التجمع اليمني للإصلاح: المشهد الراهن

عصام القيسي

الملخّص

يعتقد علماء اللسانيات المعاصرون أن لا وجود لمعن ى تامٍ وثابتٍ للفظةٍ مفردةٍ خارج سياقها. فالسياق - سياقا المقام والمقال - هو الذي يمنح اللفظة معناها الوظيفي الآني في الجملة اللغوية. وهذا الرأي الذي قد يبدو متطرف ا يهدف إلى القول بأنّ المعنى المُ عجمي لل فظةِ يظل معن ى أوليًا ناقصًا، لا يكتمل إلا بوجوده في عبارة تامّة. وكذلك هو الحال في مجال الدلالة السياسية؛ إذ لا يمكن منح الفعل السياسي المفرد - والمحدود - معنّى سياسيًا من دون وضعه في سياقه التام. والفعل السياسي حينئذٍ هو بمنزلة "الدال " السياسي في مدلوله الذي يبحث التحليل. قصدنا بهذه المقدمة القول إنّ تحليل السلوك السياسي لحزب التجمع اليمني للإصاح وتأويله، منذ سقوط العاصمة صنعاء بيد المليشيات الحوثية في 21 سبتمبر 2014 وحتى الآن، لن يكون منتِجًا ما لم نرجع قليا إلى الوراء للكشف عن الخلفية التاريخية والاجتماعية للصراع بين تجمع الإصاح وخصميه الرئيسين: الحركة الحوثية ونظام علي عبد الله صالح، بوصف الطرفين عنوان الصراع الراهن في اليمن.

الخلفية التاريخية والاجتماعية للصراع

من الشائع في الأوساط اليمنية القول إنّ النواة الصلبة لحزب الإصلاح تتشكّل بصورة أساسية من أبناء محافظة تعز ذات الكثافة السكانية العالية؛ تلك التي كانت تصنّف يومًا ما بأنها مناطق شافعية المذهب. أما النواة الصلبة للحركة الحوثية وجماعة صالح فتتشكّل بصورة أساسية من أبناء الهضبة الشمالية التي كانت تصنَّف بأنها زيدية المذهب1. وهو قول لم يأتِ من فراغٍ، ولا يحتاج إلى دليلٍ أقوى من دليل المشاهدة العيانية لكوادر هذا الطرف أو ذاك؛ إذ على الرغم من أنّ التعددية السياسية التي شهدها اليمن بعد الوحدة)1990(قد تجاوزت حدود التقسيم المناطقي والمذهبي، فإنها لم تفلح تمامًا في تغيير شروط الواقع الاجتماعي والتاريخي التي صنعت هذا التقسيم. فقد ظلت آثار الشعور بالاختلاف بين أبناء المنطقتين باقية حتى في ظل أكثر التحولات مدنية بعد الوحدة. ويعود هذا – على الأرجح – إلى شعورٍ عميقٍ لدى أبناء منطقة تعز2، وغيرها من المناطق ذات الانتماء غير الزيدي، بأنهم حرموا – منذ مئات السنين – من حق الشراكة في السلطة السياسية على الأقل؛ وهي السلطة التي ظلت بيد أبناء الهضبة الشمالية قبل قيام الحكم الجمهوري 1962() وبعده. ويقابله شعور راسخ لدى أبناء الهضبة الشمالية بأنّ السلطة – وتجسدها جميع عناصر القوة المادية – حق أزلي لا يجوز لطرفٍ آخر التفكير في منازعتهم فيه. ولذلك، إنهم دائمو البحث عن زعامة سياسية تحافظ على هذا الميراث (الحق)، ليصطفوا خلفها اصطفاف المحاربين. وكان الرئيس السابق علي عبد الله صالح مدركًا تمامًا – مثل جميع رجال السياسة والثقافة في اليمن – هذه الأبعاد والحقائق. وبدلً من وضع إستراتيجية مناسبة للتخفيف من آثارها في الحياة السياسية والاجتماعية في اليمن، فقد سعى لتوظيف هذه الحقائق والتناقضات لمصلحة مشروعه السياسي قصير الأجل المتمثل في بقائه على رأس السلطة، ومشروعه السياسي طويل الأجل المتمثل في توريث الحكم والدولة لنجله أحمد. وكانت الإستراتيجية البديلة تقضي بأن يُدفع بأبناء الهضبة الشمالية للالتحاق بالسلكين العسكري والأمني، لتشكيل أغلبية كافية للسيطرة عليهما، بحيث يجعل رزقهم تحت ظل هاتين المؤسستين في المقام الأول، في حين يُخلى الطريق واسعًا أمام أبناء محافظة تعز للسيطرة على المجالات المدنية3. فكان أغلب طلاب مناطق تعز يتجهون بعد تخرجهم من الجامعة أو الثانوية إلى التخصص في مجالات الطب والهندسة والتعليم والتجارة والإدارة، والمجالات المهنية الفنية. وفي المقابل تتجه أغلبية أبناء الهضبة الشمالية إلى الالتحاق بمؤسسة الجيش أو الأمن.

