المساعدات الخارجية بين الأهداف الإستراتيجية، والفواعل والمؤثرات الداخلية في الدول المانحة
الملخّص
تناقش هذه الورقة قضية المساعدات الخارجية والأهداف الإستراتيجية التي تقف وراءها. وترى الورقة أنه مع اتساع خارطة الجهات المانحة وزيادة أنشطتها المختلفة، يصبح من البداهة وضع التساؤلات التالية: لماذا ت قدّم الجهات المانحة مساعداتٍ للدول الفقيرة؟ وما هي أهم أهداف هذه الجهات المانحة؟ بمعنى آخر، هل الدوافع الإنسانية هي المتحكمة في سلوكيات الدول المانحة؟ هل من دوافع وأهداف أخرى كبرى من وراء تقديم مساعدات للدول الفقيرة؟ ففي العديد من الدراسات الأدبية والتجريبية، تمّ بحث - وبعمق - هذه التساؤلات من خلفيات نظرية متعددة، وتمّ تقديم العديد من دراسات هذه الحالة في أماكن متفرقة من العالم، ولكن لا يوجد اتفاق حول أهم الدوافع والأهداف التي تحكم سلوكيات الدول المانحة في تقديم مساعدات خارجية للدول الفقيرة. تستمدّ هذه الورقة أهميتها من كونها محاولة للإجابة عن الأسئلة المثارة أعاه من خال وصف أهم الدراسات في حقلي التنمية الدولية والعاقات الدولية ذات الصلة، وتحليلها وقولبتها، ومن ثم، سيتم إبراز أهم مامح الجدل العالمي حول هذا الموضوع للقارئ والباحث العربي.
المقدمة
تبدو الخارطة العامة للجهات (المنظمات والبلدان) المانحة، متسعة جدًا. فعشرات المنظمات الدولية المتعددة الأطراف تعمل في أطار المساعدات الدولية، منها: البنك الدولي، وبنوك تنمية دول آسيا وأفريقيا، والبنوك الإسلامية، وبنوك الدول الأميركية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP()، والاتحاد الأوروبي...إلخ. هذا إضافة إلى نحو ثلاثين دولة لديها برامج مساعدات خارجية كبيرة جدًا ذات الصفة الثنائية، وتنقسم إلى ثلاثة أصناف أولها الدول المانحة التقليدية، والمتمثلة بالدول الغنية في شمال أميركا وأوروبا الغربية، واليابان، وثانيها الدول المانحة الجديدة، مثل الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط، والبلدان النامية "المتوسطة الدخل" مثل كوريا، وتايلاند، وتركيا، والبرازيل، ودول الكتلة الاشتراكية السابقة في أوروبا الشرقية، وأخيرًا الصنف الثالث متمثّلً بالبلدان الأكثر نشاطًا ملموسًا في مجال المساعدات الدولية في الآونة الأخيرة والفقيرة نسبيًا وهي الهند والصين.
ومع اتساع خارطة الجهات المانحة وزيادة أنشطتها المختلفة، يبدو لنا من البداهة وضع التساؤلات التالية: لماذا تُقدّم الجهات المانحة مساعداتٍ للدول الفقيرة؟ وما هي أهم أهداف هذه الجهات المانحة؟ بمعنى آخر، هل الدوافع الإنسانية هي المتحكمة في سلوكيات الدول المانحة؟ هل من دوافع وأهداف أخرى كبرى من وراء تقديم مساعدات للدول الفقيرة؟ في العديد من الدراسات الأدبية والتجريبية، تمّ بحث - وبعمق - هذه التساؤلات من خلفيات نظرية متعددة، وتم تقديم العديد من دراسات هذه الحالة في أماكن متفرقة من العالم، ولكن لا يوجد اتفاق حول أهم الدوافع والأهداف التي تحكم سلوكيات الدول المانحة في تقديم مساعدات خارجية للدول الفقيرة. وتستمدّ هذه الورقة أهميتها من كونها محاولة للإجابة عن الأسئلة المثارة أعلاه من خلال وصف أهم الدراسات في حقلي التنمية الدولية والعلاقات الدولية ذات الصلة، وتحليلها وقولبتها، ومن ثمّ، سيتم إبراز أهم ملامح الجدل العالمي حول هذا الموضوع للقارئ والباحث العربي. في هذا البحث النوعي، سيتمّ الاعتماد على أسلوب تقديم الحالات حسب النقاش المثار، وتدعيم ذلك ببعض الأمثلة الإحصائية من الدراسات السابقة، لتأصيل التحليل والوصف. وعليه، لن نستخدم منهج دراسة الحالة، ومن ثمّ تقديم دراسة حالة منفصلة. في حدود ما أعلم، إنّ موضوع هذا البحث لم ينل الاهتمام الكافي من المؤسسات البحثية العربية، على الرغم من أنّ معظم الدول العربية مُستقبلة للمساعدات الخارجية، وهناك دول عربية مانحة مثل دول الخليج المصدرة للنفط. وعليه، قد نكون وضعنا لبنةً على طريق بحثي، يفتح آفاقًا كثيرةً لمن يأتي بعدنا لإكمال المهمة، وخصوصًا أنّ هذه الورقة ستطرح العديد من المفاتيح البحثية، ليتسنّى للباحث وللعديد من الباحثين العرب تقديم الدراسات التطبيقية المستقبلية 1. سنركّز في هذه الورقة، على أهداف المساعدات الخارجية ذات الصفة الثنائية وسياساتها، والتي تُقدّم من دولة إلى أخرى، على أساس أن أهداف المساعدات التي تقدّمها المنظمات الدولية وسياساتها ذات الصفة المتعددة الأطراف، عادةً ما يتمّ تصميمها وتوجيهها وفق توجّهات الدول والحكومات المانحة، والتي هي في الأصل من أسَّس هذه المنظمات وأوجدها، كالاتحاد الأوروبي، وبنوك تنمية دول آسيا وأفريقيا، وغيرها من المنظمات المذكورة سابقًا. بدأ هذا المقال بتحديد مفهوم المساعدات الخارجية وبإيجاز، ثمّ قدّم وجهتي نظر مفاهيميتين متنافستين ومتُناقضتين في تبرير أهداف الجهات المانحة من تقديم المساعدات الخارجية للدول الفقيرة في إطارها الإستراتيجي، لأنّ الدول المانحة هي جزء من النظام الدولي الذي يخلق الحوافز والدوافع القوية الخاصة بالسياسة والسلوك الخارجي. وهذان المنظوران اللذان يحاولان وبشكلٍ خاص، شرح عملية صنع القرار في السياسة الخارجية، هما الواقعية السياسية، والنظرية البنائية. وتمّ في الجزء الثالث، تحليل أهم الفواعل والعوامل الرسمية وغير الرسمية داخل البلد المانح، وتعرّفنا إلى مدى تأثيرها في رسم سياسات حكومات الدول المانحة وتوجهاتها الخارجية، ومن ثمّ انعكاس هذا على مستوى فاعلية برامج المساعدات الخارجية في الدول المُستقبلة، وفي هذا الجزء، تمّ وضع نموذج مبسط، يظهر واقع التفاعل بين
الفواعل والمؤثرات الداخلية والدولية، وأخيرًا، اختتم المقال بخاتمة تتضمن أهم النتائج والتوصيات.
