منظمة التجارة العالمية من وجهة نظر الدول النامية
الملخّص
تناقش هذه الورقة أهمية تأسيس نظام حقيقي وفعَّ ال لتسوية النزاعات عبْر المؤتمرات الوزارية لمنظمة التجارة العالمية، تستطيع الدول النامية عمومًا، والدول العربية خصوصًا أن تدافع، من خلاله، عن حقوقها بالقاعدة القانونية، بدلا من القوة الاقتصادية. ترى الورقة أنّ عدم تمكن الدول النامية من الاستفادة الكاملة من مزايا نظام جهاز تسوية النزاعات يطرْح إشكالية أساسية وجوهريةِّ متمث لة بالسؤال: هل نجح جهاز تسوية النزاعات بمنظمة التجارة العالمية طوال العقدين الماضيين في أن تصبح في أيدي الدول النامية أداة فعالة لإصلاح الاختلالات الناتجة من العلاقة الاقتصادية غير المتكافئة بين الدول؟ وإذا كان هذا الأمر ممكن ا، فلماذا لم تشارك معظم الدول النامية، ومنها الدول العربية في هذه الآلية؟ فهل يعود الأمر إلى عوامل ذاتية؛ من قبيل المساهمة المحدودة في التجارة الدولية وغياب الكفاءات الوطنية المتخصصة؟ أم هل أنّ السبب يعود إلى العوائق الموضوعية التي يضعها هذا الجهاز أمام مشاركة الدول النامية؛ وخصوصًا من جهة طول الإجراءات وما تتطلبه من إمكانات، وطبيعة نظام التنفيذ؟ تتساءل الورقة: هل من ضرورة لإعادة النظر في هذا النظام حتى يتماشى مع أوضاع الدول النامية وإمكاناتها؟ وما هي الحلول المطروحة؟ وتعتمد الورقة في مقاربتها مستويين من التحليل؛ أولهما يجري من خلال الوقوف عند حصيلة مشاركة الدول النامية في جهاز تسوية النزاعات، وثانيهما يشمل في مشاريع إصلاح هياكل هذا الجهاز قراءة.
عشرون عامًا من التحكيم القضائي 1995( - )2015
مقدمة
إنّ التفاهم بشأن تسوية النزاعات من خلال منظمة التجارة العالمية هو مزيج من مجموعة إجراءات، ونصوص خاصة بتسوية النزاعات، والإصلاحات المؤسساتية، والتحسينات العامة التي يُفترض من خلالها تحقيق مبدأ الإنصاف في الحال التي يكون فيها أحد طرفي النزاع دولةً نامية.ً ويعتمد معظم الفقهاء وجهة النظر القائلة إنّ التفاهم المتعلّق بتسوية النزاعات من خلال منظمة التجارة العالمية يُشكِّل تطورًا كبيرًا، مقارنةً بنظام غات 1947 1947(GATT.) أمّا من منظور الدول النامية، فقد حدث تطوران كبيران؛ هما إضفاء طابع شبه قضائي على الإجراءات، من خلال خلْق جهاز مختص بسلطات وآجال محددة، وتأكيد الحاجة إلى توافر معاملة خاصة ومميزة للدول النامية1. ولقد أثبت التطبيق العملي نجاح جهاز تسوية النزاعات داخل منظمة التجارة العالمية، سواء من جهة صرامته في إتباع إجراءات وجداول زمنية حاسمة، أو من منظور احترام أعضاء المنظمة للقرارات الصادرة في إطاره، وهذا ما يتوافق مع الإحصاءات العامة للمنظمة. وفي الوقت نفسه، نجد قراءةً متأنيةً تقول في هذه الإحصاءات إن الأطراف المشاركة في النزاعات هي دائمًا الدول الكبرى (الولايات المتحدة الأميركية، ودول الاتحاد الأوروبي، واليابان، وكندا.. إلخ.) أمّا الدول النامية، فقد غاب أغلبها. وأمَّا الدول الأقل نموًّا، فلم تحظَ أي دولة منها بتمثيل في هذه المنازعات، سواء كانت مدعيةً أو مُدَّعى عليها. في هذا السِّياق يستمد الموضوع أهميته؛ بالنظر إلى أنّ الدول النامية عمومًا، والدول العربية خصوصًا، ما فتئت تطالب بتأسيس نظام حقيقي وفعَّال لتسوية النزاعات عبْ معظم المؤتمرات الوزارية لمنظمة التجارة العالمية، تستطيع من خلاله أن تدافع عن حقوقها بالقاعدة القانونية، بدلً من القوة الاقتصادية. لكننا نجدها في منأ ى عن استعمال هذا الجهاز. إنّ عدم تمكن الدول النامية من الاستفادة الكاملة من مزايا نظام جهاز تسوية النزاعات يحيل على طرْح إشكالية أساسية وجوهرية متمثِّلة بالسؤال: هل نجح جهاز تسوية النزاعات بمنظمة التجارة العالمية طوال العقدين الماضيين في أن تصبح في أيدي الدول النامية أداة فعالة لإصلاح الاختلالات الناتجة من العلاقة الاقتصادية غير المتكافئة بين الدول؟ وإذا كان هذا الأمر ممكنًا، فلماذا لم تشارك معظم الدول النامية، ومنها الدول العربية - ماعدا مصر - في هذه الآلية؟ أيعود الأمر إلى عوامل ذاتية؛ من قبيل المساهمة المحدودة في التجارة الدولية وغياب الكفاءات الوطنية المتخصصة أم إلى العوائق الموضوعية التي يضعها هذا الجهاز أمام مشاركة الدول النامية؛ وخصوصًا من جهة طول الإجراءات وما تتطلبه من إمكانات، وطبيعة نظام التنفيذ؟ وهل من ضرورة لإعادة النظر في هذا النظام حتى يتماشى مع أوضاع الدول النامية وإمكاناتها؟ وما هي الحلول المطروحة؟ للإجابة عن تلك الأسئلة كلّها، ينبغي اعتماد مستويين في التحليل؛ أولهما يكون من خلال الوقوف عند حصيلة مشاركة الدول النامية في جهاز تسوية النزاعات، وثانيهما يشمل قراءةً في مشاريع إصلاح هياكل هذا الجهاز.
