نظام موحد لامركزي:
الملخّص
تعيد هذه الورقة دراسة الجدل الدائر بشأن نموذج الحكم الأكثر ملاءمة للصومال. وتناقش في الجزء الأول، عبر الدمج بين مقاب تاا ومجموعات نقاش وتحليل وثائق وأدبيات، أربع شكاوى محلية: ضعف الثقة، والمطالبة بالديمقراطية، والحصول على الخدمات الأساسية، والمطالبة بحصة عادلة من الموارد، وهي التي تقف وراء اهتمام الناس بتوجهات اللامركزية. وترى الورقة أيض ا أن دول الجوار والمجتمع الدولي وسياسيين قبليين هم القوى الدافعة للمشروع الفدرالي القبلي الحالي. كما تبحث مدى ملاءمة مقترحات الكونفدرالية، والفدرالية، والتوافقية، واللامركزية الواردة في الأدبيات المنشورة. وتتناول في الجزء الثالث بالتحليل نتائج الدراسة والكتابات عن هذا الموضوع. وتؤكد الورقة أخيرًا أنّ نظامًا موحدًا لامركزيًا، هو نموذج الحكم الأكثر ملاءمة للصومال. فهو يتضمن أدوات مرنة، تجعله يحافظ على البلد موحدًا، مع معالجة الشكاوى المحلية، والمصالح المشروعة للجهات الخارجية.
نموذج ممكن لأرضية وسطية في الصومال
مقدمة1
يعمل الصوماليون والمجتمع الدولي، طوال العقدين الماضيين، على إعادة تأسيس الدولة الصومالية. غير أنه يوجد اختلاف في الرأي على نظام الحكم الملائم الذي بإمكانه تنظيم الصراعات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في الصومال. وتُعدّ هذه الدراسة جزءًا من بحث أوسع، يعاين مسألة أي من أنظمة الحكم تنجح بالنسبة إلى البلد وشعبه. واستُخدم في جمع معلومات هذه الدراسة، مقابلات لنخب مختارة، ومعلومات واردة عن مجموعات النقاش، وتحليل لنصوص دساتير الحكومة الصومالية والأقاليم، وخطابات لسياسيين، وأبحاث مكثفة مطبوعة أو منشورة في وسائل الإعلام.
تدرس هذه الورقة الدوافع والمظالم التي يعبّ عنها الصوماليون في رغبتهم في اللامركزية، وتناقش العوامل المحركة للمشروع الفدرالي القبلي الحالي. كما تحدد أربع شكاوى رئيسة تقف وراء نزعات النفور من المركزية: ضعف الثقة، والمطالبة بالمشاركة السياسية، والحصول على الخدمات الرئيسة، والتقاسم المتكافئ للموارد. وترى الورقة أيضًا أنّ بلدان الجوار والمجتمع الدولي والسياسيين القبليين يدعمون مقترح الفدرالية القبلية لأسباب مختلفة. وتستعرض الدراسة، علاوةً على ذلك، وتقيِّم الاقتراحات المختلفة في أدبيات الكونفدرالية والفدرالية والتوافقية والنظام الموحد اللامركزي. وتحلل بعدئذٍ، نتائج الاستعراض والأدبيات. وتخلص إلى أن نظامًا موحدًا لامركزيًا هو نموذج الحكم الأكثر ملاءمة للصومال، لكونه يتضمّن أدوات عدة بإمكانها الإبقاء على البلد موحدًا مع معالجتها الشكاوى المحلية والمصالح المشروعة للجهات الخارجية.