مفهوم المساعدات الخارجية
المساعدة الإنمائية الخارجية، كما هو معروف في عالم اليوم بالمساعدات الخارجية، قد تم وضع اللبنة الأولى لها في حفل تنصيب الرئيس الأميركي ترومان في 20 كانون الثاني/ يناير 1949. لقد اقترح الرئيس الأميركي الراحل برنامج مساعدات خارجية في النقطة الرابعة في خطاب التنصيب، مشيدًا بأهمية إتاحة الفرصة للدول النامية للاستفادة من التقدّم الحضاري والصناعي الذي تشهده بلاده. وجاء خطاب ترومان مركِّزًا على خطة مارشال التي أدارتها الحكومة الأميركية من عام 1947، والتي هدفت إلى إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. فقد أنشأ المجتمع الدولي، وخصوصًا الولايات المتحدة، مؤسسات التمويل الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) في عام 1945، للرد على طلبات المساعدة، ولسد الفجوة المالية في البلدان التي عانت من عجوزات مالية، والتي مزقتها الحروب في أوروبا وآسيا. وبعد الانتهاء من مساعدة الدول الأوروبية المتضررة من الحروب، كان التركيز وما يزال، على توسيع أنشطة مؤسسات التمويل الدولية، لتشمل الدول الفقيرة والنامية على مستوى المعمورة. ولم يستمر الأمر طويلً بعد إعادة الإعمار، حتى بدأت دول أوروبية غربية عديدة في بداية الخمسينيات من القرن العشرين، إضافة إلى الولايات المتحدة، بفتح برامج تنموية ثنائية ومباشرة مع الدول الفقيرة لمساعدتها، حتى وصل الرقم إلى نحو ثلاثين دولة، لديها برامج مساعدات خارجية كبيرة جدًا ذات الصفة الثنائية2. وبناءً على ما سبق، تُعرّف المساعدات الخارجية بأنّها جميع التدفّقات المالية الرأسمالية أو رؤوس الأموال والخدمات الحقيقية التي تُقدّمها الجهات المانحة في البلدان الغنية إلى الجهات المستقبلة أو المُتلقية في البلدان الأقل نموًا في العالم الثالث. وتتّسم التدفقات المالية والخدمات الخارجية بالتنوع، وتنقسم إلى التدفقات الرأسمالية الرسمية الثنائية، والمتعددة الأطراف. والتدفقات الثنائية الرسمية، هي التي تقدّمها الجهات الحكومية في الدول المانحة إلى الجهات المتُلقية في حكومات البلدان المسُتهدفة، أمّا تدفقات رؤوس الأموال المتعددة الأطراف، فهي التي تقدّمها المنظمّات المتعددة الأطراف، مثل البنك الدولي والأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي، إلى الجهات المستقبلة في البلدان المسُتهدفة، وكلا النوعين من التدفقات الرأسمالية الرسمية، يمكن أن يتخذ صورًا متعددة منها المنح، والقروض أو العطاءات التي تشبه المنحة3. وهناك من يعرّف المساعدات الخارجية من خلال أشكالها المختلفة، فهناك المساعدات الاقتصادية وتمويل التجارة، والمساعدات الخيرية، والمساعدات العسكرية والأمنية، والمساعدات السياسية. وتُعرف المساعدات الخيرية، بأنها جهود الجهات المانحة في محاربة الجوع والبؤس واليأس في الدول الفقيرة. وتُعرف المساعدات الاقتصادية، من حيث جهود الجهات المانحة في دعم سكان البلدان (المُتخلفة) اقتصاديًا لتطوير مواردها، وتهيئة الظروف الملائمة للنمو الاقتصادي المستدام لكي تكون مكتفية ذاتيًا. ويُنظر إلى المساعدات السياسية والأمنية والعسكرية من حيث برامج المعونات المُقدّمة من الجهات المانحة، والجهود المبذولة، لتحقيق الاستقرار السياسي في البلد المُتلقي، ما يقلل احتمالات نشوب صراعات وحروب، ودعم السلام وتعزيز الديمقراطية، والحفاظ على الاستقلال السياسي للمستعمرات السابقة للدول المانحة، وخلق مناطق النفوذ الجديدة للدول الغربية المانحة 4. بعد حوادث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، أصبحت الحرب ضد الإرهاب جزءًا من برامج المساعدات في بعض الدول الفقيرة، نتيجة إدراك الدول الصناعية المتقدمة (المانحة) ضرورة التعاون الوثيق مع حكومات هذه الدول لضمان الأمن العالمي، وخصوصًا، بعد تفهّم الجهات المانحة للمعادلة التي تربط بين انتشار الفقر وتفشي ظاهرة الإرهاب. وعليه، فإنّ استمرار الفقر يجعل البلدان الضعيفة تهديدًا للأمن العالمي بصورة متنامية. ولذلك، تمّ توجيه معظم برامج المساعدات وبصورة متزايدة نحو مواجهة تحديات التنمية، ومحاربة الفقر، ومن خلال تحقيق التنمية البشرية المطلوبة بواسطة برامج بناء قدرات المؤسسات الحكومية ورفعها، ومنظمات المجتمع المدني المختلفة في الدول المعنية5. ليس من السهولة إيجاد تعريف محدد لمفهوم المساعدات الخارجية. لقد تمّ تناوله من زوايا متعددة وخلفيات نظرية ومهنية مختلفة
ومتناقضة، وتمّ تقديم أشكال مختلفة للمساعدات الخارجية، وهذا بدوره يعكس الطبيعة المعقدة لأهداف الدول والجهات المانحة وتوجّهاتها، والتي تختلف وفقًا لاختلاف المحددات الداخلية والخارجية والدوافع التي تساهم في رسم سياسات الدول والجهات المانحة وبلورتها تجاه الدول والجهات المستقبلة للمساعدات والمعونات الخارجية.
الأهداف الإستراتيجية للجهات المانحة من منظوري الواقعية السياسية والنظرية البنائية
في الواقع، إنّ موضوع المساعدات الخارجية معقد للغاية، ويقع في تقاطع العديد من فروع العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، وبذلك يصعب على أي مهتم أو باحث في مجال المساعدات الخارجية، استخدام مدخل نظري محدّد لفهم كل الإشكاليات التي تتعلق أو ترتبط بتوجهات الدول المانحة وأهدافها في أطار المساعدات الخارجية. ولكن الهدف الرئيس من هذه الورقة، هو تقديم إجابة عن سؤال البحث: لماذا تُقدّم الدول المانحة المساعدات للدول المستقبلة؟ وكذا نُفسّ أهم أهداف الجهات المانحة ودوافعها ومصالحها الكامنة وراء تقديم مساعدات للدول الفقيرة أو المستقبلة، وهذا يقتضي اللجوء إلى بعض نظريات العلاقات الدولية التي تحاول وبشكل خاص، شرح دوافع الدول وتصرفاتها في عملية صنع القرار في السياسة الخارجية 6. إذا ما نظرنا إلى متن الأدبيات في العلاقات الدولية والمتعلقة بالمساعدات الخارجية، فإنّ هناك نوعين من الرؤى النظرية الأساسية ضمن العديد من الرؤى النظرية التي تحاول تفسير عمليات وضع محددات السياسة الخارجية للدول وتوجهاتها، هما الواقعية السياسية والنظرية البنائية. وهذان المنظوران، قد يوفران لنا بعض الاتجاهات النظرية لفهم بعض الديناميات التي تُحيط بقضية بلورة عمليات صنع سياسات المساعدات الخارجية وأهدافها وفاعليتها. ينظر هانز مورغنثاو وكينيث وولتز، من منظور الواقعية السياسية إلى الدول القومية أو حكوماتها، بصفتها جهات فاعلة وموحدة، وجزءًا من بنية النظام الدولي الذي يخلق حوافز قوية للتوجهات السياسية والسلوك الخارجي. وهذه الجهات تتصرف بعقلانية ردًّا على التحديات والفرص الناشئة في هذا النظام البنيوي. وعليه، يتمّ تحديد الخيارات السياسية أو الإجراءات لتحقيق أقصى قدر من الأهداف والغايات الإستراتيجية. ويفترض كينيث وولتز، أنّ أهداف الحكومات الإستراتيجية وغاياتها تبلور حجة مساعدة الذات في ظل نظام دولي يفرض التحديات، ومن ثمّ تحقيق المصالح الوطنية7. ينظر في المفهوم الكلاسيكي إلى المصلحة الوطنية على أنّ جميع الدول تسعى من أجل تعظيم قوتها بالمفهوم الواسع 8، أو من أجل حفظ أمنها القومي وصيانته9. في الوقت الراهن، تمّ توسيع مفهوم المصلحة الوطنية ليشمل التوجهات الخارجية التي تعتمدها الدول، والتي تتعلق مباشرة بالأهمية الإستراتيجية10، على الرغم من نسبية مفهوم الأهمية الإستراتيجية11. يبدو أنّ هناك توافقًا عامًا في الآراء بين أنصار هذه المدرسة الفكرية في أنّ المخاوف الاقتصادية والأمنية والعسكرية، تُ ثّل السمة المميزة لإدراك ما يسمّى المصالح الوطنية12. ويصف الكثير من الكُتاب ثلاثة افتراضات أساسية، يرتكز عليها منظور الواقعية السياسية، منهجًا لدراسة الدول الخارجية وممارستها، ووفقًا لتنظيرات هانز مورغنثاو وكينيث وولتز وغيرهم، وخصوصًا في ما يتعلق بالسياسات الدولية. الافتراض الأول، يرى الدول شخصيات اعتبارية، ومن ثمّ فهي في الأصل تتصرف كالأفراد. أمّا الافتراض
