المغرب و"عاصفة الحزم:" تحولّات في العقيدة العسكرية
الملخّص
تناقش هذه الورقة المشاركة المغربية في التحالف العسكري الذي تشك ل بقيادة المملكة العربية السعودية لمواجهة اتساع نطاق سيطرة الحوثيين على الدولة في اليمن. وتستعرض الدراسة العوامل التي أدت إلى اتساع نطاق العمق الجيوسياسي والجيوستراتيجي لدول الخليج ليشمل مجموعة من الدول العربية، وليمتد بعيدا ليصل إلى المملكة المغربية. تناقش الورقة الفوائد التي سوف تجنيها المملكة المغربية من جراء الانضمام لعاصفة الحزم. فالمغرب يواجه تحديات مماثلة من الجماعات المتطرفة، ما يجعل المشاركة في عاصفة الحزم فرصة له يمكن أن يجني ثمارها حين يصبح بحاجة إلى قتال المليشيات المماثلة في الصحراء. فإضافة لحضور البعدين الاقتصادي والسياسي في الانضمام لهذا التحالف، فإنّ التحولّات الجيوستراتيجية في المنطقة العربية، وتصاعد مخاطر القوى العقائدية المتطرفة في الإقليم، دفع المغرب ودول الخليج إلى بلورة تصوّر جديد للعاقات، يمثل الأمن القومي العابر للحدود قاعدة له. أيضا تعرض الورقة للنقلة الملخص التي مثلها هذا الانضمام، عقب ما عرف في عهد محمد السادس من ميل أكثر للتقارب مع الجوار الأوروبي.
مقدمة
في محاولة لفهم الخلفيات التي تحكم مشاركة المغرب في لواء عاصفة الحزم، تحضر مجموعة من العناصر تفسِّ التحوّل الذي مسّ جوهر العقيدة العسكرية المغربية. ويمكن استقراء محددات داخلية وأخرى خارجية في علاقة الرباط بدول الخليج، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، وفي علاقتها بتوترات إقليمية ممكنة، تغذيها أقليات، تحمل توصيف الميليشيات، هذا الوصف الإعلامي الذي رافق "المسلحين الحوثيين" لتأكيد وضعهم خارج القانون والشرعية. في تقاطع مدخلات القرار المغربي بالمشاركة في التحالف العربي لدعم الشرعية، مؤثّرات داخلية وأخرى خارجية. ولا يعني هذا التوصيف استبطان فكرة التأثّر بدل التأثير في العلاقة مع المؤثّرين. فالقرار النموذجي هو الذي يوظف عناصر القوة في الداخل، لتقوية الموقف الخارجي، والعكس صحيح. ومن دون ربط القرار الداخلي بمتغيرات البيئة الخارجية، فإنّه سيبقى ضعيفًا ومرتبكًا، ولا يتوافر على نَفس إستراتيجي1. وفي الحالة المغربية تبرز المشاركة في التحالف العربي، امتدادًا للدعوة الخليجية التي وجّهت إلى الملكية في المغرب، من أجل الانضمام إلى دول مجلس التعاون الخليجي، في سياق الربيع العربي. بينما تبدو الحرب على الميليشيات في اليمن فكرة مغرية بحرب محتملة ضد ميليشيات تنازع المغرب سيادته على الصحراء، قد تواجه نفس المصير.
تناقضات سياسية في زمن الحرب
تحمل المشاركة المغربية في التحالف العسكري العربي رسالة مفادها استمرار العمق الخليجي في السياسات الإستراتيجية الأمنية للرباط. فإذا كان المغرب قد التفت طويلً، في عهد الملك محمد السادس، إلى الجوار الأوروبي، مستفيدًا من شبكة علاقات قوية ربطها الساسة الغربيون مع الدائرة الضيقة في محيط الملك، فإنّ الخليج الذي ظهر في بداية حكم الملك الجديد غائبًا في السياسة الخارجية المغربية، سرعان ما سيبحث عن مداخل أخرى لتجديد العلاقات بين الطرفين. ولأنّ البعدين الاقتصادي والسياسي حاضران بقوة، تغذيهما علاقات القرابة الشخصية التي تربط حكام دول الخليج بالملكية في المغرب، فإنّ التحولّات الجيوستراتيجية في المنطقة العربية، ونفوذ قوى إقليمية تتحرك بمنهاج عقائدي، دفع المغرب ودول الخليج إلى بلورة تصوّر جديد للعلاقات، قاعدته الأمن القومي العابر للحدود، من أجل حماية الأمّة العربية.