الشكاوى المحلية والعوامل المحركة الخارجية
تحدد الدراسة، استنادًا إلى كتابات منشورة، ومقابلات عامة، وتقارير إعلامية، وملاحظات من جرت مقابلتهم، ووثائق جرى تحليلها في سياق هذا البحث، أربعة عوامل تفسر دوافع النفور من المركزية في الصومال. أولها وربما أكثرها أهمية هو ضعف الثقة2. إذ ولّد عقد من السنين مع حكومة فاسدة 1960( - 1969)، وعقدان مع نظام عسكري قمعي 1970( - 1990)، وأكثر من عشرين سنة من الحرب الأهلية 1991( - حتى الآن) ثقافة الشك والارتياب بين صفوف مختلف الجماعات والأفراد. وكانت الحكومة المدنية الأولى، كما تدّعي هذه الرؤية، فاسدة وارتكبت ظلمً في تقاسم الموارد أو تقديم الخدمات. أمّا النظام العسكري فجعل الأمور أسوأ في اقترافه فظائع في مجال حقوق الإنسان، وفي مهاجمة القرى، وقتل المدنيين، وتشريد عشرات ألوف الصوماليين. وعلى الرغم من هذه المظالم، عاشت مختلف القبائل الصومالية مع بعضها في جميع المدن الرئيسة، حيث يستقر بعضهم فيها منذ قرون. إلّ أنه خلال الحرب الأهلية، ارتكبت الفصائل الصومالية بقيادة أمراء الحرب فظائع متعددة ضد المدنيين، عبر قتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين. فطردوا بطرق منظمة الأسر والجماعات من ديارها. ووقعت مقديشو وبيدوا وكيسمايو ومدن رئيسة أخرى تحت حكم الميليشيات القبلية التي استهدفت مواطنين بسبب انتماءاتهم القبلية. ووفقًا لأنصار منطق ضعف الثقة، لا يريد كثير من الصوماليين مواجهة تجربة أخرى مع حكومة مركزية ديكتاتورية. وفي هذا الصدد، قال مثقف يحظى باحترام كبير: "لا أريد أن أرى فصلً آخر من التجربة التي مرت بها عائلتي أول تسعينيات القرن الماضي. يجب أن نتأكد، مهما كان النظام المعتمد، أنّ الفظائع لن تحدث ثانية"ً3. والواقع أنّ أصحاب هذا الرأي يقولون إنّ كل جماعة ارتدت نحو مناطقها التقليدية بسبب ضعف الثقة بالآخرين. ثانيًا، يطالب أشخاص كثيرون يؤيدون اللامركزية بمشاركة سياسية حقيقية. ويريد الصوماليون، وفقًا لنتائج الدراسة، انتخاب ممثليهم
المحليين والوطنيين. ومرة أخرى، لا يقتصر هذا المطلب على نخبة منطقة أو قبيلة معيّنة، أو حتى طبقة معيّنة (النخبة.) بل من الشائع أن تسمع الصوماليين يقولون: "لا أريد من سلطة مقديشو أن تعي محافظ بلدتي أو حاكم إقليمي"4. وهي شكوى يتبناها صوماليون كثر، في جميع أنحاء البلاد، ضد الإدارة المركزية في العاصمة. فالحكومات السابقة هي التي كانت تعيّ الحكام والمحافظين ومفوضّي الشرطة وكل البيروقراطيين الآخرين في جميع الوزارات والمؤسسات. وكان النظام، في الواقع، شديد المركزية لدرجة أنّ قرار نقل معلم مدرسة من مكان إلى آخر كان يتخذ في مقديشو. إضافةً إلى أنه أصبح شائعًا، في السنوات الخمس الأخيرة تنظيم حزب سياسي في مكان ما والزعم برئاسة إقليم معين. والدافع خلف تكوين هذه الولايات الإقليمية هو دخول المعترك السياسي على المستوى المحلي أو الوطني. إذ تحاول الأحزاب السياسية أو المؤسسات الفكرية القوية أو أي آلية أخرى يمكن للسياسيين استخدامها، في ظل عدم وجود انتخابات، إعادة توزيع دائرة حقيقية أو متخيلة للقبيلة، ومن ثمّ تعبئة الناس وفق هذا