الثاني، يجادل بأنّ الدول تتسم بالعقلانية، وعليه، فهي تتصرف وفقًا لمصالحها الإستراتيجية، لذا، من البديهي أن تختار هذه الدول الخيار الأمثل بين الخيارات السياسية أو الإجراءات التي تحقق أقصى قدر من الأهداف والغايات الإستراتيجية. والافتراض الثالث، كما ذكرت سابقًا، فيؤكد أنّ هذه الأهداف والغايات الإستراتيجية، تُشكّل مفهوم المصلحة الوطنية العليا لأي دولة، وهذا المفهوم يفتح بابًا كبيرًا أمام فهم السياسات الدولية والحقائق التي ينبغي أن تُفهم، ولتعظيم شراكات الدول الإستراتيجية والتشغيلية والأهداف والغايات مع الدول الأخرى التي تُشكّل النظام الدولي. يمكن أن نستخلص أنّ تبرير مثل هذا الموقف على أنّ الدول جزء من النظام الدولي الذي يخلق الحوافز القوية الخاصة للسياسة والسلوك الخارجي، والعمل في المقام الأول على الاستجابة للتحديات والفرص الناشئة عن هذا النظام، في الطريقة التي يمكن أن تدرك في معظم الحالات المصالح الوطنية والذاتية العليا13. ومن الانتقادات التي توجّه إلى منظور الواقعية السياسية، صعوبة فهم المصالح الكامنة وراء عملية تحديد توجهات الدولة [أ] تجاه الدولة [ب]، وخصوصًا أنّ تلك المصالح غير معلنة في معظم الأوقات، وعليه، يصعب تلمسها في المعاهدات والتصريحات العلنية ومسؤولي السياسات الخارجية للدول وصانعيها. ومن ناحية أخرى، فغالبًا ما تكون هذه المصالح بين دول ذات شخصيات اعتبارية، وهذه المصالح ليست حصرية بصورة متبادلة بين طرفي المعادلة، ما يجعل من الصعب على أي باحث تحديد أي المصالح قد تكون أكثر تأثيرًا من غيرها في إطار العلاقات بين الدول14. وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة إلى منظور الواقعية السياسية، فإنّه يمكن القول: إنّ سياسات المساعدات الخارجية جزء لا يتجزأ من التوجهات الخارجية للدول المانحة في السياسات الدولية. ومنظور الواقعية السياسية يرى أنّنا لا نستطيع أن نفهم سياسات الخارجية والإستراتيجيات والأولويات ذات الصلة المساعدات، إلّ إذا أخذنا في الحسبان مصالح الجهات المانحة الوطنية. بعبارة أخرى، يتمّ تقديم المساعدات الخارجية على افتراض أنها تؤدي إلى عمليات تحقيق مصالح وطنية أخرى للدول المانحة أو تُسهلها 15. في المفهوم الكلاسيكي، قد تعكس المصلحة الوطنية الحفاظ على قوة الدولة وأمنها القومي. ومن ثمّ، يتمّ دعم الدول الُمتلقية للمساعدات، والتي تُ ثّل أهمية إستراتيجية بالنسبة إلى الدول المانحة. وكما ذكرت سابقًا، فمفهوم الأهمية الإستراتيجية نسبي، والمصالح الاقتصادية والمخاوف الأمنية والعسكرية تُشكّل السمة المميزة لحساب درجة الأهمية الإستراتيجية للدول المُستقبلة أو المتُلقية للمعونات والمساعدات16. ولذلك قد تكون أهداف الدول الإستراتيجية من إعطاء المساعدات الخارجية متمثلة في الآتي: المصالح الدبلوماسية ذات الصفة الأمنية والعسكرية، على سبيل المثال، إنشاء القواعد العسكرية في أراضي الدولة المُستقبلة للمساعدات، وقيام التحالف الأمني بين الدولة المانحة والمُتلقية الذي يتجلّ في اتفاقيات الدفاع العسكري المشترك، والتعاون الأمني في مكافحة الإرهاب، وتأمين الأصوات في الأمم المتحدة، ودعم النظام المفضل، وخصوصًا الأنظمة المُتبنية لعمليات التحول الديمقراطي. في الجانب الأمني والعسكري، تراعي الدول المانحة معايير عديدة، وذلك لحساب درجة تحقيق مصالحها القومية من تقديم مساعدات خارجية. ومن هذه المعايير، وجود تهديدات إرهابية وجماعات قد تخلّ بالأمن العالمي في الدولة المعنية، ومستوى القدرة والقوة العسكرية، وعدد أفراد الجيش مقابل نسبة المواطنين القابلين للالتحاق بالسلك العسكري في حالة التعبئة العامة الذين يسمّون قوات الاحتياط العام، ومعدل الإنفاق العسكري من إجمالي الدخل القومي الإجمالي في الدولة المعنية. كل هذه المعايير تحدد ما إذا كان البلد المُتلقي سيعدّ حليفًا إستراتيجيًا رئيسًا محتملً للدولة المانحة من حيث المصالح الأمنية والعسكرية17. من وجهة نظر الجهات المانحة، تأخذ المصالح الاقتصادية والتجارية في الحسبان القدرات والفرص المتاحة في البلد المُتلقي
للمساعدات، فعلى سبيل المثال، يمكن أن تكون الدولة المتلقية غنية بالمواد الخام المختلفة أو تُ ثّل سوقًا كبيرًا لمنتجات شركات الدول المانحة وسلعها، مع التركيز على الصادرات ذات المردود من النقد الأجنبي العالي. وهكذا، من الناحية العملية يمكن أن تُحدد المصالح الاقتصادية أيضًا وفقًا لحسابات مختلفة، منها نسبة الناتج القومي الإجمالي للبلدان المتلقية، ومستوى التبادل التجاري بين الدولتين المانحة والمُتلقية. ولذا، تُقاس كمية الواردات في صيغة نسبة مئوية من إجمالي صادرات البلد المانح إلى البلد المُستقبل18.
| قيمة الصادرات الهولندية بالريال اليمني | الموقع الهولندي بين أكبر 20 دولة مصدرة إلى اليمن | العام |
|---|---|---|
| 12.780 | 18 | 2003 |
| 12.500 | 20 | 2004 |
| 12.450 | 17 | 2005 |
| 7.228 | غير معروف | 2006 |
| 10.334 | غير معروف | 2007 |
| 80.100 | 7 | 2008 |
| 66.700 | 8 | 2009 |
| 116.600 | 4 | 2010 |
| 157.900 | 4 | 2011 |
| 218.500 | 2 | 2012 |
| 231.900 | 3 | 2013 |
| 926.992 مليون ريال يمني | الإجمالي |
وفي كثير من الدراسات، تظل المصالح التجارية والاقتصادية المحرك الرئيس لتوجهات المانحين في إعطاء المساعدات للدول المُستهدفة. ففي دراسة عملية، باستخدام بيانات إحصائية، للباحثين روبرت وكريستوفر كيلبي، تمّ بحث سياسة الولايات المتحدة في تخصيص المساعدات الخارجية ل 119 بلدًا من 1960 إلى 1997. وقد تمثّلت النتيجة الرئيسة لهذا البحث في أنّ الأهمية الإستراتيجية الأمنية، والأهمية التجارية، ودرجة التحول الديمقراطي، لها تأثير كبير في تخصيص المساعدات الخارجية للولايات المتحدة، على الرغم من وجود أدلة أقوى، تشير إلى أنّ الأهمية التجارية لها تأثير أكبر من عاملي الأهمية الإستراتيجية الأمنية ودرجة الديموقراطية19. وفي العلاقات التنموية بين هولندا واليمن مثال آخر، فالحكومة الهولندية لديها مصالح تجارية كبيرة في اليمن. والسوق اليمنية فتحت وتفتح أبوابها على مصراعيها لاستيراد السلع والخدمات من الأسواق الهولندية. وفي الآونة الأخيرة، شهد التصدير الهولندي إلى اليمن نموًا كبيرًا، وقفزت قيمة واردات اليمن من هولندا إلى 231.900 مليار ريال يمني في العام 2013، مقارنة ب 157.9 مليار ريال يمني في عام 2011، و 116.6 مليار ريال في عام 2010، وكذلك 66.7 مليار ريال في عام 2009، و 100.8 مليار ريال في عام.2008 ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي اليمني للإحصاء COS()، فإنّ هولندا تحتل المرتبة الثانية والثالثة بين أفضل 20 دولة مصدرة إلى اليمن في عامي 2012 و 2013 على التوالي. ووفقًا للبيانات في الجدول 1()، بلغ إجمالي قيمة صادرات التجارة الهولندية إلى اليمن نحو 927 مليار ريال يمني بين 2003 و 2013، أي نحو 5 مليارات و 793 مليونًا وسبعمائة ألف دولار أميركي، وبمعدل متوسط صرف الدولار مقابل الريال اليمني ب 160 ريالً يمنيًا للدولار الواحد، وتقع هولندا في صدارة قائمة مجموعة الدول الأوروبية الرئيسة التي تصدر المنتجات إلى اليمن، ونمت هذه الصادرات وبشكل ملحوظ في الأعوام الثلاثة الماضية20.
