدى قدرته على إدارة الخلاف داخله بطريقة ديمقراطية.
تموقع المعارضة
أدّى تحالف أكبر حزبين متنافسين تحت قبة البرلمان (نداء تونس، والنهضة) إضافةً إلى حزبَ "آفاق" و"الوطني الحر"، إلى قيام حكومة ائتلافية مسنودة بأصوات %75 من النواب في مجلس نواب الشعب. وفي المقابل، انحصر وجود المعارضة في حدود 40 نائبًا لا تتجاوز نسبة حضورهم حدود ال %25 من مجموع الكتلة السياسية 217(نائبًا.) ولا ينتمي المعارضون إلى طيفٍ سياسي واحد. وهم موزّعون بين مستقلين ومنتمين إلى حزب "الجبهة الشعبية" 15(نائبًا)، وأحزاب سليلة "الترويكا" من قبيل "المؤتمر من أجل الجمهورية" 3(نواب) و"التيار الديمقراطي" 3(نواب)، فضلً عن بعض الأحزاب القومية والليبرالية الأخرى الصغيرة. وتلتقي هذه الأحزاب عند نقد التشكيلة الحكومية الجديدة27؛ إذ يعدّها "المؤتمر من أجل الجمهورية" حكومة محاصصة حزبية، ويعدّها "التيار الديمقراطي" حكومة ترضيات وحسابات سياسية ضيقة، وتذهب "الجبهة الشعبية" إلى أبعد من ذلك لتعدّها حكومة تحالف يميني مفيوزي28 مصدرةً عليها حكمً بالفشل من قبْل أن تمارس تجربة إدارة الحكم29.
لكن إجماع هذه الأحزاب على التجريح في الحكومة الائتلافية لا يعني أنّها قادرة على تكوين كتلة نيابية موحّدة وازنة داخل مجلس نواب الشعب، ومعارضة الأغلبية تحت قبة البرلمان؛ وذلك راجع إلى أن تلك الأحزاب لا تقف على أرضية أيديولوجية واحدة، ولا تنتمي إلى هوية برامجية واحدة، وتتباين عمليًا في مستوى تشخيصها الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في البلاد ماضيًا وحاضرًا. ويكفي الإشارة في هذا الإطار إلى أنّ "الجبهة الشعبية" ذات توجهات اشتراكية/يسارية، وتقف على طرفَ نقيض مع بقية الأحزاب الليبرالية في مستوى تصوّرها للمسألة الاقتصادية. وهي أيضًا على تنافر قديم مع "المؤتمر من أجل الجمهورية" و"التيار الديمقراطي" اللذين تحسبهما استمرارًا لتشكيلات "الترويكا" التي تعدّها مسؤولة عن أغلب أزمات تونس في المرحلة الانتقالية. ومن ثمّة، فالمعارضة داخل المجلس مشتّتة ومحدودة، ولا يمكن أن تُحدث ارتباكًا في مسار هيمنة الأغلبية على السلطة التشريعية. لكن ضعف المعارضة داخل مجلس نواب الشعب لا يعني امتناع قيامها بمعارضة قوية خارج أسواره؛ وذلك في صورة ظهور قوة سياسية قادرة على استثمار أخطاء حكومة الصيد وحلفائها وتوظيفها في استمالة الناس وتوحيدهم نحو معارضة الإجراءات المؤلمة التي قد تتّخذها الحكومة الجديدة استجابةً لشروط الصناديق المانحة، بخاصة ما يتعلق بالزيادة في الأسعار التي قد تؤثّر في المقدرة الشرائية للمواطن، وتهدّد وجود الطبقة الوسطى. وهو ما قد يثير