وكان رأس النظام يحقق بهذا التقسيم غير المعلن أكثر من هدف، فهو من ناحية يمتص الاحتقان المقدر لدى أبناء تعز بسبب حرمانهم من المشاركة في السلطة السياسية العليا وصناعة القرار، بل يمنحهم أيضًا شعورًا "فوقيًا" بالتميّز في مجالات الثقافة والفكر والتباهي بحمل المشروع المدني، في مقابل حملة "الكلاشنكوف" و"القلب الميت" من أبناء الهضبة. ومن ناحية أخرى، وهذا هو الأمر الأكثر أهمية، فقد كان الرئيس السابق يرتّب لتأسيس جيشٍ خاصٍ يحمي مشروعه وبقاءه في السلطة، بحيث تكون نواته الصلبة من أبناء الهضبة التي ينتمي إليها، لضمان الولاء المطلق، وتحاشي الخيارات الانقلابية، التي جرّب نارها من قبل على أيدي ضباط من أبناء محافظة تعز إبان صعوده إلى سدة الحكم. وهو ما نجح في تحقيقه إلى حدٍ بعيد4. عندما فُتحت أبواب التعددية الحزبية والسياسية في اليمن عقب إعلان الوحدة، ظهر إلى العلن تنظيم الإخوان المسلمين تحت مظلة سياسية هي مظلة التجمع اليمني للإصلاح الذي ضمّ عناصر أخرى مقربة من أيديولوجيا الإخوان السياسية والفكرية. وقد جاء هذا الحزب محملً بالكثير من أدبيات الإخوان وثقافتهم، وهي في كثير

  1. لم يعد هذا التقسيم مستساغًا لدى أغلبية اليمنيين، بعد أن جرت في الحياة السياسية والفكرية في اليمن مياه كثيرة منذ عام 1962، إلا أنّ هذا التقسيم يستخدم بصورة غير رسمية
  2. مع أنّ محافظة تعز مكونٌ واحدٌ من مكونات مختلفة في المنطقة الشافعية، فإنها تعد أبرز مكون فيها، بسبب الكثافة السكانية التي تتمتع بها، والتأثير الكبير في مجريات الحياة السياسية والثقافية. 3 الحكم هنا باعتبار الأغلبية ولا يقصد به الشمول والإطلاق.
  3. وغير أكاديمية للدلالة على مناطق جغرافية مختلفة.
  4. من مظاهر نجاحه في تأسيس هذا الجيش، ما نراه اليوم من التفاف لقوات الحرس الجمهوري حول صاحب النظام السابق في مواجهة "عاصفة الحزم" ثم "إعادة الأمل"، على الرغم من أنه لا يتمتع بصفة رسمية لقيادته.