، حصيلة مشاركة الدول النامية أولا
في جهاز تسوية النزاعات بمنظمة التجارة العالمية
تختلف حصيلة مشاركة الدول النامية في جهاز تسوية النزاعات باختلاف الرؤى والمؤشرات المأخوذة في الحسبان. فالمهتمون بنظام تسوية النزاعات من البلدان المتقدمة يعدُّون الحصيلة بوجهٍ عام إيجابيةً، إذا ما قورنت ب "غات" 1947، وبالمشاركة المحدودة لهذه الدول في التجارة العالمية. في حين يرى الطرف الآخر، وهو أغلب الأحيان من الدول النامية، أنّ هذه المشاركة لا ترقى إلى طموحات هذه الدول، إذا أ خذ في الحسبان أنّ ثلثي أعضاء المنظمة هم من الدول النامية. لكنّ الأمر المتفق عليه هو أنّ استفادة الدول النامية
من الجهاز الجديد مازالت ضعيفةً، مقارنةً بالدول المتقدمة، ويرجع ذلك إلى عوامل ذاتية خاصة بالدول النامية نفسها، وعوامل أخرى موضوعية متعلقة باختلالات يعرفها نظام التسوية داخل المنظمة.
مدى استفادة الدول النامية من جهاز تسوية النزاعات
كانت المشاركة في تسوية النزاعات داخل غات 1947 شبه محصورة في القوى التجارية الكبرى2. لكنْ مع وجود جهاز لتسوية النزاعات بمنظمة التجارة العالمية سيعرف نظام تسوية النزاعات مشاركةً يُعتدُّ بها بالنسبة إلى الدول النامية، بوصفها أطرافًا شاكيةً أو مدافعةً، وستصل نسبة مشاركتها إلى الثلث3. وبما أنّ هذه الدول استطاعت أن تربح قضايا مهمةً ضدّ الدول الكبرى، فقد أخذت ثقتها بالنظام الجديد تكبر. لكن ما هي حقيقة هذه المشاركة؟ وهل أنها ترقى إلى طموحات جميع الدول النامية؟ وما موقف المنظمة من هذه المشاركة؟
نسبة مشاركة الدول النامية في جهاز تسوية النزاعات
بدأت ثقة الدول النامية تكبر مع دخول اتفاق التفاهم بشأن قواعد تسوية النزاعات وإجراءاتها حيز التنفيذ؛ إذ ستعرف نسبة مشاركتها في القضايا المقدَّمة لجهاز تسوية النزاعات تطورًا مهمًّ. وقد جمَع جهاز تسوية النزاعات أوّل نزاع بين بلد نامٍ (فنزويلا) وآخر متقدّم (الولايات المتحدة.) وقرَّر فريق التحكيم، شأنَ جهاز الاستئناف، أن القواعد الأميركية لا تحترم مقتضيات منظمة التجارة العالمية. وستسير الدول النامية على هذا النهج. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 1999، سُجِّلت 23 شكوى، من أصل 142 شكوى تحت المعالجة، باسم الدول النامية و 4 شكاوَى كانت مسجلةً على نحوٍ مشترك بين دول نامية وأخرى متقدمة. وفي عام 2002 تحقّقت أعلى نسبة مشاركة لتلك الدول؛ إذ وصلت إلى نحو %704. على أنّ الحصيلة، بوجهٍ عام،ٍّ تتمثَّل بأنّ أغلبيّة الشكاوى مُسجَّلة من الدول المتقدمة؛ فهي تُشكِّل نحو %62 من مجموع الشكاوى، أغلبها مُوجَّه إلى دول متقدمة أخرى (تصل إلى الثلثين.) أمّا الدول النامية، فإنّ شكاواها التي تتقدَّم بها تكون ضدّ الدول المتقدمة في أغلب الأحيان 59()%5. وإنّ المعطى نفسه يمكن ملاحظته حتى حدود كانون الثاني/ يناير 2015. فالدول المتقدمة تبقى هي المسيطرة على نسبة المشاركة، سواء بوصفها أطرافًا شاكيةً، أو أطرافًا مدافعةً. وفي الجدول (١) تأكيد لذلك. إنّ أوّل ملاحظة يمكن استخلاصها من هذا الجدول، هي أنّ الدول التجارية الكبرى مازالت تُعَدّ من أكبر المستفيدين من نظام تسوية النزاعات داخل المنظمة؛ إذ تسيطر كلّ من الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، واليابان، وكندا، على نحو نصف عدد القضايا المقدَّمة إلى جهاز تسوية النزاعات. فقد شاركت ب 254 قضيةً بوصفها أطرافًا شاكيةً من أصل 513 قضيةً، وب 234 قضيةً بوصفها أطرافًا مدافعة من أصل 502 قضية، "متفوقةً" بذلك على سائر الدول، بما فيها الدول النامية. وعلى الرغم من ذلك، تظلُّ هذه الدول النامية - بغضِّ النظر عن الأغلبية العددية للدول النامية الأعضاء - من أهمّ المشاركين في نظام تسوية النزاعات، مقارنةً بغات 1947، وخصوصًا تلك التي أصبحت تملك اقتصادًا تنافسيًّا6، أو ما يسمَّى دولًاقتصادها في مرحلة انتقالية؛ كالبرازيل، والأرجنتين، والمكسيك، والهند، وجمهورية كوريا. فهذه الدول تقدمت ب 194 قضيةً، سواء كانت أطرافًا شاكية أو مدافعةً. أمَّا الدول الأفريقية والعربية، فنجدها شبه غائبة عن نظام تسوية النزاعات داخل المنظمة، ماعدا جنوب أفريقيا ومصر اللتين شاركتا بصفتهما طرفين مدافعين، وهو ما يُشكِّل مصدر انشغال كبير داخل المنظمة.