غضب المواطنين ويدفعهم إلى البحث عن قوة معارضة ضاغطة على التحالف الحاكم. وأيّ تقصير من الحكومة في تحقيق ما أعلنته من وعود أو مجازفتها بانتهاك حقوق الإنسان أو تراخيها في حلّ المشاكل العالقة مثل البطالة والفقر والتنمية الجهوية والعدالة الانتقالية، يزيد في إمكان انتشار المعارضة في العمق الشعبي. ولا يستبعد أن يكون "حراك شعب المواطنين" الذي أعلن عن ظهوره المنصف المرزوقي إبّان مغادرته تجربة رئاسة الجمهورية، والمزمع الإعلان عن تأسيسه رسميًا في 20 آذار / مارس 2015، الوعاء السياسي/ المدني الجامع لطيفٍ واسع من معارضي حكومة الصيد والمنتمين إلى منظمات أهلية وأحزاب سياسية مختلفة تلتقي عند راية الحراك، وتتبنّى برنامجه الديمقراطي الاجتماعي الذي يعلي من قيمة الثورة، والانتصار للحريات، والعدالة الاجتماعية30، ويؤكد ضرورة المحاسبة واسترداد حقوق المظلومين على عهد الدولة القامعة. وهو ما يغري الكثير من المتسربين من الائتلاف الحاكم أو من الغاضبين عليه بالانتماء إلى هذا الجسم السياسي الوليد. والحقيقة أنّ نشأة قوة سياسية معارضة خارج البرلمان أمر ممكن وغير جديد داخل الاجتماع السياسي التونسي؛ فقد ظهرت "حركة النهضة"، وانتشرت وهي خارج الحكم، قبل أن تدركه. ونشأت حركة "نداء تونس" خارج المجلس التأسيسي، واكتسبت شعبيتها خارجه قبل أن تصبح في سدة الحكم. ومن ثمة، فنشأة قوة سياسية معارضة خارج مجلس نواب الشعب تبقى أمرًا واردًا في تونس اليوم في ظلّ نظام ديمقراطي، يكرّس التعددية السياسية والتنافس السلمي على السلطة.
تحديات تواجه الحكومة الائتلافية
يفترض في الحكومة الائتلافية الوليدة أن تمارس مهامها على امتداد الخماسية المقبلة. وهي معنيّة بنقل البلاد عمليًا من مرحلة الانتقال الديمقراطي والحكم الموقّت إلى مرحلة المجتمع المؤسساتي المستقر والبناء الإنمائي المقيّد للمجموعة الوطنية. ويرى جلّ التونسيين هذه الحكومة مسؤولة عن مآلات المسار الديمقراطي من ناحية، ومطالبة من ناحية أخرى بحلّ عدة ملفات، ورفع عدة تحديات يواجهها الاجتماع التونسي في السنة الخامسة للثورة. والواقع أنّ التحديات التي تواجه حكومة الصيد متنوّعة، منها ما هو سياسي، ومنها ما هو اقتصادي، ومنها ما هو أمني.
التحديات السياسية
يكمن التحدّي السياسي الأبرز الذي يواجه حكومة الصيد في المحافظة على الهويّة الوفاقية لهذه الحكومة الناشئة؛ ذلك أنّ انتماء عدد من الوزراء إلى أحزاب سياسية مختلفة ذات برامج وخلفيات أيديولوجية متباينة، بل متناقضة في بعض الأحيان، قد ينذر بتفكك داخل الجسم الحكومي، وقد يؤدي إلى صراع بين "النداء" و"النهضة" حول بعض المسائل أو التشريعات المتعلقة بالسياسات الداخلية
