إستراتيجية الأمن القومي الأميركي)2015(

محمد مطاوع

الملخّص

ترتكز هذه الدراسة على فرضيتين رئيستين: تتمث ل الفرضية الأولى بأنّ الوثائق الإستراتيجية الأميركية تقوم بدورٍ لا يُستهان به في فهم الرؤية الشاملة والكلية لإدارات الأميركية المتعاقبة لتعاملها مع العالم الخارجي فقط. ولكن ها لا يمكن أن تُقدّم رؤية تفصيلية يومية لما ستقوم به الإدارة الأميركية في الأزمات المختلفة التي تتطوّر بصورة متسارعة، ولحظة بلحظة. بمعنى آخر، بإمكان تلك الوثائق الإستراتيجية أن تتوق ع الاتجاه العام لتحرّك السياسة الخارجية الأميركية تجاه القضايا الدولية المعاصرة فقط، إلا أن ها تظل قاصرة عن إدراك السياسات اليومية والآنيّة التي ستت بعها الإدارة الأميركية تجاه كل قضية. أمّا الفرضية الثانية، فتنطلق من أنّ هناك ثوابت إستراتيجية ومتغيرات إستراتيجية ومبادئ حاكمة لكل وثيقة إستراتيجية أميركية يمكن من خلالها فهم الاتجاه العام للسياسة الخارجية والأمنية الأميركية، منذ نشأة تلك الوثائق وحتى الآن. وانطلاق ا مما تقدم، تحاول الدراسة قراءة نص إستراتيجية الأمن القومي الأميركي 2015؛ استنادًا على فهم السياق الدولي، والأهداف والأولويات، والمبادئ الحاكمة لها. ثم تقدّم الدراسة رؤية تحليلية لإستراتيجية الأميركية الجديدة؛ وذلك من خلال رصدها ست ة مؤشرات إستراتيجية كبرى في الوثيقة، وتسعة ملامح بوثيقة للتغير في تلك الوثيقة مقارنة 2010 التي كانت إدارة باراك أوباما قد أصدرتها منذ خمس سنوات. وتنتهي الدراسة بخاتمة تحاول قدر الإمكان التوصّ ل إلى الرؤية الكبرى والكلية التي ستحكم إدارة باراك أوباما بها البيت الأبيض والسياستين الخارجية والأمنية الأميركيتين خلال العامين المقبلين.

المؤشرات الكبرى الجديدة وملامح التغير

مقدمة

" أتشكك في إذا ما كان تنظيم داعش (تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام)، وملالي إيران، أو فلاديمير بوتين سيشعرون بالرهبة أو الخوف بعد نشر إستراتيجية الصبر الإستراتيجي التي جاء بها الرئيس باراك أوباما." بهذه الكلمات، انتقد السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام إستراتيجية إدارة باراك أوباما الثانية التي صدرت في 6 شباط / فبراير 2015 1. ورأى غراهام أنّ مبدأ إستراتيجية الصبر الإستراتيجي الذي جاءت به الوثيقة الإستراتيجية الجديدة لا يؤدي إلا إلى زيادة الفشل الأميركي في السياسة الخارجية والأمنية في العالم، بينما امتدحت سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي الأميركي في إدارة أوباما الثانية، الوثيقة ورأت أنّها تُرسي قواعدَ جديدة كليًا في قيادة السياسة الخارجية والأمنية الأميركية للعالم من موقع القوة2. ويبُرز ذلك تزايد حالة الجدل في الداخل الأميركي واحتدامها بشأن طبيعة التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة الأميركية، والتي تتطلب بدورها تخطيطًا إستراتيجيًا لمواجهتها. وتشهد الولايات المتحدة الأميركية حالة من الاستقطاب السياسي بين معسكرين: يرى المعسكر الأول أنّ النظام الدولي الذي تبلور بالقيادة المطلقة للولايات المتحدة الأميركية للعالم بعد نهاية الحرب الباردة في طريقه إلى الزوال. أمّا المعسكر الثاني، فيرى أنّ النظام الدولي مستقر، وأنّ أسس الاقتصاد الأميركي قوية، وأنّ هناك تحديات كبيرة بإمكان الولايات المتحدة الأميركية قيادة العالم لمواجهتها من منطق القوة3. ويرصد الكتاب الذي أصدره جوزيف ناي، في كانون الثاني / يناير، بعنوان "هل انتهى القرن الأم 2015 كيرر؟" حالة الجدل تلك في الداخل الأميركي بشأن مستقبل القوة الأميركية، وقيادتها نظام ما بعد الحرب الباردة. فقد تناول ناي بالتحليل ثلاثة تيارات رئيسة عن وضع الولايات المتحدة الأميركية في مستقبل النظام الدولي: يرى التيار الأول أنّ الصين تسير بخطى ثابتة لكي تحلّ محلّ الولايات المتحدة الأميركية في قيادة النظام الدولي، بينما يرى التيار الثاني أنّ القرن الحادي والعشرين هو قرن أميركي، وأنّ الولايات المتحدة الأميركية ستبقى مهيمنة على النظام الدولي، وذلك على الرغم من صعود قوى دولية أخرى وعلى رأسها الصين. في حين يرى التيار الثالث أنّ النظام الدولي قد يتحول إلى حالة من اللاقطبية تغيب فيها سيطرة قوة دولية كبرى منفردة على النظام الدولي. وانحاز جوزيف ناي إلى التيار الثاني الذي تُبشر به منطلقات إستراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة، من خلال تأكيده أنّ قوة الولايات المتحدة الأميركية في تراجع نسبي وليس تراجعًا مطلقًا، وأنّ مقومات القوة الأميركية الشاملة وعناصرها (القوة الاقتصادية، والقوة العسكرية، والقوة الناعمة) ستمكّنها من الاستمرار في قيادة النظام الدولي4.

نص إستراتيجية الأمن القومي الأميركي 2015: السياق الدولي والأهداف والأولويات والمبادئ الحاكمة

جاءت إستراتيجية 2015 في سياق تحديات عالمية تمثّلت بتغيّ النظام السياسي في مصر وسقوط حكم جماعة الإخوان المسلمين، وانهيار الدولة السورية وتحوّل الصراع فيها إلى حرب أهلية بين الحكومة البعثية والقوى الثورية التي يسيطر عليها المتطرفون الإسلاميون، وصعود نجم تنظيم داعش في كلٍ من العراق وسورية، وضمّ روسيا شبه جزيرة القرم، واستمرار الانتهاكات الروسية شرق أوكرانيا، ومحاولات نقل السلطة في أفغانستان، واستمرار التوتر بين الصين وجيرانها في آسيا، بخاصة بشأن النزاعات البحرية الإقليمية، في ظل عملية تحسين قدراتها العسكرية وتحديثها، وانتشار مرض الأيبولا في

  1. Jack Detsch, "An 'Obama Doctrine' Might Be Here At Last," The Diploamat , 10/2/2015, viewed 15/4/2015, at: http://thediplomat.com/2015/02/ an-obama-doctrine-might-be-here-at-last.
  2. باسم حسين الزيدي، "قراءة في سياسة 'الصبر الاستراتيجي' للولايات المتحدة الأمريكية"، شبكة النبأ المعلوماتية، 2015/2/10، شوهد في 2015/4/10، على الرابط: http://mail.annabaa.org/news911.
  3. لوموند بنيامين حداد، "باراك أوباما و'الصبر الاستراتيجي"'، (تقرير)، 2015/3/1، شوهد في 2015/4/1، على الرابط: http://altagreer.com.
  4. Joseph Nye, "Is The American Century Over?," Special Lecture, 10/12/2014, East Asia Institute , Korea Foundation for Advanced Studies Conference Room, Seoul South Korea, pp. 1 - 7.

ليبيريا وسيراليون وغينيا واحتمال انتشاره على نطاقٍ واسع في العالم. وكانت إستراتيجية 2010 متفائلة بأنّ النظام الدولي الليبرالي يستطيع استيعاب القوى الدولية الصاعدة ودمجها سلميًا في عضويته المسؤولة. وهو ما تطلَّب مراجعة هذه الفكرة في إستراتيجية 2015 بعد تصاعد التحدي الروسي في أوروبا وتزايد الهيمنة الإقليمية الصينية في آسيا5. انقسمت الوثيقة التي تألّفت من 29 صفحة، إلى مقدمة كتبها الرئيس باراك أوباما بنفسه، ثم مقدمة الوثيقة وأربعة أجزاء كبرى؛ وهي الأمن، والرفاهية، والقيم، والنظام الدولي، ثم الخلاصة. استهلّت الوثيقة بمقدمة أوباما مؤكدةً أنّ الولايات المتحدة الأميركية في وضع أقوى وأفضل يتيح لها استغلال الفرص في القرن الجديد ويضمن مصالحها في عالم حافل بالمخاطر، وأنّ تزايد القوة الاقتصادية الأميركية هو ركيزة الأمن القومي الأميركي ومصدر حيوي للنفوذ الأميركي في الخارج. وعدّدت الوثيقة مؤشرات إيجابية عن مقومات القوة الأميركية تمثّلت بانخفاض معدل البطالة إلى أدنى مستوياتها منذ ست سنوات مضت، استطاعت الولايات المتحدة الأميركية خلق 11 مليون وظيفة منذ الكساد الكبير وحتى الآن، وأنّ الولايات المتحدة الأميركية تتمتع باقتصاد متنوع ومستقر وقوة بشرية عاملة متزايدة، كما أنّ الولايات المتحدة الأميركية لا تزال تتحكم في تحديد نمط العلم وسرعته، والتكنولوجيا، والاختراع في الاقتصاد العالمي، ولا تزال تتمتع بأفضل نظام تعليمي في العالم، وتستقطب كلّ عام أفضل العقول سواء من الطلاب أو من المهاجرين من جميع أنحاء العالم الذين يجددون شباب الولايات المتحدة الأميركية بطاقاتهم ومواهبهم باستمرار. ولم تنس الوثيقة الإنجاز الأكبر الذي حققته الولايات المتحدة الأميركية، من وجهة نظر إدارة أوباما في أعوامها الستة، وهو أنّها ابتعدت عن خوض الحروب الكبرى في أفغانستان والعراق التي حددت بصورة كبيرة السياسة الخارجية الأميركية في العقد الماضي؛ وذلك من خلال المقارنة بين 180 ألف جندي أميركي كانوا في العراق وأفغانستان في 2009، و 15 ألف جندي أميركي فقط يخدمون الآن هناك6. وجاء مبدأ أوباما الحاكم في مستهل هذه الوثيقة بأنّ اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية وقوتها يعملان كحجر الزاوية في إيجاد مؤسسات قوية عالمية وتشاركية بحكم القانون، وأنّ التعددية الفاعلة الذكية - العمل مع الحلفاء والشركاء في النظام الدولي مع الاستعداد لتحمّل عبء الدفاع عنه دون أن يعني ذلك بالضرورة استخدام الأداة العسكرية لتحقيق ذلك - هي الحاكمة لسياسات الإدارة الأميركية في ما تبقّى لها من فترتها الرئاسية التي تمتدّ لعامين مقبلين. وقد أكّد أوباما ذلك المبدأ في مستهل الوثيقة بقوله إنّ الولايات المتحدة الأميركية يجب أن تقود العالم وإنّ الجيش الأميركي هو الدعامة الرئيسة لتلك القيادة الأميركية لكن العمل العسكري لا يمكن أن يكون الأداة الوحيدة، أو حتى الأولى في القيادة الأميركية للعالم7. وفي مقدمة الوثيقة نفسها، حددت الإدارة الأميركية ستّ طرق لقيادة الولايات المتحدة العالم؛ تمثّلت الطريقة الأولى بالقيادة بهدف وهو حماية الولايات المتحدة الأميركية من ثمانية أخطار إستراتيجية على الأمن القومي الأميركي، وهي: هجوم كارثي على الداخل الأميركي أو على البنية التحتية الأميركية، وتهديدات أو هجمات ضد مواطني الولايات المتحدة الأميركية في الخارج أو ضدّ حلفائها، وأزمة اقتصادية عالمية أو تباطؤ اقتصادي عالمي، وانتشار أسلحة الدمار الشامل أو استخدامها، وانتشار الأمراض المعدية على نطاقٍ عالمي، وتغيّ المناخ، واختلالات في أسواق الطاقة العالمية، وأخيرًا الآثار الأمنية المرتبطة بالدول الضعيفة والفاشلة (التي تشمل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والأثر الانتشاري الإقليمي، والجريمة المنظمة العابرة للحدود.) بينما تمثّلت الطريقة الثانية بالقيادة من منطق القوة الأميركية؛ وذلك من خلال تأكيد حقيقة أنّ القوة العسكرية الأميركية لا يمكن تحدّيها، وأن الاستثناء الأميركي لا يرتكز فقط على قوة الجيش والاقتصاد الأميركيي ولكن على القيم الأميركية أيضًا وعلى قوة الشعب الأميركي وموهبته وتنوّعه. في حين تجسدت الطريقة الثالثة في القيادة بالمثال، من خلال تأكيد أنّه عندما تحترم الولايات المتحدة الأميركية قيمها في الداخل، فإنّها تصبح في وضعٍ أفضل لنشرها في الخارج. أمّا الطريقة الرابعة، فتمثّلت بالقيادة مع شركاء قادرين، من خلال تأكيدها أنّه في وجود عالم مترابط ومتّصل، فإنّه لا توجد مشكلات دولية يمكن حلّها من دون الولايات المتحدة الأميركية، وأنّ هناك أزمات قليلة بإمكان الولايات المتحدة الأميركية حلّها بمفردها8. في حين تمثّلت الطريقة الخامسة بالقيادة بأدوات القوة الأميركية كافة. وهنا أكّدت الوثيقة أنّ استخدام القوة العسكرية ليس هو الأداة الوحيدة التي لدى الولايات المتحدة الأميركية، بل وليست الأداة الرئيسة في تعامل الولايات المتحدة مع الخارج، ولا حتى الوسيلة