مقاربة نوعية لمشاركة الدول النامية في جهاز تسوية النزاعات
إنّ تقييم مشاركة الدول النامية في جهاز تسوية النزاعات، بعد 20 عامًا من دخوله حيز التنفيذ، ينبغي ألَّ يقتصر على المستوى الكمي، وأن يتعداه إلى المستوى النوعي. من أجل ذلك سنُقدِّم بعض القضايا المهمّة التي عكست، على نحوٍ أو آخر، الدور المهمّ الذي أصبحت تضطلع به المنظمة في مواجهة أعضائها، وسنحصرها في نموذجين. فأمَّا النموذج الأول، فهو هندي؛ لأنّ الهند هي أكبر الدول
| المجموع | املأطراف المدافعة | األأطراف الشاكية | األـدول | المجموع | املأطراف المدافعة | األأطراف الشاكية | األـدول |
|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 42 | 15 | 27 | البرازيـل | 228 | 121 | 107 | الولايات المتحدة |
| 43 | 22 | 21 | الهند | 174 | 80 | 94 | الاتحاد الأوروبي |
| 30 | 14 | 16 | جمهورية كوريا | 52 | 18 | 43 | كندا |
| 37 | 14 | 23 | المكسيك | 34 | 15 | 19 | اليابان |
| 16 | 03 | 13 | تايلند | 22 | 15 | 07 | أستراليا |
| 06 | 03 | 03 | إكوادور | 42 | 22 | 20 | الأرجنتين |
| 07 | 03 | 04 | باكستان | 11 | 09 | 02 | تركيا |
| 08 | 01 | 07 | بنما | 04 | 0 | 04 | سويسرا |
| 08 | 05 | 03 | بيرو | 07 | 0 | 07 | نيوزيلندا |
| 03 | 02 | 01 | الجمهورية التشيكية | 11 | 06 | 05 | الفلبين |
| 02 | 01 | 01 | أوروغواي | 03 | 02 | 01 | فنزويلا |
| 01 | 0 | 01 | سري لانكا | 02 | 01 | 01 | ماليزيا |
| 01 | 01 | 0 | السويد | 03 | 02 | 01 | نيكاراغوا |
| 03 | 0 | 03 | تايوان | 04 | 0 | 04 | النرويج |
| 02 | 02 | 0 | ترينيداد وتوباغو | 03 | 03 | 0 | هولندا |
| 04 | 04 | 0 | جنوب أفريقيا | 04 | 01 | 03 | بولندا |
| 03 | 03 | 0 | بلجيكا | 01 | 01 | 0 | البرتغال |
| 01 | 0 | 01 | بنغلاديش | 02 | 02 | 0 | رومانيا |
| 23 | 13 | 10 | شيلي | 03 | 03 | 0 | المملكة المتحدة |
| 09 | 40 | 05 | كولومبيا | 08 | 07 | 01 | الجمهورية الدومينيكية |
| 05 | 0 | 05 | كوستاريكا | 03 | 03 | 0 | سلوفاكيا |
| 01 | 01 | 0 | كرواتيا | 01 | 0 | 01 | سنغافورة |
| 04 | 04 | 0 | فرنسا | 01 | 01 | 0 | الدانمرك |
| 03 | 03 | 0 | اليونان | 04 | 04 | 0 | مر |
| 11 | 02 | 09 | غواتيمالا | 01 | 0 | 01 | تونغا وبربادوس |
| 20 | 11 | 09 | إندونيسيا | 08 | 0 | 08 | هندوراس |
| 03 | 03 | 0 | آيرلندا | 01 | 0 | 01 | هونغ كونغ |
| 02 | 0 | 02 | فييتنام | 07 | 02 | 05 | هنغاريا |
| 02 | 02 | 0 | ألمانيا | 44 | 32 | 12 | الصين |
| 02 | 01 | 01 | مولدوفا | 01 | 01 | 0 | أرمينيا |
| 03 | 0 | 03 | تايبيه الصينية | 01 | 01 | 0 | السلفادور |
| 02 | 02 | 0 | رومانيا | 03 | 03 | 0 | إسبانيا |
| 05 | 02 | 03 | أوكرانيا | 01 | 01 | 0 | إيطاليا |
| 01 | 0 | 01 | كوبا | 07 | 05 | 02 | الاتحاد الروسي |
| *** | *** | *** | *** | 01 | 0 | 01 | أنتيغوا وباربودا |
النامية استعمالً لجهاز تسوية النزاعات بمنظمة التجارة العالمية، فقد شاركت في 43 قضية 21(قضيةً طرفًا شاكيًا، و 22 قضيةً طرفًا مشتك.) وأمَّا النموذج الثاني، فهو مصري؛ لأنّ مصر هي البلد العربي الوحيد الذي استعمل هذا الجهاز 4 مرات (بوصفها طرفًا مُشتك.) الهند: القيود الكمية على استيراد المنتوجات الزراعية والمنسوجات والسلع الصناعية (شكوى مقدمة من الولايات المتحدة ضدّ الهند) اشتكت الولايات المتحدة كثرة القيود التي تطبقها الهند في استيراد عدد كبير من المنتوجات والمنسوجات والسلع الزراعية التي تشمل أكثر من 2700 بندٍ من بنود التعريفة الجمركية على المنتوجات الزراعية والصناعية، جرى الإبلاغ عنها لدى منظمة التجارة العالمية. فتلك القيود، من وجهة نظر الولايات المتحدة، لا تتفق مع التزامات الهند، بموجب المادتين الحادية عشرة والثامنة عشرة من اتفاقية غات 1994، والمادة 4 – 2 من الاتفاق بشأن الزراعة، والمادة 3 من اتفاقية تدابير أذونات الاستيراد. وتبيَّ لهيئة تسوية النزاع التي شُكِّلت في 18 أيلول/ سبتمبر 1997 أنّ التدابير المتنازع فيها لا تتفق مع التزامات الهند، بموجب المادتين الحادية عشرة والثامنة عشر من اتفاقية غات المذكورة، وأنّ تطبيق هذه التدابير بخصوص المنتوجات التي ينظمها الاتفاق بشأن الزراعة لا يتفق مع المادة 