والخارجية. ومن المفيد التذكير في هذا الخصوص بما صدر عن الطيب البكّوش الأمين العام لحركة "نداء تونس"، ووزير الخارجية في الحكومة الجديدة، والذي صرّح بأنّه "سيبقى معارضا لحركة النهضة على الرغم من تولّيه حقيبة الخارجية وعلى الرغم من أنّها ممثلة معه في نفس الحكومة"31. وفي السياق ذاته، أعرب وزير الصحة الندائي سعيد العايدي عن عدم استعداده للعمل مع كاتب دولة من حركة النهضة32. ومن ثمّ ة فإنّ فرص الانضباط الداخلي وإرساخ ثقافة التواصل والتعاون بين أعضاء الفريق الوزاري، تبقى من بين الصعوبات التي تواجه رئيس الحكومة المكلَّف الحبيب الصيد. ومن المتوقّع أن يشتد التنازع بين "النهضة" و"النداء" في ملف العلاقات الخارجية، بخاصة ما اتصل منها بالشأن السوري؛ إذ يُعرف عن حركة "نداء تونس" حماسها الشديد لإعادة العلاقات مع النظام السوري. وفي المقابل، يعرف عن "النهضة" إدانتها المستمرة نظام بشار الأسد، وتأييدها المطلق قرار قطع العلاقات معه. ويعدّ قانون مكافحة الإرهاب، وطرح قانون حماية الأمنيين من بين المسائل الخلافية داخل التشكيل الحكومي الجديد، بخاصة أن النهضة تخشى من أن يكون قانون مكافحة الإرهاب مطيّةً للتضييق على الحريات وعودة الدولة البوليسية. ومن ثمّة، فإنّ المحافظة على التوافق أمر مهمّ في مسيرة حكومة الصيد، وقد يؤثّر في استمرار الائتلاف من عدمه. لذلك يفترض أن يعمل رئيس الحكومة المكلَّف على تجاوز منطق المحاصصة الحزبية والخلفيات الأيديولوجية، وأن يسعى إلى تحويل المقترحات والطاقات الحزبية وغير الحزبية إلى إستراتيجية وطنية جامعة وبرنامج حكومي موحّد، ويأخذ في الحسبان معايير الكفاءة والنجاعة، ومراعاة الصالح العام لا المصالح الحزبية أو الفئوية الضيّقة. وفضلً عمّ تقدّم، فإنّ هشاشة المعارضة وعدم اقتناع بعض مكوّناتها بجدوى الشرعية التوافقية وحكمها بالفشل على الحكومة الائتلافية قبل أن تباشر أعمالها، يعدّ من بين التحديات السياسية التي تواجه حكومة الصيد؛ ذلك أنّ المعارضة إذا كانت إقصائية، ولم تبادر إلى تقديم مقترحات تغيير بنّاءة ومسؤولة، وانصرفت إلى التحريض، وتحريك الشارع، وتكثيف الاعتصامات والإضرابات، فإنّها ستؤثّر سلبيًا في مسار عمل الحكومة وفي سيرورة الشأن العام في البلاد، بخاصة أن بعض الأطراف السياسية المعارضة وفي مقدمتها "الجبهة الشعبية"، هي أطراف متنفّذة داخل النقابات المهنية والمنظمات الأهلية. وتبقى استعادة هيبة الدولة وإعادة الاعتبار لمؤسساتها السيادية وسلطتها التنفيذية بما هي جهاز ضامن للحقوق والواجبات، وحارس للحريات، من التحدّيات الحقيقية التي تواجه حكومة الصيد.