جدول)1(يبيّ قيمة الصادرات الهولندية إلى اليمن من 2003 إلى 2013 21
وتعدّ هولندا ثالث دولة مانحة لليمن، في مجال المساعدات الخارجية لليمن، إذ بلغ إجمالي مبالغ المساعدات الهولندية المختلفة إلى اليمن من 2003 إلى 2013 نحو 461.8 مليون دولار أميركي. ولو تمّ احتساب، وبشكل مبسط، ضرائب الصادرات التي تحسبها الحكومة الهولندية على مختلف السلع، لوجدنا أنّ نسبة الضرائب تصل إلى متوسط %16، وعليه، فإنّ إجمالي الضرائب المباشرة المحصلة من الصادرات إلى اليمن خلال الفترة المذكورة أعلاه نحو 926.992 مليون دولار، وهذا يعني أنّ هولندا أرسلت مساعدات (تنموية) إلى اليمن بنحو 50 % من إجمالي مبالغ الضرائب المباشرة والمحصلة في عملية التصدير
المباشر فقط؛ وهناك ضرائب أخرى، منها ضرائب الإنتاج وضرائب المبيعات...إلخ، ولكن، لسنا بصدد حساب هذه المستويات المختلفة من الاستقطاعات الضريبية على السلع المُنتجة بكل أنواعها والتي تُصدر فيما بعد، بل إنّ ما نريد تأكيده في هذا المثال البسيط عن واقع أكثر تعقيدًا، هو أنّ الأهمية التجارية – فعل - لها تأثير في درجة التعاون ومستواه بين الدول المانحة والدول المُستقبلة للمنح.
وهناك العديد من المصالح الأخرى تمّ طرحها في جدال العديد من الباحثين، وتندرج تحت مظلة المصالح الإستراتيجية للدول المانحة، منها المصالح الثقافية التي عادةً تهدف إلى تغيير الدين واللغة، أو القيم التي يُعتقد أنها تمثّل تهديدات بالعنف إلى الغرب. ويتمّ هذا من خلال البرامج الحوارية التي ترعاها حكومات الدول المُستقبلة للمعونات، والتي تهدف إلى تغييرات في التوجهات المغلوطة لدى بعض الجهات الإسلامية المتشددة والإرهابية، إضافة إلى برامج تبشيرية تدار عن طريق أطراف دينية مسيحية، تهدف إلى نشر المعتقدات الدينية المسيحية وخصوصًا في الدول الأفريقية الأشد فقرًا. والأمر لا يقف عند هذا الحد، إذ إنّ معظم الدول المانحة التقليدية كانت دول مستعمِرة، فهي تعمل بجدية من أجل الحفاظ على نفوذها في مُستعمراتها القديمة من خلال مدها بجميع أنواع الدعم، للحفاظ على هويتها الاستعمارية والقيم واللغة التي تمّ غرسهما إبّان حقبة الاستعمار. وهناك من يذهب أكثر ويقول إنّ الدول المانحة ترمي من خلال تقديم المساعدات الخارجية إلى خلق مناطق نفوذ ومُستعمَرات جديدة، وخصوصًا مع بروز ظاهرة التنافس الدولي حول مراكز النفوذ، وعودة الاستعمار، والتدخل المباشر، ولكن بطرق أخرى. مثال على هذا الجدال ما يحدث من تنافس بين الصين بصفتها دولة مانحة جديدة، وفرنسا بصفتها دولة مانحة قديمة وتقليدية، في مناطق النفوذ والمُستعمرات في دول غرب أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى22. فعلى سبيل المثال، ترتكز سياسة المساعدات الفرنسية الخارجية أساسًا على الإرث الاستعماري، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بسياستها الخارجية. إذ قدّمت فرنسا وتُقدّم كمياتٍ كبيرةً من المساعدات الإنمائية لمستعمراتها السابقة، وخاصة في غرب أفريقيا، شملت دوافع العلاقات الفرنسية ومحدداتها مع الدول الأفريقية المساعدات التنموية، والتجارة، والمساعدات العسكرية، والتعاون النقدي، بحيث تم ربط العملة الموحدة في غرب أفريقيا بالفرنك الفرنسي، ولكن في نهاية المطاف، تمّ فكّ هذا الارتباط عام 1994. وعمومًا، تعمل فرنسا من خلال برامج المساعدات الخارجية على وضع الكثير من التركيز على عنصري بناء الإنسان وهما التعليم والثقافة، مرتكزة على المعتقدات والثقافة الفرنسية، وذلك من أجل تغيير ثقافة الشعوب المستعمَرة، وتمّ هذا سواءً أثناء الاستعمار، أو بعد نهاية حقبة الاستعمار المباشر، وظهور قنوات متعددة (للاستعمار غير المباشر) ومنها قناة المساعدات الخارجية أو الإنمائية. وفي الوقت نفسه، تقلل برامج المساعدات الفرنسية أهمية مساعدة القطاعات الاقتصادية والإنتاجية والاجتماعية الأخرى، والتي يمكن أن تعظم القدرة الإنتاجية، وترفع قدرات اقتصادات البلدان المُستهدفة وتنتشلها من حالتي الفقر والبؤس23. ومن الجانب الآخر، تم تفسير المساعدات الخارجية من خلال عدسات النظرية البنائية. يرى المنظور البنائي أنّ مصدر إلهام سلوك السياسة الخارجية لا بد أن يكون المعايير، وليس المصالح الوطنية. ويتم تعريف هذه المعايير بالتطلعات المشتركة التي تستند إلى السلوك القيمي الملائم لدى من يملكون "السلطة"، ومدى قدرتهم على فهم الأعراف التي تضع معايير لما هو "حق" أو ما هو "خطأ" في التوجهات الخارجية للدولة مع الدول الأخرى24، وفي الوقت نفسه طبيعة الملاءمة في السلوك الخارجي لها ثوابتها وبنيتها الاجتماعية داخل الدول القومية25. في الواقع، تتجاهل الواقعية السياسية العوامل المحلية في صوغ توجهات السياسة الخارجية، في حين أنّ منظور النظرية البنائية
ينظر إلى العوامل المحلية بصفتها متغيرات وسيطة، لها تأثيرات في الحوادث والاتجاهات الخارجية وفي خيارات السياسة الخارجية للدول، وخصوصًا القيم والمعايير والثقافة السائدة في المجتمعات المعنية. ويركّز المنظور البنائي على السياقات الاجتماعية داخل الدول والحكومات المانحة، ويرى أنّها تشمل العديد من المنظمات التي تصنع السياسات الخارجية للدول، وفي الأصل، فإنّ هذه المنظمات ليست قوالب جامدة، وإنّ ا ترتكز على العنصر البشري، وهم الأفراد العاملون في تلك المنظمات، وهم يؤثّرون ويتأثّرون بالبيئة الاجتماعية المحيطة 26. كما يُ يّز المنظور البنائي بين اثنين من السياقات الاجتماعية التي تؤدي إلى نموذجين من المعايير في عملية صنع السياسات وتنفيذها. فمن جهة، هناك معايير تكون مشتركة على المستوى الدولي (المعايير الدولية)، ومن جهة أخرى، هناك التوقعات المشتركة والسلوك القيمي المناسب على مستوى المجتمع داخل البلدان المانحة (المعايير المحلية)، ومع ذلك يصعب الفصل بين المعايير والقيم الدولية، والمعايير والقيم المحلية، لأن كليهما متشابكان، وهناك عمليات متوازية من التأثير والتأثّر بينهما27. وبناءً على ما سبق، يرى أنصار المنظور البنائي أنّ توجهات المانحين وسياستهم، لا يمكن أن ترتكز كليًّا على أساس التوجهات الإستراتيجية ومنها المصالح السياسية والاقتصادية للدول المانحة كما بُيّ سابقًا، بل إنّ المعايير والقيم الإنسانية في مجتمعات البلدان المانحة، هي التي شكّلت وتُشكّل البنى الأساسية والرئيسة للسياسات الخارجية في دعم الدول الفقيرة ومساعدتها، لكسر مصيدة الفقر وتحسين مستوى معيشة الفقراء. وعندما