الخط. وتفيد هذه الرؤية أنّ لدى كل قبيلة أو فرع من قبيلة ملكًا حصريًّا لمحافظة أو إقليم أو قسم من البلاد. المطلب العام الثالث هو الحصول على الخدمات الرئيسة والتوزيع العادل للموارد. ويحدد صوماليون كثر هذه المشكلة بوصفها سببًا لمعارضة نظام شديد السلطوية والمركزية. وتقدّم طبقة النخبة أيضًا هذا الرأي مع أمثلة. فبالعودة لأيام الحكم العسكري، كان على المواطنين القاطنين في أقصى الشمال أو في أعماق الجنوب الذهاب إلى مقديشو للحصول على جواز سفر أو تعليم جامعي أو عمل جيّد مع الدولة. وعادة ما يشتكي صوماليون من منابت مختلفة بالقول: "لا أريد الذهاب إلى مقديشو للحصول على جواز سفر أو تعليم جامعي. ويجب الحصول على هذه الخدمات في دياري"5. فمن الصحيح إذًا؟ أنّ الحكومات التسلطية السابقة كانت تجبر الناس على الذهاب إلى العاصمة أو إلى المدن الرئيسة للحصول على خدمات أساسية يمكن تقديمها محليًا6. وأخيرًا ربط الصوماليون الحكومة المركزية بالتقاسم غير العادل للموارد (أو sad-bursi في اللغة الصومالية.) إذ كانت مقاربة الحكومات العسكرية السابقة للتنمية الإقليمية تعسفية وغير متكافئة. فمصطلح "الموارد" يعني في الغالب مساعدات خارجية، لأن مصادر الإيرادات المحلية في البلاد زهيدة. وعدد المدن والأقاليم التي حصلت على مشروعات للتنمية ضئيل، بينما تلقت مقديشو الكثير من الاستثمارات الخاصة والعامة. فمثلً بنت الحكومة العسكرية نحو مئة مدرسة وعدة مراكز تدريب مهنية في العاصمة مقديشو. وبعبارة أخرى، كان نمو مقديشو على حساب تنمية المدن الأخرى. فاشترى قادة ومسؤولون حكوميون من كل القبائل أراضي في العاصمة وبنوا عليها فيلات فخمة. ويتعلق منحى آخر من النمو غير المتكافئ بالبنية التحتية كالطرق والموانئ. ولذلك فإنّ معظم الناس يؤيد اللامركزية بصفتها السبيل الأفضل لتجنب التطور المبالغ فيه في إحدى المناطق والتخلف في أخرى. وتشير المظالم الأربع أعلاه إلى أّنه لا يوجد خلاف يذكر بين نخبة السياسيين عندما يتعلق الأمر برفض نظام استبدادي مركزي. وبعبارة أخرى، يعتقد المعسكر المناهض للمركزية والسلطوية أنّ نظام الحكم في الصومال مستقبلً، يجب أن يكون قادرًا على معالجة ضعف الثقة بين الجماعات والأفراد، والمشاركة الديمقراطية للمواطنين، وتلبية الحكومة احتياجات الناس، وتقاسم عادل للموارد بين الصوماليين. وتدعم ثلاث قوى خارجية مختلفة المشروع الفدرالي القبلي الحالي. وتعدّ إثيوبيا وكينيا المجاورتان للصومال، المناصرتين الرئيستين للصيغة "الفدرالية" القائمة على أسس قبلية. فلقد حلّت أديس أبابا ونيروبي فعليًا محلّ الحكومة المركزية للصومال في مجالي الأمن والسياسة طوال العقدين الأخيرين. وشاركتا بنشاط على هذا المنوال، في تصميم الفدرالية القائمة وتنفيذها على أسس قبلية في الصومال منذ آخر تسعينيات القرن الماضي7. ووفقًا لمات برايدن، قدّمت إثيوبيا في منتدى شركاء الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) عام 1998، موقفها في ورقة تضمنت إنشاء خمسة أقاليم أو ستة في الصومال على أسس قبلية. ووفق اقتباس برايدن من الورقة، فإنّ أديس أبابا اقترحت "هياكل إدارية محلية تكون بمنزلة لبنات بناء" في عملية استعادة السلام وبناء الدولة في الصومال، وأنّه "يجب إعطاء دور مهم للمجتمع المدني الذي يجب أن يشجع المجتمع الدولي ظهوره