4 - .2 مر: الإجراءات المتعلقة بالرسوم الجمركية على الملابس الجاهزة (شكوى مقدمة من الولايات المتحدة ضدّ مر) سُجّلت هذه الشكوى في 23 كانون الأول/ ديسمبر 2003. وكانت الولايات المتحدة قد طلبت مشاورات مع مصر بشأن التعريفات الجمركية المطبقة بخصوص بعض المنسوجات والملابس الأميركية، والمرسوم رقم 469 عام 2001 لرئيس الجمهورية، وبشأن جميع التعديلات واللوائح والتدابير التنفيذية الأخرى. تزعم الولايات المتحدة أنّ مصر، خلال جولة أوروغواي، وافقت على إزالة حظْر عامٍّ على واردات الملابس والمنسوجات بحلول كانون الثاني/ يناير 2002. وتزعم كذلك أنّ مصر بتاريخ 31 كانون الأول/ ديسمبر 2001، أصدرت المرسوم رقم 469، وهو تعديل للرسوم الجمركية المطبقة في عدد من السلع المستوردة، بما في ذلك البنود التي تندرج في إطار الفصول 61 و 62 و 63 من القوانين المنظمة لاستيراد الملابس الجاهزة من الخارج، وفرض رسوم محددة. كما أنها تزعم أن هذه الحقوق تذهب أبعد كثيرًا من معدلات الرسوم المحددة سلفًا، وتعتقد أنّ هذه التعريفات، والمرسوم رقم 469، وجميع الإجراءات في هذا الشأن، تتعارض مع التزامات مصر، بموجب المادة الثانية من اتفاقية غات 1994، والمادة 7 من الاتفاق المتعلّق بالمنسوجات والملابس. وفي 20 أيار/ مايو 2005، أبلغت كلٌّ من مصر والولايات المتحدة هيئةَ تسوية النزاعات أنهما توصَّلتَا إلى تسوية من خلال اتفاق متبادل، بموجب المادة 6 - 3 من مذكرة تسوية النزاعات. إنّ هذين النموذجين يبينان أنّ هامش المناورة بالنسبة إلى الدول المخالفة أصبح ضئيلً؛ وذلك بسبب وسائل التسوية الجديدة التي أتت بها المنظمة7. فقد أصبحت أكثر مهنيةً وقضائيةً، مقارنةً بمثيلاتها في غات 1947. وهذا ما دفع المنظمة إلى إنشاء مركز استشاري لقوانينها من أجل مساعدة الدول النامية على الانخراط الفعَّال في عملية تسوية النزاعات.
إحداث مركز استشاري لقوانين المنظمة
نتيجةً للعوامل المتقدِّم ذِكرُها، صارت الدول النامية – مؤيّدةً بعدد من الدول المتقدمة – تسعى للبحث عن وسيلة تساعدها على استخدام آليات تسوية النزاعات داخل المنظمة بكفاءة وتكلفة مقبولة. وقد أمكن التوصُّل عام 1999، بالتعاون بين 9 دول متقدمة (كندا، والدانمرك، وفنلندا، وآيرلندا، وإيطاليا، وهولندا، والنرويج، والسويد، والمملكة المتحدة)، وعدد من الدول النامية والأقل نموًّا، إلى إنشاء المركز الاستشاري لقوانين منظمة التجارة العالمية، ووقَّع الاتفاقية وزراء تجارة ينتمون إلى 29 دولة 9(دول متقدمة، و 20 دولةً نامية)ً، أثناء حضورهم اجتماع سياتل.1999 وانضمت إلى هذا الاتفاق، حتى آذار/ مارس 2004، 7 دول أخرى، ومنَح الاتفاق الدولَ الأعضاء أو المرشحة للعضوية الأقل نموًّا 41( دولةً، وفقًا لتحديد الأمم المتحدة) حقَّ الاستفادة من خدمات المركز. ودخل الاتفاق حيِّز التنفيذ بدايةً من 15 تموز/ يوليو 2001، بإشراف جمعية عمومية على أعماله، مُكوَّنة من ممثلين لكلّ الدول الأعضاء تجتمع على الأقل مرتين سنويًّا؛ لمتابعة أعمال المركز واعتماد ميزانيته السنوية. وعلى الرّغم من إنشاء هذا المركز، ومن المساعدة التقنية التي تقدمها أمانة المنظمة في إطار المادة 27 من اتفاق التفاهم، فإنّ دولً نامية كثيرةً لم تنخرط بعدُ في نظام تسوية النزاعات داخل المنظمة؛ إمّا لأسباب ذاتية، وإمَّا لأسباب موضوعية مرتبطة بنظام التسوية في حدّ ذاته.
أسباب عدم لجوء الدول النامية إلى جهاز تسوية النزاعات
إنّ وجود نظام ملزم لتسوية النزاعات التجارية المتعدِّدة الأطراف، يسمح للأعضاء باللجوء إليه على نحوٍ متساوٍ. فداخله لا تُؤخذ القرارات بحسب القوة الاقتصادية، بل على أساس القاعدة القانونية، وهو ما يُقوِّي وضعية الدول النامية والاقتصاديات الصغيرة، ويسمح للضعفاء بمحاربة الأقوياء بأسلحة قانونية8، ويساهم على نحوٍ أساسي في ترسيخ القاعدة القانونية الدولية لمسايرة تطورات العلاقات التجارية المعاصرة9. وهكذا سمح نظام تسوية النزاعات داخل المنظمة لدول نامية عديدة بربح قضايا مُثارة لدى جهاز تسوية النزاعات في مواجهة دول تجارية كبرى، وجرى سحْب عدّة إجراءات مخالفة.
وفي الوقت نفسه وجدت عدّة دول نامية أنها مُبعدة من الاستفادة من هذا الجهاز؛ لأسباب متعلِّقة بمحدودية مواردها المادية والبشرية، أو متعلِّقة بعيوب الجهاز، بخاصة المشكلات المرتبطة بنظام التنفيذ.
