النظام النقدي الدولي والاقتصاد السياسي لدول الخليج العربية

طاهر كنعان

الملخّص

يتناول هذا البحث الآثار السلبية في اقتصادات الدول العربية المصدرة للنفط الناجمة عن الخلل الراهن في النظام النقدي الدولي، ويتمث ل هذا الخلل باستمرار الدولار عملة الاحتياط المركزية. ومادام هذا الخلل قائمً ا، فإنّ ما تحق قه هذه الدول من فوائض في موازين مدفوعاتها الخارجية، ينتهي أغلبه احتياطياتٍ لها بالدولار ت حفظ ودائعَ أو سنداتٍ في خزينة ا تقدمها دول الفائض المالي إلى أغنى اقتصاد في العالم الحكومة الأميركية؛ أيْ قروض، مقابل مردود "هزيل" من أسعار الفائدة المتدنية، بدلا من استثمارها في مشاريع منتجة عالية المردود من شأنها أن ترفع مستوى الطلب الفعال في الاقتصاد العالمي، وتحافظ حصِّنه ضدّ الأزمات وفقدان الاستقرار على معدلات عالية من العمالة فيه، وت. من أهداف هذا البحث إثارة النقاش بشأن ضرورة مشاركة دول الخليج العربية في جهد إصاح النظام النقدي الدولي، وفي تصميم الدول النامية والناشئة، على أنّ الإنفاق في البنى التحتية من أجل التنمية المستدامة ينبغي أن يتفوَّق على الإنفاق في المجالات العسكرية وتصميمها، ومن ثمة الانخراط في عملية إصاح نسق الحكمان العالمي وتطوير النظام النقدي الدولي، والنظر جديًّا في مدى ماءمة انضمامها إلى "بنك التنمية الجديدة" وبنك "الاستثمار في البنى التحتية الآسيوية" كحدٍّ أدنى، والنظر كذلك في جدوى تأسيس بنك "عبر إقليمي" للتنمية بين البلدان الآسيوية والعربية، كحدٍّ أعلى.

اشتد الشعور العالمي بالحاجة الماسّة إلى إصلاح نظام النقد والتمويل الدولي منذ عام 1997 إثر الأزمة الاقتصادية العالمية التي تمركزت في شرق آسيا آنذاك. وشهد هذا الإصلاح مبادرات عديدةً أحدثها اتفاق الصين، وروسيا، والهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا (دول مجموعة بريكس BRICS) على إنشاء بنك التنمية الجديدة في 15 تموز/ يوليو 2014، وتأسيس "بنك الاستثمار في البنى التحتية الآسيوية" تشرين 24 Asian Infrastructure Investment Bank في الأول/ أكتوبر 2014، بمشاركة الهند، وباكستان، وأغلب دول مجموعة جنوب آسيا وشرقها ASEAN، وبلدان آسيوية أخرى، وبعض الدول العربية. من أهداف هذا البحث إثارة النقاش بشأن ضرورة مشاركة دول الخليج العربية في جهد إصلاح النظام النقدي الدولي، وفي تصميم الدول النامية والناشئة، على أنّ الإنفاق في البنى التحتية من أجل التنمية المستدامة ينبغي أن يتفوَّق على الإنفاق في المجالات العسكرية وتصميمها، ومن ثمة الانخراط في عملية إصلاح نسق الحكمان1 العالمي وتطوير النظام النقدي الدولي، والنظر جديًّا في مدى ملاءمة انضمامها إلى بنك التنمية الجديدة وبنك الاستثمار في البنى التحتية الآسيوية كحدٍّ أدنى، والنظر كذلك في جدوى تأسيس بنك "عبر إقليمي" للتنمية بين البلدان الآسيوية والعربية، كحدٍّ أعلى. وفي الحالتين تكون الأولوية لدعم الاستثمار في البنى التحتية، ولا سيما ما يُلبِّي الحاجات الإقليمية "عبر القُطرية" في إطار التعاون والتكامل الاقتصادي العربيَيّن.

اختلال النظام النقدي الدولي الراهن

يتناول هذا البحث الآثار السلبية في اقتصادات الدول العربية المصدرة للنفط، وبخاصة دول الخليج العربية؛ نتيجة الخلل الكبير الذي مازال يعتور النظام النقدي الدولي، والمقاربة التي يتعيّ اعتمادها ضمن السياسات الاقتصادية في هذه الدول لمعالجة السلبيات. ويتمثّل هذا الخلل خصوصًا في استمرار الدولار عملةَ الاحتياطِ المركزيةَ للنظام النقدي الدولي، وهو أمرٌ يدفع الدول النامية والناشئة التي هي في أمسّ الحاجة إلى الموارد المالية إلى استثمارها في التنمية، إلى أن تصبح مقرضةً هذه الموارد لأغنى الدول في العالم. ويساهم في استدامة هذا الخلل ضُ عف مكانة الدول النامية والناشئة ونفوذها في نسق الحكمانية الاقتصادية العالميِّ، بما في ذلك المؤسّسات الرئيسة الحاكمة للنظام الاقتصادي والنقدي العالمي؛ ما يُرجِّح مصالح الولايات المتحدة الأميركية والدول الصناعية الغربية الأخرى على مصالح المجتمع الدولي كلِّه، فيتسبّب ذلك بإضعاف الاستقرار في الاقتصاد العالمي، وتعريضه للأزمات، وتراجع معدلات النمو والعمالة فيه.

وفي ظلّ نسق الاحتياط النقدي العالمي القائم، نجد أنّ البلدان النامية ذات المزايا النسبية في رواج صادراتها؛ مثل بلدان الخليج العربية المصدّرة للنفط، والصين، ودول شرق آسيا ذات الأداء الاقتصادي الرفيع، تُحقِّق فوائض في موازين مدفوعاتها، فتضع هذه الفوائض في احتياطيات نقدية بالدولار، ودائعَ أو سندات في خزينة الحكومة الأميركية؛ ما يعني أنّ هذه الأموال تُضح ي قروضًا تُقدِّمها دول الفائض إلى الاقتصاد الأميركي (أغنى اقتصاد في العالم)، مقابل مردود زهيد من أسعار الفائدة المتدنية لتلك الودائع أو السندات. في حين أنّه كان في إمكان تلك الدول استثمار أموالها الفائضة في مشاريع منتجة عالية المردود ترفع مستوى الطلب الفعَّال في الاقتصاد العالمي، وتحافظ على معدلات عالية من العمالة فيه (توظيف القوى العاملة)، وتساهم في تنويع مخاطر الاستثمار حتى تُقلِّل حدَّة تأثُّر اقتصاداتها بالتقلبات الاقتصادية والمالية. إنّ احتفاظ دول الفائض باحتياطاتها بالدولار يعني عمليًّا أنها تُ كِّن الولايات المتحدة من استيراد السلع الحقيقية التي تمثّلها صادرات دول الفائض، مقابل أرصدة حسابية تمثّل إقراضًا قسريًّا يتيح للولايات المتحدة أن تحظى باستهلاك السلع الحقيقية المستوردة من بلدان الفائض من خلال تمويل هذه البلدان العجز الضخم المتنامي في الموازنة العامة للولايات المتحدة.