  1. Ibid., p.19.
  2. The National Security strategy of the United States of America, February
  3. Janine Davidson, "Obama's Last National Security Strategy: The President and the Philosopher," Foreign Affairs , 2/3/2015, viewed 17/4/2015, at: https://goo.gl/s5J8iS.
  4. The National Security strategy …," pp. 1 - 3. 2015, p.1.

الأكثر فعالية للتعامل مع التحديات والأزمات. وفي مقابل ذلك، ترى الوثيقة أنّ أوّل أداة للفعل الخارجي الأميركي هي الدبلوماسية، إضافة إلى الدور الأساسي للتنمية في تحقيق المصالح الأميركية وأنّ العقوبات الأميركية الموجّهة ستظلّ هي الأداة الأكثر فعالية لدى الإدارة الأميركية في زيادة التكاليف على الفاعلين الدوليين غير المسؤولين، وفي تفكيك الشبكات الإرهابية والإجرامية، فضلً عن دور أجهزة الاستخبارات الأميركية والعلاقات بين الشعوب في تعظيم الجهود الإستراتيجية الأميركية لتحقيق مزيد من القوة الأميركية في العالم. أمّا الطريقة السادسة والأهمّ، فتمثّلت بالقيادة بمنظور طويل المدى، لأنّ هناك خمسة تحولات إستراتيجية كبرى غيّ ت البنية الأمنية للعالم في خمس سنوات منذ إصدار إستراتيجية 2010. وهي: صعود قوى دولية كبرى في العالم، وتراجع قوة الدولة القومية في مقابل تزايد دور الفاعلين من غير الدول في العالم، والصراع حول السلطة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتزايد درجة الاعتماد المتبادل وفي وتيرة التكنولوجيا التي تربط بين الأفراد والجماعات والدول بصورة غير مسبوقة، وحدوث تحولات هائلة في سوق الطاقة العالمية9. وفي الجزء الخاص بالأمن، حددت الإستراتيجية ثمانية أهداف إستراتيجية كبرى. تمثّل الهدف الأول بتقوية الدفاع الوطني الأميركي، وذلك من خلال الارتكاز على المبادئ والانتقائية في استخدام القوة الأميركية. وفي هذا الصدد، أكّدت الوثيقة أنّ استخدام القوة يجب أن لا يكون خيار الولايات المتحدة الأميركية الأول، ولكنّه في بعض الأحيان سيكون خيارًا ضروريًا. بل أكّدت الوثيقة أنّ الإدارة الأميركية قد تستخدم القوة العسكرية بصورة أحادية عند الضرورة، عندما تكون مصالحها الحيوية على المحكّ، وعندما يجري تهديد الشعب الأميركي، وعندما تكون طريقة الحياة الأميركية على المحكّ، وعندما يكون أمن حلفائها في خطر. بمعنى آخر، تقول الوثيقة إنّ احتمال التدخّل العسكري الأميركي في الأزمات الدولية سيكون في حدّه الأدنى عندما لا تكون مصالح الولايات المتحدة الأميركية الحيوية مهددة بصورة مباشرة. وأنّه في هذه الحالة ستسعى الإدارة الأميركية لتعبئة حلفائها وشركائها لتحمّل مزيد من العبء وتحقيق نتائج فعالة ومتفقة مع القانون الدولي. بينما تمثَّل الهدف الثاني بتقوية الأمن الداخلي الأميركي والثالث بمكافحة التهديد المستمر للإرهاب. وأكّدت الوثيقة في هذا الصدد أنّ تنظيمات مثل القاعدة وداعش قد تمثّل خطرًا على الأمن الداخلي الأميركي ورفضت في الوقت نفسه أكذوبة أنّ الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءَها في حالة حرب مع الإسلام وفضّ لت استخدام أنّها في حالة حرب مع التطرف العنيف في العالم10. أمّا الهدف الرابع، فتجسّد في بناء القدرات بهدف منع الصراعات؛ وذلك عبر تأكيد الوثيقة أنّ الولايات المتحدة الأميركية ستدعم قدراتها على منع الصراعات بين الدول وفي داخل الدول. وأكّدت الوثيقة أن اعتداء روسيا على أوكرانيا واستفزازات كوريا الشمالية وانتهاكاتها تعرّض القواعد الدولية المستقرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية للخطر، وأنّ الدبلوماسية الأميركية مدعومة بأدواتها العسكرية ستظل قادرة على ردع الأفعال الصادرة عن تلك الدول غير المسؤولة. في حين تمثّل الهدف الخامس بمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل واستخدامها بوصفها التهديد الأكبر للسلام والاستقرار الدوليين. وفي هذا الصدد، أكّدت الوثيقة أنّ الاتفاق النووي مع إيران هو الحل الأمثل، ولكن تظلّ كلّ الخيارات لتحقيق هدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي مطروحة على الطاولة11. في حين يتمثّل الهدف السادس بمواجهة التغير المناخي، والسابع ضمان النفاذ إلى الفضاءات المشتركة (الأمن السيبراني، وأمن الفضاء، والأمن البحري والجوي)، والثامن زيادة أمن الصحة العالمية12.

وفي الجزء الخاص بالرفاهية، أكّدت الوثيقة أنّ الاقتصاد الأميركي كفيل بضمان القوة العسكرية الأميركية والنفوذ الدبلوماسي الأميركي، وضرورة تنويع مصادر الطاقة في العالم، ووضعت هدفًا إستراتيجيًا بإزالة الحواجز أمام الصادرات الأميركية ووضعها في مركز منطقة تجارة عالمي من خلال إبرام اتفاقيات مع آسيا وأوروبا، ووضع حد للفقر في العالم13. أمّا في الجزء الخاص بالرفاهية، فأكّدت الوثيقة

  1. 13 معهد ليفانت للدراسات استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2015،، ص.11 - 10
  2. استراتيجية الأمن القومي الأميركي 2015، معهد ليفانت للدراسات، 2015/4/8، ص 7، على الرابط: http://goo.gl/PbhY4K.
  3. The National Security strategy… ," pp. 10 - 11.
  4. Ibid., pp. 10 - 14.
  5. 9  Ibid., pp. 4 - 5.