من عناصرها تتناقض جوهريًا مع الثقافة التي رسّختها "الزيدوية"5 الإمامية في أبناء الهضبة الشمالية على مدى قرون. ولعل أبرز ما قامت عليه الأيديولوجيا "الزيدوية" ثلاثة أقانيم غير معلنة، يعرفها الراسخون في السياسة والعلم، وإن لم يجهروا بها: الأول، هو أقنوم الحق الأزلي في السلطة السياسية (الرئاسة تحديدًا.) والثاني هو القول - بلسان الحال - إنّ الرجولة الحقيقية والرجال الحقيقيين هم أبناء هذه المناطق، ولذا فإن أغلبيتهم تأنف ممارسة بعض الأعمال ذات الطابع الخدمي. والثالث، يتمثل في حرص أبناء هذه المناطق على بقاء التقسيم التراتبي للمجتمع اليمني إلى أعراق وفئات؛ فالناس منقسمون إلى قبائل وبطون، وهناك داخل القبائل والبطون تقسيم على أساس المهن، وتحول مع الزمن إلى تقسيم عرقي6. لقد جاء حزب الإصلاح بثقافته الإخوانية ليمسّ هذه الأقانيم المقدسة بسوء. وهو ما يعد عند مراكز النفوذ التي توظف هذه الثقافة لمصلحتها اعتداء يستحق المواجهة. وكانت أولى طلائع المواجهة قد جاءت من "الهاشمية الإمامية"؛ ذلك الفصيل الذي شعر بغريزته السياسية القوية خطورة الثقافة الإخوانية على مستقبله السياسي. وقد حدث ذلك قبل إعلان الوحدة والتعددية الحزبية، وأثناء تحالف الإخوان مع صالح لمواجهة الحزب الاشتراكي بعد الوحدة، واستمر بالتوازي مع الحملة القوية التي شنها صالح وأجهزة استخباراته، بعد فك ارتباطه مع الإخوان إثر انتصاره في حرب 1994، واستحواذه على السلطة والجيش.

إنّ ثقافة الإصاح التي قامت على مبدأ العدالة والمساواة هي النقيض الخصم للأيديولوجيا الزيدية بأقانيمها الثلاثة. وهي التهديد الوجودي – من ثم – لمشروعي صالح والحوثي "الملكيين." وهو ما يفسر الحضور الضعيف للإصلاح في هذه المناطق، وحضوره الواسع في المناطق ذات الثقافة المدنية والمستوى التعليمي الجيد. ولا شك أنّ لضعف الخطاب السياسي والأيديولوجي الذي تبناه حزب الإصلاح دورًا إضافيًا فاعلً في ما يعانيه الحزب من مشكلات، أثرت في أدائه السياسي في الفترة الأخيرة تأثيرًا سلبيًا، وانعكس على المشهد السياسي اليمني برمته.

الإصلاح: رقبة لأكثر من سيف

كان حزب الإصاح موعودًا في عام 2011 بأخطر حدث سياسي واجتماعي في تاريخه مع انطلاق "ثورة فبراير" ضد نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، فقد وجد نفسه مضطرًا، ليس إلى الانخراط فيها وحسب، وإنما لتحمّل القسط الأكبر من أعبائها المادية والسياسية والتنظيمية والاجتماعية. فهو أكبر الأحزاب اليمنية المعارضة، وأقدرها على التعبئة والتنظيم والإنفاق. وعلى الرغم من الوعود الوردية التي حملتها الثورة لأصحابها، فقد حملت تهديدات ومخاوف كبيرة على مستقبل هذا الحزب؛ فإلى جوار الخوف من فشل الثورة وعواقب هذا الفشل على الحزب والبلد والخوف من نشوب حرب أهلية باهظة التكلفة ماديًا وأخلاقيًا لا يحتملها الإصلاحيون وإمكاناتهم، كان الحزب أيضًا يخشى انكشاف أبعاده العسكرية، أو شبه العسكرية، إذا ما اضطر إلى خوض معركة مع النظام السابق لحماية الثورة. وهو الذي ظل ينفي طوال الوقت أن يكون حركة ذات أبعاد عسكرية مليشاوية، ويؤكد بإصرار هويته المدنية وخياراته الديمقراطية. إلا أنّ رياح التغيير قد جرت على غير ما تشتهي سفنه، فقد نجح النظام في جره إلى مربع الاقتتال في أكثر من منطقة وإن بصورٍ غير رسمية. وعندما وضعت المواجهة المسلحة أوزارها - وفقًا للمبادرة الخليجية - وتحوّل الصراع من الخنادق إلى الفنادق في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، كانت بعض دول الإقليم – لأسباب خاصة - قد حسمت أمرها ضمن حربها على ثورات الربيع العربي ضد تجمع الإصلاح بوصفه فرعًا من تنظيم الإخوان المسلمين الدولي. والتقت هذه الرغبة الإقليمية مع رغبات قوى محلية كثيرة أبرزها: النظام السابق، وجماعة الحوثي و- إلى حد ما - الحزب الاشتراكي اليمني، الذين أجمعوا – بدرجات متفاوتة ومظاهر مختلفة - على عداوة الإصلاح لأسباب سياسية وأيديولوجية متشابهة. وقد دلت قرائن عدة على وجود تنسيق - مباشر حينًا وغير مباشر حينًا آخر – بين هذه الأطراف الإقليمية والمحلية للعمل على