  1. في هذا السياق، نرى أنّ الحكمانية governance أكثر دقةً من "الحاكمية" التي هي نسبة إلى "الحاكم"؛ لأنّ المطلوب هو النسبة إلى "الحكم." فكلمة "حُكمان"، صيغة المبالغة من "الحُكم"، هي قياس على كلمة "سُلطان" التي هي صيغة مبالغة من "السُلطة." زيادةً على ذلك، نرى أنّ الصيغة المقترحة أبلغ في الدلالة المقصودة من كلمة "الحوكمة."

لقد بلغت قيمة العجز في الميزانية الحكومية العامة2 للولايات المتحدة في الفترة 2010 – 2012، ما يلي::2010 4304.2 مليار دولار = 4.3 تريليون دولار.:2011 4512.5 مليار دولار = 4.5 تريليون دولار.:2012 4718.3 مليار دولار = 4.7 تريليون دولار. وقد سجّلت قيمة العجز في الحساب الجاري في ميزان المدفوعات الخارجية للولايات المتحدة خلال الفترة نفسها 2010( - 2012) ما يلي::2010 449.5 مليار دولار.:2011 457.7 مليار دولار.:2012 440.4 مليار دولار. في المقابل، بلغت قيمة الفائض في الحساب الجاري (تجارة السلع والخدمات) في ميزان المدفوعات الخارجية للدول العربية المصدرة للطاقة (ماعدا الإمارات العربية المتحدة)، مقارنةً بالدول العربية المستوردة للطاقة، في الفترة 2011 – 2012، ما يلي3:

الدول العربية المصدرة للطاقة

فائض عام)2011(= 405.2 مليار دولار. فائض عام)2012(= 461.1 مليار دولار.

الدول العربية المستوردة للطاقة

عجز عام)2011(= 27.8 – مليار دولار. عجز عام)2012(= 36.1 – مليار دولار. وعلى سبيل المقارنة، فإنّ فائض الصين عام 2011 هو 136.1 مليار دولار، وعام 2012 هو 193.1 مليار دولار. وليست الظاهرة التي تُعبِّ عنها هذه الأرقام حديثةً. فخلال الفترة الأول/ ديسمبر كانون  2001 عام، تضاعفت  ونهاية  2010 قيمة احتياطيات العملات الأجنبية لاقتصادات البلدان النامية والناشئة

  1. IMF, Government Finance Yearbook 2013 , Table 111 (Washington: IMF, 2013). (United States), General Government (= Central Government + Local
  2. Government). الشكل (ب - )2 مستوى احتياطيات العملات الأجنبية في بلدان العالم (تريليون دولار أميركي) المصدر: قاعدة بيانات البنك الدولي، الجدول (ب  - 1)، الملحق "ب"، الجداول الإحصائية. 3 انظر الجداول والأشكال الإحصائية في نهاية الورقة (الملحق ب.)

عدّة مرات حتى بلغت مجموعة المتراكم مع نهاية عام 2010 ما قيمته 6.1 تريليون دولار، منها 3.5 تريليون دولار قيمة أصول مالية في الصناديق السيادية لتلك البلدان (انظر الشكل البياني والجداول الإحصائية في الملحق "ب.)"

مبادرات الإصلاح في النظام النقدي الدولي

ما الذي فعلته مجموعة الصين ودول شرق آسيا؟ وما الذي امتنعت من فعله مجموعة الدول العربية التي لديها فوائض مالية، بشأن تحرير نظام النقد والتمويل العالمي من هيمنة الدولار بوصفه عملة الاحتياطي العالمي المركزية، وبشأن توجيه فوائضها للاستثمار في تنمية المنطقة التي تنتمي إليها كِلَ المجموعتين، بدلً من تركها قروضًا تتأكَّل في بنوك الغرب؟ إنّ تحرير نظام النقد والتمويل العالمي من هيمنة الدولار عملة الاحتياطي العالمي المركزية هدفٌ ما برح المجتمع الدولي يسعى لتحقيقه منذ الأربعينيات من القرن العشرين، حين اقترح عالم الاقتصاد كينز تغيير طبيعة الاحتياطي باتفاق أقطار العالم على عملة جديدة يُتعهد بقبولها بدلً من عملاتهم المحليَّة، كلمّا دعت الحاجة إلى ذلك.

وعلى أساس هذه الفكرة جرى تصميم وحدات نقدية باسم "حقوق السَّحب الخاصة" يُصدرها صندوق النقد الدولي لتصبح عملةً دولية مقبولةً عالميًّا. لكنّ تطبيق هذه الفكرة كان هزيلً جدًا؛ لأنّ صندوق النقد الدولي لم يُصدر هذه العملة إلا في مناسبات قليلة، وحتى في هذه المناسبات كانت الدول الغنية هي التي تستحوذ على أغلب المبالغ المصدرة. ولذلك بقيت حاجة قائمة وملحَّة إلى عملة دولية تحلّ محلّ الدولار، ولا تكون مؤهلةً لإيجاد السيولة النقدية التي تحتاج إليها الأقطار لتسيير التجارة الدولية فحسب - وهي الوظيفة المطلوبة من نظام تمويل عالمي رفيع الكفاءة - بل تكون قادرةً أيضًا على المساهمة في حلّ مشكلات عالمية مستعصية؛ مثل الفقر والتلوث البيئي... إلخ. اشتد الشعور العالمي بالحاجة الماسّة إلى إصلاح نظام النقد والتمويل الدولي تحت تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية التي تمركزت في شرق آسيا عام 1997. حينئذ عمدت اليابان إلى إطلاق مبادرة إصلاحية متمثّلة بمشروع لتأسيس "بنك النقد الآسيوي" برأس مالٍ ابتدائي بقيمة 100 مليار دولار تُقدمه اليابان. وكان هدف هذا الصندوق تزويد البلدان الآسيوية بالموارد المالية التي تحتاج إليها هذه البلدان كي تتعافى اقتصاداتها من آثار الأزمة الاقتصادية السَّالفة الذِّكر. لكن صندوق النقد الدولي، بضغط من الولايات المتحدة، نجح في أن يكون مصير هذه المبادرة هو الإخفاق.