تُقدّم الدول المانحة المساعدات فهذا ناتج أولً وأساسًا عن قلق أخلاقي وإنساني في محاربة الفقر في العالم، وهي مبنية على الأفكار والأعراف السائدة في مجتمعٍ ما، وثانيًا، هناك اعتقاد عالمي بأنّ السلام والازدهار على المدى الطويل لن يتحققا إل وفق نظام دولي وترتيبات تنموية عادلة، يكون فيها الجميع قادرًا على تحقيق التقدم المطلوب أو الوصول إليه28. وعلى الرغم من أنّ المنظور البنائي يقدّم لنا تفسيرًا للهدف المعلن من تقديم الدول الغنية مساعدات خارجية للدول الفقيرة، وهو الهدف الأخلاقي والقيمي والمعلن لمساعدة الفقراء والمحرومين في العالم، فإنّ هذا التفسير النظري لا يعكس الواقع العملي في سياسات المساعدات الخارجية وبرامجها. ذلك أنّ الكثير من الدراسات العلمية التي اعتمدت أمثلة تطبيقية من بلدان مختلفة في العالم، أثبتت وبكل صراحة أنّ الوازع القيمي والإنساني لا يحكم علاقات الدول في إطار المساعدات الدولية والخارجية، وإنّ ا يحكمها صراحة وكما وضّ حنا سابقًا، الأهداف والمصالح الإستراتيجية الوطنية للدول المانحة. وذهبت دراسات عديدة متعلقة بمستوى فاعلية سياسات الدول المانحة التنموية وبرامجها المختلفة في الدول النامية إلى أبعد من هذا، وقدّمت أمثلةً تطبيقيةً، تثبت أنّ المصالح السياسية والإستراتيجية والتجارية والثقافية والأيديولوجية في عملية إعطاء الدول المُستقبلة المساعدات، تُ ثّل جوهر مشكلة عدم فاعلية برامج مساعدات التنمية الخارجية. والدليل على ذلك أنّ الجهات المانحة لديها النية العالية لتحقيق هذه المصالح، ولديها القليل من الاهتمام في جرّ البلدان المتلقية للمساءلة في حالة عدم تحقيق أي نتيجة مثمرة من برامج المساعدات. ويسود شعور بعدم فاعلية المساعدات، وأنّ مصالح المانحين (الأنانية) غالبًا ما تعمل ضد الأهداف الإنسانية والتنموية من المساعدات، إضافة إلى إفساد نتائج برامج المساعدات ومشروعاتها، وهو ما يفضي في النهاية إلى الحد من فاعلية تدخلات المعونات الخارجية التنموية. وهنا أكّد العديد من الباحثين والمهتمين أهمية وقف برامج المساعدات الخارجية، لأنّها تؤدي إلى تدمير اقتصادات الدول الفقيرة الناشئة بدلً من مساعداتها. وهناك من ينادي بضرورة إصلاح منظومة المساعدات الخارجية برمتها لاستمرار تدفقها إلى الدول المُستهدفة. ويقتضي الأمر مراجعات جادة لطرق صنع سياسات هذه المساعدات وآليات تنفيذها29. وما يمكن أن نناقشه في نهاية هذا الجزء، هو أنّ المنظورين السابقين لم يشرحا بما يكفي التعقيدات التي تُحيط بأهداف المساعدات الخارجية للدول المانحة، وكيف تبلور وتصنع هذه الدول سياسات المساعدات الخارجية، وأنّ منظور النظرية البنائية تعمّق في طبيعة
العوامل المحلية وتأثيرها في سلوك الدولة الخارجي، لكن هذا المنظور غالبًا ما يعتمد على حقل السياسة المقارنة. وعلاوة على ذلك، فإن النظرية البنائية والواقعية السياسية تفتقران إلى أحد العناصر المهمة المتمثّل في أثر السياسة الداخلية في قيمة برامج المساعدات الخارجية التي يقدّمها المانحون للدول الفقيرة وطبيعتها، ومن ثمّ فاعلية هذه البرامج بشقيها التنموي والإنساني30. بل يمكن الجدال بأنّ هناك عوامل وفواعل رسمية وغير رسمية داخلية لها تأثير في بلورة طبيعة اختيار الأهداف الخارجية للدول المانحة وطريقته، من خلال عمليات تقديم المساعدات للدول الفقيرة، كما نوقشت هذه الأهداف سابقًا وفق منظوري الواقعية السياسية والبنائية في العلاقات الدولية.
الفواعل والمؤثرات الداخلية وفاعلية المساعدات
تقول لانكستر إنّ الطرق التي تُصاغ بها سياسات المساعدات الخارجية وإعادة صوغها ومراجعتها دوريًا غالبًا ما تتأثر بمجموعة متنوعة من القوى والفواعل السياسية المحلية والأجندات داخل البلد المانح. وقدّمت الكاتبة الإطار المفاهيمي الذي يُحدد أربع فئات متميزة من الفواعل المحلية، لها دور في بلورة دوافع السياسات التنموية الخارجية ومحركاتها وفاعليتها على المستوى المحلي كالآتي: الأفكار المشتركة على نطاق واسع في المجتمع المعني ذات الصلة بالمساعدات الخارجية. والمؤسسات السياسية. والمصالح التنافسية للسيطرة على مسار تقديم المساعدات الخارجية. والطرق التي تعتمدها الحكومات المانحة لتنظيم برامج المساعدات وإدارتها31. هذا الإطار المفاهيمي نفسه قد يكشف العلاقة بين القوى والفواعل المحلية وفاعلية برامج المساعدات الخارجية، ويقدّم فكرة مبسطة، توضح بقدر كاف أنماط التفاعلات بين القوى الداخلية والفواعل الرسمية وغير الرسمية داخل البلد المانح. ويعكس مزيدًا من التفاعل في المبادئ التوجيهية لسياسة المساعدات الخارجية للحكومات والجهات المانحة بوصفها جزءًا من النظام الدولي. كما يوضح الشكل نفسه الأهمية النسبية للفاعلين الرسميين وغير الرسميين في الدولة المانحة وبصورة تفاعلية ومتموجة، تحدد طبيعة عمليات وضع سياسات المساعدات الخارجية وتنفيذها32. وبمعنى آخر، يبيّ طبيعة العلاقة بين الفواعل المحلية في البلد المانح والمساعدات، وهو تحليل لواقع أكثر تعقيدًا، ويعرض مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة والعوامل، وعلى مختلف المستويات السياسية والإدارية، محليًا، في البلد المانح33. فعلى سبيل المثال، قد يكون هؤلاء الفاعلون إمّا أفرادًا، وإمّا منظماتٍ رسمية وغير رسمية، لديهم مصالح واهتمامات ذاتية في صنع عمليات المساعدات الخارجية أو تدخلاتها وتنفيذها في شكل معين. ولتلك الجهات، في الواقع، أهداف خاصة بها والمبادئ التوجيهية، والتي وراءها مخاوف خاصة، وبذلك تحاول التأثير في ما ينبغي القيام به، وكيف وأين ينبغي أن يتمّ ذلك. لهذه الجهات أهداف ومبادئ توجيهية فاعلة تتغير في كثير من الأحيان، ولديها دور في تشكيل تصرفات الحكومة المانحة خارجيًا مع الأعضاء الآخرين في النظام الدولي، وممارسة ضغط قوي مستمر على التقنيات والأساليب، جنبًا إلى جنب مع وكالات المعونات الثنائية ومتعددة الأطراف، والتي تدير تدخلات المعونات في البلدان المتلقية. وفي معظم الحالات، تنعكس جذور أهداف سياسة المساعدات الخارجية في طبيعة تركيبة القوى المحلية والأوضاع الداخلية في البلد المانح. وقد تحدد القوى المحلية في البلد المانح في المصالح الذاتية المتنافسة من أجل السيطرة على المعونات التي تقدّمها الدول الغنية والمانحة للدول النامية والفقيرة. وتُعرّف لانكستر الأفكار المشتركة ذات الصلة بالبلدان المانحة لتقديم المساعدات في إطارها المحلي وتمييزها وفقًا للإطار العالمي، وتراها قيمً مشتركة على نطاق واسع في أي مجتمع، وقد تكون مستندة إلى ثقافته والدين والأيديولوجيا في تحديد مفاهيم "الحق" أو "الخطأ"، و"الملائم" و"غير الملائم" في الحياة العامة والخاصة. تقول لانكستر إنّ وجهات النظر العالمية في مجتمع ما يمكن أن تؤثّر في المساعدات