محدودية الموارد اللازمة لمباشرة الإجراءات
إنّ العقبة الكبرى التي تحول دون استفادة الدول النامية من مزايا جهاز تسوية النزاعات تكمن في الموارد البشرية، وفي الموارد المالية اللازمة للانخراط في عملية التسوية؛ ذلك أنّ تكاليف اللجوء إلى جهاز تسوية النزاعات باهظة، جدًّا حتى أنّ دولً ناميةً كثيرةً لا يمكنها مباشرة إجراءات اللجوء إلى هذا الجهاز.
محدودية الموارد المالية
إنّ اللجوء إلى جهاز تسوية النزاعات يتطلب تخصيص ميزانية كبيرة لتغطية مصاريف التقاضي، ويتطلب مدَّةً قد تصل إلى ثلاث سنوات؛ إذ يتطلب أمر فضِّ نزاع ما، سواء بالطرائق الدبلوماسية أو القضائية، الاستعانة بخبير دولي يتقاضى أجرًا يبلغ نحو 500 دولار في الساعة، وهو مبلغ باهظ بالنسبة إلى الدول النامية، بخاصة أنّ مدة التقاضي قد تطول بحسب الإجراءات. كما أنه من الصعب على الدول النامية الأعضاء أن تتحمل طَوال مدة التسوية، الأضرار الناتجة من العوائق التجارية التي يتسبب بها عضو آخر، ويقضي أنها غير ملائمة مع قواعد المنظمة بعد سنتين أو ثلاث سنوات من إيداع المنظمة الشكوى، وهو ما يسبب للدول النامية خسائر فادحة.ً
محدودية الموارد البشرية
إنّ التقدم بشكوى إلى جهاز تسوية النزاعات يتطلب توافر أ طر وطنية متخصصة بقوانين المنظمة، ويتطلب على نحوٍ خاصٍّ مسطّرات وإجراءات تسوية النزاعات بالغة التعقيد. فالاجتهاد القضائي يتطور يومًا بعد يوم، سواء من جهة فِرق التحكيم أو جهاز الاستئناف؛ وهذا التطور يجعل مواكبة الدول النامية لهذه التطورات أمرًا صعبًا10. كما أنه من الصعب بالنسبة إلى دولة تجارية صغيرة أن تقوم بمتابعة نزاع تجاري من خلال أحد موظفيها القليلين الذين يعانون هم أنفسهم عجزًا في ما يخص التطور الذي تعرفه القضايا المقدَّمة إلى المنظمة. فنزاعٌ واحد، مثلً، يتطلب على الأقل موظفًا واحدًا مُكلَّفًا به مدَّةً طويلةً يمكن أن تمتدَّ إلى سنتين. وعلى الرغم من أنّ اتفاق التفاهم نصَّ على قيام الأمانة العامة للمنظمة بتقديم خبراء مستشارين للدول النامية في إطار المساعدة التقنية11، فإنّ التجارب أثبتت أنّ هؤلاء الخبراء لا يلبُّون حاجات الدول النامية. ففريق المساعدة القانونية مُكوَّن من أربعة خبراء؛ اثنين يعملان على نحوٍ موقَّت، واثنين مُعيَّنين على نحوٍ دائم. وهذا العدد، مقارنةً بعدد النزاعات الكبير، غير كاف. ولمواجهة هذا النقص من الموارد البشرية الوطنية، تلجأ الدول النامية إلى مراكز الخبرة الأجنبية. وفي هذا الإطار لجأت إكوادور في قضية
الموز مثل12 إلى خبراء خارج منظمة التجارة العالمية، مُعلِّلةً ذلك بأنها تملك حقًّا سياديًّا في الاختيار. لكنَّ أهمّ عائق يحول دون مشاركة أغلبية الدول النامية في نظام تسوية النزاعات، هو نظام التنفيذ الحالي والتحديات التي يطرحها تجاه هذه الدول.
المشكلات الناتجة من تنفيذ القرارات الخاصة بالدول النامية
تُعَدُّ مسألة تنفيذ تقرير فريق التحكيم أو جهاز الاستئناف واحدة من أكثر جوانب الإجراءات الحالية صعوبةً، بخاصة بالنسبة إلى الدول النامية. فبحسب اتفاق التفاهم في حالة عدم قيام العضو المخالف بتعديل تصرفاته التجارية تعديلً موائمًا للقرار الصادر عن جهاز تسوية النزاعات، يحقُّ للطرف المتضرر طلب تعويض، أو إيقاع عقوبات تجارية بذلك العضو13. إنّ نظام التنفيذ الحالي يبعد المنظمة عن مسألة إيقاع العقوبات بأيِّ طرف مَدين بخرق اتفاق أو الإخلال بالتزام ما. في حين يُفوَّض إلى الطرف المتضرر إيقاع العقوبة به. وفي هذا السياق تتمحور جل تخوفات الدول النامية. فمادام إيقاع العقاب مُوكَلٌ إلى المتضرر، فإن قدرة الدول التجارية الكبرى على معاقبة الدول النامية والأقلّ نموًّا تبدو أكبر من قدرة الضعفاء على فرْض عقوبات رادعة على الأقوياء14. ففي حال حدوث نزاع بين الولايات المتحدة وبنغلاديش مثلً، سوف يكون تأثير فرْض عقوبة من بنغلاديش على صادرات الولايات المتحدة إليها ضعيفًا، مقارنةً بالعقوبة التي يمكن أن تفرضها الولايات المتحدة على صادرات بنغلاديش إليها15. وهذا ما جعل بعضهم يتساءل في قضية الموز: هل كان سبب تخلِّ إكوادور عن تطبيق جزاءات تجاه المنتوجات الأوروبية هو تأثير هذه الجزاءات في حياة مواطنيها؟ إنّ نظام التنفيذ الحالي هو نظام مُفتقدٌ للتوازن؛ لأنه يخدم مصلحة الدول المتقدمة، ولا يشمل الدول النامية بهذه المصلحة في مرحلة التنفيذ على الأقل16. بناءً على ذلك، فإنّ هشاشة نظام التنفيذ تجعل النظام القانوني لجهاز تسوية النزاعات هشًّا؛ لأنّ قوَّة كلّ نظام قانوني مرتبطة بقوَّة نظام التنفيذ17. ومن ثمة لا بدَّ من إقرار طريقة تنفيذ إضافية تستعملها الدول النامية في مواجهة الدول المتقدمة المخالفة حتى تضمن عدم تضررها من النزاع. ويكون ذلك بالحفاظ على سلامة تجارتها واقتصادها والتوصُّل، في الوقت نفسه، إلى ردْع الدولة المتقدمة المخالفة. وقد كان إصلاح نظام التنفيذ من بين المقترحات التي جرى تقديمها من أجل إصلاح نظام تسوية النزاعات داخل المنظمة. غير أنّ هذه المقترحات لم تَعْد مكانها؛ بسبب عدم اتفاق الدول الأعضاء في المؤتمرات الأخيرة على صيغة نهائية للإصلاح.