مبادرة تشانغ ماي

لم تيأس اليابان بسبب إحباط مشروع "بنك النقد الآسيوي"، فهي ما لبثت أن أطلقت، مع الدخول في الألفية الثالثة، مبادرةً ثانيةً من أجل إقناع تجمُّع دول جنوب شرق آسيا الذي يضمُّ عشر دول؛ هي بروني دار السلام، وكمبوديا، وإندونيسيا، ولاوس، وماليزيا، وماينمار، والفلبين، وسنغافورة، وتايلند، وفييتنام، بأن تتضامن مع الدول الثلاث الآسيوية الأخرى؛ وهي الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وأن يلتقي الجميع في مدينة شيانغ ماي في تايلند لإطلاق المبادرة التي تحمل اسم المدينة التايلندية "شيانغ ماي." شكَّلت مبادرة "شيانغ ماي" نواةً لترتيبات تعاون إقليمي بين الدول المذكورة (دول الآسيان + 3) يهدف إلى الارتقاء بقدراتها الاقتصادية على التعامل مع الأزمات التمويلية، وإلى تحويل مفهوم إدارة الفوائض واستخدامها من الإطار النقودي إلى الإطار التنموي. وبموجب هذه المبادرة تعهدت كلّ دولة من دول "الآسيان + "3 بالاحتفاظ بعملات الدول الأخرى في المجموعة بديلً من الاحتفاظ باحتياطيات بعملة الدولار تودع في الولايات المتحدة والدول الغربية، وبذلك تبقى الاحتياطيات التي تراكمها دول المجموعة ضمن الإقليم الذي يجمعها، وتكون على استعداد لتقديم قروض منها من أجل دعم الاستهلاك والاستثمار في دول الإقليم نفسهِ بدلً من إقراضها للدول الغنية في الغرب لدعم عجز موازنات هذه الدول. بناءً على ذلك يكون احتفاظ كلّ من دول المجموعة بعملات احتياطية لدول أخرى في المجموعة بمنزلة فتْح لتسهيلات ائتمانية

بقيمة هذه الاحتياطيات تُتاح للدول المصدرة للعملات التي تتكون منها الاحتياطيات. بعبارة أخرى تكون كلّ دولة في المجموعة على استعداد لإقراض دول أخرى من المجموعة حين تحتاج إلى قروض تموّل بها استيراداتها من دول المجموعة، ضمن سقْف الاحتياطيات التي تحتفظ بها الدول الأخرى في المجموعة بعملة الدولة المقترضة. ويصف عالم الاقتصاد جوزف ستيغلتز طريقة عمل مفترضة لمبادرة شيانغ ماي على أساس أن تقوم الدول المشاركة في "اتفاقية عملة الاحتياط الجديدة" بتقديم قدر معيّ من المساهمة في صندوق جديد للاحتياط العالمي سنويًّا، وتقوم سلطة النقد المنشَأة لهذا الغرض، في الوقت نفسه، بإصدار عملة جديدة؛ فتكون قيمة الإصدار مكافئةً في قيمتها للعملات الاحتياطية المحتفَظ بها في الصندوق المذكور. وفي عام 2010، جرى تطوير المبادرة وصارت تُعرف ب "مبادرة شيانغ ماي للتعاون المتعدد الأطراف" Initiative Mai Chang Multilateralization في إطار اتفاقية رسمية تلتزمها الدول العشر في تجمّع دول جنوب شرق آسيا مع الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية (دول الآسيان 3+.) وبالنظر إلى أنّ العملات الاحتياطية المحتفظ بها تكون ضمن البنوك المركزية لدول المجموعة، فإنّ هذه الاتفاقية مازالت تُرى بعيدةً من المفهوم الأصلي لصندوق النقد الآسيوي الهادف إلى تكوين نسقٍ جديدٍ للاحتياطي النقدي العالمي. فلكي ينجح هذا المفهوم، يتعيّ على صندوق النقد الآسيوي القيام بوظائف البنك المركزي الأعلى لدول المجموعة. بيد أنّ إنشاء مؤسّسة تقوم بالوظائف المتعلّقة بمثل هذا البنك المركزي الأعلى ليس بالأمر اليسير، لأنه يتطلب جهازًا إداريًّا بالغ الكفاءة والامتياز، يحظى أفراده، إضافة إلى الكفاءة والنزاهة، بالتزام شديد لرؤية مستقبلية تضمن نجاحه في نشئ من أجلها تحقيق الأهداف التي أ.

بنك التنمية الجديدة

كثّفت الصين، خلال الفترة 2013 - 2014، جهدها لتعزيز مكانتها في الاقتصاد الدولي، والمكانة الاقتصادية لمجموعة دول بريكس. وشمل هذا الجهد لقاء قمة بين رؤساء الدول الخمس في نيودلهي عام 2012، ولقاء القمة في "دوربان" عام 2013، وانتهى إلى اتفاق الدول الخمس في هذه المجموعة؛ وهي البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا، على إنشاء بنك التنمية الجديدة. وأعلنت الاتفاقية المنشئة لهذا البنك في مدينة فورتاليزا البرازيلية في 15 تموز/ يوليو .2014 وتعبّ اتفاقية البنك في صدارتها عن اقتناع الدول المؤسّسة للبنك ب ورررة إنشاء مؤسّسة مالية دولية للإقراض تعكس العلاقات التعاونية في ما بينها وتنشئ إدارةً قويةً لتنمية الجانب الاقتصادي من تعاونها. وتنبثق هذه الضرورة من الصعوبات التي تواجهها الدول الناشئة في الحصول على التمويل اللازم لردم الفجوات الواسعة في بناها التحتية وتلبية حاجاتها الأخرى للتنمية المستدامة. لذلك نصّت فقرات الاتفاقية المتعلقة ب "الأهداف والمهمات" على أنّ البنك سوف يقوم بتعبئة الموارد لتمويل مشاريع البنى التحتية وغيرها من مشاريع التنمية المستدامة في البلدان النامية والناشئة، على نحو مكمِّل للجهد الذي تقوم به مؤسّسات التمويل، سواء كانت متعدّدة الأطراف أو إقليميةً؛ من أجل النمو العالمي والتنمية. وتنصّ الاتفاقية على أنّ عضوية بنك التنمية الجديدة مفتوحة لسائر أعضاء الأمم المتحدة، سواء كانت دولً في حاجة إلى الاقتراض، أو في غير حاجة إلى ذلك. وتعلن الاتفاقية أنّ رأس المال الابتدائي للبنك هو 50 مليار دولار كرأس مال مدفوع من أصل 100 مليار دولار كرأس مال مصرَّح به. وتشترك الدول الخمس المؤسّسة للبنك في حصص متساوية من رأس المال، ويستطيع البنك على أساس رأس المال المذكور تقديم قروض بقيمة 34 مليار سنويًّا. وبانضمام دول أخرى إلى اتفاقية البنك تكون القوة التصويتية للمساهمين الجدد من دول العالم، كما هو الشأن بالنسبة إلى الدول المؤسّسة، ملائمةً لأسهمها المشاركة بها في رأس المال.