1 - أمن الخليج امتداد للأمن الإستراتيجي القومي
سوف تنتعش العودة إلى الوجهة الخليجية في السياسة الخارجية المغربية، مع ضمور فكرة إحياء المغرب العربي تكتل اقتصادي مغاربي، يوم الاندماج الاقتصادي والسياسي مع دول مجلس التعاون. فخلافًا لتجربة المغرب العربي التي انتهت من حيث بدأت، استطاعت فكرة التعاون الخليجي أن تصمد أمام التحديات الإقليمية، والخلافات الشخصية، فقد استطاع المجلس البقاء في محيط معقد منذ بداية النشأة التي تزامنت مع تحولّات خطرة، أهمّها اندلاع الثورة الإيرانية. وقد مثّل بروز مجلس التعاون لدول الخليج في تلك الحقبة حالة توازن إقليمي مهمّة بين العراق وإيران، وسدًا منيعًا أمام مفرزات الثورة الإيرانية لدول الجوار2.
وبغية تحصين هذا السد، برزت في الأعوام الأخيرة مقاربة عسكرية، أخذت محلّ "القوة الناعمة"، ولم تعد المفاوضات والاتصالات الدبلوماسية مع إيران محط ثقة لدى دول الخليج. فجاء الاختيار العسكري في اليمن رسالة قوية إلى من يهمه الأمر، تعكس تحوّلً نحو مزيد من الواقعية السياسية في التعامل مع تهديدات الأمن الإقليمي في منطقة الخليج. قد يبدو المغرب غير معني بالرسائل الموجّهة إلى
إيران، بحكم بعده الجغرافي عن المنطقة، لكنّ المسافة تقصر أكثر فأكثر حين يتعلّق الأمر بتهديد حقيقي أو مادي، يمسّ أحد بلدان الخليج العربي. وليس صدفة أن يربط بلاغ الخارجية المغربية موقف الرباط قطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران، قبل أربعة أعوام، بالتهديدات التي صدرت عن مسؤولين إيرانيين في حق سيادة دولة واستقلالها مثل مملكة البحرين.
وفي سياق إقليمي متوتر، لا يمكن الجزم أنّ عودة العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وطهران، بتعيين سفير جديد للجمهورية الإسلامية في الرباط، تعكس تفاهمً سياسيًا بين البلدين، بقدر ما تحقق هدفين؛ الأول يكمن في دعم المملكة المغربية تيّار الإصلاحيين الحاكم في إيران، وتوفير بعض ظروف استمراريته في السلطة بتطبيع دبلوماسي، والثاني يتعلّق بالجانب الديني الذي يمثّل أداة تنشيط الدورة السياسية في مملكة إمارة المؤمنين، كما في جمهورية "ولاية الفقيه"، فالمكانة التي يحظى بها أهل البيت في المغرب قد تحفز المسؤولين الإيرانيين على إعطاء أولوية للتقارب مع الرباط، لما يجنيه من مكاسب سياسية بهوية دينية.
2 - المغرب وإيران: حذر في الدين والسياسة
وسط هذا التناقض الحاصل بين عودة العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وطهران والمشاركة المغربية في الهجمات على اليمن، وما يحمله من رسائل موجّهة إلى إيران، تصبح المشاركة المغربية جزءًا من الرسالة الأم، ومفادها أنّ تهديد أمن منطقة الخليج هو تهديد للأمن القومي المغربي، وأنّ المصالح العليا للتكتل المغربي الخليجي فوق مصالح المرجعيات الدينية نفسها. وفي المقابل، لا يُخفي توقيت التقارب المغربي الإيراني، على الرغم من تزامنه مع التحرك العسكري ضد الحوثيين الموالين لإيران في اليمن، استمرارَ مؤشّ ات الخلاف بين الرباط وإيران، فالاتهامات التي وجّهتها المملكة إلى الجمهورية الإيرانية، باستخدام سفارتها في الرباط قاعدة لأنشطة التشيع في المغرب، وبوابة تصديره نحو أفريقيا جنوب الصحراء، لم تسقط بالتقادم، ويبقى على الدبلوماسية الإيرانية إبراء ذمتها من هذه الاتهامات. اتخذت الاتهامات المغربية طابعًا رسميًا، في بلاغ وزارة التعاون والشؤون الخارجية، يوم 7 آذار/ مارس 2009، وتمّ تفعيلها بإعلان قطع العلاقات الدبلوماسية. ولعل هذا القلق نجم عن تقارير أمنية تفيد أنّ التمدد الشيعي عبر المغرب بواسطة أنشطة ثابتة للسلطات الإيرانية، وبخاصة من البعثة الدبلوماسية بالرباط، تستهدف المقومات الدينية للمملكة، ووحدة المذهب السني المالكي، وعقيدته الأشعرية. إنّ تصدّر المعطى واجهة الخلاف، لا يخفي مخاوف مغربية متقاطعة مع توجّس عربي عام من وجود قوى إقليمية مثل إيران في منطقة القرن الأفريقي، وعلى شواطئ البحر الأحمر وفي المدخل الشمالي لأفريقيا وعلى التخوم الجنوبية لمصر، قد يفتح الباب أمام تداعيات سياسية وأمنية في المنطقة العربية والقارة الأفريقية، ويزداد القلق بالنظر إلى النيات الإيرانية في إقامة نظم موالية لها في المنطقة، عن طريق مساندة الحركات الأصولية3.