أنّ الولايات المتحدة الأميركية يجب أن تلتزم تطبيق قيمها في الداخل وتشجيع تطبيقها على المستوى العالمي، وأكّدت دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة والشباب والمجتمع المدني والصحفيين ورجال الأعمال بوصفهم روّادًا في عملية التغير في المجتمعات؛ وذلك بالتوازي مع مصالح الولايات المتحدة الأميركية السياسية. واعترفت الوثيقة بأن ثورات الربيع العربي فشلت، إلا أنّها أقرّت في الوقت نفسه بأنّ التغيير في دول الشرق الأوسط آتٍ لا محالة14. أمّا الجزء الرابع والأخير والخاص بالنظام الدولي، فتناول تأكيد الإدارة الأميركية سياسة إعادة التوازن مع آسيا والباسفيكي، وتقوية تحالفها مع أوروبا، والسعي إلى تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتعميق التعاون الاقتصادي والأمني مع القارة الأميركية. فقد أكّدت الوثيقة أنّ الولايات المتحدة الأميركية ستظلّ قوة باسفيكية، وأنّها ترحّب بصعود الصين المستقرة المسالمة والمزدهرة، وأنّها تسعى إلى علاقات بنّاءة مع الصين تحقق منافع الشعبين الأميركي والصيني. ومع تأكيد الوثيقة أنّ هناك منافسة بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، فهي ترفض المواجهة الحتمية بينهما. وأكّدت الوثيقة أيضًا أنّ الولايات المتحدة الأميركية ستدير المنافسة مع الصين من موقع القوة، مع تأكيدها ضرورة احترام الصين القواعد والقوانين الدولية التي تراوح بين الأمن البحري والتجارة وحقوق الإنسان، وأنّ الولايات المتحدة الأميركية ستراقب عن كثب التحديث العسكري الصيني وتوسّع وجودها في آسيا15. وفي ما يتعلق بأوروبا، أكّدت الوثيقة الحفاظ على التزام الولايات المتحدة الأميركية الدائم والعميق نحو أوروبا حرة وكبيرة ومسالمة، وأن حلف الناتو يمثّل مركز الشبكات الأمنية العالمية. وأكّدت الوثيقة فرض عقوبات مكبّلة على روسيا مع فتح الباب للتعاون معها في مجالات أخرى، إذا اختارت مسار التعاون. وفي ما يتعلق بالشرق الأوسط، أكّدت الوثيقة أنّ الولايات المتحدة الأميركية ترى أنّ حلّ الصراعات في الشرق الأوسط يتطلب ما هو أكبر من وجود القوة الأميركية هناك واستخدامها، وأنّ ذلك يتطلب أولً وجود شركاء قادرين يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، ورفع الظلم الذي يتعرض له السنّة في العراق، والعمل مع الحلفاء والشركاء للتوصل إلى اتفاق شامل مع إيران، والتزام حلّ الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني على أساس حلّ الدولتين بما يضمن أمن إسرائيل وحياة فلسطين، ودعم جهود حلّ الصراع بين الشيعة والسنّة في المنطقة، وأخيرًا مساعدة الدول التي في مرحلة التحوّل الديمقراطي نحو الديمقراطية (تونس نموذجًا.) وفي ما يتعلق بمصر، أكّدت الوثيقة حفاظ الولايات المتحدة الأميركية على التعاون الإستراتيجي معها لتمكينها من الاستجابة للتهديدات الأمنية المشتركة بينهما. أمّا في ما يتعلق بأفريقيا، فأكّدت الوثيقة توجّهًا إستراتيجيًا كبيرًا وعميقًا نحو الاستثمار في القارة الأفريقية بصورة مفصّلة وحافلة بالمبادرات المختلفة. أمّا خاتمة الوثيقة، فأكّدت الترحيب مرةً أخرى بالصعود السلمي للدول الأخرى بوصفها شريكة بهدف تحمّل عبء الحفاظ على النظام الدولي المستقر والمزدهر، ولا يمنع ذلك من إدارة التنافس مع تلك الدول من موقع القوة الأميركية. ثم أكّدت الوثيقة قدرة الولايات المتحدة الأميركية على التكيّف وعلى التعافي من الانتكاسات بدرجة أكبر من أيّ دولة أخرى في العالم واختتمتها بتأكيد أنّ القيادة الأميركية للعالم في القرن الحادي والعشرين لا غنى عنها على الإطلاق16.

رؤية تحليلية للإستراتيجية الأميركية الجديدة: مؤشرات إستراتيجية جديدة وملامح التغير عن وثيقة 2010

تُعرّف الوثيقة الجديدة التي جرى الإعلان عنها بعد أكبر فجوة بين الوثائق الإستراتيجية الأميركية منذ الإعلان عن أول وثيقة أميركية في 1987، السياسة الخارجية لإدارة أوباما الثانية بأنّها ستكون سياسة مقيّدة؛ فقد تبنّت الوثيقة الاق اررب الحذر والمقيّد في استخدام القوة العسكرية الأميركية في العالم والطموح إلى تسهيل اندماج القوى الصاعدة في العالم في النظام العالمي الليبرالي. بمعنى آخر، يتمثّل الموضوع الرئيس في الوثيقة بتقييد استخدام القوة العسكرية الأميركية؛ وذلك بالتزامن مع تدعيم القيادة الأميركية للعالم والحفاظ عليها وعلى نظام دولي يرتكز على حكم القانون وذي خصائص وسمات ليبرالية. ويمثّل ذلك استمرارًا للنهج الذي تبنّته الإدارة في وثيقة 2010. وكانت الإدارة الأميركية قد واجهت انتقادات حادة بسبب سلبيتها في مواجهة تهديدات متصاعدة، مثل تهديد الدولة الإسلامية في بلاد العراق والشام والاعتداءات الروسية على أوكرانيا. وفي محاولة الاستجابة لتلك الانتقادات، حدّدت الوثيقة فلسفة

  1. The National Security strategy… ," pp. 19 - 22.
  2. Ibid., pp. 23 - 24.
  3. Ibid., pp. 25 - 29.

الإدارة الأميركية على أنّها سياسة الصبر الإستراتيجي، وأنّها الحذر من التمدد في القوة الأميركية في العالم. وأكّدت في الوقت نفسه أهمية الأدوات غير العسكرية في تحقيق الأهداف الأميركية، وقوة الولايات المتحدة الأميركية من خلال إعطاء المثل والقدوة، وأهمية القيادة الأميركية للعالم بمنظور طويل المدى17. ومن خلال القراءة التحليلية للوثيقة، بإمكاننا استخلاص ستّة مؤشرات كبرى لسياسة الصبر الإستراتيجي التي ستنتهجها الإدارة الأميركية في العامين المقبلين، وهي: القيادة من الخلف ومن موقع القوة، وإعادة التوازن الإستراتيجي مع آسيا والباسفيكي، وإدارة الفوضى في منطقة الشرق الأوسط، والتوازن بين السياسة الخارجية الأميركية والسياسة الداخلية، وحرص الإدارة الأميركية على عدم تشتّتها عن أهداف طويلة المدى بأزمات متلاحقة وقصيرة المدى، وأحادية الدولار الأميركي في التعامل مع الدول المنتهكة القانون الدولي وفقًا لوجهة النظر الأميركية. وفي ما يلى تفصيل لتلك المؤشرات المحورية التي يمكن من خلالها تتبّع الاتجاه العام للسياسة الخارجية الأميركية تجاه العالم بصفة عامة، وتجاه منطقة الشرق الأوسط بصفة خاصة. يتمثّل المؤشر الأول بالقيادة من موقع القوة، والتي لا تتعارض مع القيادة من الخلف؛ وذلك من خلال تكوين تحالفات دولية لمواجهة التهديدات العالمية الكبرى بدلً من الذهاب بعيدًا إلى صراعات فردية ومباشرة قد تستنزف قدرات الولايات المتحدة الأميركية، وذلك على النقيض ممّ فعلته إدارة جورج دبليو بوش في ثماني سنوات، ومن ثمّة يمكن المحافظة على موارد الولايات المتحدة الأميركية المحدودة. وعليه، تقع مسألة تشكيل تحالفات أو تكوينها، بدلً من القيام بعمل منفرد، في صلب سياسة الصبر الإستراتيجي. وهو ما قامت به الولايات المتحدة الأميركية بالفعل في ليبيا (القيادة من الخلف)، وسورية والعراق (القيادة من الأمام، وقيادة تحالف يضم 60 دولة شريكة في حملةٍ للقضاء على داعش، أو إضعافه في سورية والعراق، ودعم المعارضة المعتدلة في سورية.) وستعتمد الولايات المتحدة الأميركية في تشكيلها تلك التحالفات على الشركاء التقليديين وشركاء جدد (إيران في حالة إتمام الاتفاق النووي)18. بمعنى آخر، هناك إدراك أميركي لحدود القوة الأميركية وضرورة تحميل العبء للشركاء والحلفاء في تحمّل مسؤولياتهم على المستوى الإقليمي والدولي وإنهاء مشكلة "الراكب المجاني" عندما يتعلق الأمر بالأمن الدولي. ويعني ذلك أنّه يجب أن لا تقوم الولايات المتحدة الأميركية بكلّ شيء عندما يتعلق الأمر بالأمن. ولكنّها في الوقت نفسه يجب أن تقود كلّ شيء، حتى ولو كان ذلك من الخلف19. وتكشف الوثيقة أنّ التحوّل الأكبر في عهد إدارة أوباما هو التحوّل من خوض الحروب المكلفة إلى العمليات الموجّهة وإعادة بناء أولوياتها بناءً على إداركها حدود قدراتها ومحدودية تأثير القوة العسكرية الأميركية مقارنةً بالأدوات الأخرى التي تسعى لتفعيلها20.

وهكذا، تدفع الوثيقة الجديدة نحو مزيدٍ من التركيز على تطوير اقتراب القيادة الأميركية من خلال مزيد من التعاون ومزيد من تحمّل حلفائها العبء. فقد نصّت وثيقة 2010 على أنّ القيادة الأميركية للعالم لا يمكن استبدالها، وأنّه لا توجد دولة في العالم يجب أن تكون في وضع القيادة العالمية سوى الولايات المتحدة الأميركية. إلا أن الوثيقة الجديدة 2015 تؤكّد أنّ القيادة الأميركية واجهت تحديات غير مسبوقة، وهو ما لا يفرض التساؤل بخصوص إذا ما كان على الولايات المتحدة الأميركية أن تقود أو لا، ولكن التساؤل المطروح هو كيف يمكنها أن تقود العالم. وتؤمن الوثيقة أنّ أفضل الوسائل لتقوية وضع القيادة الأميركية في العالم يتمثّل بالتزامها أهدافها الإستراتيجية، وتقوية اقتصادها القومي، وأن تصبح مثالً يُحتذى به في الديمقراطية وحكم القانون، وبناء تحالف دولي قويّ، واستخدام القدرات المختلفة للولايات المتحدة الأميركية، واتّباع إستراتيجية ومنظور طويل المدى في التعامل مع الأزمات الدولية. ويتّسق ذلك مع الإستراتيجية العسكرية الأميركية التي صدرت في 2011 والتي رأت أنّ من واجب الولايات المتحدة الأميركية دفْع حلفائها إلى خط المواجهة، إذا أرادت الحفاظ

  1. Jacob Parakilas, "Obama's 'Strategic Patience' Remained Ill-Defined," Chatham House, The Royal Institute of International Affairs , 9/2/2015, viewed 20/4/2015, at: http://www.chathamhouse.org/expert/comment/16861.
  2. الزيدي.
  3. حسام مطر، "استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2015: استمرار 'الأوبامية"'، موقع العهد الإخباري، 2015/2/7، شوهد في 2015/3/1، على الرابط: http://www.alahednews.com.lb/106990/4.
  4. منار الشوربجي، "قراءة في استراتيجية الأمن القومي الأميريكية"، البيان، 2015/2/26، شوهد في 2015/3/2، على الرابط: http://www.albayan.ae/opinions/articles/2015-02-26-1.2320109.