بنك الاستثمار في البنى التحتية الآسيوية

أعلنت الصين في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 2014 عن تأسيس بنك الاستثمار في البنى التحتية الآسيوية، ووجهت الدعوة إلى عدد كبير من الدول للمساهمة فيه، إصرارًا على تحدي مؤسّسات التمويل الدولية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، بعد أن أعلنت عن نيتها تأسيس هذا البنك عام 2013. ولم تقتصر الدعوة إلى المساهمة في ذلك البنك على الدول الآسيوية؛ مثل أستراليا، وإندونيسيا، وكوريا، الجنوبية، بل شملت أيضًا عدّة دول أوروبية. لكنّ الولايات المتحدة

مارست ضغوطًا على البلدان المذكورة نتج منها امتناع هذه الدول عن المشاركة في البنك المذكور. ومن الدول الكبيرة، بقيت الهند وحدها مستعدةً للمشاركة في حفل تأسيس البنك في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 2014. ومن المتوقع أن تنضم إليها تسعة بلدان من مجموعة جنوب آسيا وشرقها ماعدا إندونيسيا4، وكذلك منغوليا، وأوزباكستان، وكازخستان، وسريلانكا، وباكستان، ونيبال، وبنغلاديش، إضافةً إلى دول عربية، هي: عمان، والكويت، وقطر. وغابت عن المساهمة حتى الآن دول كبيرة؛ مثل أستراليا، وكوريا الجنوبية. يبلغ رأس المال التأسيسي لهذا البنك 50 مليار دولار يُؤمَّل رفعه إلى 100 مليار. وتغطي مساهمة الصين القسم الأكبر من رأس المال. ومع بلوغ رأس المال القيمة المذكورة، يصبح معادلً لنحو ثلثي قيمة رأس مال بنك التنمية الآسيوية الذي يبلغ 165 مليار، والذي تعدُّه الصين واقعًا تحت نفوذ كلّ من الولايات المتحدة واليابان. وسوف يركز البنك في البداية على إنشاء "طريق حرير جديدة" قائمة على تصور الرئيس الصيني شاي جينبنغ Jinping Xi لمشروع طموح هو إنشاء طرق مواصلات (سكة حديد مثلً)، تربط الصين بأوروبا من خلال بغداد.

إنّ تركيز بنك التنمية الجديدة وبنك الاستثمار في البنى التحتية الآسيوية له ما يبرّره، من جهة أنّ البنى التحتية في أغلبيّة الدول النامية تعاني التأكُّل والاندثار بعد مضيِّ عقود طويلة على إنشائها؛ ما يجعل حاجتها ماسّةً إلى الصيانة وإعادة التأهيل حتى يمكنها، مع مشاريع البنى التحتية الجديدة، تلبية الحاجات المستقبلية للخدمات التي يقوم عليها النموّ الاقتصادي المستدام. وفي الوقت الراهن، يُشكِّل نقصان البنى التحتية في الصين والبلدان الناشئة الأخرى أحد أشد كوابح النموّ الاقتصادي في هذه البلدان؛ وذلك لأنّ توافر الإمدادات المعتمدة من الطاقة الكهربائية هو في صدارة شروط الجدوى والنجاح بالنسبة إلى المشاريع الإنتاجية التي تحتاج إليها. ومن ثمة، فهو أحد الحوافز الضرورية للمبادرات الاستثمارية. وبالمنطق نفسه لن يعتني المزارعون بإنتاج محاصيل لا يمكن إيصالها إلى أسواق المستهلكين عبر الطرق ووسائط النقل. وباستثناء اليابان، وسنغافورة، وهونغ كونغ، تعاني البلدان الآسيوية نقصًا في البنى التحتية. ويُقدَّر التمويل المطلوب لإنشاء البنى التحتية التي يحتاج إليها التطوير الحضري المتوقع في هذه البلدان حتى عام 2025 بنحو 11 تريليون دولار. في حين تفيد بعض التقديرات أنّ الموازنات الوطنية للعدد الأكبر من البلدان النامية في مجموعها لا تستطيع أن تخصص أكثر من ألف مليار دولار سنويًّا للاستثمار في البنى التحتية. لذلك فإنّ المبالغ المعلن عنها، بوصفها رؤوس أموال للمؤسّستين الماليتين الجديدتين، لا تكاد تقترب من قيمة التمويل المطلوب لتلبية تلك الحاجات. إلا أنّ رؤوس الأموال المذكورة تُشكِّل الرافعة الضرورية للمبالغ التي ينبغي تعبئتها للأهداف المشار إليها5. وليس من المبالغة وصف المؤسّستين الماليتين الدوليتين الجديدتين بأنهما نوع جديد من البنوك، ولا يكون ذلك في سياق إصلاح النظام "النقدي" الدولي فحسب، بل في سبيل إقامة نظام "اقتصادي" عالمي جديد. وهذه أوّل مرة نرى فيها تصميمً دوليًّا على أنّ الإنفاق في البنى التحتية من أجل التنمية المستدامة ينبغي أن تكون له الأولوية، وأن يتفوق على الإنفاق في المجالات العسكرية. فالاستثمار في التوسع الحضري، وتشييد الطرق، والسكك الحديد، وأنابيب النفط والغاز، والموانئ، والجسور، والأنفاق، وأبراج الاتصالات، وشبكات الإنترنت، وغيرها من البنى التحتية، قد تصل كلفته إلى ألفي مليار دولار سنويًّا، مقارنةً بقيمة الإنفاق الجاري في التسلح المقدر حاليًّا بمبلغ 1.7 ألف مليار دولار سنويًّا6. ويؤيّد شانغ جين واي Wei Sang-jin كبير الاقتصاديين في بنك التنمية الآسيوية وجهة نظر مفادها أنّ المؤسّستين الجديدتين قادرتان على المساعدة في تغطية حاجات المنطقة للبنى التحتية الجديدة وإعادة تأهيل البنى القائمة، إذ يبلغ عجز التمويل عن تلبية تلك الحاجات نحو 8 تريليونات دولار، الأمر الذي يُبي حاجةً ملحَّةً في آسيا إلى المؤسّستين الجديدتين7.