المغرب والخليج والبحث عن عقيدة أمنية مشتركة
اقتصرت التفسيرات التي صاحبت دعوة المغرب إلى الانضمام إلى دول مجلس التعاون الخليجي، على السياق التاريخي الذي ربطها بالحراك العربي، دون أن تنفذ إلى العمق الإستراتيجي لهذه الدعوة. إنّ الاختلاف المذهبي بين المغرب المالكي ودول الخليج الحنبلية لا يبدو مؤثّرًا في مستقبل هذه العلاقات، لأنّ الحاجة إلى الأمن القومي مقدمة على الحاجة إلى الأمن الروحي الذي ترعاه هذه البلدان، كل بحسب اختياراته وتوجهات سياساته الدينية. لقد فرضت أولوية الأمن التقارب السياسي، بدايةً، ثم انتقل الأمر إلى البحث عن عقيدة أمنية مشتركة، ترعى مصالح دول التحالف العربي، وتؤسس بداية تنفيذ الاتفاقيات العسكرية، رعتها الجامعة العربية، واستعادتها دول أعضاء في الجامعة، من أجل إعطاء استخدام القوة العسكرية ضد المسلحين الحوثيين في اليمن، نفَسًا تضامنيًا نوستالجيًا،
يستعيد شعارات الوحدة والقوة العربية المشتركة، للدفاع عن الأمن العربي من المحيط إلى الخليج. من الناحية العسكرية، تتحاشى عمليات التحالف في اليمن التسويق الفرجوي، فالضربات الجوية والبحرية الموجّهة إلى الميليشيات الموالية لإيران، مع استمرار تلويح قوات التحالف العربي بالإنزال البري، تتقدّم نحو تخفيض منسوب التهديدات إلى درجة "صفر خطر"، إذ أعادت الضربات، منذ اليوم الأول، أوراق التفاوض إلى الطاولة، وهو الإنجاز السياسي الذي تحقق إلى حدود هذه الساعة، بموجب العمليات العسكرية التي لا تخلو من طريقة تفكير أميركي، قاعدته "التفاوض رفقة السلاح على الطاولة." وصلت هذه الرسالة إلى الفاعلين المتحكمين في القرار العسكري في اليمن. وهنا يمكن أن نقرأ دعوات الحوار المتناثرة بين الطرفين، واشتراط وقف الضربات الجوية، لأنّ ما يتحقق على الأرض يؤثّر عسكريًا في مسار المفاوضات السياسية. لقد حدث تحوّل في تعامل العقيدة العسكرية المغربية مع القضايا الإقليمية، فباستثناء مشاركة السلاح المغربي في الحرب على تنظيم "داعش"، عبر بوابة الدعم العسكري لدولة الإمارات العربية المتحدة، فإنّه كان دائمًا مرابطًا لأجل حماية حدود المملكة. بينما اكتفى المغرب في كل الحروب الإقليمية والدولية بتقديم الدعم الاستخباراتي والمعلومة الأمنية، والتحرك على مستويات لوجستية تسهّل عملية الالتحام العسكري، من دون أن تكون الجيوش المغربية طرفًا فيه. ولأنّ المؤسسة العسكرية في المغرب، ظلت دائما خارج الفضاء العمومي، فإنّ قرار المشاركة الفعلية في طلعات عسكرية أو في حرب برية محتملة ضد ميليشيات الحوثيين لم يثر انتباه الكثير من المتتبعين المغاربة، على الرغم ممّ أحدثه موقف الانضمام إلى التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن من تغيير عميق في العقيدة العسكرية، تتبعه تداعيات أمنية وجيوستراتيجة، قد يكون وقعها أقل على الرباط، مستفيدة من ميزة البعد الجغرافي عن منطقة الصراع، وعن التحولّات الإقليمية الجارية في تلك المساحة العربية، الخليج.