ومساهمته"8. ويلاحظ برايدن أنّ المجتمع الدولي "قبل على مضض" المقترح الأثيوبي. وهذا يعني، بالنسبة إلى برايدن، أنّ الأقاليم التي تنتج منه ستهيمن عليها أربع قبائل مسلحة: دارود، ودغل ومرفلي، وهوية، وإسحاق9. وعلى الرغم من أنّ إثيوبيا وكينيا تسعيان أحيانًا لهدفين مختلفين، فإنهما إستراتيجيًا تريدان إبقاء الصومال جارًا ضعيفًا ووديًا لسببين؛ الأول، تعتقد إثيوبيا وكينيا أنّه إذا نشأت دولة قوية في الصومال، فستعود الطموحات في صومال أكبر، أو ما تسميانه "المطامع"10. ويتفاقم هذا أيضًا مع وجود مجموعات إسلامية قوية وجيدة التنظيم في البلاد، ووجود طبقة رجال أعمال نشيطة في القرن الأفريقي11. وعلاوةً على ذلك، فإنّ لدى إثيوبيا وكينيا مشكلات أمن قومي، تدّعيان أنّ مصدرها الصومال، وخصوصًا متطرفين وقوميين في البلدين المذكورين. قدم الحكام الإثيوبيون في الماضي روايتين رئيستين: هما حماية الجزيرة المسيحية في بحر من الوثنيين، والمطالبة بممر إلى البحر12. أمّا الآن فتدعم إستراتيجية أديس أبابا الحالية تجاه الصومال روايات مشابهة، من مكافحة المطامع، والحرب على الإرهاب، والحصول على ممر إلى البحر13. وتعتقد إثيوبيا أنّ الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين وجبهة تحرير أورومو ربما تستخدمان الصومال قاعدة لتنظيم نشاطاتهما. كما أنّ لإثيوبيا بصفتها بلدًا قارّيًا اهتمامات جدية بالحصول على منفذ إلى البحر عبر الصومال. ومن المفارقات، أن مشروع الفدرالية القبلية الحالي الذي صممته إثيوبيا، يقدّم تصورًا لتقسيم الصومال إلى ستة أقاليم: أرض الصومال (أو صوماليلاند)، وأرض البنط (بونتلاند)، والأقاليم الوسطى، وهيران- شبيلي، والجنوب الغربي، وجوبالاند)، ولكل منها حدود إقليمية مع إثيوبيا، وخط ساحلي طويل14. لقد توافرت لإثيوبيا، أول مرة في التاريخ، فرصة إعادة صوغ الهياكل الإدارية للصومال.
من جهتها، تؤكد كينيا علنًا أنّ تهديدات أمنية من الصومال أضرّت بصناعتها السياحية15، ومن ثمّ فإنها تحتاج منطقة عازلة في إقليم جوبا16. وبين كينيا والصومال نزاع على الموارد تنظر فيه محكمة العدل الدولية. وأخيرًا، فإنّ إثيوبيا وكينيا قد وقّعتا اتفاقية اقتصادية وسياسية ضد الصومال منذ عام 1963 17. ولدى كلا البلدين أيضًا قوات في الصومال، وهما متورطتان مباشرةً في تشكيل الفصائل والأقاليم والسياسيين الوكلاء وإعادة تشكيلها في البلاد. وإلى جانب بلدان الجوار، دعم المجتمع الدولي (المانحون، والمنظمات الحكومية الدولية، والمنظمات غير الحكومية) اللامركزية في الصومال بطريقة نشيطة. إذ تُعدّ اللامركزية عمومًا، بالنسبة إلى المجتمع الدولي، جزءًا من ممارسات الحكم الرشيد. وتشجع المؤسسات المالية الدولية ومعظم الجهات المانحة، البلدان النامية على تحويل سلطات الحكومة الإدارية والسياسية والمالية لامركزيًا إلى كيانات محلية. كما أنّ المجتمع الدولي يرى اللامركزية الآلية الأكثر ملاءمة للبلدان الخارجة من صراعات.