  1. اعتذرت إندونيسيا عن عدم المساهمة، استنادًا إلى أنّها في طور تغيير حكومي داخلي
  2. Parag Khanna, "New BRICS Bank a Building Block of Alternative World Order," 18/ 7/ 2014, at: http://www.huffingtonpost.com/parag-khanna/new-brics-bank_b_5600027.html
  3. المرجع نفسه. 7 المرجع نفسه.
  4. يمنعها من اتخاذ قرار في هذا الشأن.

إصلاح الحكمانية في الاقتصاد الدولي

إنّ مبادرة الصين، والدول النامية والناشئة المتحالفة معها على إقامة بنك الاستثمار في البنى التحتية الآسيوية، وكذلك بنك التنمية الجديدة لمجموعة بريكس، تمثّل في جانب من حوافزها، ردّة فعل لهذه الدول على إخفاقها في إدخال الإصلاح على المؤسّسات التمويلية الدولية القائمة، وهي البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وبنك التنمية الآسيوية؛ من أجل التحرر من هيمنة الولايات المتحدة والدول الغربية، ومن ثمّة يرتفع نفوذ الصين ونفوذ تلك الدول الآسيوية. وبناءً على ذلك، "تُشكّل هذه المبادرة أوّل محاولة دولية جدية لتحدي نشئ في بريتون وودز النظام النقدي الدولي الذي أ Bretton Woods قبل 70 عامًا، ومن غير الواضح مدى التحسّن الذي ستدخله هذه المؤسّسات الجديدة على مصالح الدول المنضمَّة إليها، وعلى نظام نسق الحكمانية العالمي"8، لكن من المؤكَّد أنّ أحد حوافز تطوير النظام النقدي الدولي بإنشاء مؤسّسات دولية جديدة تراعي مصالح الدول النامية والناشئة هو تلكُّؤ الولايات المتحدة والدول الغربية في تغيير أنساق الحكمانية المطبقة في مؤسّسات بريتون وودز (صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي)، وهو ما يمنح البلدان النامية والناشئة والانتقالية Developing, Emerging, and Transition Countries قوَّةً تصويتيةً أكبر في إدارة هذه المؤسّسات. وكانت مجموعة العشرين في اجتماع القمة للمجموعة في بيتسبرغ Pittsburgh عام 2009 قد دعت البنك الدولي إلى إعادة تخصيص %3 من القوة التصويتية في إدارة البنك لمصلحة الدول النامية، والناشئة، والانتقالية، ودعت كذلك صندوق النقد الدولي إلى إعادة تخصيص %5 من القوة التصويتية في إدارة الصندوق لمصلحة هذه الدول. وبعد خمسة أعوام من هذه التوصية لم يحدث أي تغيير يُذكر للعمل بهاتين التوصيتين. وفي واقع الحال ظلّت مجموعة الدول الأوروبية الخمس الكبرى (ألمانيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وإيطاليا، وإسبانيا) تحظى في صندوق النقد الدولي بقوَّة تصويتية لكلّ دولار من الناتج الوطني للمجموعة؛ أي ما يعادل ثلاثة أضعاف القوة التصويتية لكلّ دولار من الناتج الوطني بالنسبة إلى مجموعة دول بريكس الخمس (الصين، والهند، وروسيا، والبرازيل، وجنوب أفريقيا)9. بتعبير آخر، إنّ مبادرات من قبيل إقامة بنك التنمية الجديدة، وبنك الاستثمار في البنى التحتية الآسيوية، وعضوية البلدان المؤسّسة كما هو الشأن بالنسبة إلى البلدان المدعوة إلى المشاركة - وهي أساسًا من البلدان النامية والبلدان الناشئة - تمثّل طموح الصين إلى إنشاء نسق ماليٍّ صينيٍّ منافس لنسق بريتون وودز، وإحال منطقة للرنمنبي renminbi (العملة الصينية) محلّ منطقة الدولار، وتشجيع استخدامها بوصفها عملةًاحتياطيّةً بدلً من الدولار. ووفق تقارير مودي Moody's شملت مثل تلك المبادرات إصدار سندات بالعملة الصينية خارج الحدود offshore بلغت قيمتها في التسعة أشهر الأولى من عام 2014 نحو 451 مليار رنمنبي، مقابل 376 مليارًا عام .2013 وقد صرّح رئيس بنك الصادرات والمستوردات الذي تملكه الولايات المتحدة بأنّ مؤسّسات التمويل الصينية أنفقت خلال سنتين فقط ما قيمته 670 مليار دولار من القروض والضمانات، مقارنةً بمبلغ 590 مليونًا من القروض والضمانات أنفقها البنك الأميركي خلال ثمانية عقود10. ولا يقلّ شعور روسيا ب ورررة التغيير عن شعور الصين. ففي عام 2009، صرّح الرئيس الروسي فلاديمير بيوتن بأنّ توحيد عملة الاحتياط التي يمثّلها الدولار أصبحت خطرًا على الاقتصاد العالمي. في حين أنّ استعمال العملات الوطنية يَحُدّ من المخاطر. كما أن استعمال الروبل يشجع على قيام صناعات وطنية تستطيع المزاحمة في التجارة الدولية. وفي هذا السياق، اتفق المصرفان المركزيان في روسيا والصين، في آب/ أغسطس 2014 على مسودة تبادل العملات Swap Currency، على نحوٍ يُتيح للبلدين التوسع في الاتجار المعتمد على العملات الوطنية، ويقلِّل الاعتماد على الدولار في المدفوعات التجارية. وتحت تأثير العقوبات الغربية، أعلن بوتين في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 أنّ هدف روسيا هو أن تبيع النفط والغاز الذي تنتجه، مقابل الروبل على المستوى العالمي، وأن تنهيَ احتكار الدولار لتجارة الطاقة الذي ما برح يلحق الضرر بالاقتصاد الروسي.