في توصيف الميليشيا وإغراءات فكرة المشاركة
توصيف جماعة الحوثيين في اليمن بالميليشيات، فكرة مغرية بالنسبة إلى المغرب. ويغذي الاستعمال المكثف لقضية دعم الشرعية، إعلاميًا على الأقل، مسوغات المملكة مشاركتها في التحالف العسكري العربي. ومردّ هذا الانجرار وراء إغراء الفكرة، كون وصف الميليشيات هو نفسه الذي يطلقه النظام السياسي على جبهة بوليساريو، (الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب. تتخذ من جنوب غرب الجزائر في تندوف الجزائرية مقرًا لأنشطتها) طوال أكثر من أربعة عقود من نزاع الصحراء. يقول المغرب إنّ سيادته على الصحراء ثابتة، ويتّهم الجزائر بافتعال هذا المشكل. والجبهة ترى أنّ لها حقوقًا تاريخية في الصحراء جنوب المغرب، وتطالب باستفتاء لتقرير المصير، مدعومة عسكريًا وسياسيًا ودبلوماسيًا من الجزائر. فالمعطيات التاريخية تفيد أنّه في إطار التنافس على الصحراء الغربية، أيّدت الجزائر تكوين الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، عام 1974. وقد دعم الرئيس الجزائري هواري بومدين الحركة وأمدّها بالمال والسلاح، وجعلها تقيم فوق قطعة من أراضي الجزائر، هي منطقة تندوف، وما تسميه جبهة بوليساريو الأراضي الصحراوية المحررة4.
ووفق هذا المنظور، فإنّ مشاركة المغرب، في العمليات العسكرية في اليمن، تمثّل تمرينًا حقيقيًا بالذخيرة الحية لقواته المسلحة في مجال الحروب والنزاعات العسكرية، علمً أنّ الجيوش المغربية لم تلتحم عسكريًا مع قوات نظامية أو ميليشيات، منذ توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار بين الرباط وجبهة بوليساريو، في نهاية كانون الأول/ ديسمبر 1990. فمنذ ذلك التاريخ، دخلت القوات المسلحة الملكية في استراحة محارب طويلة الأمد، ترعاها الأمم المتحدة عن طريق وحدات عسكرية متعددة الجنسيات، توطنت بمنطقة النزاع، مهمتها تتبع تطبيق اتفاقية وقف إطلاق النار الموقّعة بين الطرفين ومراقبتها تحت إشراف أممي.
من هنا، يمكن القول إنّ قرار المشاركة في التحالف العسكري العربي، لدعم الشرعية في اليمن، يوفّر إمكانيات تجريب الخبرات العسكرية في عمليات حقيقية تخضع لقيادة وتخطيط وتنفيذ. ويمثّل هذا التمرين العسكري اختبارًا حقيقيًا لجاهزية القوات المغربية في التصدي لأي تهديد خارجي، قد يستهدف وحدته الترابية أو أمنه الداخلي. وليس صدفة أن يحمل التمرين العسكري المغربي، ضد جماعة الحوثيين، رسالةً إلى من يقرعون طبول الحرب من داخل جبهة بوليساريو، ويطلقون تصريحات تنذر بالعودة إلى حمل السلاح في وجه المغرب، ردًا على احتمالات فشل المفاوضات حول تسوية نهائية لنزاع الصحراء، ترعاه الأمم المتحدة منذ قرابة عقدين ونصف. في سياق استعادة بريق فكرة الحرب ضد الميليشيات، التوصيف الذي أطلق على المسلحين الحوثيين، تتبلور بعض محددات مشاركة الرباط الفعلية في العمليات العسكرية ضد هذه التنظيمات. فالقاموس السياسي والعسكري المغربي ظل يستعمل التوصيف نفسه في نعت قوات الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (بوليساريو)، وبذلك فإنّ بلورة موقف عربي بغطاء خليجي، رافض لاستمرار وجود ميليشيات في البلاد العربية، من شأنه أن يقدّم خدمة سياسية وأمنية للنظام الحاكم في المغرب، في أي مواجهة محتملة مع من ينعتهم بالميليشيات، كما أنّ هذا التعامل الجديد مع المجموعات المسلحة في المنطقة العربية، ربّ ا يؤسس تحولّات في الإستراتيجية العسكرية والأمنية، تعيد بناء اصطفافات الأنظمة السياسية العربية على قاعدة المشترك الأمني.