الخارجية من خلال النظر في المسائل الرئيسة التالية: منظومة القيم الأساسية والسائدة في مجتمع ما والمتعلقة بالتزامات الأغنياء مساعدة الفقراء، ودور الدولة في الوفاء بهذه الالتزامات، وهل تؤثّر هذه الالتزامات في أهداف المساعدات الخارجية في بلدان مختلفة؟ وكيف تؤثّر وجهات النظر المشتركة والثقافة العامة في مجتمع ما حول الموقف الملائم للدولة في ظل وجود منظمات المجتمع المدني ذات الفعالية والفاعلية؟ وفي المقابل، ما مدى تأثير منظمات المجتمع المدني في عمليات رسم أهداف برامج المساعدات الخارجية وتوجهاتها؟ لقد اختبرت لانكستر هذه الحجة المفاهيمية من خلال العديد من دراسات الحالة، فعلى سبيل المثال، تجد أنّ قواعد التضامن الاجتماعي وقوانينها التي تدعم التقاليد الديمقراطية الاجتماعية في الدول الإسكندنافية وهولندا، سهلت بلا شك شعبية توجهات الحكومات في زيادة المساعدات الخارجية إلى البلدان النامية. وفي المقابل فإنّ التقليد الياباني في طبيعة العلاقة بين المجتمع المدني الياباني الضعيف مع دولة قوية أعاق تطوير برامج الإغاثة الإنسانية ومساعدات التنمية، وهمّش في ذلك دور المنظمات غير الحكومية في تقديم دورها المحوري وخصوصًا في مجال المساعدات الإنسانية34. لا جدال في أنّ هذه المعايير قد تتغير من حين إلى آخر في ظل التغيرات الاقتصادية والاجتماعية المستمرة. ومثال ذلك هولندا الآن، خاصة أنّ التوجه العام في المجتمع الهولندي حول قضية إعطاء مزيد من المعونات إلى الدول المُستهدفة قد تغيّ خلال الفترة القصيرة الماضية عمّ كان عليه سابقًا. وحدث هذا نتيجة عوامل عديدة، أهمها الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة وتداعياتها على المجتمع الهولندي، وبروز اليمين المتطرف على الخريطة السياسية في البلاد، وتعاظم شعبيته، جعلت وجوده مؤثّرًا في البرلمان. وبناءً على هذا، في عام 2011، خفضت الحكومة الهولندية مساعداتها الخارجية السنوية للدول الفقيرة بنحو النصف. إنّ ما أودُّ إبلاغ القارئ به هو أنّ القيم المشتركة للمجتمع الهولندي قد تغيّ ت، وحصلت أحزاب اليمين المتطرفة على نسبة عالية من الأصوات في الانتخابات البرلمانية الهولندية عام 2010،
مقارنة بالانتخابات في العام الذي سبقها أو في الوقت الراهن، وهذه الأحزاب ترفض تمامًا فكرة المساعدات الخارجية35. في عام 2013، قدّمت هولندا 4.28 مليارات دولار أميركي للمساعدة الإنمائية الرسمية، وهو ما يمثّل %0.675 من الدخل القومي الإجمالي (الناتج القومي الإجمالي)، وهكذا انخفضت المساعدات الرسمية الهولندية دون الالتزام %0.7 في عام 2013 أول مرة منذ عام 1975، بسبب التخفيضات في الموازنة العامة للدولة، وخصوصًا أنّ هذه التخفيضات جاءت استجابة للعوامل الخارجية والداخلية المثارة سابقًا، ويوضح الرسم البياني (شكل 2()) واقع ميزانية المساعدة الإنمائية الرسمية الهولندية من 2003 إلى 2013، مقترنة كنسبة مئوية من الدخل القومي الهولندي الإجمالي يبدو جليًا أنّ المساعدات الهولندية الرسمية الخارجية قبل العام 2010، لم تتأثر إذ حافظت على نحو %0.8 من الناتج القومي الإجمالي. ولكن تغير الوضع تمامًا بعد ذلك، إذ قررت الحكومة مرتين الحد من ميزانية المساعدة الإنمائية الرسمية والتخلي عن هدف %0.7 بداية من عام 2013، ونتيجة لذلك ستهوي ميزانية المساعدة الإنمائية الرسمية في غضون فترة زمنية قصيرة من %0.81 في عام 2010 إلى %0.55 في عام 2017 36:
جدول)2(مؤشر انسياب المساعدات الخارجية الهولندية من 2013 إلى 2017
| 2017 | 2016 | 2015 | 2014 | 2013 | السنة |
|---|---|---|---|---|---|
| 3.72 | 3.85 | 3.75 | 3.63 | 4.28 | المساعدات مليار دولار |
| 0.55 | 0.59 | 0.58 | 0.58 | 0.67 | نسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي |
إنّ المتابع للشأن الداخلي في هولندا سيجد أنّ عملية طرح موضوع تخفيض ميزانية المساعدات الخارجية الرسمية في البرلمان كانت محل جدل واسع ومتواصل بين القوى السياسية اليمينية الوسطية والمتطرفة من جهة، والقوى اليسارية المعتدلة والمتطرفة من جهة أخرى. وانتصرت في الأخير أحزاب اليمين، وتبعت هولندا الدول الأخرى في خفض ميزانية المساعدات الخارجية عن الالتزام العالمي للدول الغنية والمحدد من الدخل القومي الإجمالي للدول المانحة الغنية. هناك التزام إنساني عالمي من الدول الغنية في تخصيص النسبة المئوية %0.7 من دخلها القومي الإجمالي لمساعدة الفقراء في العالم، وعلى الرغم من هذا الالتزام الأخلاقي العالمي، فإنّ معظم الدول لا تتقيد بمجمل الاتفاق، مثل الولايات المتحدة الأميركية التي قدّمت فقط ما يعادل %0.19 من الدخل القومي الإجمالي للمساعدات الإنمائية الرسمية 2013))، ولا تلتزم دول كثيرة هذه الاتفاقية العالمية أيضًا، مثلما حدث عام 2013 مع العديد من الدول كبريطانيا %0.56، واليابان %0.17، وإيطاليا %0.13، وكندا %0.32. إنّ معظم الدول المانحة لم تصل مساعداتها الخارجية في العام نفسه إلى %0.7 من الدخل القومي الإجمالي ماعدا دول مثل لكسمبورج %0.100، والسويد %0.97، وأخيرًا الدنمارك %0.83. هناك من يجادل بأنّ قيمة الدخل القومي قد تختلف كثيرًا بين الدول المانحة المختلفة، فقيمة الدخل القومي الإجمالي في الولايات المتحدة قد تفوق نظيرتها في دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة، وبذلك قد لا تكون النسبة المذكورة أعلاه المعيار في تحديد إجمالي قيمة المساعدات، وقد يكون هذا الجدل صحيحًا، ولكننا أمام تعهّد أخلاقي عالمي على جميع الأطراف التزامه37. وفقًا للانكستر، فإنّ المؤسسات السياسية في البلد المانح عادةً هي التي تضبط قواعد "اللعبة السياسية"، وهي التي تحدد من الذي يضع للحكومات أجندة السياسات ومشاريعها وبرامجها، وهي التي لها حق في الوصول إلى صناع القرار والذين هم عادة من يختار ويصنع السياسات، ومن له حق الاعتراض على القرارات العامة. تجادل لانكستر أنّ العديد من المؤسسات السياسية التي تؤثّر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في عملية تقديم المساعدات مثل قواعد التصويت أو القواعد الانتخابية38. وهناك نظام سياسي يقوم على التصويت ويضمن للأقلية طرح قضاياها وبسهولة، بما في ذلك مسألة المساعدات، في جدول الأعمال السياسي الوطني كما هو عليه الحال في نظام سياسي يقوم على التصويت بالأغلبية. وذلك أنّ أحزاب الأقلية يمكن أن تضع القضايا المختلفة في مقامها الملائم على جداول الأعمال الوطنية مثلً ثمنًا للانضمام إلى ائتلاف سياسي معين. وثمة عامل آخر، وهو طبيعة النظام الحاكم؛ نظام الحكم البرلماني مقابل الرئاسي، وخاصة في دور المجالس التشريعية في كلٍ من النظامين. ففي الأنظمة البرلمانية، السلطة التنفيذية تفرز من البرلمان وتعتمد عادة على أغلبية حزبها أو على الائتلاف الحاكم