  1. فضلنا اسم "الزيدوية" للدلالة على الثقافة التي خلفتها فترة الزيدية الإمامية في اليمن، تفاديًا لما قد يسببه مصطلح الزيدية من لبس مع الفكر الزيدي، كما عرف في أدبيات الملل والنحل.
  2. للتوسع في هذه الموضوع انظر كتاب: قائد نعمان الشرجبي، الشرائح الاجتماعية التقليدية في المجتمع اليمني (بيروت وصنعاء: دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، ومركز الدراسات والبحوث اليمني،.)1986

هدفٍ واحدٍ هو إسقاط التجمع اليمني للإصلاح، الذي أصبح رقبة لسيوف عديدة. وقد مضت الخطة إلى أهدافها بنجاحٍ نسبي ساعد عليه تواطؤ دولي دلت عليه قرائن كثيرة؛ منها حالة التراخي الأممي تجاه تجاوزات الحوثي وصالح الانقلابية على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وكذلك المخالفة لمقررات حقوق الإنسان في المواثيق والعهود الدولية كتهجير أبناء المناطق من أراضيهم، وتفجير بيوت الخصوم السياسيين، وما شابهها. وقد ظهر ذلك التواطؤ بالصمت جليًا عندما اقتحمت مليشيا الحوثي العاصمة صنعاء في 21 أيلول/ سبتمبر 2014، من دون أن تغلق السفارات أبوابها، أو تبدي أي مظاهر تخوف من القادم المدجج بالسلاح!

النص والخروج على النص

كثيرة هي المؤشرات التي دلت على وجود تنسيق من نوع ما بين خصوم الإخوان المسلمين المحليين والإقليميين، بغرض جرّ حزب الإصلاح إلى مواجهة مع الحوثيين يلقى فيها مصرعه. وكانت حرب دماج هي باكورة الحروب الاستدراجية له. ولعل هؤلاء كانوا يرجحون أنّ الإصلاح – الذي خرج من المواجهة مع صالح سالمًا غانمًا – لن يسكت عن استهداف الحوثيين لإخوانهم في منطقة دماج. إلا أن استجابة التجمع خيبت آمالهم وآمال السلفيين معًا؛ إذ لم يشارك في هذه المعركة - بصورة رسمية على الأقل - على الرغم من أنّ انتهاكات الحوثي في دماج قد بلغت حدًا لم تعرفه اليمن في عصرها الحديث؛ إذ أقدموا - بعد أشهر من المعارك مع السلفيين - على تهجير هؤلاء الأخيرين من ديارهم إلى حيث استقر بهم المقام في العاصمة صنعاء. وهو ما دفع حلف الثورة المضادة إلى التفكير في نصب كمين أكثر إحكامًا وإغراءً للإصلاح، فكانت معركة عمران.