على قيادتها العالمية وإفساح المجال لقيادتها غير المباشرة للأزمات الدولية سواء بوصفها مسهّلً لحلّها أو حاميةًالقوى الإقليمية حليفتها. وقد أكّدت المراجعة الإستراتيجية الأميركية للدفاع في 2014 المنطق نفسه، وهو ضرورة حصول الولايات المتحدة الأميركية على مساعدة، بل استخدام حلفائها. وللتدليل على ذلك، تذكر الوثيقة الجديدة اليابان عشر مرات بالمقارنة مع وثيقة 2010 التي ذكرتها خمس مرات فقط، بخاصة عندما يتعلق الأمر بالدفاع الصاروخي وأزمة كوريا الشمالية وإعادة التوازن مع آسيا21. ويكمن أحد مصادر الخطر الرئيسة لهذه الإستراتيجية في احتمال فقدان الثقة بقوة الولايات المتحدة الأميركية بين حلفائها وشركائها؛ فاليابان والاتحاد الأوروبي أصبحت لديهما مخاوف شديدة تتعلق بتلك الإستراتيجية، بخاصة عند احتمال مواجهة ضغوط أمنية وأزمات دولية حادة في المستقبل22. فيشير مفهوم الصبر الإستراتيجي إلى أن أفضل طريقة للاستجابة أو للتعامل مع عدوٍ محتمل أن تدع الخصم يستنفد طاقته وموارده. فإذا فعل الخصم ذلك، فإنّ قوّته ستبدّد وتتمزق وتضعف، بينما تحتفظ الولايات المتحدة الأميركية بمواردها واحتياطياتها. وعندما يكون متحدّو الولايات المتحدة الأميركية في وضعٍ أضعف، تصبح الإدارة الأميركية في وضع أفضل للسيطرة على الوضع وفرض أيّ تسوية بشروطها. ويمثّل ذلك مصدر قلق وتوتّر شديدين في العلاقات الأميركية - اليابانية، على الرغم من تأكيد إدارة أوباما التزامها مساعدة اليابان والدفاع عنها، بما فيها الجزر المتنازع عليها بين اليابان والصين. لكن يظلّ القلق سواء لدى اليابان أو بعض الدول في آسيا التي تنظر بتشكّك إلى علاقاتها الأمنية مع واشنطن، في ضوء تنامي روابطها الاقتصادية وتزايدها مع الصين، وفي ضوء امتناعها عن التورط في صراعات عسكرية كبيرة وترك خط الدول الإقليمية الحليفة لها على خط المواجهة ودعمها من الخلف فقط. وهناك تخوفات مشابهة في أوروبا؛ فمنذ عامٍ مضى، جرى تسريب تسجيل سرّي لوزير خارجية بولندا قال فيه: "إنّ التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية يخلق إحساسًا خاطئًا بالأمن قد تكون عواقبه خطيرة إذا أرادت بولندا أن تبحر في الأزمة الأوكرانية"، في إشارة منه أنّ بولندا قد تتُرك على خط المواجهة العسكرية مع روسيا من دون تدخّلٍ حاسم من الإدارة الأميركية23. ويتمثّل أفضل تطبيق لمفهوم الصبر الإستراتيجي بسورية وأوكرانيا؛ ففي الأزمة الأوكرانية قد تؤدي العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا وأسعار الطاقة المنخفضة إلى تقويض صدقية الرئيس فلاديمير بوتين وشعبيته، ولكنّها قد تؤدي أيضًا إلى انهيار الاقتصاد الأوكراني وزيادة حمّ م الدماء. وفي سورية، قد يدخل القاعدة وتنظيم داعش وحزب الله والحرس الثوري الإيراني في صراع دموي مع بعضهم البعض، ولكن بتكلفة مرتفعة جدًا، وهي زيادة أعداد المدنيين السوريين، ودول أخرى في العالم لا ترغب في أن تصبح جاذبة للمشكلات من باقي أنحاء العالم. ويعني ذلك أنّ إدارة أوباما لديها توازن صعب ودقيق بين أمرين: فمن ناحية ستصبح الولايات المتحدة الأميركية أكثر انتقائية بخصوص أين تختار أن تبادر بالفعل الخارجي، ومتى، بسبب الاقتطاعات في الميزانية في الداخل الأميركي وتزايد أعداد الدول الصاعدة في النظام الدولي. ومن ناحية أخرى، تسعى واشنطن إلى الحفاظ على هيمنتها على النظام الدولي الحالي الذي اعتمد على استعداد الولايات المتحدة الأميركية لتتحمّل نصيب الأسد في الأعباء الدولية. وتطلب الإستراتيجية الجديدة من حلفاء الولايات المتحدة الأميركية أن يتحمّلوا درجاتٍ أكبر من الاستعداد للتدخّل الدولي في الصراعات والأزمات. ولكنّها قد تؤدي في المقابل إلى زيادة تشكّك حلفاء واشنطن في صدقيتها، وقدرتهم على الاعتماد عليها، عندما تكون مصالحها الاقتصادية والأمنية على المحك24. نخلص من ذلك إلى حقيقة أنّ الوثيقة أوضحت أنّ الولايات المتحدة الأميركية ابتعدت أو تحوّلت كليًا بعيدًا عن خوض حروبٍ مكلفة وذات نطاق واسع، وذلك بالتزامن مع التزامها العمل بصورة حاسمة لهزيمة التهديدات المباشرة من تنظيم القاعدة وتنظيم داعش وبناء قدرات الآخرين من الدول الحليفة والشريكة، بهدف مواجهة الأيديولوجيات المتطرفة والخطيرة. ويعني ذلك عمليًا اتّباع الإدارة الأميركية توليفة أو تركيبة، بحسب الطلب، من الضربات العسكرية المباشرة وتدريب وكلاء لها وتسليحهم في الحروب الأهلية التي ترى الولايات المتحدة الأميركية أنّها تحافظ فيها على مصالحها الأمنية، إلا أنّ معيار التدخّل في أي

  1. Xiao Tiefeng, "Comment: Obama's 2015 National Security Strategy Still Takes Precautions Against China", 28/2/2015, China Military Online , viewed 13/3/2015, at: http://goo.gl/8SQkvj.
  2. Ibid.
  3. Nikolas Gvosedev, "Obama's 'Strategic Patience' Strategy Could Backfire Among U.S. Allies," World Politics Review , 11/2/2015, viewed 14/4/2015, at: http://goo.gl/f4MMqb.
  4. Ibid.

أزمة يظلّ غير واضح تمامًا، وسيتمّ إقراره وحسمه في خضمّ أيّ أزمة في المستقبل25. أمّا المؤشر الثاني في سياسة الصبر الإستراتيجي، فيتمثّل بسياسة التوسّع الاقتصادي في آسيا والباسفيكي وإقامة شراكات اقتصادية مهمة تتّجه نحو قارتَ أفريقيا وآسيا والدول الكبرى، وهو الأمر الذي أزعج عددًا من الدول التي عدّت هذا التوجّه الأميركي الجديد تدخّلً في مجالاتها الاقتصادية الحيوية. ويُعدّ ذلك المؤشر استمرارًا لإستراتيجية إعادة التوازن مع آسيا واستكمالً لها بوصفها أولوية أميركية كبرى في ما أصبح معروفًا بإستراتيجية محاصرة الصين26. فقد أعلنت الوثيقة أن نصف معدلات النموّ في السنوات الخمس المقبلة سيأتي من آسيا. ويُساق هذا الرقم لتأكيد الأهمية الإستراتيجية للصين والمنطقة المحيطة بها. ويتواكب ذلك مع دخول الولايات المتحدة الأميركية في علاقاتٍ أمنية مع العديد من دول شرق آسيا والباسفيكي من الفلبين إلى أستراليا بهدف محاصرة الصين بعلاقات مع جميع هذه الدول، لا سيمّا الصغيرة منها كفيتنام وإندونيسيا وماليزيا (الحذِرة من هيمنة الصين)، أو الكبيرة كاليابان والهند (اللتين لديهما حساسية حيال دور سلوك صيني توسّعي في المستقبل)27. بمعنى آخر، وضعت الإستراتيجية الجديدة (آسيا - الباسفيكي) ساحة اختبار حقيقية لها؛ فهي وصفت الولايات المتحدة الأميركية دولة باسفيكية وتدعو إلى تقوية المؤسسات الإقليمية الناشئة مثل الآسيان، وقمة شرق آسيا، والأبيك؛ بهدف دعم القواعد والقوانين وبناء توافق حول التحديات الدولية وحلّ النزاعات الإقليمية سلميًا. ويشمل ذلك جهود ضمان تدفّق التبادلات والتجارة في الفضاءات المتنازع عليها، بما فيها ميثاق جديد للسلوك في منطقة بحر الصين الجنوبي المتنازع عليها بين الصين وخمس دول آسيوية، وأنّ ترْك الصين لكي تكتب هذه القواعد منفردة سيمثّل كارثة لمصالح الولايات المتحدة الأميركية28. وكان توم دينلون، مستشار الأمن القومي الأميركي الحالي، قد أوضح أنّ إستراتيجية إعادة التوازن الإستراتيجي مع آسيا في منتصف شهر آذار / مارس 2015 ترتكز على خمس دعامات أساسية: تتمثّل الدعامة الأولى في تدشين تعاون أعمق وأكثر كثافةً مع خمس دول حليفة لواشنطن في آسيا، وهي اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وتايلاند والفلبين. بينما تتمثّل الدعامة الثانية بتعميق بناء القدرات مع القوى الصاعدة في آسيا، كالهند وإندونيسيا وفيتنام وميانمار. في حين تتمثل الدعامة الثالثة ببناء علاقات بناءة مع الصين، والدعامة الرابعة زيادة درجة التفاعل والتعاون مع المؤسسات عبر القومية، مثل رابطة الآسيان وقمة دول شرق آسيا. أمّا الدعامة الخامسة فتنحصر في تفاوض واشنطن بخصوص مبادرات تجارة واستثمار جديدة، بخاصة اتفاقية الشراكة عبر الباسفيكي. ومن المتوقع أن تستمر تلك الإستراتيجية في الإدارات الأميركية المقبلة بغضّ النظر عمّن سيكون في البيت الأبيض، في 2016 أو في 2020؛ لأنّ هناك إجماعًا في الداخل الأميركي على أنّها الإستراتيجية الأقل تكلفة والأكثر تحقيقًا للمصالح الأميركية في العالم29.

ومن هنا، بإمكاننا القول إنّ الولايات المتحدة الأميركية في الوثيقة الجديدة لا تزال تأخذ احتياطاتها تجاه الصين؛ فبينما ذكرت وثيقة 2010 الصين عشر مرات، فإنّ وثيقة 2015 ذكرتها 15 مرة. وهو ما يؤكد أنّ الولايات المتحدة قد زادت تدابيرها الاحتياطية تجاه الصين. ففي وثيقة 2010، عبّ ت الولايات المتحدة الأميركية عن نيتها بناء أو إقامة علاقات إيجابية بنّاءة مع الصين وترحّب الصين بالعمل مع الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي، بخاصة في دفع النمو الاقتصادي والتعافي الاقتصادي، والتعامل مع التغير المناخي ومنع الانتشار النووي. وبينما ترفض وثيقة 2015 حتمية المواجهة

  1. Jacob Parakilas, "Obama's 'Strategic Patience' Remained Ill-Defined", Chatham House,The Royal Institute of International Affairs , 9/2/2015, viewed 20/4/2015, at: http://www.chathamhouse.org/expert/comment/16861.
  2. محمد أبو حامد، "قراءة في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2015،" الوطن)(المصرية، 2015/3/10، شوهد في 2015/4/15، على الرابط: http://www.elwatannews.com/news/details/681813.
  3. جهاد الزين، "قراءة في نص استراتيجية الأمن القومي الأمريكي للعام 2015: إدارة النهار الفوضى في الشرق الأوسط وإدارة الازدهار في شرق آسيا"، (اللبنانية)، 2015/2/17، شوهد في 2015/4/23، على الرابط: http://newspaper.annahar.com/article/214639-
  4. Detsch.
  5. Scott W. Harold, "Is The Pivot Doomed? The Resilience of America's Strategic 'Rebalance'," The Washington Quarterly 37, no.4, Winter 2015, pp