ثانيًا: قراءة في مشاريع إصلاح هياكل جهاز تسوية النزاعات
قررت الأطراف المشاركة في إطار الاجتماع الوزاري المنعقد بمراكش عام 1994 مراجعة نظام تسوية النزاعات خلال الأربع سنوات التي تلَت إنشاءَه. وبالفعل جرى تقديم عدَّة مقترحات، وجرى تخصيص وقت كثير لدراستها. لكنّ الأعضاء لم يتوصَّلوا إلى إجماع بشأنها، لتصل إلى باب مسدود مع مؤتمر سياتل. واستُؤنفت مفاوضات إصلاح نظام تسوية النزاعات في مؤتمر الدوحة عام 2001 18، على نحوٍ منفصل عن باقي المفاوضات الأخرى هذه المرة، وحُدِّد شهر أيار/ مايو 2003 آخر أجل لهذه المفاوضات19، لكنّ هذه المدة لم تُسفر عن أيِّ اتفاق؛ فاستمر الوضع على ما هو عليه. وبغضِّ النظر عن التوصُّل إلى اتفاق أو عدم التوصُّل إليه، تظل ثمة مقترحات كثيرة للإصلاح جديرة بالدراسة؛ لذلك سنُعنى بدراستها بحسب موضوعاتها.
المقترحات الخاصة بالهيئات المكلفة بتسوية النزاعات
إنّ أهمّ المشكلات التي شغلت تفكير عدَّة دول أعضاء في ما يخص جهاز تسوية النزاعات، كفاءة فِرق التحكيم، ومدى ضمان فعاليتها
ونزاهتها، والمؤهلات التي يحظى بها الأشخاص المُكوِّنون لهذه الفرق. وقد قُدِّمت، بعد إثارة موضوع إصلاح نظام تسوية النزاعات، اقتراحات كثيرة، منها ما يتعلّق بتكوين فِرق التحكيم، ومنها ما يتعلّق بوضعيات الدول النامية.
المقترحات المتعلقة بتكوين فرق التحكيم
تعتمد عملية إنشاء فرق التحكيم - حتى الآن - على المشاركة الخاصة لمحكمين يجرى اختيارهم بتوافقٍ من الأطراف المتنازعة، أو من خلال المدير العامّ إن لم تتوصل هذه الأطراف إلى توافق. وقد قُدِّمت مقترحات عديدة لإعادة النظر في طرائق تكوين فرق التحكيم، من بينها اقتراح الاتحاد الأوروبي إنشاء فِرق تحكيم دائمة شبيهة بفِرق جهاز الاستئناف20. وهكذا تتحول فِرق فضِّ النزاع من فرق يجرى تكوينها لكلّ قضية على حدة إلى فرق تحكيم دائمة؛ ومن ثمة فإنها ستصبح أكثر احترافيةً ومهنيةً، وستحدُّ أيضًا من المشكلات التي تعترض جهاز تسوية النزاعات أثناء اختيار أعضاء فِرق التحكيم21. والسؤال المطروح في هذا السياق هو: ما هي الجهة التي ستُكلف بتحديد هذه اللائحة بخاصة أنّ الطرائق الدبلوماسية والسياسية لا يمكن أن يُتوصَّل من خلالها إلى اختيار الشخص الملائم؟ لتفادي هذا الأمر - بحسب المجلس الاستشاري للمنظمة - ينبغي إنشاء فريق خبراء غير مسيَّس، وأن يُكلَّف بإعداد لائحة من المترشحين بمواصفات محددة، وأن ينسِّق مع جهاز تسوية النزاعات في وضع اللائحة النهائية22.
المقترحات المتعلقة بمعاملة تفضيلية لمصلحة الدول النامية
تطرح مسألة تكوين فرق التحكيم قضية مشاركة الدول النامية في هذه الفرق، ومن ثمّة في النظام التجاري المتعدّد الأطراف. ففي إطار القواعد الحالية لتسوية النزاعات، لا تكون مشاركة الدول النامية، أو الأقل نموًّا، في فريق تحكيمٍ ينظر في نزاعٍ أحد أطرافه دولة من هذه الدول، متاحة إلا إذا طلبت ذلك الدولة النامية التي هي طرف في النزاع. وفي إطار الدورة غ رر العادية لجهاز تسوية النزاعات في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2002، تقدمت الدول الأقل نموًّا، ممثلة ببعثة زامبيا، باقتراح لتعديل الفقرة 10 من المادة 8 من اتفاق التفاهم، ليوجب الاتفاق، في جميع النزاعات التي يكون أحد أطرافها من الدول النامية أو الأقل نموًّا، أن يكون عضوٌ من بين أعضاء فريق التحكيم - على الأقل - من الدول النامية، وأن يُضاف عضوٌ ثان من الدول النامية إنْ طلبت هذه الدولة ذلك. واقترحت الهند في شهر نيسان/ أبريل 2002، أن تُ نح فِرق التحكيم مزيدًا من الوقت لاستكمال أعمالها بخصوص المسطَّرات التي يكون فيها العضو من الدول النامية مدافعًا، وأن تستفيد هذه الدول من وقت إضافيٍّ أيضًا حتى تتحقَّق الملاءمة بين توصيات جهاز تسوية النزاعات وقراراته23. إضافةً إلى المقترحات المتعلقة بتكوين فِرق التحكيم وعملها، كانت قد ظهرت مقترحات بمناسبة انعقاد مؤتمر سياتل، تتعلق بموقف المنظمة من مشاركة المجتمع المدني والوحدات غير الحكومية في عملية تسوية النزاعات.