كانت عمران بمنزلة المعركة التي لا يسع الإصلاحيين إلا خوضها؛ فتهديد الحوثي لعمران يعني تهديدًا لكل عناصر القوة المادية للحزب. فعمران هي: أولً، عاصمة قبيلة حاشد، أقوى القبائل اليمنية التي يرأس مشايخها الشيخ الإصلاحي صادق الأحمر. وثانيًا، يوجد فيها أكبر الألوية العسكرية الموالية للثورة وللواء علي محسن الأحمر، حليف الإصلاح في المؤسسة العسكرية. وثالثًا، هي بوابة صنعاء التي إن سقطت فكأنما سقطت العاصمة. ورابعًا، أنّ سقوطها بيد الحوثيين سيكون بمنزلة تطويق لقبيلة أرحب، ذات الأغلبية الصلبة الموالية لتجمع الإصلاح، ومسقط رأس الشيخ الإصلاحي الكبير عبد المجيد الزنداني. لقد كان النص المتفق عليه يقضي بأن يتوقف الحوثي عند حدود عمران، بعد أن يحقق الأهداف المرجوة من غزوته، وها هي الأهداف قد تحققت على أكمل وجه؛ فقد سقط اللواء العسكري 310 بأيديهم، وقتل قائد اللواء (حميد القشيبي) بطريقة بشعة - بعد أسره على الأرجح - وتم تفكيك نفوذ آل الأحمر في القبيلة، بعد معارك دامية شارك فيها الإصلاحيون بصورة حقيقية لكن غير معلنة. وبهذا يكون النص قد وصل إلى نهايته المتفق عليها، لولا أنّ الحليف السري والفعّال في هذه المواجهة صاحب النظام السابق (علي صالح) كان له رأي آخر. لقد اتخذ الرجل قرارًا "شمشونيًا" - دفعه إليه حقده على خصومه المحليين - يتمثل في وضع ثقله العسكري والحزبي بيد الحوثيين، أو بتعبير أكثر دقة في يد إيران؛ وهو ما اتضح جليًا في مشاركة قطاعات من الحرس الجمهوري – الجيش الذي صممه لحمايته وحماية مشروعه في توريث السلطة – في معارك عمران ومعركة صنعاء. وهو الأمر الذي عدته المملكة العربية السعودية بمنزلة طعنة غادرة في خاصرتها ممن كانت تظنه حليفًا خسرت في سبيله حلفاء آخرين كانوا أكثر منه إخلاصًا وصدقًا، أعني أسرة آل الأحمر؛ الحلفاء التقليديون للمملكة! وهو الخطأ الذي سيدفع صالح ثمنه غاليًا في ما بعد.

سقو ط صنعاء: صفعة واحدة لكل الوجوه

لقد قرأ الإصلاحيون التساهل الدولي تجاه سلوك الحركة الحوثية المستفز وخروجها على مقررات التوافق الوطني في وثيقة مؤتمر الحوار الوطني الشامل على أنه شكل من أشكال التواطؤ لغرضين اثنين هما: جر الطرفين إلى مستنقع الاقتتال، ثم وضع أحدهما أو كليهما تحت البند السابع للعقوبات الدولية. ولعل هذا يفسر عدم جدية هذا الطرف (تحالف الإصلاح) في خوض معركة الدفاع عن صنعاء وانسحابهم منها بسرعة. لقد كان الإصلاحيون يدركون جيدًا

أنّ التعويل على الجيش الوطني في الدفاع عن العاصمة ليس من الحكمة في شيء؛ لسبب بسيط هو عدم وجود جيش وطني يمني بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما هو جيش عائلي لا يمكن الاعتماد عليه! لكن، ما دام تحالف الإصلاح يدرك ذلك، فلماذا دخل تلك المواجهة المحدودة في معركة الدفاع عن صنعاء؟ لعل أقوى المقولات التفسيرية لما حدث هي تلك التي تقول إن هذا الطرف قد سعى من خلال هذه المواجهة البسيطة لتحقيق غرضين اثنين على الأقل: الأول، تسجيل موقف تاريخي يقول إن تحالف الإصلاح هو الطرف الوحيد - تقريبًا - الذي حاول الدفاع عن الجمهورية ومشروع الدولة الديمقراطية في مواجهة المشروع الحوثي الذي يمثل مشروع الدولة الإمامية الثيوقراطية. والآخر هو كشف التحالف السري – إلى ذلك الحين - بين نظام صالح والحركة الحوثية. وهو التحالف الذي حاول الطرف الأول تحديدًا إخفاءه بحرصٍ حتى لا ينكشف دوره في تمكين المشروع الإيراني أمام دول الخليج؛ إذ لم يكن هدفه الحقيقي – على الأرجح - هو تمكين هذا المشروع بقدر ما كان يهدف إلى الانتقام من خصومه الذين أسقطوا عرشه، ووضع دول الخليج أمام خيارٍ وحيدٍ لمواجهة الحوثيين والمشروع الإيراني وهو خيار دعمه في العودة إلى السلطة، بوصفه القادر الوحيد في اليمن على دحر هذا المشروع!