في البرلمان للبقاء في السلطة، ونتيجة لذلك، فإنّ المجالس التشريعية في الأنظمة البرلمانية لديها ميل إلى دعم السياسات الحكومية، بما في ذلك سياسات المعونات الخارجية. خلافًا للأنظمة الرئاسية، وخصوصًا عندما تكون الأغلبية في البرلمان من طرف سياسي واحد والرئيس ينتمي إلى طرف سياسي آخر، في هذا النظام يميل أعضاء البرلمان لانتقاد السياسات التنفيذية للحكومات بما في ذلك سياسات المساعدات الخارجية، وتلك الانتقادات بدورها يمكن أن تعمّق الشكوك العامة حول فاعلية المساعدات الخارجية وملاءمتها39. ومن المثير للاهتمام ما بحثه تينغلي في طبيعة توجهات الولايات المتحدة وسياساتها التنموية في الدول المُستقبلة، وتوصّل الباحث إلى نتيجة أساسية مفادها أنّ النظام السياسي المحافظ ذا الصبغة اليمينية في الولايات المتحدة يعمد إلى إعطاء المزيد من المساعدات إلى الشركاء التجاريين، في حين يختلف هذا الأمر بالنسبة إلى النظام السياسي الليبرالي في الولايات المتحدة الذي يعطي أولوية للدول المحتاجة أو الأشد فقرًا. ويشير هذا الوضع إلى أنّ لوبي الشركات العملاقة والذين ينتمون الى النظام المحافظ يعمدون إلى مساعدة الدول الأكثر ثراءً ربما نتيجة لعاملين هما أسواق التجارة أو الجغرافيا السياسية والسكانية. وتوصّل إلى النتيجة نفسها الباحثان فييلك وكيلبي في دراستهما دور السياسة الداخلية في الولايات المتحدة في تخصيص المساعدات الخارجية وباستخدام بيانات المساعدات الأميركية إلى 119 بلدًا بين 1960 و 1997، فعندما يكون الرئيس والأغلبية في الكونغرس من الليبراليين، تلقى الاهتمامات والعوامل الإنمائية ومعايير الإنسانية المزيد من الوزن في عملية تخصيص المساعدات الخارجية للدول المعنية. وعندما يكون الرئيس وتكون الأغلبية في الكونغرس من المحافظين، يكون وزن المصالح التجارية أكبر في تخصيص المساعدات الخارجية للدول المعنية40. قدّم جان فيليب ونويل دراسة عملية حول تأثير الأحزاب السياسية في سياسات انسياب المساعدات الخارجية ودرجته في 16 دولة مانحة. وكانت النتيجة الرئيسة لهذه الدارسة متوافقة مع ما توصّل إليه الباحثان فييلك وكيلبي، من أنّ الأحزاب والحكومات اليسارية والأحزاب المسيحية تعمل على تقديم مزيد من المساعدات لعوامل إنسانية، وهذا أكثر كثيرًا مما تقدّمه حكومات الأطراف اليمينية، والتي تعتمد كليًا على حسابات مصالح الشركات وأصحاب النفوذ الذين هم في الغالب ينتمون إلى يمين الوسط واليمين المتطرف. وتنطبق هذه النتيجة أيضًا على حالة الائتلافات الحاكمة المختلفة وعلاقاتها بمستوى المساعدات الخارجية وفاعليتها، وهذا ما يسمّى الائتلافات اليمينية واليسارية41. وما يهمنا أن نوضحه أكثر، هو أنّ التغيرات في الأيديولوجية السياسية المحلية في الدول المانحة، وهذا من خلال اتجاهات وتقلبات في الرأي العام42، تبرز في الانتخابات وحصول أي اتجاه أيديولوجي على الأغلبية في مؤسسة الرئاسة أو البرلمان، يعمل على إدخال وبانتظام تغييرات في التوجهات الخارجية للحكومات، ومن ضمنها سياسيات المساعدات الخارجية، ومستويات المعونات الخارجية، وطبيعة برامج المساعدات الخارجية وأهدافها، وكيف تتم إدارتها. وهذا بدوره يخلق تقلبات كبيرة في طبيعة برامج هذه المساعدات، وخصوصًا أنّ حجم هذه التقلبات وتأثيرها بالطبع مسألة تجريبية ومفتوحة، وخاصة في حالة وجود صراع أيديولوجي بين مؤسسات صنع السياسات الخارجية كما شُح سابقًا، وعليه يُعدّ هذا الوضع سببًا من الأسباب الرئيسة في عدم فاعلية المساعدات الخارجية43. قد يكون للرأي العام تأثير مباشر في الضغط على الحكومات في اعتماد سياسات متعددة ومختلفة وفقًا لتوجهاته ومدى انسيابه نحو قضية معينة، ومع ذلك هذا غير موحد في كل الدول، حتى وإن كانت بعض الدول تمتاز بمستوى عال من المنظومة الديمقراطية في الحكم. لقد أثبت أوتر أنّ مستويات الدعم العام والمساعدات الخارجية ترتبط إيجابيًا في الولايات المتحدة والدنمارك، وترتبط سلبيًا في أستراليا واليابان، وليس لها أي ارتباط وعلى الإطلاق في كندا. فالطريقة التي يتمّ من خلالها صنع العمليات التنموية في الدول المانحة وإدارتها، لها تأثير في تحديد مستوى فاعلية المساعدات الخارجية، ومن حيث المبدأ لا يوجد نموذج إداري معين يُتّبع في جميع الدول المانحة، ففي بعض الدول قد يكون هناك منظمة إدارية مختصة يوكل إليها القيام بهذه المهمة أو وزارة التعاون الدولي، وفي البعض الآخر قد تشترك مجموعة من الوزارات في إدارة العمليات والتدخلات التنموية في الدول المُستهدفة. ومن المنظور السياسي البيروقراطي، من المنطقي أن تكون المؤسسات الحكومية في حد ذاتها جهات فاعلة من الناحية السياسية، وعليه، ستكون معرّضة لضغوط جماعات الضغط في تحقيق مصالحها الخاصة. هذه المؤسسات الحكومية لديها قواعد وقوانين تنظم
عملها، ولكن في معظم الأحيان لا يتمّ اتباعها، فتخلق هذه المؤسسات تحالفات مع جماعات المصلحة الخاصة على المستوى المحلي أو مع المنظمات غير الحكومية الدولية التي تربطها معها مصالح مباشرة. لذلك لا يكون غريبًا أن تجد بعض الدول تُحدد بعض المنظمات، والتي تسمّى المقاولين، لعمل دراسات أو تنفيذ مشروعات المعونات في البلدان المتلقية، وهم أنفسهم جماعات المصالح وهم جزء من التوليفة أو عندهم شبكة علاقات مع هذه الجهات الحكومية المعنية. وهذه الحالة تمثّل خطورة أكبر عندما تكون هناك منظمة واحدة فقط في الدولة المانحة مختصة في رسم سياسات المعونات الخارجية وتنفيذها، سيكون لها قدر كاف في تكييف الأهداف بما يخدم المصالح غير المعلنة لكل من الفاعلين الرسميين وغير الرسميين المرتبطين بهذه المنظمة مباشرة أو بصورة غير مباشرة، جماعات المصلحة أو الضغط مثلً44. أضف إلى ذلك دور الحكومات المحلية والكيانات شبه الحكومية مثل اللجان