المقترحات المتعلقة بانفتاح الجهاز تجاه المجتمع المدني
بدأ النقاش المتعلق بإشراك المجتمع المدني العالمي في عملية تسوية النزاعات ضمن جهاز تسوية النزاعات في مؤتمر سياتل. وعلى الرغم من أنّ الدول كانت تصُرُّ على المحافظة على الخاصية الحكومية لمُسطَّرة تسوية النزاعات، وأنّ اتفاق التفاهم يمنح فِرقَ التحكيم حق استدعاء أيِّ شخص أو هيئة لتقديم معلومات ذات طبيعة تقنية24، وأنه يمكِّن الدول النامية من الاستعانة بخبراء داخل بعثتها، سواء تجاه فرق التحكيم أو جهاز الاستئناف - على أن تتمَّ المحافظة على سرية المعلومات والجلسات - يظلُّ حقّ اللجوء إلى مُسطَّرة تسوية
النزاعات، وحقّ الاطلاع على المعلومات، للدول الأعضاء وحدها25. لذا، جرى تقديم مقترحات بشأن موقف المنظمة من مشاركة المجتمع المدني والوحدات غير الحكومية في عملية تسوية النزاعات، وهي تتلخص في نقطتين: الانفتاح تجاه الجمهور لإبداء ملاحظاته أو التدخل في إحدى مراحل المُسطَّرة. إيجاد طريقة يُ كِن لجهاز تسوية النزاعات من خلالها تقديم الوثائق والمعلومات المتعلقة بقضية ما إلى الجمهور. إنّ كثيرًا من هذه المقترحات يعُدُّ أنّ تنظيم مسألة الولوج في الوثائق، على نحوٍ سهل وسريع، سيسمح بفهم طبيعة تقارير فِرق التحكيم وجهاز الاستئناف، كما أنه سيضفي عليها مزيدًا من الشفافية26. لكن ينبغي أن نشير إلى أنّ النقاش الدائر بشأن الشفافية في ما يتعلق بعمل هيئات تسوية النزاعات داخل المنظمة، يتقاسمه موقفان متعارضان. فأحد الموقفين يرى أنّ آليات تسوية النزاعات تتطور بطريقة تُضفي على المُسطَّرة الصفة القضائية شيئًا فشيئًا، وهذا من شأنه أن يجعل العملية مفتوحةً على الجمهور، وأن يجعلها أكثر شفافيةً كما هو الشأن بالنسبة إلى القضاء الوطني. في حين يرى الموقف الآخر، أنه ينبغي ألَّ نذهب بعيدًا في المقارنة بين جهاز تسوية النزاعات داخل منظمة التجارة العالمية وعمل المحاكم الوطنية؛ نظرًا إلى الدور المهم الذي تضطلع به المفاوضات الدبلوماسية في تسوية النزاعات التجارية الدولية. ومن ثمة، فإنّ هذه المفاوضات ستفقد فعاليتها إنْ جرى التخلي عن سرية المداولات، أو إنْ وجدت الدول الأعضاء نفسها أنها مرتبطة، في موضوع التسوية، بشركات ومنظمات غير حكومية أكثر قوَّةً ماديًّا ومعنويًّا27. ويرى المجلس الاستشاري للمنظمة، في تقريره المُقدَّم عام 2004، أنه من الإيجابي إشراك بعض الملاحظين من الجمهور في عملية تسوية النزاعات، بخاصة داخل جلسات الاستماع التي نظمها كلّ من جهاز الاستئناف وفِرق التحكيم. وبحسب المجلس، يمكن الاعتراض على هذا الحضور؛ إمّا من طرف فريق التحكيم، وإمَّا من أحد الأطراف، بدعوى سرية بعض المعلومات، ولا سيما أنّ حماية المعلومات التجارية السرية تُعَدُّ من بين أسباب الاعتراض المعقولة28. وكيفما كانت الحال، فإن مزيدًا من الشفافية سيمنح الخواص صورةً إيجابيةً بشأن نظام تسوية النزاعات داخل منظمة التجارة العالمية، وخصوصًا أنّ هذا النظام طالما انتُقد بسبب اشتغاله بعيدًا من الأضواء.