وكتب شيما وروندينيلي: "يصف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمات التنمية الدولية الأخرى اللامركزية بصفتها جزءًا من الإصلاح الهيكلي المطلوب لاستعادة الأسواق، ولبناء الديمقراطية أو تقويتها، وللحكم الرشيد"18. وكتبت ليديا كابرال: "إنّ المجتمع الدولي، بتبنّيه أدبيات التمكين والكفاءة، يمثّل قوة دافعة مهمة، تضغط لتحقيق إصلاحات لامركزية"19. وبقي المجتمع الدولي، منذ انهيار الدولة الصومالية عام 1991، في مقعد القيادة، وكان يدعم أحيانًا الأجندتين الأثيوبية والكينية20. وساعد على إنشاء حكومات انتقالية، ورعى وساعد على صوغ مسوّدة الدستور الصومالي، ووفّر الشرعية لجماعات صومالية وخارجية شتّى، قامت بدورها بإنشاء أقاليم أيضًا21. علاوةً على ذلك، حاول سياسيون صوماليون من قبائل مختلفة محاباة جهات خارجية، ولا سيما إثيوبيا وكينيا، في مصالحهم القبلية والشخصية والسياسية. فلقد حاولت إدارة جوبا، والمبادرات في الصومال الوسطى، وأقاليم هيران - شبيلي، ومؤتمرا بيدوا (نظمتهما مجموعة من سياسيي قبيلتي دغل ومرفلي)، الحصول على دعم من دول الجوار. وقُسمت النخب القبلية، بكل وضوح، وفق خطوط قبلية عند التعامل مع الأقاليم الناشئة. فبالنسبة إلى سياسيين كثر من قبيلتي دغل ومرفلي، وهوية، يجب أن يوجد أربعة أقاليم فقط، بحيث تسيطر قبيلة إسحاق على أرض الصومال، وتسيطر قبيلة دارود على بونتلاند، وتحصل قبيلة هوية على الصومال الوسطى، فيما تهيمن قبيلة دغل ومرفلي على الأقاليم الستة من الأقاليم الجنوبية بما فيها جوبا، وستكون مدينة مقديشو عاصمة للبلاد. لكن على النقيض من ذلك، فإنّ إدارة جوبا وسياسيين من قبيلة دارود في مناطق أخرى تقدّموا باقتراح من خمس مناطق. وفي هذه الحالة فإنّ الجنوب غرب سيقسم إلى إقليمين وستكون جوبا السفلى وجوبا الوسطى وجيدو الدولة الخامسة تحت سيطرة دارود. وستسيطر قبيلة دغل ومرفلي على باي وباكول وشابيل السفلى. ومنح الاقتراح "النهائي" الحالي إقليمين لقبيلة دارود، وإقليمين لمناطق قبيلة هوية، بينما ترك إقليمً واحدًا لكل من قبيلتي دغل ومرفلي وإسحاق. ويبدو أنّ الاحتكار الثنائي دارود - هوية الذي حذّر منه أحمد سمتر، قد عاد بكامل قوته مرة أخرى22. وباختصار، يمكن القول إنّه على الرغم من غياب استطلاعات موثوقة للرأي العام، فإنّ المعلومات المجمّعة من مصادر متعددة، تشير إلى وجود تأييد محلي قوي للامركزية بين عدد كبير من الصوماليين. وإن ضعف الثقة بين صفوف الجماعات الصومالية، والريبة من الدولة المركزية والاستبدادية القوية، والرغبة في المشاركة السياسية، والمطالبة بالخدمات على المستوى المحلي، والعدالة في تقاسم الموارد، قُدّمت جميعها بصفتها مبررات لنزعات النفور من المركزية في البلاد. ومن ناحية ثانية، ثمة من يطعن في شكل نظام لامركزي كهذا. ففي ما يتعلق بالقوى المحركة الخارجية، فإنّ إثيوبيا وكينيا، وانطلاقًا من مصالحهما القومية، تضغطان في اتجاه نظام فدرالي قائم على أسس قبلية. كما أنّ المجتمع الدولي يؤيّد اللامركزية، وإن لم يرجّح نوعًا معيّنًا، بصفتها من مكونات الحكم الرشيد. وأخيرًا، يحابي كثير من السياسيين القبليين هاتين الجهتين الفاعلتين القويتين في مصالحهما السياسية، لاكتساب السلطة والموارد.