التحديات الأمنية
مازال خطر الجماعات الإرهابية والجريمة المنظمة يهدّد السلم الاجتماعي والتجربة الديمقراطية في تونس، ويربك الأداء السياسي والاقتصادي للحكومات الانتقالية التي شهدتها البلاد بعد الثورة. وتفيد مصادر في وزارة الداخلية التونسية بتسجيل 1808 قضايا إرهابية، وإحالة 3017 مشتبهًا فيه بالإرهاب على القضاء سنة 2014 33. ويعد ضمان استتباب الأمن من أسباب الاستقرار الداخلي ومن دواعي لوازم استعادة سوق الاستثمار الخارجي في تونس. ولذلك، فإنّ من أولويات حكومة الصيد ضمان المناخ الأمني الملائم حتى يستعيد المواطن ثقته بالدولة، وحتى يعود رأس المال "الهارب" إلى تونس. ومن المهمّ في هذا المجال تطوير المؤسسة الأمنية، وتحديث أدواتها الفنية والاستخباراتية؛ حتى تتمكّن من استشعار الخطر الإرهابي قبل حدوثه، وتقدر على التحرّك اللازم لحماية الممتلكات العامة والخاصة. وتحتاج تونس إلى موارد مالية مهمة، وإلى دعم دولي كبير لحماية حدود البلاد مع الدول المجاورة، لمنع تدفّق السلاح من القطر الليبي والحدّ من حركة الجماعات المتطرفة والتهديد القادم من مرتفعات الشعانبي أو من المنافذ الحدودية مع ليبيا34 والجزائر. ومن الضروري رسم إستراتيجية أمنية/ ثقافية للتوقّي من الإرهاب، وللحدّ من انتشار ثقافة التطرّف؛ وذلك بنشر ثقافة الاعتدال والوسطية والتسامح، وإعادة إدماج ضحايا الجماعات المتشددة في المجتمع، والإحاطة بهم نفسيًا واجتماعيًا وسلوكيًا بدل إقصائهم، مع العمل على إعادة بناء فهمهم للدين وللأنا والآخر. ومن المهمّ أيضًا تطوير العلاقة بين رجل الأمن والمواطن، والتأسيس لعلاقة حضارية بين الطرفين تقوم على التواصل والاحترام والتعاون بدل التنافر والتنابذ والتشفّي؛ وذلك تحقيقًا للصالح العام.
التحديات الاقتصادية
تعاني تونس من اقتصادٍ هشّ أفسدته السياسات التنموية الخاطئة زمن الدكتاتورية35 واستنزفته مطامع الأسرة الحاكمة زمن بن علي36، وأرهقته الهزات الاحتجاجية (الاعتصامات، والإضرابات، وأعمال عنف) والمطلبية الزائدة بعد الثورة37. ويواجه الائتلاف الحاكم وضعًا اقتصاديًا يبعث على الانشغال؛ فعلى الرغم من تقلّص نسبة البطالة نسبيًا من %17.2 سنة 2013 إلى %15.2 مع موفّ سنة 2014 فإن معدل البطالة في صفوف خرّيجي الجامعات مازال مرتفعًا، ويقدَّر ب %31.4، وبلغ عجز الميزان التجاري مستوى قياسيًا سنة 2014 قدّر ب 13.6 مليار دينار مقابل 11.4 مليار دينار سنة 2014، وعلى الرغم من تراجع معدل التضخم ليستقرّ على %5.5 مقابل %6.6 سنة 2013 فإنّه يبقى أعلى من الانخفاض المأمول. أمّا على صعيد المديونية، فمن المتوقّع أن تصل خلال السنة الحالية إلى %52.9 من الناتج المحلي الإجمالي مقابل %51.6 خلال سنة 2014 38. ويمكن تفسير صعوبة الظرف الاقتصادي الذي تمرّ به البلاد بعدة معطيات؛ من بينها ضبابية الرؤية السياسية في المرحلة الانتقالية، وخطورة التهديد الإرهابي الذي أربك الاقتصاد التونسي، وأثّر في القطاع السياحي بخاصة. هذا إلى جانب ما عرفته البلاد من حركات احتجاجية أدّت إلى تعطيل المشاريع الاقتصادية، وأوقفت مثلً نشاط شركة فسفاط قفصة لمدة شهور، وهي التي تؤمّن سيولة مالية يومية مهمة لخزينة الدولة. يضاف إلى ذلك تضخّم نفقات التصرف والدعم مقابل تراجع نسبة مساهمة الموارد الذاتية في تمويل ميزانية الدولة من %85 قبل 2011 إلى %70 سنة 2015. وهو ما يساهم في استنزاف الميزانية العامة للدولة. كما أنّ تقلّص موارد الدخل الخارجية المتأتّية من الاستثمار أثّر سلبيًا في الاقتصاد التونسي؛ فقد تراجع الاستثمار الإجمالي سنة 2014 بما يفوق %21 بالمقارنة مع سنة.2013 ويزيد في حدّة الأزمة الاقتصادية التي تواجهها تونس عدم استقرار الأوضاع الاقتصادية والسياسية على الصعيدين المحلي والإقليمي، خصوصًا في ليبيا التي تعدّ الشريك التجاري العربي الأوّل لتونس. وقد أرهق هذا الوضع الاقتصادي المواطن الذي أصبح يشكو تدهور المقدرة الشرائية والارتفاع المشطّ للأسعار، واتّساع الهوّة بين الأغنياء والفقراء.