بين الدولتين وترحّب بالصعود المستقر السلمي المزدهر للصين، وتعد بتطوير التعاون مع الصين بهدف مواجهة التحديات العالمية المشتركة؛ مثل التغير المناخي، والصحة العامة، والنمو الاقتصادي، وإخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية، لكنّها استخدمت لفظ (بنّاءة) فقط في وصف العلاقات الأميركية - الصينية. وفي الوقت نفسه، تشير الوثيقة أنّ الولايات المتحدة الأميركية سوف تتحكّم في التنافس الأميركي - الصيني من موقع القوة وستطلب من الصين التقيّد بالقواعد والمعايير الدولية في مجالات الأمن البحري والتجارة وحقوق الإنسان. وهو ما يبُرز بوضوح حذرًا أميركيًا وإجراءات احترازية ضد الصين في تلك القضايا الخلافية30. وفي سياق الإستراتيجية نفسها، نلاحظ في الوثيقة حرص الإدارة الأميركية على الاندفاع نحو الهند وعلى تقوية رابطة الآسيان وتدعيمها في مواجهة الصين؛ فأحد الأهداف الإستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة الأميركية يتمثل بتقوية الشراكة الاقتصادية والسياسية مع الهند. وهو ما يمثّل تهديدًا مباشرًا للصين في سياق الإستراتيجية الأميركية لإعادة التوازن مع آسيا والباسفيكي. ولذلك ستشهد العلاقات الأميركية - الهندية مزيدًا من التحسّن بصورة لافتة للنظر في السنوات المقبلة، لأنّ مزيدًا من التحوّل الهندي لفائدة العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية سيمثّل خطرًا على صداقتها التاريخية مع روسيا، وسيزيد من عدائها وتنافسها مع الصين. وبالمنطق نفسه، ومن خلال تقديم الوثيقة الدعم الكامل للاتفاق على قواعد فعّالة للسلوك في ما يتعلق ببحر الصين الجنوبي بين الصين ومنظمة الآسيان، يمكن أن نفهم أن الولايات المتحدة الأميركية تقول إنّها تريد لدول الآسيان أن تتجمّع في مواجهة الصين. فإذا أخذنا في الحسبان أنّ الصين تفضّ ل التعامل بصورة ثنائية مع كلّ دول جنوب شرق آسيا في حلّ قضية بحر الصين الجنوبي، فإنّه يمكن فهم رغبة الولايات المتحدة الأميركية في تحويل هذا التجمّع الإقليمي عضوًا في تحالفاتها ضد الصين. والدليل على ذلك تأييد الوثيقة أنّ الآسيان يجب أن تتفاوض بصورة جماعية مع الصين في ما يتعلق بقضية بحر الصين الجنوبي. وهو ما لن يتمّ النظر إليه إيجابيًا في الصين31. نخلص من ذلك إلى أنّ الوثيقة رسمت خطًا دقيقًا بين الترحيب بصعود الصين المستقر والسلمي والمزدهر، وتأكيدها أنّها ستدير المنافسة معها من منطق القوة وتأكيد التزام الصين قواعد القانون الدولي وقيمه، وأنّها ستراقب توسّع الوجود والهيمنة الصينيين في آسيا. بمعنى آخر، تريد الولايات المتحدة الأميركية إظهار قدرة كافية على ردع الصين عن اتباع سلوك توسعي عدائي ضد جيرانها، ولكن من دون السماح للجهود الأميركية في احتواء الصين بأن تصبح مبررًا للمواجهة بين الدولتين في المستقبل. وعليه، يتمثّل المنطق الأميركي بإدماج الصين في قواعد النظام العالمي وقوانينه. ولكن يظلّ السؤال: ماذا ستفعل الولايات المتحدة الأميركية إذا أصبح السلوك الصيني عدائيًا في المستقبل؟ وتظلّ الإجابة عن ذلك السؤال مجهولة32. ويتمثّل المؤشر الثالث بسياسة الصبر الإستراتيجي في ما يتعلق بالشرق الأوسط؛ فقد كشفت الوثيقة الجديدة حقيقة تراجع الاهتمام الأميركي بمنطقة الشرق الأوسط بصفة عامة دون أن يعني ذلك انسحابها منها. ولم تكن الوثيقة الجديدة مُنشئة ذلك التراجع في الاهتمام الأميركي بالمنطقة، في سلّم أولويات الأمن القومي الأميركي، بقدر ما كانت كاشفة له. إلا أنّ هذا التراجع في الاهتمام الأميركي بالمنطقة، لم يمنع الوثيقة من الحديث عن توجهاتها المستقبلية تجاهها33. فقد أكّدت الوثيقة أن "حلّ الصراعات المتصلة في منطقة الشرق الأوسط وتمكين الاستقرار فيها يتطلبان وجود شركاء قادرين على الدفاع عن أنفسهم وعلى تقليل أسباب الصراع". وتتمثّل أسباب الصراع في المنطقة، بحسب الوثيقة، ب"حلّ المشكلة النووية الإيرانية، وحلّ الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، وتهدئة الصراعات الطائفية، ومساعدة الدول التي تمر بمراحل التحوّل الديمقراطي على الإصلاحات السياسية وعلى بناء قدرات الدولة." أمّا في ما يتعلق بالتغيرات السياسية الحادثة في المنطقة، فقد أكّدت الوثيقة أنّ الولايات المتحدة الأميركية ستدعم الدول التي تتحرك في الاتجاه الصحيح. وهو ما يعني مساعدة تونس أولً. أمّا في ما يتعلق بالأنظمة المستبدة، فلم تذكرها الوثيقة بالاسم، ولم تقل إنّ الولايات المتحدة الأميركية ستقطع علاقاتها بها34. بناء على ما تقدم، نلاحظ أنّ هناك استعدادًا أميركيًا لإدارة الفوضى لزمن طويل في منطقة الشرق الأوسط من العالم، مع تأكيد أنّ التفاوض مع إيران وحلّ القضية الفلسطينية هما الموضوعان الرئيسان للتعامل

  1. Xiao Tiefeng, "Comment: Obama's 2015 National Security Strategy Still Takes Precautions Against China, 28/2/2015, China Military Online , viewed 13/3/2015, at: http://english.chinamil.com.cn/news-channels/pla-daily-
  2. 34  Jacob Stokes, "Obama's National Security Strategy: A Policy of 'Sustainment'," The National Interest , 6/2/2015,viewed 18/4/2015, at: http:// goo.gl/uEJ0b4.
  3. Parakilas. 33 الشوربجي.
  4. commentary/2015-02/28/content_6372796.htm.
  5. 31  Andrew Korybko, "What Is Really Inside the US 2015 National Security Strategy," Sputnik , 11/2/2015, viewed 1/5/2015, at: http://sputniknews.com/ columnists/20150211/1018094052.html.

مع هذه المنطقة. ويعني تأكيد الوثيقة تمسّك الولايات المتحدة الأميركية بحلفائها التقليديين وبحثها عن حلفاء جدد وقادرين، أن إيران قد تصبح هي الحليف الجديد، والتي قد تساهم في احتواء الفوضى في المنطقة وإدارتها، أو على الأقل تنظيمها بما لا يجعلها تخرج عن السيطرة الإقليمية والدولية35. ويتفق ذلك مع تصريحات أوباما خلال لقائه الأخير مع توماس فريدمان، كاتب نيويورك تايمز، عقب توقيع اتفاق إيران، والذي أكّد فيه "أنّه سيُجري حوارًا [صريحًا] مع حلفاء الولايات المتحدة العرب في الخليج، سيعد خلاله بتقديم دعم أميركي قويّ ضد الأعداء الخارجيين. لكنّه سيقول لهم إنّ عليهم معالجة التحديات السياسية الداخلية،... أنّه سيبلغ دول الخليج أن عليها أيضًا أن تكون أكثر فعالية في معالجة الأزمات الإقليمية"36. ويمكن فهم تصريحاته التي تقول إنّ التحدي الذي يواجه دول الخليج العربي والدول العربية ليس من إيران، ولكن من داخل مجتمعاتها مثل التطرف الديني وعدم تعبير الشعوب العربية عن مطالبها سلميًا، في سياق استعداد الولايات المتحدة الأميركية لإدارة الفوضى التي قد تعمّ المنطقة في المستقبل المنظور من وجهة النظر الأميركية37. وفي ما يتعلق بالنفط، بعد تأكيد الوثيقة أنّ الولايات المتحدة الأميركية أصبحت أقلّ اعتمادًا على النفط الأجنبي منذ عشرين عامًا، وأنّها أصبحت المنتجة الأولى في العالم للنفط والغاز وحرصها على استمرار تدفّق نفط الشرق الأوسط إلى الأسواق العالمية، نستطيع القول إنّه يجري ترتيب الساحة الدولية لكي يتمّ الاستغناء عن النفط العربي عندما يحين الوقت لذلك في المدى البعيد. ففي سياق إستراتيجية الصبر الإستراتيجي، تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى تنويع مصادر الطاقة تمهيدًا للاستغناء عن النفط العربي ونفط روسيا38. ومن ناحية ثانية تؤكد الوثيقة إيمان الولايات المتحدة الأميركية بحيوية القيم الليبرالية العالمية والتزامها العميق دعم الديمقراطية، بخاصة دعم الديمقراطيات الصاعدة أو الناشئة. إلا أنّ الوثيقة تؤكد في الوقت نفسه وجود حالات تتطلب فيها مصالح الولايات المتحدة الأميركية الإستراتيجية أن تتعامل مع حكومات لا تشترك معها في قيمها، وستعمل على دعمها. ولكن ذلك الدعم سيكون بالتوازي مع وعيها وإدراكها تكاليف السياسات القمعية التي تتبعها تلك الحكومات على الأمن القومي الأميركي والقيم الأميركية. وهنا يطرح السؤال: هل ستدعم الولايات المتحدة الأميركية الحكومات التسلطية؟ أم ستدعم المعارضة الداخلية في تلك الدول؟ والإجابة وفقًا للوثيقة أنّ الحكم الأميركي سيكون من خلال دراسة كلّ حالة بحالة على حدة39. وبهذا تقرّ الوثيقة الإستراتيجية الأميركية بأنّ هناك أولويات متنافسة بل وأحيانًا متعارضة. ولكن الواقع العملي يشير إلى حقيقة أنّ الولايات المتحدة الأميركية تتعامل مع الدول التسلطية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو ما يدعم حقيقة أنّ العوامل الأمنية تفوّقت على عوامل القيم الأميركية بصورة دائمة ومستمرة40. أمّا المؤشر الرابع، فيتعلق بالموازنة الدقيقة بين السياسة الخارجية الأميركية والسياسة الداخلية؛ تؤكّد الوثيقة أنّ أوباما حذر في استخدام القوة العسكرية الأميركية. ولكن ذلك ليس انعكاسًا فقط لإساءة استخدام إدارتَ جورج دبليو بوش أداة القوة العسكرية على مدار ثماني سنوات، وإنّ ا هو متطلب لتطبيق إستراتيجية توزيع تحمّل العبء وإستراتيجية التحوّل العسكري الأميركي؛ ففي شباط / فبراير 2012، أصدرت الإدارة الأميركية مبادئ إستراتيجية عسكرية أميركية نصّت على ضرورة تحويل الإستراتيجية العسكرية الأميركية لكي تصبح القوات الأميركية أكثر مرونة وأكثر قدرة على الحركة لمواجهة التهديدات الأمنية الجديدة. ومن الجدير بالذكر أنّ إستراتيجية القيادة من الخلف التي اتّبعتها الإدارة الأميركية في ليبيا، كانت قد حققت الأهداف الأميركية من خلال تقوية شراكتها وتعاونها مع الحلفاء والشركاء بدلً من استخدام القوة العسكرية الأميركية على نطاقٍ واسع وممتد ومكلف، فهي تقوم على المشاركة في تكاليف العمل العسكري وحماية المصالح الأميركية. وتعتنق الإستراتيجية الجديدة الفكرة نفسها: فقد وعد أوباما باستخدام العمل الجماعي وليس العمل الأحادي في حماية المصالح الحيوية الأميركية. وهو ما يعني أنّ إدارة أوباما قد حققت إنجازًا كبيرًا في الموازنة بين "إستراتيجيتها تجاه العالم" و"سياساتها الداخلية." بمعنى آخر، تقليل تكاليف تدخّل الولايات المتحدة الأميركية في الأزمات العالمية في مقابل ضخّ مزيد من الموارد في تقوية التعافي الاقتصادي الأميركي وتدعيمه، لأنّ الإدارة الأميركية تدرك أنّ نفوذها العالمي