المقترحات المتعلقة بإصلاح نظام التنفيذ
تشوب نظامَ التنفيذ الحالي المتمثِّل بتعليق الطرف الشاكي للامتيازات والالتزامات الأخرى تجاه الطرف المخالف عدّة اختلالات. فالجزاء المطبَّق لا يُصلح الأضرار الناتجة من القطاع الذي كان موضوع توصيات جهاز تسوية النزاعات وقراراته، بل يُ كن أن يتسبب بأضرار تلحق بمصالح اقتصادية لا علاقة لها بالنزاع. وهذا الأمر يخلق نوعًا من الإحساس بعدم العدالة تجاه منظمة التجارة العالمية29، كما أنّ هذه الجزاءات تعاقب المستهلكين والمصالح الاقتصادية داخل البلد الذي يُطبِّقها، بخاصة إذا كان الذي لجأ إلى هذه العقوبات من البلدان النامية. ففي مثل هذه الحال تصبح النتائج كارثية.ً ومع انطلاق مفاوضات الدوحة، عبَّ ت مجموعة من الأعضاء عن رغبتها في إصلاح نظام التنفيذ، وذلك من خلال تقديم مقترحات للإصلاح. وهكذا تقدمت الدول الأقل نموًّا، في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2002، بمقترح لإصلاح نظام تسوية النزاعات، فطالبت بتعويض مالي إجباري لمصلحة الدول الأقل نموًّا، لأنه يُعَد - بحسب هذه الدول - أكثر فعاليةً بالنسبة إلى الدول الضعيفة اقتصاديًّا من أيِّ جزاء آخر. إنّ غياب آلية فعالة للتنفيذ، والتأثير السلبي للتدابير المضادة في اقتصاديات الدول الفقيرة، كانَا سببيْ مباشرين من أسباب عزوف الدول النامية عن المشاركة في نظام تسوية النزاعات. لهذا ترى الدول الأقل نموًّا أنّ من بين حلول التغلب على هذا العائق هو اعتماد "مبدأ المسؤولية الجماعية"، على غرار ما هو معمول به في إطار ميثاق الأمم المتحدة. وبحسب هذا المبدأ، فإنّ لجميع أعضاء المنظمة حقَّ تنفيذ توصيات، وعليهم جميعًا أيضًا واجبات جهاز تسوية النزاعات وقراراته. وفي الإطار نفسه، تقدَّمت إكوادور إلى المنظمة، في 8 تموز/ يوليو 2002، باقتراح من أجل تحسين آلية تنفيذ قرارات جهاز تسوية النزاعات،
في ضوء معاناتها قضية الموز التي كانت طرفًا فيها بوصفها دولة ناميةً ذات موارد محدودة. وتقول إكوادور في اقتراحها المُقدَّم إلى المنظمة إنّ تجربة نزاع الموز كشفت عن أخطاء فادحة في آلية تسوية النزاعات تُعرِّض صدقية النظام بأكمله للخطر؛ يتمثّل أهمّها بالمادتين 21 (الفقرة 522) و من اتفاق التفاهم، ومن ثمة: يجب وضع إطار زمني مُحدَّد للتعويض وسحْب الامتيازات. يجب تأكيد أنّ الهدف الأساسي هو التخلص من الإجراءات التي تُضعف النظام التجاري، وأنّ دفْع التعويض ليس معناه استمرار الانتهاكات. يجب البحث عن وسيلة عقاب أكثر فعاليةً من تعليق التنازلات. يجب العثور على بديل من التعويض؛ لأنه يحثُّ على مزيد الانتهاك30. لكنّ إخفاق مؤتمر سياتل، وهو المؤتمر الذي ظهرت فيه هذه المقترحات، وإخفاق المؤتمرات اللاحقة بهذا الشأن، أدَّى إلى عدم اعتماد مشاريع التعديلات المقترحة من عدَّة أعضاء في ما يخص اتفاق التفاهم. وعلى الرغم من ذلك، ظلّ هذا الملف مفتوحًا، وضمن إطار إصلاح أشمل سيمس مؤسسات المنظمة في المستقبل.
خاتمة
عرفت وضعية الدول النامية في إطار منظمة التجارة العالمية، وعلى نحوٍ خاص النصوص المتعلقة بتسوية النزاعات بجهاز تسوية النزاعات، تراجعًا كبيرًا مقارنةً بغات 1947. فقد جرت الاستعاضة عن المقتضيات التي كانت تُعفي الدول النامية من التزامات وإجراءات معينة خلال فترات انتقالية أو إضافية، لتتلاءم مع هذه الالتزامات. ولكنْ في الوقت نفسه، وعلى الرغم من هذا التراجع، نجد أنّ الدول النامية أكثر إقبالً على جهاز تسوية النزاعات، مقارنةً بغات .1947 ولا يرجع سبب ذلك إلى معاملةٍ تفضيليةٍ، بل إلى تحسينات عامة أدخلها اتفاق التفاهم على مُسطَّرة تسوية النزاعات؛ كاعتماد قاعدة الإجماع السلبي31، وهو ما سمح للدول النامية بإمكان الحصول على قرار لمصلحتها ضدّ الدول الكبرى (لم يكن هذا الأمر متاحًا من قبلُ)، كما سمح أيضًا باعتماد جداول زمنية محددة في جميع مراحل المُسطَّرة، تضاف إليها تلقائية المرور من مرحلة إلى أخرى، من دون حاجة إلى موافقة الطرف الآخر.
لكن ينبغي ألَّ ننخدع بهذا التحسن الذي عرفته مشاركة الدول النامية في جهاز تسوية النزاعات داخل المنظمة؛ ذلك أنّ أغلبيّة الدول النامية لم تلجأ بعدُ إلى هذا النظام، إمَّا لمحدودية إمكاناتها المادية والبشرية، وإمَّا لاستمرار بعض العوائق التي كانت في غات 1947؛ كعدم قدرتها على إجبار الدول الكبرى على تنفيذ قرار التسوية. ولقد كان أمل هذه الدول كبيرًا في التوصُّل إلى اتفاق بشأن التعديلات المُقدَّمة لإصلاح نظام تسوية النزاعات، لكنّ إخفاق المؤتمرات الأخيرة للمنظمة، وإخفاق اعتماد هذه التعديلات، سيبقيان الوضع على ما هو عليه. ومن ثمة يظلُّ توفُّق جهاز تسوية النزاعات بمنظمة التجارة العالمية في تحقيق الإنصاف إزاء الوضع الخاص بالدول النامية، حقيقةً نسبية.ً وإذا كانت رغبة أعضاء منظمة التجارة العالمية في تطوير نظام تسوية النزاعات، قد تحقَّقت في جهاز تسوية النزاعات من خلال هياكله شبه القضائية والآليات التفضيلية التي تُراعي - نسبيًّا - الوضع الخاص بالدول النامية، فإنّ هذا الأمر لا يعني أنّ جهاز تسوية النزاعات أصبحت له سُلطة مستقلة يستطيع من خلالها مواجهة أعضاء المنظمة، كما هي الحال بالنسبة إلى المحاكم الوطنية. إنّ هذا الطرح يحيل على ضرورة إعادة النظر في طريقة تنفيذ قرارات جهاز تسوية النزاعات؛ لترقى من قرارات تُلزم أطراف الدعوى إلى قرارات تُعبِّ عن إرادة الجماعة تجاه الأطراف المخالفة، شأنها في ذلك شأنَ قرارات الأمم المتحدة.