في المقابل، يعكس وضع المغرب قواته وبعض عتاده العسكري تحت إشراف دولة الإمارات العربية وفوق ترابها، فهمً إستراتيجيًا لتحولّات تجري، وتتمّ في سرية تامّة في الخليج العربي. وهو ما يطلق عليه في العلوم الأمنية سياسة تقدير المخاطر، تقنية تمكّن من قراءة التهديدات مسبقًا، بناءً على تقارير وأعمال بحثية، تستند إلى معطيات أمنية نوعية. ويمكن القول إنّ صراع القوى الإقليمية في منطقة الخليج، وما أفرزه من خلافات عقائدية بين الشيعة والسنّة، يرسم صورة لكل الاحتمالات الممكنة، في سبيل حماية الأمة العربية من التمدد الشيعي.
بين القاعدة والحوثيين تمرين أمني مغربي
في أفريقيا جنوب الصحراء ودول غرب أفريقيا جبهة قتال صامت، لا تجري بعيدًا عن أعين الأجهزة الأمنية المغربية. وقد أماط التدخل الفرنسي، عبر آليات الدعم الاستخباراتي واللوجيستي المغربي في شمال مالي، اللثام عن الكثير من الحقائق بشأن طبيعة الصراع في هذه المنطقة غير البعيدة عن العمق الأفريقي للمملكة المغربية. وفي هذا الجزء الصحراوي من أفريقيا، باتت كل الأوراق مكشوفة، كتحالفات التنظيمات المتطرفة مع جماعات التهريب التي تتاجر في السلع والأسلحة، وفي المشهد أيضًا حركات تحرير (حركة تحرير أزواد) تطالب بالحكم الذاتي فوق أراضيها، مدعومة بقناعات سياسية تغذيها الهوية والسلاح. ضمن هذا الوضع الجيوسياسي المعقد، لم يتعد الحضور العسكري المغربي تقديم الدعم، على خلاف قرار المشاركة الفعلية في التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن. هذا المعطى دليل ثان على الخلخلة الجارية في بنية التفكير العسكري للمملكة، في مجال إدارة النزاعات الإقليمية. فقياسًا على التهديد الذي يمثّله تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على أمن الدولة المغربية، يبقى الخطر الحوثي في منطقة الخليج في مستوى ثان، أقل من تهديدات التنظيمات المتطرفة. مع مفارقة أن المستفيد الأول، إلى حد اليوم، من دعم إيران مواليها في سورية والعراق واليمن، حاليّا، هو تنظيم الدولة الإسلامية وبقايا القاعدة. وعلى الرغم من قلة عدد المقاتلين المنتسبين إلى التنظيم المتطرف، في منطقة الساحل والصحراء، فإنّ هذه القوات تستفيد من وجود فراغ أمني نسبي في منطقة الساحل. ولا تمثّل الميزانيات العسكرية في كل من مالي والنيجر وموريتانيا سوى جزء صغير5. وبإسقاط المعطى الكمي، يمكن القول إنّ قياس المخاطر التي تحدثها القاعدة في المغرب الإسلامي لبلدان منطقة الساحل، يفترض أن يراعي قدرة هذه التنظيمات على بناء تحالفات سياسية، تسهّل تحركاتها في الصحراء الكبرى، وعلاقات اقتصادية وقرابات عائلية تغذي جاذبية سكان هذه