  1. ذلك وفق تعبير ماثيو غودمان Matthew Goodman الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن. وفي هذا السياق، يقول فاي جيانغو Jiango Wei الذي شغل نائب وزير التجارة في الصين: "يمكنك أن تنظر إلى هذا الموضوع كما لو كان لعبة كرة السلة تحرص فيها الولايات المتحدة على السيطرة عليها، وعلى شروطها، من جهة مدة المبادرة، وساحة الملعب، وعلو السلة، وغير ذلك من الشروط التي تلائمها؛ من أجل إخراج الصين من اللعبة"، انظر:
  2. Financial Times, 4/ 11/ 2014. 10  Financial Times , 30/ 10/ 2014.
  3. Financial Times , 22/ 10/ 2014.

إنّ في التطورات السابقة الذِكر في المشهد الاقتصادي الدولي إرهاصات متعلّقةً برياح تغيير قوية تهبُّ على نظام النقد الدولي. وأحد الدوافع لقوة هذه الرياح هو يأس دول بريكس (الصين، والهند، وروسيا، والبرازيل، وجنوب أفريقيا)، وكبريات الدول النامية والناشئة الأخرى في العالم من إقناع الدول المهيمنة على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بضرورة العمل الجدي على تغيير نسق الحكمانية في مؤسّسات بريتون وودز، بطريقة تمنح قوَّةً تصويتيةً أكبر للبلدان النامية والناشئة، على نحوٍ يكون ملائمًا للوزن المتنامي لاقتصاداتها في مختلف أنحاء العالم. ولا يكاد يكون ثمَّة شك في أنّ الاقتصادات الناشئة هي حاليًّا قادة النمو الاقتصادي في العالم. فلقد بيَّنت أحدث دراسات صندوق النقد الدولي في استشراف الاقتصاد العالمي IMF Economic Outlook أنّ مجموع الناتج الوطني المتحقّق في أكبر سبعة بلدان من البلدان الناشئة، مقارنةً بالقوة الشرائية للدولار power purchasing parity، هو أكبر من مجموع الناتج الوطني المتحقّق في سبعة بلدان متقدمة تُعَدّ القائدة للاقتصاد العالمي؛ وهي كندا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. وفي هذا السِّياق أضحى قرار البلدان الناشئة إنشاء بنك للتنمية خاص بها مفهومًا، وكذلك إنشاء آليات لتوحيد احتياطاتها من العملات الأجنبية لتقليل اعتمادها على صندوق النقد الدولي في الأزمات. لقد أخذت دول بريكس دروسًا من تعامل صندوق النقد الدولي مع دول الاتحاد الأوروبي. ففي بداية الأزمة التي ألمَّت بالاقتصاد الأوروبي، استجاب صندوق النقد الدولي في البداية لطلبات المجموعة الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي، واضعًا برنامجًا للإنقاذ. لكنه ما لبث أن أخذ يتشدد في شروطه ولا سيما في ما يخص مديونية اليونان ومشكلاتها المصرفية، وأيضًا في ما يتعلق بالإصلاح الاقتصادي في الدول الأوروبية الأخرى. وقد أثبت هذا السلوك أهمية صندوق النقد الدولي الإيجابية من جهة، لكنه عمّق شكوك البلدان الناشئة في إمكان حصولها على القيمة اللازمة والكافية من قروض صندوق النقد الدولي من جهة أخرى، مقارنةً بقيمة الشروط التي ستفرضها عليها هذه المؤسّسة.

دول الخليج العربية وإص حاا الحكمان في الاقتصاد الدولي: التحدّيات والف رص

في آب/ أغسطس 2013، دُعيَ كاتب هذه السطور إلى المشاركة في مؤتمر في بيجنغ نظَّمه معهد شونغيانغ للدراسات Chongyang Institute for Financial Studies في المالية جامعة رينمين University  Renmin، وقدّم فيه مداخلةً بعنوان "تحديات التنمية في الصين ومجالات التعاون المالي عبر الإقليمي بين الصين وبلدان الخليج العربية والبلدان العربية الأخرى." وكان محور هذه المداخلة ضرورة تطوير مبادرة في المجال التنموي تكون موازيةً لمبادرة شيانغ ماي في المجال النقدي، وذلك بالسعي لإقامة بنك عبر إقليمي للتنمية يضمّ في عضويته دول شرق آسيا وجنوبها (الآسيان)، إضافةً إلى دول ثلاث هي: الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، من جهة، ويضمّ دول الخليج العربية، والدول العربية الأخرى في الشرق العربي وشمال أفريقيا، من جهة أخرى. ويكون هدف هذا البنك إعادة توجيه الفوائض المالية للدول الأعضاء نحو الاستثمار المباشر في هذه الدول وفي البنيات التحتية التي تربط بينها، وقد لاقت هذه الفكرة استحسانًا كبيرًا من المشاركين الصينيين في ذلك المؤتمر. إنّ التطورات التي شهدها عام 2014 ووصفناها آنفًا، تجعل الدول العربية عمومًا، ودول الخليج العربية خصوصًا، تواجه تحدّيًا تاريخيًّا لتحصين استقلالها السياسي والاقتصادي على الأمد الطويل واستدامته؛ وذلك من خلال قيامها بما يجب عليها من مسؤوليات تجاه شعوبها، وتجاه البشرية بحُكم ما استخلفها الله تعالى عليه من القسم الأعظم من مخزون الطاقة في العالم. وإنّ الاستجابة لهذا التحدي التاريخي لا تكون إلا بالانخراط في عملية إصلاح نسق الحكمان العالمي وتطوير النظام النقدي الدولي وفق مقتضيات المصلحة المشتركة لشعوبها والمجتمع الدولي بأجمعه. ثمّ إنّ محور الإصلاح والتطوير المطلوب، كما تقدم بيان ذلك، يتمثّل بخلق أوعية مؤسّسية ودعمها تعيد توجيه الفوائض المالية الضخمة المتحقّقة في موازين مدفوعاتها الخارجية نحو الاستثمار في عمران البلدان العربية خصوصًا، وعمران سائر بلدان العالم النامي عمومًا. ولا حاجة إلى تأكيد أنّ مردود هذا الاستثمار سيكون أكبر من ذلك المردود "الهزيل" (إن وجد) الناتج من تجميد تلك الفوائض في الأرصدة وسندات الدين المتاحة في الوقت الراهن. وعلى مستوى القرار السياسي العملي، يترتب على دول الخليج العربية النظر في ملاءمة انضمامها إلى بنك التنمية الجديدة وبنك الاستثمار في البنى التحتية الآسيوية كحدٍّ أدنى، والنظر إضافةً إلى ذلك، في تأسيس البنك عبر الإقليمي للتنمية بين البلدان الآسيوية والعربية كحد أعلى. وفي الحالتين يكون من أولوية الأهداف التنموية لذلك القرار الاستثمارُ في البنى التحتية وخدمات المرافق العامة، سواء ما يعالج منها تأكُّل هذه البنى والخدمات ونقصانها داخل تلك البلدان، أو ما