وما كان لهذا التحالف بين صالح والحوثي أن ينكشف لو لم يظهر الإصلاحيون خلال الأشهر المنصرمة - عبر الإشاعة - استعدادهم للدفاع عن العاصمة صنعاء؛ إذ لم يكن في وسع الحوثيين وحدهم مواجهة الإصلاحيين ومن معهم من قوى الجيش المتوقعة بقيادة اللواء علي محسن الأحمر. ولعل هذا هو ما يفسر الزيارة الغامضة للواء محسن إلى مقر قيادة الفرقة الأولى مدرع في 21 أيلول/ سبتمبر 2014؛ أي في يوم سقوط العاصمة بأيدي الحوثيين. لقد كان هناك لغرضين اثنين فقط هما: تسجيل موقف مشرف في الدفاع عن العاصمة، ورصد إحداثيات القصف المدفعي والصاروخي على مقر الفرقة. وبخصوص هذا الأخير فقد خرج بنتيجة معروفة تقول إنها إحداثيات القصف نفسها في عام 2011؛ ما يعني أنّ المعسكرات الموالية لعلي صالح هي التي تخوض المعركة جنبًا إلى جنب مع الحوثيين، وهذه هي النتيجة التي كان يريد للمملكة العربية السعودية أن تفهمها7! لقد كان جميع خصوم الإصلاح يراهنون على معركة صنعاء لتقويض هذا الحزب، بمن فيهم بعض أحزاب اللقاء المشترك التي رعاها الإصلاح طوال فترة المعارضة لنظام صالح. حتى إنّ رئيس حزب كبير – من أحزاب اللقاء المشترك - كان يطمئن أصحابه المتخوفين من الحالة الحوثية بالقول: "لا تخافوا إنها مجرد تصفية للإصلاح واللواء محسن!" لكن الإصلاح خيَّب طموحات خصومه مرةً أخرى. فقد انسحب من المواجهة، وربما سعى لتفاهم غير معلن مع الحوثيين لتسليمهم العاصمة من دون مقاومة، بشروط تتعلق بأمن الإصلاح وسلامة أفراده8. وبهذا يكون الإصلاح قد وزع الصفعة الجديدة على الجميع بالتساوي!

الإصلاح: حزب مدني بالضرورة

خلال عامي 2013 و 2014، حصدت قيادة التجمع الكثير من سخط كوادر الحزب الشابة على وجه التحديد، بسبب ما عدّه الشباب أداءً سياسيًا وإعلاميًا هزيلً، ومسلكًا خضوعيًا تجاه الحوثيين غير مقبول. وقد تجلى هذا السخط في مظاهر كثيرة: منشورات ساخرة على صفحات التواصل الاجتماعي، ومقالات في الصحف، وأحاديث مجالس ... إلخ. وقد بلغ السخط ذروته عندما أقدمت مجاميع منهم – بعد سقوط صنعاء - على تطويق مقر الأمانة العامة للحزب، وأغلقت بوابته؛ رفضًا لاستمرار الحزب في الحوار مع الحوثيين. كما ظهرت مطالبات عديدة بإجراء تغيير في قيادة الحزب التي وصفت بالغبية والمرتعشة خوفًا على مصالحها الخاصة! وقد تابعت قيادة

  1. مقابلة أجراها الباحث مع شخصية مقربة من اللواء علي محسن الأحمر.
  2. هناك حدث ذو دلالة في هذا الشأن، هو أنّ الإصلاح قد وقّع اتفاقًا سريعًا مع الحوثيين – عقب دخولهم صنعاء مباشرة - يقضي بحقن الدماء بين الطرفين وعدم ارتهانهما لأي طرف أجنبي. ولعل هذا الاتفاق المفاجئ يكشف في الأيام القادمة عن مقدمات وأسرار تتعلق بسياسة الإصلاح ورؤيته لمسار الأحداث في المنطقة؛ إذ يبدو أنّ قيادة الحزب تحتفظ بالكثير من أسرار المرحلة!