المناطق إليها. في ظل هذه الوضعية، تعاني العمليات الأمنية من زواج السياسة بالقبيلة إذ "تطلق القاعدة في المغرب الإسلامي، رهائنها عادة من خلال زعماء قبليين لديهم علاقات 'أعمال'، وليس من خلال الوسطاء السياسيين"6. وعلاوة على تعثّ العمليات الأمنية التي تدعمها الرباط بالاستخبار وتوفير قاعدة البيانات عن الأنشطة الإرهابية في منطقة الساحل، تستفيد التنظيمات الإرهابية، بصورة لافتة، من الخلاف السياسي المغربي الجزائري وضعف التنسيق الأمني بينهما، فقد سعت الجزائر إلى استبعاد الرباط من أي تسوية أمنية للحرب على التنظيمات المتطرفة في مالي مثلً، وهو ما ردت عليه الرباط بانتهاج مقاربة اقتصادية ودبلوماسية دينية، تجعل النظام المغربي في قلب المساجد والحركات الإسلامية المعتدلة في بلدان جنوب الصحراء، مالي والنيجر، ودول غرب أفريقيا تحديدًا. كانت هذه ورقةً نجحت الرباط في توظيفها، من أجل الإبقاء على دور لها في المنطقة، لمواجهة النفوذ المالي والعسكري للقوى الإقليمية والدولية. وإذا كانت المنظومة الخليجية قد نجحت في بنائها الإقليمي، وأسست مزيدًا من التكامل الذي أضفى طابع الاستمرارية على المشروع الخليجي، فإنّ المنظومة المغاربية ما زالت تعترضها عوائق سياسية، تسدّ الطريق أمام مزيد من التكامل المغاربي7. ولعل هذا تفسير ثان لحضور المغرب ضمن القرار العسكري لدول الخليج، حضور تنعشه أيضًا معطيات تاريخية وسياسية ودينية، تنهل من المشترك النبوي لآل البيت.
في البحث عن نوستالجيا عسكرية
تبدو المشاركة العسكرية للقوات المسلحة الملكية في عاصفة الحزم التي يقودها تحالف عربي ضيق، استعادةً لنوستالجيا تضامنٍ مسلح مع الجيوش العربية في حروبها السابقة؛ في سورية، وفي مصر، وفي الحرب على العراق. وقد نقلت التقارير العسكرية حينها إنجازات الجيوش المغربية بمنطقة جبل الشيخ في صدامها مع القوات الإسرائيلية، إذ شاركت حينها بناءً على طلب سوري من الدول المغاربية، بمساعدة عسكرية لمواجهة هجوم الطيران الإسرائيلي، فتجاوب الملك الراحل مع الدعوة بإرسال فيلق عسكري مغربي إلى هضبة الجولان في 22 كانون الثاني/ يناير.1973 وصلت في 9 حزيران/ يونيو، عناصر من القوات المسلحة الملكية إلى اللاذقية، وبمجرد الإعلان عن نشوب الحرب، تحرك الفيلق المغربي الذي كان معسكرًا في الأردن نحو سورية وشارك في المعارك8. وتعود هذه النوستالجيا العسكرية للجيوش المغربية إلى حرب أكتوبر أيضًا، يومها وصلت إلى قناة السويس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر قوات مغربية، اتخذت موقعها للدفاع عن القناة. كما كان الموقف المغربي من رفض الاجتياح العراقي للكويت سريعًا وصارمًا، فيما استغرقت أنظمة أخرى وقتها للتشاور والتفكير في احتمالات ما بعد الموقف. وبينما زرع تردد بعض الأنظمة العربية، في التعبير عن موقف رافض لاحتلال الكويت، حالة من الانقسام داخل البلاد العربية، استفادت الرباط سياسيًا واقتصاديًا من دعمها المطلق لقضايا الخليج، وضمن هذا المنظور يبدو الحضور المغربي في الحرب على الحوثيين في اليمن، استمرارًا لمواقف موروثة، لم تتغير بتغير شخصية الحاكم، في ظل أنظمة تشترك في طبيعة نظام الحكم السائد، مع اختلاف في بعض تفاصيل العمليات الديمقراطية والوضعيات الانتقالية التي تعيشها.