ويتطلّع المواطنون إلى أن تتّخذ الحكومة الائتلافية الجديدة إجراءات عملية لتحريك عجلة الاقتصاد وتحسين الوضع المعيشي للناس (تخفيض الأسعار، وتحسين المقدرة الشرائية)...، وفكّ العزلة عن الفئات الفقيرة والمناطق المهمّشة. والمطلوب من الفريق الحكومي اعتماد منوالٍ تنموي حيوي جديد يضمن استقطاب المستثمرين من الداخل والخارج، ويخفّف الضغوط على ميزانية الدولة بسبب تنامي النفقات، فمن المهمّ تعدّد الشراكات وتوسيع مجالاتها، وتشجيع الباعثين الشبّان، والانخراط في ما يسمى بالاقتصاد الشبكي، والاقتصاد الخدماتي المعولم. وحكومة الصيد مدعوّة إلى البرهنة واقعيًا على ما وعدت به من التزام الحوكمة والشفافية وعزمٍ على مكافحة التهريب والتجارة الموازية. وهي مطالبة بتحسين الإنتاج والإنتاجية، وكسب معركة التنافسية وإعادة الاعتبار للدينار التونسي، وتحسين الترتيب السيادي للبلاد، وضمان موارد مالية عاجلة للميزانية التكميلية لسنة 2015. ويُرتقب منها أيضًا البحث في سبل الحدّ من نسبة التضخم المالي وسبل إعادة جدولة الديون، والتقليص من عجز الميزان التجاري، يضاف إلى ذلك ضرورة أن تساهم في إحداث مواطن شغل قارة أو موقّتة تستوعب آلاف العاطلين عن العمل من أصحاب الشهائد العليا. وتلك لا محالة تحدّيات اقتصادية كبيرة تقتضي تفعيل الحكم
التوافقي، وتجميع الجهد لكسب معركة التنمية والدخول في هدنة تصالحية بين الحكومة الائتلافية والهيئات المهنية والنقابية.
استنتاجات
من خلال ما سبق، بإمكاننا أن نخلص إلى إثبات النتائج التالية: يخبر تشكيل الحكومة الائتلافية الجامعة بين "حركة النهضة" و"نداء تونس" وعدد من الليبراليين، بانتقال المشهد السياسي في تونس من مرحلة الاستقطاب الثنائي بين الإسلاميين والعلمانيين إلى مرحلة التأسيس لأرضيةٍ تجمع بين الطرفين تحت راية الحكم التشاركي خدمة للمصلحة العامة. بدا جليًا أنّ تونس بعد الثورة لا يمكن أن تُحكم بسلطة الحزب الواحد، ولا بمنطق الأغلبية والأقلية. وظهر أنّ الشرعية الانتخابية يمكن أن تُرفد بشرعية توافقية تعددية تؤمّن الانتقال الديمقراطي الوليد39 من مطبّات الهزات الاجتماعية والحركات الاحتجاجية والصراعات الأيديولوجية العاصفة. أسّست حركة "نداء تونس" سابقة في تاريخ الأحزاب العلمانية الحاكمة في تونس، والفائزة في الانتخابات، بقبولها التطبيع مع الإسلاميين وتشريكهم في إدارة تجربة الحكم. وهو ما دلّ على سلوك انفتاحي/تصالحي من جانب الندائيين يسلّم بالتعددية بديلً عن الأحادية، وبالتوافق بديلً عن التصادم في إدارة الشأن العام. من خلال تفاعلها مع الاستحقاق الحكومي، لم تبْدُ "حركة النهضة" حزبًا حديديًا يتمترس خلف مسلمّات أيديولوجية مغلقة بل هي حركة مرنة تتفاعل مع الواقع وتستجيب