يُلبِّي الحاجات الإقليمية عبر القُطرية التي يتطلبها التعاون والتكامل الاقتصادي العربي لبلوغ أهدافه. وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى دراسة صدرت عام 2013 عن البنك الدولي بعنوان "البنى التحتية والعمالة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" تعطي توقعات لحاجة بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما فيها البلدان العربية، إلى البنى التحتية من أجل التنمية المستدامة، وتبحث في تأثير الاستثمار في تطوير البنى التحتية لتلبية الحاجات المتوقَّعة الناجمة عن النموّ الاقتصادي، وتوليد فُرص العمل للتعامل مع الأعداد الكبيرة من السكان الذين يُتوقَّع دخولهم سوق العمل خلال العقود المقبلة11. وتعرض الدراسة الآثار الإيجابية المباشرة لذلك الاستثمار في العمالة ولا سيما إذا رُوعي في تنفيذ هذا الاستثمار اعتماد التقانات الكثيفة الاستعمال لقوة العمل. وتعرض أيضًا الآثار غير المباشرة الطويلة الأمد في معدلات النموّ الاقتصادي ومستويات العمالة. وتشير توقعات الدراسة المذكورة إلى أنّ آثار الاستثمار في البنى التحتية الطويلة الأمد (المباشرة وغير المباشرة) في معدل النموّ الاقتصادي يُعبّ عنها بعامل مرونة يختلف من بلد إلى آخر، وفي بلدان المنطقة العربية12، تُقدَّر زيادة معدل النموّ الاقتصادي بنقطة مئوية واحدة (من %5 إلى %6 مثلً) تتطلب زيادة الأصول القائمة في البنى التحتية بنحو %8.713، ويتبع تلك الآثار أثرٌ في العمالة؛ إذ تُقدّر الدراسة أن زيادة نقطة مئوية واحدة على معدل النموّ الاقتصادي للمنطقة العربية على امتداد عشر سنوات تؤدِّي إلى إحداث نحو 9 مليون فرصة عمل جديدة، أو حوالى مليون فرصة عمل سنويًّا. وتُقدّر الدراسة أنّه لو حدث مثل ذلك الاستثمار خلال العقد الماضي، لترتبت عليه زيادة في معدل النموّ وفي عدد فُرص العمل الناتجة منه تفوق ما حدث فعلً بنحو %30. أمّا في المستقبل، فإنّ تكلفة صيانة البنى التحتية القائمة، وإعادة تأهيلها، وإنشاء البنى التحتية الجديدة، وفق متطلبات استدامة التنمية في هذه البلدان حتى عام 2020 تُقدَّر بنحو 106 مليار دولار، أو ما يعادل %6.9 من متوسط الناتج الوطني الخام لبلدان المنطقة خلال هذه الحقبة، على غرار ما هو موضح في الملحق الموالي14.

الملحقات

الملحق (أ)

حاجات الاستثمار في تطوير البنى التحتية للبلاد العربية إنّ الاستثمار في البنى التحتية يؤثّر تأثيرًا عميقًا في الأداء التنموي للاقتصاد. فمن جهة، تساهم الخدمات الناتجة من البنى التحتية؛ مثل الطرق، والمدارس، والمستشفيات، وأنظمة الاتصالات، وإمدادات الطاقة الكهربائية والمياه، وأنظمة الصرف الصحي، في الارتقاء بمستوى المعيشة، والإعداد التربوي للمواطنين، وتأهيلهم لسوق العمل.. إلخ. ومن جهة أخرى، يؤدّي تنفيذ مشاريع البنى التحتية إلى توليد فُرص عملٍ مصاحبة لمباشرة عملية التنفيذ، إضافةً إلى فُرص عملٍ مصاحبة للخدمات الناتجة من البنى التحتية. فإذا أخذنا الطرق والمواصلات مثالً، وجدنا أن رفاهية أيّ مجتمع ومستوى التنمية فيه يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بأنساق الحركة والانتقال الموضوعة في تصرفه، بالنظر إلى ما لهذه الأنشطة من أهمية في تقريب الأسواق وبيئات الأعمال؛ ومن ثمة تسهيل التجارة وتشجيع الاستثمار في ما بين مواقعها الجغرافية المختلفة. وعلى النقيض من ذلك يؤدِّي نقص البنية التحتية وتَدنِّ نوعيتها إلى الحدّ من الأنشطة الاقتصادية والمساهمة في تعميق حالة الفقر في المجتمع. فالطرق، وسكك الحديد، والمطارات، والموانئ، كلّها ضرورات حيوية من أجل حركة السلع والخدمات في ما بين المواقع، والأمكنة، والمواطن المختلفة. وتعتمد درجة مشاركة أيّ بلد في التجارة الدولية على نوعية البنى التحتية المتاحة لخدمة الموارد الاقتصادية لما لها من تأثير في تكاليف إيصال المنتوجات إلى طالبيها. وقد بيّنت دراسات البنك الدولي في هذا الشأن أنّ ارتفاع تكاليف النقل يشكل حاجزًا يحول دون التجارة الدولية أكثر من التعريفات الجمركية المطبّقة في أغلب البلدان. كما أشارت هذه الدراسات إلى القيمة الضخمة لحاجات الاستثمار في البنى التحتية خلال السنوات المقبلة، وليس ذلك لتلبية حاجات التنمية المستدامة في حدّ ذاتها فحسب، بل لتوفير فُرص عملٍ لأعداد هائلة من الشباب سيدخلون سوق العمل في هذه السنوات أيضًا. لقد أدَّى تخلّف نوعية البنى التحتية في البلدان العربية إلى تعويق التدفقات التجارية في ما بينها، ورفع تكاليفها وإحاطتها باللّ يقين، الأمر الذي ساهم في الحؤول دون بلوغ هذه البلدان ما تستحقه من مكانة في أسواق الصادرات؛ لأنها تفتقد حصتها الممكنة في أسواق الصادرات. وبالفعل، ثمّة ما يشير إلى أنّ المنطقة العربية فقدت حصتها في عدّة مجالات تصديرية بسبب انخفاض تنافسية بناها التحتية. ونتبيّ من خلال الجدول (أ - 1) والشكل (أ - 1) الرُتب