  1. الزين.
  2. الشروق محمد المنشاوي، "ماذا تريد دول الخليج من أوباما؟"، (المصرية)، 2015/5/1، شوهد في 2015/5/2، على الرابط: http://arabic.cnn.com/middleeast/2015/05/01/opinion-shorouk-what-gulf- wants-obama.
  3. الوطن معتز بالله عبد الفتاح، "هل أوباما غبى أم متآمر أم مثالى؟،" (المصرية)،
  4. الزين. 39  Parakilas.
  5. 2015/4/14، شوهد في 2015/5/2، على الرابط: http://www.elwatannews.com/news/details/709604.
  6. Giovanni Grevi, "Patient, Prudent, Strategic? The 2015 United States National Security Strategy," FRIDE , Policy Brief, N.194, February 2015, p.4.

يستمد بالأساس من رفاهيتها وقوتها الاقتصادية الداخلية. وقد أشار إلى ذلك أوباما في مقدمة الإستراتيجية بقوله: "لا بد أن نأخذ خيارات صعبة بين أولويات عديدة ومتنافسة ومتعارضة، وعلينا مقاومة تمدّد قواتنا الذي يحدث فقط عندما تتخذ قرارات بناءً على الخوف، فقراراتنا يجب أن ترتكز على الصبر والمثابرة الإستراتيجية"41. في حين تمثَّل المؤشر الخامس بسعي الوثيقة إلى ضمان عدم حدوث تشتت للإدارة الأميركية عن الأهداف الطويلة المدى بالأزمات القصيرة المدى: ففي سياق تعليقها على الوثيقة، أكدت سوزان رايس "أن الفزع الظاهر في التعامل الأميركي مع مشكلة أو أخرى من المشكلات الطارئة والعابرة يمكن أن يؤدي إلى تجاهل المشكلات الأطول أمدًا مثل انتشار أسلحة الدمار الشامل وتدهور البيئة وبناء نظام دولي جديد"42. وفي مقابلة تليفزيونية، اعترف أوباما أنّه قد جرى تشتيت انتباه إدارته عن الأهداف الطويلة الأمد من خلال الأزمات القصيرة الأمد، مثل ثورات الربيع العربي، على مدار السنوات الستّ الماضية، وأنّ الأزمات الجديدة التي تمتد من ظهور تنظيم داعش في الشرق الأوسط إلى الصراع في أوكرانيا لن يتمّ حلّها في المستقبل المنظور43. وعليه، يمكن القول إنّ منطق الوثيقة هو رفض توجيه كلّ موارد السياسة الخارجية الأميركية نحو منطقة واحدة أو تهديد واحد، والتركيز بدلً من ذلك على الدفاع الوطني، والأمن الداخلي، ومحاربة الإرهاب، والردع، وأسلحة الدمار الشامل، والتغير المناخي، وضمان الوصول إلى السلع العالمية (الطاقة، والفضاء، والهواء، والمحيطات)، والأمن الصحي بوصفها قضايا كبرى44. بمعنى آخر، تدعو الوثيقة إلى أن تقود الولايات المتحدة الأميركية العالم بمنظور طويل المدى؛ وذلك لكي تتمكّن من التأثير في خمسة تحولات رئيسة في العالم: تحوّل القوة، وانحسار القوة عن الدول، وزيادة درجة الاعتماد المتبادل، وصراع السلطة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتغيّ الجذري في سوق الطاقة العالمية45. ومن هذا المنطلق، فضّ ل بعض المفكرين الأميركيين استخدام مفهوم الصمود بدلً من مفهوم الصبر الإستراتيجي في فهم منطق وثيقة الأمن القومي الأميركي الجديدة، لأنّ الصمود لا يعني ببساطة انتظار التهديدات والتحديات من دون حركة، وإنّ ا يعني بناء القوة الأميركية والبقاء بصلابة وثبات في مواجهة تلك التحديات وإدارة المخاطر الإستراتيجية وتوجيه الموارد الأميركية إلى المناطق التي تكون فيها أكثر فعالية في تقليل تلك المخاطر46. أمّا المؤشر السادس، فيُعرف بأحادية الدولار الأميركي في التعامل مع ما عرفته الوثيقة بالدول المنتهكة للقانون الدولي. فقد أكّدت الوثيقة أن الولايات المتحدة الأميركية ستفرض تكلفة هائلة على منتهكي القانون الدولي من خلال العقوبات الاقتصادية الموجّهة، بوصفها أداة فاعلة في فرض تكاليف باهظة على الدول التي تخالف القانون الدولي أو الدول التي تسعى للحصول على السلاح النووي أو لإنتاجه. وعلى الرغم من أنّ الوثيقة أكّدت أنّ الولايات المتحدة الأميركية تفضّ ل العقوبات الجماعية، سواء داخل أروقة الأمم المتحدة أو خارجها، أكّدت في الوقت نفسه أنّها مستعدة لفرض عقوبات اقتصادية بطريقة أحادية، عندما يكون ذلك ضروريًا47. ويشير ذلك إلى أن سياسة أحادية الدولار الأميركي ستصبح سياسة روتينية لإدارة أوباما في السنوات المقبلة، وأنّ وزارة الخزانة الأميركية أصبحت الأداة المفضّ لة وغير القتالية في التعامل مع الدول العصيّة عليها في النظام الدولي. فقد سعت الولايات المتحدة الأميركية إلى مواجهة التهديدات الخارجية وخنق اقتصاديات الدول المعادية لها، بهدف تركيعها من خلال الشركات الأميركية الوطنية العابرة للقوميات، والعمل مع الحكومات الأجنبية سواء بصورة ثنائية أو عبر المنظمات الدولية والشبكات العابرة للحكومات48. واتبعت الولايات المتحدة هذا المنطق في التعامل مع إيران بهدف إرغامها على العودة إلى طاولة التفاوض والقبول بتسوية سلمية لأزمة البرنامج النووي الإيراني. واستخدمته أيضًا في خنق الاقتصاد الروسي بهدف رفع تكلفة الاعتداء الروسي على أوكرانيا وتهديدها جيرانها في وسط أوروبا وشرقها. بمعنى آخر، تمثّل الهدف الأميركي باتباع سياسة احتواء جديدة للسياسة الروسية التوسعية في شرق أوروبا تقوم على استخدام أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية في شنّ حرب اقتصادية مكبلة على روسيا بالتنسيق مع حلفائها الأوروبيين. فعلى مدار العقد الماضي، كانت وزارة الخزانة الأميركية تدعم أدواتها لشنّ أيّ حرب اقتصادية تستطيع من خلالها تركيع الدول من دون إطلاق رصاصة

  1. Chen Jimin, "Collective Action, Strategic Patience, and U.S. Leadership- A Review on Obama's New National Security Strategy," China-US Focus, 25/2/2015, viewed 11/4/2015, at, http://goo.gl/1L9UTq.
  2. مطر.
  3. Detsch.
  4. Stokes.
  5. Grevi, p.2.
  6. Stokes.
  7. The National Security strategy… ," p.23.
  8. Suzanne Katzenstein, "Dollar Unilateralism: The New Frontline of National Security," Indiana Law Journal 90, 2015, pp. 297 - 299.

واحدة. وتعتمد تلك الإستراتيجية الأميركية على سيطرة الولايات المتحدة الأميركية على النظم البنكية الدولية، وعلى شبكة حلفائها الدوليين49.