لإكراهاته ومقتضياته، وتعمل على إثراء تجربتها في الحكم، منتقلةً من المعارضة (على عهد بورقيبة وبن علي) إلى قيادة "الترويكا" الأولى والثانية (المرحلة الانتقالية)، لتجرّب حاليًا المشاركة في ائتلاف حكومي يغلب عليه اللون العلماني الليبرالي. وهو ما ساهم في إغناء رصيدها السياسي وتطبيع علاقتها بدواليب الدولة. بدا أنّ حركتَي "النهضة" و"نداء تونس" حركتان براغماتيتان تنهلان من صيرورة المجتمع المدني في تونس، وتتفاعلان مع مستجدات الوضع في الداخل والخارج، وتحاولان الاستفادة من أخطاء الماضي لبناء المستقبل؛ ذلك أنّ خوض غمار "الحياة السياسية والحيز العام النشط والتجربة والخطأ في المواقف)...(كلّ هذه العوامل لا تفيد في طرح البدائل فحسب بل أيضًا تحدث تغييرات بنيوية في الأحزاب والسياسات"40. من المهم أن يتجاوز أعضاء الائتلاف الحاكم عقدة المحاصصة الحزبية والارتهان إلى أجندة أيديولوجية معيّنة، ويتّجهوا إلى خدمة الصالح العام في إطار تعددي/توافقي ليكسبوا معركة التنمية والديمقراطية على السواء. ومن المهم أن تتّجه المعارضة إلى إعادة بناء نفسها ونقد ذاتها، والحضور في موقع قوة تغيير بنّاءة، لا قوة إقصاء وشدٍّ إلى الخلف. من المبكر التكهّن بمدى تأثير الأداء الحكومي لنداء تونس في شعبيته. لكن الظاهر أنّه سيواجه صعوبات في مستوى التوفيق بين مطلب إدارة الدولة ومطلب المحافظة على تماسكه الداخلي، بخاصة في ظلّ اشتداد الصراع بين التيار الدستوري والتيار اليساري على مواقع النفوذ وسلطة القرار داخل هياكل الحزب. على الحكومة الائتلافية تجاوز خطاب الوعد وحسن النوايا، واتّخاذ تدابير عاجلة لدعم سكان المناطق الطرفية، وضمان ما يلزمهم من مرافق ضرورية ومواطن شغل وموارد دخل قارّة، وإلا فإنّهم سيظلّون يسلكون طرقًا غير مشروعة في طلب الرزق، من قبيل التهريب والتجارة الموازية، كما سيظلون في حال غياب اهتمام جادّ بمشاغلهم رصيدًا احتجاجيًا وازنًا، وقاعدة شعبية غاضبة قد تتفجّر في وجه الائتلاف الحاكم في أيّ لحظة منذرة بقيام ثورة ثانية. لا يكفي الحكومة الائتلافية الحصول على ثقة مجلس نواب الشعب بل هي مطالبة بحياز ثقة المواطنين؛ وذلك لا يكون إلا بتحويل البرنامج الحكومي الإصلاحي إلى نجاح تنموي وواقع يومي يحياه الناس. وهي معنيّة بضمان الأمن، وتكريس العدالة، وحماية مكاسب الثورة، وإرساخ أركان دولة الحق والواجب. "أسهمت ثقافة التعايش وروح الانفتاح على الآخر والاستعداد للتواصل معه في إبداع آلية التوافق داخل الاجتماع السياسي التونسي، وأسهم كبرياء المواطنين وتعلّقهم بالثورة والحرية والكرامة في إبداع الاستثناء التونسي" على حدّ قول عزمي بشارة41. فهل يُكتب لهذا الاستثناء الاستقرار والاستمرار؟ أم أنّ الأمر خلاف ذلك؟