  1. Estache, A., et. al, Infrastructure and Employment Creation in the Middle East and North Africa (Washington: The World Bank, 2013).
  2. تضمّ أقطار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفق استعمال البنك الدولي، الأقطار العربية وإيران لا غير؛ لذلك آثرنا تسميتها "المنطقة العربية."
  3. المرجع نفسه، ص.xxiv
  4. يستند الملحق "أ" المتعلّق بحاجات الاستثمار في تطوير البنى التحتية للبلاد العربية إلى: Diogo Ives, et. al, "Infrastructure Investments in the Middle East and North Africa," Model United Nations Journal (2013), pp. 308 - 362; Estache, A., et. al. World Bank, Logistics Performance Index 2012: المصدر

التي تحتلها بعض البلدان العربية بمقياس نوعية البنى التحتية فيها، مقارنةً برُتب بعض البلدان المتقدمة اقتصاديًّا. لقد شهدت البلدان العربية، المصدرة للطاقة، خلال العقدين الأخيرين منذ التسعينيات، استثمارات كبيرةً في البنى التحتية ساهمت من دون شكّ، إلى حدّ بعيد، في التنمية الاقتصادية ورفع مستويات العمالة. وفي الوقت نفسه، كان ثمَّة تفاوت كبير، من الناحيتين الكميّة والنوعيّة، بين هذه البلدان في مستويات البنى

الجدول (أ -)1

نوعية البنى التحتية بمؤشر رقمي من 1 إلى 5الرتبة من أصل 155 بلدًاالبلد
3.8417الإمارات
3.2334قطر
3.2235السعودية
3.1439المغرب
3.0843البحرين
3.0745مصر
2.8854تونس
2.8261الكويت
2.6274اليمن
2.5484سورية
2.4891الأردن
2.41102لبنان
2.02139الجزائر
1.92146العراق
1.75152ليبيا
1.52154جيبوتي

التحتية المنجزة في كلّ بلد منها. ولا شكّ في أنّ هذا التفاوت ينعكس على تقدير حاجات كلّ بلد من خدمات البنى التحتية في المستقبل. ويبين الجدول (أ - 2) الحالة الراهنة للبنى التحتية المتاحة في أقطار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مقارنةً بمشرق آسيا والباسيفيك. كما يبين الجدول (أ - 3) الحد الأدنى من الإنفاق السنوي المطلوب في المكونات الرئيسة للبنى التحتية المادية على امتداد عشرة أعوام، ابتداء من عام .2005

أقطار أوروبا وآسيا
الوسطى ECA
دول مجلس التعاون لدول
الخليج العربية
*** GCC
الأقطار المصدرة للطاقة
** OEC
الأقطار المستوردة للطاقة
* OIC
القطاعات
169076183220كثافة شبكة الطرق المعبدة
(عدد الكيلومترات لكل 1000 كم2 من الأرض المستغلة)
1351538535كثافة الاتصالات الهاتفية
(المشتركون في خطوط الهواتف الثابتة والنقالة
لكل 1000 شخص من عدد السكان)
0.922.90.40.3سعة الطاقة الكهربائية المولدة
(مليون كيلو واط ساعة لكل مليون شخص)
غير متوافر988598اشتراكات الكهرباء
(نسبة السكان المنتفعين بالكهرباء)
94977993مياه الشرب
(نسبة السكان المنتفعين بالمياه النقية)
90998184الصرف الصحي
(نسبة السكان المنتفعين بالصرف الصحي)
المجموعدول مجلس التعاونالأقطار المصدرة للطاقةالأقطار المستوردة
لألطاقة
األقطاعات
45519
21492
21204
1143
1680
14453
3956
9461
75
960
22492
12088
9497
639
268
8575
5448
2246
428
452
الطرق والمواصلات
الطرق المعبدة
الطرق غير المعبدة
السكك الحديد
الموانئ
9287
2419
6868
1559
259
1300
4707
1464
3243
3021
696
2325
تكنولوجيا المعلومات والاتصالات
خطوط الهواتف الثابتة
خطوط الهواتف المحمولة
46103
41820
4283
17602
17139
463
18607
16467
2140
9894
8214
1680
الكهرباء
توليد الكهرباء
الكهرباء المنتفع بها
4908
1975
2934
647
190
457
2497
1040
1458
1764
745
1019
المياه والصرف الصحي
المياه
الصرف الصحي
105818342614830323254المجموع
%100%32%46%22حصة كل مجموعة من الأقطار
46786157862073910261الإنفاق في الاستثمارات الجديدة
59032184752756412992قيمة الصيانة

الملحق (ب) (الجداول الإحصائية)

2010200920082007200620052000السنة
الدولة
9258816373376700525143201936العالم بأسره
3093277924912432225320791217البلدان المتقدمة
616553844846426729992241719البلدان النامية والناشئة
2012201120102009200820072006السنة
الدولة
122-172-5071-225-171-17-جيبوتي
6972-5484-4504-3349-1415-4122635الأردن
5694-3468-1882-1244-2054-2875-1726-لبنان
1663-4859-7552-6741-4103-1605-1116-موريتانيا
9571-8000-3925-4971-4528-122-1411المغرب
5282-768680-3846-2256-2622-4605-السودان
00367-1030-472460920سورية
3773-3386-2104-1234-1711-917-619-تونس
2000-2205-691-713-764249913-فلسطين
1000-1029-1381-2565-1251-1508-206اليمن
36077-27835-23036-25764-16307-8699-3824-مجموع البلدان العربية المستوردة للطاقة
2012201120102009200820072006السنة
الدولة
29383247770560225729072187البحرين
79,20967,15736,95828,38460,23941,33045,312الكويت
8,31210,2635,871596–5,0192,4625,664عمان
61,58551,978-----قطر
7900067000-----الإمارات (الرقمان تقديريان)
164,764158,54566,75120,955132,32293,37999,066السعودية
395808358190-----مجموع بلدان مجلس التعاون
12,24717,69012,14640134,44030,63128,923الجزائر
295412612664881129-28440155192681العراق
238363192168019381357022851022170ليبيا
461432405198مجموع البلدان العربية المصدرة للطاقة
36077-27835-مجموع البلدان العربية المستوردة للطاقة
425355377363مجموع البلدان العربية
2012201120102009200820072006السنة
الدولة
94785104690193356231796445230398833314736مجموع دول بريكس
193139136097237810243257420569353183231843الصين
54246-52480-47273-24306-28192-155113621البرازيل
91471-62518-54516-26186-30972-8076-9299-الهند
714329727467452503841039357219392316روسيا
24069-13683-10117-11353-20110-20018-13745-جنوب أفريقيا