ملامح التغير في الإستراتيجية الجديدة 2015() عن إستراتيجية

يوجد في الوثيقة الحالية 2015() العديد من عناصر الاستمرارية مع وثيقة 2010()؛ فهي تؤكد الحاجة إلى القيادة الأميركية، وتعترف بحدود القوة الأميركية، وتؤكد تفضيلها استخدام القوة بالتعاون مع الدول الأخرى عندما يكون ذلك ممكنًا. إلا أنّ الوثيقة تبرز في الوقت نفسه التغيرات الجوهرية التي حدثت للولايات المتحدة الأميركية وللعالم منذ 2010 وحتى 2015 50. ويمكن تلخيص ملامح التغير في الإستراتيجية الجديدة عن إستراتيجية 2010 في حدوث تغيرات كبيرة في تقييم التهديدات، وانخفاض سقف الطموحات الأميركية، وظهور بوادر سباق فضاء جديد، وتوقّع مزيد من الثورات الملونة، وبناء أنظمة تحالف دولية، والانطلاق الأميركي نحو أفريقيا، ورغبة قوية في تشكيل النظام المالي العالمي، ومزيد من التركيز على داعش، واتباع خط عدائي تجاه روسيا، وتلطيف الخطاب مع إيران، واستقطاب سياسي في الداخل الأميركي. ويمكن تفصيل تلك التغيرات على النحو التالي: يتمثّل الملمح الأول بحدوث تغيرات كبيرة في تقييم التهديدات: تؤمن الوثيقة بأنّ انتشار أسلحة الدمار الشامل، بخاصة الأسلحة النووية، يمثّل خطرًا شديدًا. ولكنها تتناول هذا التهديد في سياق تسويق إدارة أوباما فكرة عالم خالٍ من أسلحة الدمار الشامل والتقدّم الذي جرى إحرازه في أجندة البرامج الخاصة بتخفيض مستويات التسلح النووي في العالم. بمعنى آخر، تمتدح الوثيقة جهود الإدارة الأميركية في هذا المجال. إضافةً إلى ذلك، تؤكد الوثيقة أنّ تحرّك روسيا تجاه أوكرانيا هو سلوك عدائي، وهو ما يؤكد أنّ الأمن الأوروبي وقواعد القانون الدولي الخاصة وقيمه تمنع الاعتداء على السيادة الإقليمية واستقلال الدول، لا يمكن اتخاذها على أنّها أمر مسلّم به. علاوةً على ذلك، استمرت الوثيقة في تأكيد أنّ التطرف العنيف وتزايد حدة التهديدات الإرهابية ووتيرتها يمثلّان مصدر خطر كبير على أمن الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، وأنّ تصاعد التهديدات إلى الأمن السيبراني، وتزايد تأثيرات التغير المناخي، والأمراض المعدية تجعل هناك مزيدًا من القلق بشأن فكرة الأمن العالمي. وكانت الإشارة إلى التطرف العنيف في إستراتيجية 2010 تتمّ بذكر تنظيم القاعدة فقط، أمّا الوثيقة الجديدة فتشير بالأساس إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام. وبينما كان يتمّ الإشارة إلى الأمراض المعدية في إستراتيجية 2010 بالإشارة إلى مرض الإيدز، فإنّ الوثيقة الجديدة تشير بالأساس إلى مرض الإيبولا51. بينما يتمثّل الملمح الثاني في انخفاض سقف الطموحات الأميركية: على الرغم من أنّ وثيقة 2015 تؤكّد حقيقة أنّ الولايات المتحدة الأميركية لا تزال قوية، فهي تعترف صراحة بأنّ مواردها ونفوذها ليسا بلا نهاية، وأنّها يجب أن لا تحلّ دائمًا كلّ المشكلات في العالم، وهو ما يتطلب اتباع سياسة الصبر الإستراتيجي في التعامل مع الأزمات الدولية، واستخدام الدبلوماسية أولوية على العمل العسكري، وتجنّب تمدد الموارد الأميركية إلى مدى بعيد52. فمنذ سقوط الاتحاد السوفياتي أصبح النظام العالمي في وضعٍ غير مسبوق تمثّل في أحادية أميركية تشابهت إلى حدٍ كبير مع فترة قوة الإمبراطورية الرومانية وهيمنتها في القرون الماضية. فعلى مدار عقدين سابقين، وقفت الولايات المتحدة الأميركية منفردة بوصفها قوة عظمى أحادية في العالم. وقد أعطى ذلك التفوّق الأميركي قدرة هائلة على حرية الحركة الإستراتيجية للإدارات الأميركية، بخاصة في مجال العمل العسكري، في العصر الحديث. إلا أنّه مع ظهور عدد من القوى الدولية الأخرى على الساحة الدولية وظهور سلبيات التدخّل العسكري الأميركي في العالم، أصبحت السيطرة أو الأحادية الأميركية مثل المدّ الذي ينحسر. فقد أدّت حرب العراق في 2003 إلى إزاحة صدام حسين، إلا أنّها تركت العراق في فوضى شاملة وأتاحت الفرصة لإيران للتوسع في نفوذها الإقليمي، ولم تصبح أفغانستان دولة ديمقراطية، ولم يتحقق السلام بين إسرائيل وفلسطين، ولم يتمّ ردع كوريا الشمالية عن بناء سلاح نووي. إضافةً إلى ذلك، لم تحقق القوة العسكرية الأميركية أيّ مكاسب داخلية للولايات المتحدة الأميركية. فقد خلصت دراسة حديثة أجرتها جامعة هارفارد الأميركية إلى أنّ تكلفة الحربين في العراق وأفغانستان تقدَّر ما بين 4 إلى 6 تريليون دولار أميركي وأكثر من 6700 قتيل و 51 ألف مصاب.

  1. محمد مطاوع، "تفسير السياسات الأمريكية - الأوروبية والروسية تجاه الأزمة الأوكرانية: إدراكات مختلفة، ومصالح متعارضة ومتشابكة، وسيناريوهات مستقبلية"،
  2. The National Security strategy… ", p.2. 51  Tiefeng.
  3. سياسات عربية، المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات، آذار/مارس 2015، ص.18
  4. Ibid.

وقد أدى النقاش حول طريقة استخدام القوة الأميركية في الخارج إلى استقطاب في الحياة السياسية الأميركية؛ فبينما يطالب البعض، بخاصة الجمهوريين، بمزيد من التدخّل العسكري الأميركي في العالم، فإنّ الكثيرين، بخاصة الديمقراطيين وعلى رأسهم أوباما، يطالبون بمزيد من التقييد لاستخدام القوة العسكرية في الخارج. ويدافع فريق أوباما عن ذلك التوجّه بأنّه لا يوجد دليل قوي على أن 12 تريليون دولار أنفقتها الولايات المتحدة الأميركية على أداتها العسكرية منذ نهاية الحرب الباردة، قد أدّت إلى تحسّن الاقتصاد الأميركي53. وتؤكد الوثيقة تراجع الولايات المتحدة الأميركية عن التدخّل العسكري في العالم بعد حربَ العراق وأفغانستان، ويتواكب ذلك مع الاستقطاعات في نفقات الجيش الأميركي التي ستقلل عدد القوات الأميركية العاملة إلى أقل من 500000 جندي. وهو ما يعني أن التدخّل العسكري الأميركي سيكون خارج طاولة أدوات السياسة الخارجية الأميركية ما لم يتمّ تهديد المصالح الأميركية وأرواح الأميركيين مباشرة54. وتعدّ تلك المرة الأولى التي تنصّ فيها وثيقة إستراتيجية أميركية على أنّ الولايات المتحدة الأميركية في تراجع نسبي وليس مطلقًا. فعلى الرغم من تأكيد الوثيقة أنّ الولايات المتحدة الأميركية ستظل القوة العظمى في العالم في المستقبل القريب، أكّدت أنّ قدرتها على ممارسة دورها الإمبراطوري في العالم ستصبح محدودة55. أمّا الملمح الثالث فيتجسد في ظهور بوادر سباق فضاء جديد؛ فقد أعلنت الوثيقة أنّ الولايات المتحدة الأميركية ستعمل على تطوير التكنولوجيا واستخدام كافة الأدوات الأميركية لردع أيّ جهود تهدف إلى مهاجمة أنظمتها في الفضاء الخارجي. ويشير ذلك النص صراحة إلى اتجاه الإدارة الأميركية إلى عسكرة الفضاء الخارجي وستعمل روسيا والصين على الرد على ذلك التوجّه الأميركي لكي تظلّ في دائرة التنافس على الفضاء الخارجي. في حين يتمثّل الملمح الرابع بتوقّع مزيد من الثورات الملونة؛ في الجزء الخاص بالقيم في الوثيقة أكدت الإدارة الأميركية أنّها ستتواصل مع الفاعلين من غير الدول في أنحاء العالم، بخاصة وأنّ الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان مرتبط بصورة دائمة ومستمرة بالمصلحة القومية الأميركية: "لن تدعم الولايات المتحدة الأميركية الديمقراطيات الناشئة فقط، بل ستوفر أيضًا الدعم المباشر للمجتمعات المدنية وتعمل على وجود روابط وصلات بين قادة المستقبل في الحكومات والشركات والمجتمع المدني." ويمكن قراءة ذلك على أنّه دليل إرشادي على ثورات ملونة في المستقبل. والدليل على ذلك نصّ الوثيقة على أنّ "الحكومة الأميركية ستقف إلى جانب مواطني الدول عندما تكون ممارساتهم الديمقراطية في خطر، على سبيل المثال فنزويلا"56. بينما يتمثل الملمح الخامس ببناء أنظمة تحالف دولي؛ فقد حددت الوثيقة عددًا من التحالفات التي ستشكّل خريطة نظام التحالف الأميركي في كلّ منطقة من العالم. ففي أوروبا، أكدت الوثيقة دعم الولايات المتحدة الأميركية، من خلال حلف الناتو، طموحات دول البلقان ودول شرق أوروبا تجاه كلٍ من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وهو دليل على دعم الولايات المتحدة الأميركية توسع حلف الناتو ليضم جورجيا وأوكرانيا ومولدوفا. وفي آسيا، حددت الوثيقة دولً أعضاء في قلب التحالف الأميركي - الآسيوي هي اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، ودولً أعضاء أخرى في محيط التحالف، هي الفلبين وتايلاند ونيوزيلاند، وشركاء إستراتيجيين هم الهند وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا. في حين يتمثل الملمح السادس بالانطلاق الأميركي نحو أفريقيا: جاءت الإستراتيجية الأكثر تفصيلً في الوثيقة عن أفريقيا، فقد انقسم التدخّل الأميركي العميق والنافذ في أفريقيا إلى مستويين اقتصادي وعسكري. على المستوى الاقتصادي، تريد الولايات المتحدة الأميركية استخدام قانون النموّ والفرص الأفريقي، ومبادرة تمكين أفريقيا، ومبادرة تجارة أفريقيا، ومبادرات الاستثمار في أفريقيا لتحقيق مزيد من النفوذ لها في القارة الأفريقية. أمّا على المستوى السياسي، فإنّه في حالة اندلاع الصراعات في القارة الأفريقية، ستعمل الولايات المتحدة الأميركية على تقوية قدرات المنظمات الإقليمية وتدعيمها، مثل الاتحاد الأفريقي وتدعيم قوات حفظ سلام أفريقية، وهي نسخة قارية لإستراتيجية القيادة من الخلف للقارة الأفريقية في ضوء التنافس الإستراتيجي الكبير بين الولايات المتحدة الأميركية والصين على النفوذ في أفريقيا57. تجسّد الملمح السابع في رغبة الولايات المتحدة في تشكيل النظام المالي العالمي: تهدف الولايات المتحدة الأميركية من اتفاقيات التجارة والاستثمار التي تحاول إبرامها مع كلٍ من آسيا وأوروبا، واتفاقيتي الشراكة عبر المحيط الهادي TPP() والشراكة عبر الأطلنطية في التجارة والاستثمار TTIP()، وإصلاح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إلى تقوية الاقتصاد الأميركي الذي هو أساس الأمن القومي الأميركي

  1. David A. Shlapak, "Towards A More Modest American Strategy," Survival 57 , no.2, April-May 2015, pp. 60 - 62.
  2. Detsch.
  3. الشوربجي.
  4. Tiefeng.
  5. Ibid.