ما نموذج الحكم الملائم لمعالجة المظالم؟
في معرض الإجابة عن هذا السؤال، ثمّة سجال غير مكتمل بين الباحثين والسياسيين وعامة الناس على نطاق واسع. وكشفت الكتابات الحالية عن الموضوع أنّ نماذج الحكم الأربعة قد جرى اقتراحها لمعالجة المظالم أعلاه، ولتصميم آليات مؤسسية في سياق مناسب لتنظيم الصراع الصومالي. ونشر فريق من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، برئاسة البروفسور إيون لويس وجيمس مايال، عام 1995، دراسة استقصت نماذج لحكم الصومال23. وشرحت الدراسة باختصار النماذج الكونفدرالية والفدرالية والتوافقية واللامركزية. ومن ثمّ قيّمت
ملاءمة هذه النماذج للصومال، مع التأكيد أنّ لدى الآليات الأربع جميعها ميزات يمكن أن تكون ملائمة لظروف الصومال. ودراسة هذا الفريق مهمة، مع أنها قديمة وغير ملزمة في توصياتها. ويرى مؤلفو الدراسة أنّ النظام الكونفدرالي ملائم بعض الشيء للصومال. وتُعرّف الكونفدرالية بأنها "اتحاد دول." إذ تجتمع دول مستقلة معًا لأهداف محدودة، مثل الشؤون الخارجية أو الدفاع أو الاقتصاد. وتبقى السيادة في نظام كهذا مع الدول المؤسسة التي تشكّل الكونفدرالية24. وتدافع هذه الدراسة عن انسجام هذا النظام مع القيم التقليدية الصومالية. وبالنسبة إلى تقرير لويس ومايال، فهناك إمكانية أن تنشئ مختلف الأقاليم والولايات في الصومال نظامًا كونفدراليًا، "يضمّ ممثلين عن كل ولاية أو إقليم، وبضمانة احتفاظ كل إقليم بالوضع السيادي وبحق النقض الفيتو، أو سحب جميع المقترحات غير المرحب بها"25. ويتفق البروفسور حسين آدم مع مؤلّفي الدراسة. ويؤكد أن الكونفدرالية يمكن أن تكون خيارًا بين الصومال وأرض الصومال، في حال فشلت دعوات الأخيرة للاعتراف بها. وكتب "يمكن لجمهورية أرض الصومال، في غضون ذلك، تحقيق الاعتراف الدولي بها، إذا كانت قادرة على إنجاز السلام والاستقرار والإصلاحات الديمقراطية. ومن المحتمل أيضًا أن تجبرها ظروف داخلية ودولية، مع مرور الوقت، على إعادة النظر في الاستقلال الكامل وأن تختار روابط معينة مع مقديشو في كنف دولة ديمقراطية"26. وإضافة إلى ما سبق، يرى ريتشارد داودن أنّ الصوماليين سيستفيدون من النموذج السويسري للكونفدرالية، حتى لو كانوا أمّة واحدة. ويقول: "النموذج بالنسبة إلى الصومال هو سويسرا"27. ومع ذلك، لا يتفق عديدون مع المقترح الكونفدرالي، ويجادلون بأن الفدرالية ملائمة أكثر لظروف الصومال. وتعرّف الفدرالية وفقًا لواتس بأنّها "جمع بين حكم مشترك وحكم ذاتي إقليمي في نظام سياسي واحد، بحيث لا يتبع أي منهما الآخر"28. وقد اُقترح هذا النظام في الصومال على مستويين: ضمن الصومال وبين مجموعة دول. فقد أشار بعض السياسيين والباحثين إلى أنّ نظامًا فدراليًا بين إثيوبيا والصومال سيعالج الصراع الأوسع بين البلدين. ووفقًا لوثائق الحكومة البريطانية التي أزيلت عنها السرية مؤخرًا، فإنّ الإمبراطور هيلا سيلاسي كان أول من اقترح فدرالية بين إثيوبيا والصومال29. وتشير الوثائق إلى أنّ "خطاب الإمبراطور الأخير في غابريداهار عام 1956، والذي طرحت فيه فكرة الاتحاد الفدرالي بين الصومال وإثيوبيا، أثار ردة فعل حادة وعدائية من رئيس وزراء الصومال"30. ولكن الإمبراطور في خطاب غابريداهار كان مهتمً باستيعاب الصومال بحجة أنّ دولة الصومال غير قابلة للحياة31. وفضلً عن ذلك، توصّل إيون م دررن لويس، في ذروة القومية الصومالية، إلى الاستنتاج بأنّ الحل طويل الأمد للصراع الإقليمي هو فدرالية بين الصومال وإثيوبيا32. كما أنّ الزعيم الكوبي السابق فيدل كاسترو اقترح أثناء الحرب الأثيوبية الصومالية عام 1977، أن تتحد الصومال وإثيوبيا وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، من أجل إنهاء الحرب وتوحيد الأنظمة الاشتراكية في المنطقة33. ومؤخّرًا في عام 2007، أعلن حسين عيديد نائب رئيس الوزراء السابق للصومال ووزير الداخلية أنه ينبغي لإثيوبيا والصومال إزالة الحدود وإصدار جواز سفر واحد34، مع أنه انضم في وقت لاحق إلى الحركة المعادية لإثيوبيا، ومقرها أسمرة.