التجمع هذا الحراك النقدي بكثيرٍ من القلق الذي بدا واضحًا في منشور أمين عام التجمع محمد اليدومي في صفحته على "الفيسبوك"؛ دعا فيه الإصلاحيين للتماسك والاعتصام، ونبههم إلى طبيعة المخاطر التي يمر بها الحزب والبلد، وما شابه ذلك من الخطاب التقليدي الذي لم يجد إلا المزيد من السخرية والنقد لدى كوادر الحزب. لقد كشفت الأحداث منذ عام 2011 وحتى الآن نقاط ضعف كثيرة وكبيرة في الأحزاب السياسية اليمنية، وفي مقدمتها حزب الإصلاح نفسه. ويمكن للمراقب أن يرصد مظاهر عديدة لنقاط ضعف هذا الحزب على مختلف المستويات السياسية والإعلامية والمؤسسية، منها على سبيل المثال: غياب الرؤية الإستراتيجية والعمل المؤسسي للحزب اللذين ظهر أثرهما بوضوح في أداء الحزب داخل أروقة مؤتمر الحوار الوطني؛ إذ على الرغم من نجاحهم النسبي في الخروج من المؤتمر بأقل الخسائر المتوقعة، فإنّ الحزب بدا فقيرًا في ما يخص الرؤى المستقبلية تجاه القضايا المصيرية المطروحة على الطاولة. فلم يكن لديه رؤى علمية مفصّلة لمسائل خطيرة كالفيدرالية، والنظام الانتخابي للدولة الاتحادية، و– من قبل ذلك - لمواجهة الثورة المضادة ... إلخ. وكان غياب مراكز الدراسات الإستراتيجية والتنبؤ بالمستقبل عن اهتمامات الحزب دليلً كافيًا على غياب التخطيط الإستراتيجي والرؤية العميقة للحزب. وإذا كانت قيادة الإصلاح قد التزمت الصمت تجاه موجة النقد العارمة التي وجهها المجتمع من ناحية وكوادره الشابة من ناحية أخرى، فإنها تستطيع اليوم أن تباهي بنجاحها في الخروج بالحزب من أكبر الفخاخ التي نصبت له؛ أعني فخ الحرب الأهلية مع تحالف الحوثي وصالح. فعلى الرغم من أنه قد خسر – خلال اجتياح الحوثيين لعمران وصنعاء - عناصر القوة العسكرية والقبلية لديه، ممثلة في نفوذ مشايخ آل الأحمر، وسقوط الفرقة الأولى مدرع، وخروج اللواء محسن من السلطة والبلد وغير ذلك، فإنه قد تمكن من تجنيب اليمن حربًا أهلية كانت تنتظر من يفتح لها الباب، كما تمكّن من الاحتفاظ بقوامه الشعبي وكوادره القيادية بأقل قدر من الخسائر. وأصبح بإمكانه الآن أن يتحدّث بثقة عن نهجه المدني وخياراته الديمقراطية أكثر من ذي قبل، وهو الأمر الذي شهد به كثير من خصوم الحزب في اليمن.

ليس من السهل الآن تقدير الآثار التي ترتبت على موقف الإصلاح الرافض للدخول في أي حرب أهلية مهما كانت خسائره من عدم المواجهة. إلا أنّ من المؤكد الآن أنّ هذا القرار قد ألحق الضرر بأطراف كثيرة كانت تتمنى التخلص منه؛ وكأنما نجح الإصلاح في توزيع الصفعة المقررة له على وجوه الجميع بالتساوي، وتحوّل سقوط صنعاء من شَكَ للإصلاح إلى لعنة أصابت الجميع من دون استثناء. وربما تؤكد الأيام القادمة أنه لولا قرار الإصلاح بتجنّب الحرب الأهلية ما تشكّل حلف "عاصفة الحزم" الذي قرر توجيه ضربة موجعة لتحالف الحوثي وصالح، ومن ورائهما إيران. ولعل هذا التحالف يكون نواةً لتحالف عربي إسلامي واسعٍ يغيّ من قواعد السياسة العربية في المستقبل.