ومصدر القوة والنفوذ الأميركيين الخارجيين. وستستخدم الولايات المتحدة الأميركية مجموعة العشرين ومنظمة التجارة العالمية بهدف مواجهة صعود بدائل مالية غير غربية، مثل بنك مجموعة البريكس والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، والذي يمثّل تحديات خطيرة لهيمنة الولايات المتحدة الأميركية الاقتصادية على العالم58. وتهدف الإستراتيجية الأميركية الاقتصادية، وفقًا للوثيقة، من خلال إبرام اتفاقيتَي الشراكة عبر المحيط الهادئ والشراكة عبر الأطلنطية في التجارة والاستثمار، إلى إزالة الحواجز أمام الصادرات الأميركية ووضع الولايات المتحدة الأميركية في مركز منطقة تجارة حرة تغطي ثلثي الاقتصاد العالمي59. ويتمثّل الملمح الثامن في أنّ الولايات المتحدة الأميركية تتبع خطًا عدائيًا تجاه روسيا، وتعطي مزيدًا من التركيز على تنظيم داعش، وتعمل على تلطيف الخطاب مع إيران: فقد أدى العدوان الروسي على أوكرانيا إلى حدوث تحوّل عن هدف بناء علاقات قوية مع موسكو في وثيقة 2010 إلى الحاجة إلى ردع روسيا اليوم من خلال فرض مزيد من التكاليف على سلوكها العدائي سواء تجاه أوكرانيا أو تجاه دول وسط أوروبا وشرقها، ومن خلال دعم سيادة دولها المجاورة واستقلالها. ومع ذلك، تركت الإدارة الأميركية الباب مفتوحًا للتعاون مع روسيا بخصوص القضايا ذات الاهتمام وذات المصلحة المشتركة60. ومن ناحية أخرى، رأت الوثيقة أنّ هناك انتكاسة ديمقراطية في الشرق الأوسط وصراعًا طائفيًا يمتد من بيروت إلى بغداد أدّى إلى ظهور مجموعات إرهابية مثل تنظيم داعش61. وبالتزامن مع إعلان وثيقة الأمن القومي الأميركي الجديدة، أعلن البيت الأبيض عن شنّ عشر غارات جوية في سورية، وثماني غارات في العراق ضد تنظيم داعش. ويمكن القول إنّ النهج الذي ستسير عليه الإدارة الأميركية في التعامل مع داعش في العامين المقبلين يرتكز على تنفيذ غارات بطائرات من دون طيار، وعلى عمليات للقوات الخاصة، وعمليات تجسس وقوات وكيلة تعمل على الأرض في مناطق نشاط الولايات المتحدة الأميركية. ويمثّل ذلك نهجًا يمكن السيطرة عليه أكثر من الحروب البرية التي خاضتها الولايات المتحدة الأميركية في العراق وأفغانستان. ويعني ذلك تحضير الولايات المتحدة الأميركية لحربٍ طويلة المدى ضد أعدائها من الإرهابيين دون التزامها وضع قوات أميركية على الأرض بصورة قد تؤدّي إلى معارضة محلية ودولية62. تجاهلت الوثيقة الجديدة تجاهلً تامًا دعم إيران الإرهاب وزعزعتها أمن منطقة الشرق الأوسط واستقرارها، وسجلّها السيء في مجال حقوق الإنسان. وقد تناقض ذلك مع وثيقة 2010 التي ذكرت فيها أنّ من أهداف الولايات المتحدة الأميركية "دفع إيران للابتعاد عن سياستها التي تسعى من خلالها إلى امتلاك أسلحة نووية، ودعم الإرهاب، وتهديد جيرانها." وبمراجعة نص الوثيقة، نلاحظ أنّ إيران جرى ذكرها تسع مرات دارت كلّها حول موضوعين رئيسين؛ وهما منع انتشار أسلحة الدمار الشامل واستخدامها، والسعي إلى تحقيق الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط. ونستشف من الوثيقة اتّجاه الولايات المتحدة الأميركية لزيادة درجة تعاونها وتنسيقها مع إيران في المستقبل المنظور63.

في حين تمثَّل الملمح التاسع والأخير بانعكاس حالة الاستقطاب السياسي في الداخل الأميركي في الوثيقة. تقوم الأمور الداخلية التي تراوح بين التعليم والصحة والتمويل، بدور مهمّ في الوثيقة الجديدة. وتؤكد الوثيقة في أكثر من موضع أنّ حالة الاستقطاب السياسي التي يشهدها الداخل الأميركي لها تأثيراتها الإستراتيجية العميقة في قوة الولايات المتحدة الأميركية في التعامل مع العالم الخارجي، بحيث يقوّض الاستقطاب الداخلي الوحدة الوطنية الأميركية، ويقضي على التعاون الحزبي، ويقوّض منظور القيادة الأميركية وقوتها في الخارج64. إضافةً إلى ذلك، كان أوباما قد أشار في مقدمته للوثيقة إشارة صريحة إلى خطورة الاستقطاب السياسي في الداخل الأميركي على وضع الولايات المتحدة الأميركية في العالم الخارجي، وعلى أهمية - بل

  1. Andrew Korybko, "What Is Really Inside the US 2015 National Security Strategy," Sputnik , 11/2/2015, viewed 1/5/2015, at: http://sputniknews.com/ columnists/20150211/1018094052.html.
  2. The National Security strategy… ," p.17.
  3. Grevi, p.3.
  4. The National Security strategy of the United …," p.26.
  5. عاصم عبد الخالق، "الصبر الاستراتيجي.. سلاح أوباما للأمن القومي"، جريدة عمان، 2015/5/3، شوهد في 2015/5/3، على الرابط: http://omandaily.om/?p=203299.
  6. علي حسين باكير، "لا وجود لإيران في استراتيجية الأمن القومي "!2015، تركيا بوست، 2015/2/20، شوهد في 2015/3/1، على الرابط: http://www.turkey-post.net/p-26050.
  7. Stokes.

ضرورة - استعادة "الوسط عبر الحزبي الذي ظل عبر عقود مصدر قوة السياسة الخارجية الأميركية." فبالنظر إلى حقيقة أنّ الاستقطاب السياسي في الداخل الأميركي يمنع الولايات المتحدة الأميركية من التوصّل إلى اتفاقات بشأن إصلاحات داخلية مهمة، وهو ما يؤدّي بدوره إلى إضاعة المزيد من الموارد في الميزانية الأميركية ويدفع إلى اتخاذ قرارات شديدة الصعوبة تختار فيها الإدارات الأميركية المتعاقبة بين أولوياتها الداخلية المتراكمة وأولوياتها الخارجية في بقاع العالم كافة65. وعلاوةً على ذلك، أصبح تحدّي الاستقطاب السياسي في الداخل الأميركي أكثر أهمية، لأنّ الوثيقة تدعو إلى عدد من المبادرات المهمة التي تتطلب بدورها موافقة الكونغرس الأميركي، بما فيها اتفاقية الشراكة الباسفيكية - عبر الأطلنطية واتفاقية الشراكة عبر الأطلنطية في التجارة والاستثمار، والاتفاقية الشاملة لمنع استخدام الأسلحة النووية، واتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بقانون البحار، واتفاقية إصلاح صندوق النقد الدولي66.

الخاتمة

منذ نشأتها وحتى الآن، هدفت إستراتيجيات الأمن القومي الأميركي بالأساس إلى ضمان استمرار تفوّق الولايات المتحدة الأميركية وهيمنتها وقيادتها العالم. إضافةً إلى ذلك، مثّلت هذه الإستراتيجيات وسيلة مهمة لبناء توافق داخلي بين رؤى مختلفة، وأحيانًا متعارضة ومتنافسة، للأجهزة التنفيذية الأميركية بخصوص كيفية إدارة السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية. علاوةً على ذلك، عملت تلك الإستراتيجيات على نقل الرؤية الإستراتيجية الخاصة بالإدارة الأميركية إلى الكونغرس الأميركي، وشرح موقفها في داخل الولايات المتحدة الأميركية وخارجها، فضلً عن مساهمتها في بلورة التوجهات الإستراتيجية الخاصة بكل إدارة أميركية للداخل الأميركي وللخارج (حلفاء الولايات المتحدة الأميركية وخصومها على حدٍ سواء.) وبعد مرور خمس سنوات على وثيقة 2010، جاءت وثيقة 2015 لتضع الرؤية الإستراتيجية للإدارة الأميركية الحالية التي سترتكز عليها في العامين المقبلين. وبعد قراءة تحليلية لنصّ الوثيقة، خلصت الدراسة إلى أنّ الاقتراب العام للإدارة الأميركية تجاه العالم يتمثّل بتقييد استخدام القوة العسكرية الأميركية، وذلك بالتوازي مع تدعيم القيادة الأميركية وتثبيتها للعالم وبناء نظام دولي ليبرالي يرتكز على حكم القانون. إضافةً إلى ذلك، استخلصت الدراسة ستّة مؤشرات كبرى لسياسة الصبر الإستراتيجي التي ستحكم عمل الإدارة الأميركية في العامين المقبلين: تمثّل المؤشر الأوّل بالقيادة من الخلف ومن موقع القوة، وذلك من خلال تشكيل تحالفات دولية لمواجهة التهديدات العالمية الكبرى بدلً من الذهاب منفردة إلى صراعات فردية ومباشرة. في حين تمثَّل المؤشر الثاني بإعادة التوازن الإستراتيجي مع آسيا والباسفيكي، إذ وضعت الوثيقة توازنًا دقيقًا بين ترحيبها بصعود الصين المستقر والسلمي والمزدهر، وتأكيدها أنّها ستدير المنافسة معها من منطق القوة وتأكيد التزام الصين قواعد القانون الدولي وقيمه، وأنّها ستراقب توسّع الوجود والهيمنة الصينييَن في آسيا. أمّا المؤشر الثالث فتمثّل بكشف الوثيقة استمرار تراجع الاهتمام الأميركي بمنطقة الشرق الأوسط دون أن يعني ذلك انسحاب الولايات المتحدة الأميركية منها. وخلصت الدراسة إلى أنّ هناك استعدادًا أميركيًا لإدارة الفوضى لزمن طويل في هذه المنطقة من العالم وفي الوقت نفسه ضمان عدم خروج تلك الفوضى عن السيطرة. بينما تعلّق المؤشر الرابع بموازنة الوثيقة بين السياسة الخارجية الأميركية والسياسة الداخلية، وذلك في سياق تطبيق إستراتيجية توزيع تحمّل الأعباء. وتمثَّل المؤشر الخامس بالقيادة الأميركية بمنظور طويل المدى ورفض توجيه كلّ موارد السياسة الخارجية الأميركية نحو منطقة واحدة أو تهديد واحد والتركيز بدلً من ذلك على القضايا الكبرى. في حين ارتكز المؤشر السادس على ما يُعرف بأحادية الدولار الأميركي بهدف فرض عقوبات اقتصادية موجّهة تفرض تكاليف هائلة على الدول المعادية للولايات المتحدة الأميركية. وفي النهاية، خلصت الدراسة إلى أنّ عناصر الاستمرارية في وثيقة 2015 مقارنةً بوثيقة 2010، كثيرة؛ مثل تأكيد فكرة القيادة الأميركية، والاعتراف بحدود القوة الأميركية، وتفضيل التعددية في استخدام القوة العسكرية. إلا أنّ الدراسة رصدت عددًا من ملامح التغير في الوثيقة الجديدة عن الوثيقة القديمة تمثّل بحدوث تغيرات كبيرة في تقييم التهديدات، وانخفاض سقف الطموحات الأميركية، وظهور بوادر سباق فضاء جديد، وتوقّع مزيد من الثورات الملونة، وبناء أنظمة تحالف دولية، والانطلاق الأميركي نحو أفريقيا، ورغبة قوية في تشكيل النظام المالي العالمي، ومزيد من التركيز على داعش، واتباع خط عدائي تجاه روسيا، وتلطيف الخطاب مع إيران، واستقطاب سياسي في الداخل الأميركي.