وقد تسري فكرة استعادة البطولات العسكرية للقوات المغربية، على حلم بناء نظام عسكري عربي قاعدته جيوش عربية موحدة، إلّ أنّها لا تجد من يدافع عنها داخل مؤسسة عسكرية، ظلت منذ التأسيس خارج الحياة السياسية، كما هو الشأن في الحالة المغربية. فالأنظمة التي تتحمس لفكرة الجيوش العربية، وروّجت لها داخل أروقة الجامعة العربية منذ عقد الخمسينيات، كانت تستمد شرعيتها من طبيعة النظام الحاكم داخل هذه البلدان نفسها، إذ تشترك الدول التي حاولت إحياء فكرة الجيوش العربية منذ اندلاع الحروب العربية الإسرائيلية، في كونها ذات طبيعة عسكرية أو جاءت إلى الحكم بانقلابات عاشتها البلاد العربية، نموذجًا للتغيير السياسي الجذري، مدعومة بحالة سيكولوجية جماهيرية تنشد التغيير. إنّ وضع المؤسسة العسكرية في المغرب له خصوصيته وطقوسه، فهذا الجهاز وُضع منذ البداية تحت التصرف المباشر للملك، وحُددت
مهماته في الدفاع عن الوطن والمساهمة في حفظ النظام العام. وقد عرفت السلطة الرئاسية داخل المؤسسة تراجعًا بالتدريج نحو تجميعها بيد الملك. كان الجهاز في البداية يخضع لوزير الدفاع ثم استقر به الأمر في مجرد إدارة مكلّفة بالدفاع الوطني، على أنّ الملك هو القائد الأعلى الآمر اليومي للجيش. ويعدّ مفهوم الطاعة واحترام النظام التسلسلي للأوامر الصادرة من صميم قواعد الانضباط العسكري داخل هذا القطاع الأمني. غير أنّ هذا النظام التسلسلي ينبني على هرمية يوجد على رأسها الملك، بصفته قائدًا أعلى للقوات المسلحة الملكية، ويتولّ مهمات رئاسة الأركان العامة للقوات وفقًا للتشريع العسكري. فهذه الخصوصية العسكرية، قد تتكرر في بلدان عربية، لكنها في الحالة المغربية ارتبطت بتحوّل وقع في سياق تاريخي انقلابي فاشل ضد الملك الراحل. وهو تحوّل نتجت عنه تداعيات كبيرة على مؤسسة الجيش، بأن اختفت من الحياة العامة، وبقيت مرابطة في ثكناتها، وفي المقابل برز دور أكبر لجهاز الأمن الوطني في الحياة المدنية والسياسية، منذ منتصف السبعينيات.
خلاصة
تتقاطع مؤثّرات البيئة الداخلية مع معطيات خارجية، في تفسير المشاركة المغربية في التحالف العسكري العربي، وبصرف النظر عن مستويات التقارب الشخصي بين المؤسسة الملكية بالمغرب وأنظمة الحكم في دول الخليج، فإنّ قرار الانضمام، وعلى الرغم ممّ يحمله من رسائل عرضنا بعضها سلفًا، يعني أنّ العقيدة العسكرية المغربية متحركة حين يتعلق الأمر بأمن دول الخليج العربي، بوصف أمنها جزءًا من الأمن الإستراتيجي والقومي المغربي. وهي عقيدة ثابتة، في حدود تقديم الدعم الأمني واللوجيستي، حين يتعلق الأمر بمعارك خارج شبه الجزيرة العربية. وضمن هذا التصور تحضر رمزية المكان، حيث أقدس بقاع الأرض، وهو ما لم تفت الإشارة إليه في البيان الرسمي لقرار المغرب الانضمام إلى التحالف، إذ ربط بين مشاركة القوات المغربية عسكريًا ولوجيستيًا من ناحية، والالتزام الموصول بالدفاع عن الحرم الشريف والعربية السعودية وبقية دول مجلس التعاون الخليجي من ناحية أخرى. فالرمزية الدينية لا تغيب عن بيان أسباب المشاركة، وهي رمزية جعل منها نظام الحكم في المغرب واحدة من آليات استقرار الحكم وبناء الدولة المغربية، وقاعدته في الأمن الروحي والقومي. خارج الحسابات الإستراتيجية للمشاركة المغربية، يبقى "التكتيك" حاضرًا في خيار الانضمام، مع مراعاة أنّ السخاء الخليجي في تعامله مع مصر، وقبل ذلك دعمه تيار "نداء تونس" المناهض لحركة النهضة، من منظور الرباط، يجب ألاّ يكون على حساب العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول الخليج، ما يدفع الرباط إلى البحث عن علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، والنظر في إمكانيات تقليص التوظيف المكثف للمقاربة الأمنية والعسكرية في بناء العلاقات الإقليمية، وتعويضها بأسلوب القوة الناعمة.