الاستشارية والمنظمات غير الحكومية التي تدعمها الدولة والتي لديها إمكانية الوصول إلى صانعي السياسات، ومن ثمّ يمكن أن تؤثّر في صنع سياسات المساعدات الخارجية، ويتمّ تقديم العديد من النهج التنموية التي تتوافق مع أهدافها وتوجهاتها الخاصة. وتنقسم هذه المؤسسات شبه الرسمية وغير الرسمية إلى ثلاث فئات رئيسة: الفئة الأولى تضمّ جماعات المصالح والمؤسسات التجارية مثل مجموعات المنتجين الزراعيين وغرف التجارة وجمعيات الأعمال أو المؤسسات الفردية التجارية والمصانع والمؤسسات الانتاجية الكبرى. وفي كثير من الأحيان تَعدُّ هذه الفئة من المؤسسات شبه الرسمية وغير الرسمية المساعدات وسيلة لزيادة أسواق صادراتها أو وسيلة لتعزيز فرص حصولها على المواد الخام التي تشتد الحاجة إليها. لذلك تعمل الحكومات المانحة على إلزام الحكومات المُستقبلة بالترويج لصادراتها ولضمان زيادة مبيعات المنتجات الأجنبية في البلاد المستقبلة للمنح، فضلً عن السماح لجماعات المصالح المذكورة آنفًا باختراق الأسواق المحلية وتعطيل الرأسمال المحلي، وخصوصًا شركات القطاع الخاص ومنتجاتها التي غالبًا لا تضاهي المنتجات الأجنبية جودةً، وهكذا يتم تعطيل القدرة الذاتية للإنتاج المحلي في الدول الفقيرة. الفئة الثانية تضمّ جماعات المصالح العامة التي تدعم مساعدات الإغاثة والتنمية، وتضمّ في طياتها منظمات مثل حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحماية الطفل، ورعاية الأسرة، والأمومة والطفولة، وتنظيم الأسرة، وحماية البيئة...إلخ. الفئة الثالثة تضمّ الجماعات التي تهتم بمساعدات المؤسسات المماثلة في الدول المستقبلة للمساعدات مثل النقابات ومنظمات المجتمع المدني، والكنائس، والجامعات، والمجتمعات اللغوية والشبكات غير الرسمية من النفوذ45. وبناءً على ما سبق، أصبح وجود مؤسسات الدول المانحة على الأرض مربكًا للغاية، ويتضمن فوضى عارمة لا تقل عن الفوضى الإدارية والسياسية في معظم الدول المستقبلة للمساعدات. ذلك أنّ مجموعة واسعة ومذهلة من الوسطاء أو المقاولين من الباطن، خاصة من المنظمات السابقة الذكر، هم الذين ينفّذون برامج المساعدات الخارجية ومشاريعها، الأمر الذي يقتضي اتفاقات فردية مع الحكومة المستفيدة من هؤلاء المقاولين من الباطن وبالنتيجة أهدافًا وأساليب عمل متنوعة، والمصالح المتنافسة في ما يتعلق بتوظيف الموظفين المحليين، والحفاظ على الوصول الآمن إلى الوزراء ذوي الأهمية في الدولة المُستفيدة من أجل ضمان تعاون وقبول مستقبلي. حتى أصبح الأمر جليًّا لدى الجهات المُستقبلة في صعوبة السيطرة والتنسيق بين الجهات والمنظمات المنفذة للمشاريع أو المقاولين من الباطن سواء عن طريق الحكومات المانحة وسفاراتها أو حكومات الدول المستقبلة للمعونات والجهات المستفيدة مباشرة46. في الجانب الآخر، وقد أدّى تزايد عدد الجهات الفاعلة في التنوع ليس فقط في الطرق التي يتمّ بها تصور إصلاح الدول الفقيرة، ولكن أيضًا في عدد وافر من السياسات التنموية المتناقضة، وإستراتيجيات التنفيذ المتنافسة التي يتمّ اعتمادها لتنفيذ مشاريع المساعدات الخارجية وبرامجها.
الخاتمة
وفي الختام، قدّم هذا المقال فهمً تحليليًا ووصفيًا مختصرًا للعوامل والفواعل والأهداف التي تُشكّل التوجهات وتحددها، وترسم سياسات المساعدات الخارجية لدى الدول المانحة. جزء من هذه الأهداف مستقى من طبيعة التفاعلات الدولية، وهو عبارة عن ردة فعل الدول المانحة تجاه الوضع الدولي القائم الذي يخلق الحوافز القوية الخاصة للسياسة والسلوك الخارجي، والعمل في المقام الأول
على الاستجابة للتحديات والفرص الناشئة عن هذا النظام بالطريقة التي يمكن أن ندرك بها في معظم الحالات المصالح الوطنية والذاتية. ومن جانب آخر هناك فواعل وعوامل رسمية وغير رسمية في الدول المانحة، لها تأثير كبير في صنع سياسات الدول المانحة التنموية وتنفيذها في الدول المستهدفة، وخصوصًا أنّا توصّلنا إلى أنّ سياسات المساعدات الخارجية وإعادة صوغها ومراجعتها دوريًا (غالبًا ما تتأثر) من خلال مجموعة متنوعة من القوى والفواعل السياسية المحلية والأجندات داخل البلد المانح. وبعبارة أخرى، الأكثر أهمية بالنسبة إلينا في هذا الجانب أنّه لا يمكننا فهم طبيعة السياسات وأولوياتها، والإستراتيجيات، والبرامج التنموية ذات الصلة بالمساعدات، ومن ثمّ فاعلية برامج المساعدات الخارجية، إلّ إذا أخذنا في الحسبان أهداف البلد المانح وغاياته الإستراتيجية الناتجة عن التأثيرات والتعقيدات المحلية والدولية. توصلنا أيضًا إلى أنّ الأهداف الإنسانية من تقديم المساعدات الخارجية ليست الحافز الأقوى في مساعدة الدول الفقيرة، وإنمّا هناك أهداف ومصالح سياسية واقتصادية وأيديولوجية تحكم العلاقات الثنائية في إطار سياسات المساعدات الخارجية وبرامجها. وينطبق هذا على جميع الدول المانحة سواءًالدول المانحة التقليدية مثل دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة، أو الدول المانحة الجديدة مثل الصين والهند والبرازيل. وتفتح هذه النتيجة الباب أمام دراسة مستقبلية لطبيعة توجهات السياسات التنموية وأهدافها التي تتبنّاها الجهات المانحة المتعددة الأطراف وكذا الجهات المانحة ذات الطابع الخاص. يمكن تقديم توصية أساسية تتعلق بمشاريع المساعدات الخارجية وبرامجها، إذ لا بد أن تعمل وتصب كل جهودها في محاولة إنجاح عمليات تعزيز التنمية في البلدان المُتلقية. وعلى الدول المانحة التقليل من الفوائد والأرباح الأنانية المرتبطة ببرامج المساعدات الخارجية، ومحاولة جعل الهموم التنموية الهدف الأسمى، بل المحرك الإنساني من مساعدة الدول الغنية الدول الفقيرة. وينبغي للجهات المانحة أن تكون قادرة على فرض شروط الإصلاح على البلدان المُتلقية وخصوصًا الحكومات المترهلة منها، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلّ عندما تحُجّم الأهداف الإستراتيجية، ويكون تأثير شبكات المصالح داخل الدول المانحة محدودًا نسبيًا، ومن ثمّ تكون التنمية الحقيقية هي الهدف الإستراتيجي، ما يؤدي إلى التنمية والنمو الاقتصادي في البلدان المتلقية. يبقى السؤال الذي سيظل محور الاهتمام هو التالي: هل تنجح الدول المانحة في تحقيق التنمية الاقتصادية، وإحداث تغييرات في المجتمعات المستهدفة، في ظل استمرارها في تغليب مصالحها الذاتية وتبجيل مصالحها الإستراتيجية على الهدف الإنساني المتمثّل في المساهمة وبفاعلية في تحقيق تنمية حقيقية في الدول الفقيرة؟