أمّا على مستوى فدرالية ضمن الصومال، فيرى محمد مختار، أن الجدال الراهن بشأن ملاءمة النظام الفدرالي للبلاد نشأ من اقتراح حزب الدستور المستقل الصومالي، وهو حزب سياسي يمثّل أسر قبيلة دغل ومرفلي، دعا إلى: "هيكل فدرالي لامركزي" للصومال35. ووفقًا لمختار فإنّ قادة رابطة الشباب الصومالي المهيمنين قوضوا العملية فهزموا36. ويقول محمد أبشير والدو، بما يتوافق مع هذا الرأي، إن حزب الدستور المستقل الصومالي طرح أولًالفدرالية وأنّ بونتلاند نفذتها37. وأوردت دراسة كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية كذلك أنّ النظام الفدرالي يمكن أن يستخدم للتصدي لقضايا الحكم في الصومال، وأنّ الفدرالية يمكن أن ترضي الطرفين: من يريد نظامًا مركزيًا، ومن يفضل نظامًا لامركزيًا. وأوصى مؤلفو الدراسة أيضًا بأن نموذجي سويسرا والإمارات العربية المتحدة مفيدان للصومال، على الرغم من اعترافهم باختلاف ظروفه38. بيد أنّ الدراسة لم تناقش الوحدات المكوّنة للصومال وتوزيع الصلاحيات والمسؤوليات. من جهتها، دعت معظم اتفاقيات السلام الصومالية إلى اعتماد نمط ما من اللامركزية أو الحكم الذاتي الإقليمي أو النظام الفدرالي. لكن المحاولة الأولى لتشكيل مؤسسة "فدرالية" جرت أثناء مؤتمر المصالحة ةرر الصومالية المنعقد في كينيا في الف 2002( – 2004.) وأصبحت القضية مثيرة للجدل عندما كلفت لجنة بصوغ مسوّدة الدستور، إذ انقسمت اللجنة إلى مجموعتين. فقامت الأطراف المنظمة للمؤتمر، بتأليف لجنة تنسيق برئاسة البروفسور عبدي سمتار39. لكن إثيوبيا وكينيا ومنظمة إيغاد تدخلت أخيرًا، ودعمت المجموعة التي يقودها أمراء الحرب في الصومال. وتضمّن الميثاق الانتقالي الناتج من المؤتمر مواد وبنودًا تبيّ كيفية تحقق النظام الفدرالي40. وإنّ مسوّدة الدستور الحالية أيضًا، قامت على الميثاق السابق واعتمدت "نظامًا فدراليًا" للبلاد. كما عبّ باحثون وكتاب كثر عن الموقف نفسه41. من جهة أخرى، نصح باحثون عديدون باستعمال مفهوم تقاسم السلطة42 الذي يميز النموذج التوافقي في مجتمعات منقسمة. فالمقاربة التوافقية هي "لبنة بناء المجموعة." وهي تستند إلى أربعة مبادئ: بناء تحالفات كبرى، وحماية الأقليات من خلال منحها حق الفيتو، وضمان تمثيل كل المجموعات باستخدام التمثيل النسبي، وتوفير الحكم الذاتي القطاعي، وخصوصًا في حال وجود تقسيمات دينية أو لغوية43. وتتقاسم المجموعات المتنافسة، في نظام كهذا، السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية فيما بينها. وثمة أمثلة عديدة على تقاسم السلطة في أفريقيا. فقد استخدمت كلٌ من بوروندي (هوتو / توتسي) وزيمبابوي (سود / بيض) تقاسم السلطة من أجل إنهاء الصراع. وإنّ صيغة تقاسم السلطة الحالية في الصومال 4.5" قبيلة" هي مثال آخر يبين استخدام تقاسم للسلطة غير متعلق بالأراضي في نموذج توافقي، إذ جرى تقسيم جميع ما يسمّى "القبائل الكبرى" الصومالية إلى أربعة أجزاء رئيسة متساوية الحجم، تحصل كل منها على حصة متساوية من السلطتين التنفيذية والتشريعية
وعلى 61 مقعدًا من أصل 275 مقعدًا، في حين يحصل عدد من القبائل الأصغر حجمً على 31 مقعدًا فقط. وتلقى صيغة ال 4.5 التوافقية لتقاسم السلطة بين المجموعات الصومالية على أساس قبلي تأييدًا من أطراف عديدة. فالقادة السياسيون لعشائر دغل ومرفلي الذين كانوا يستبعدون تقليديًا من السلطة، عدّوا هذا الترتيب معلمً مهمً، ودافعوا عنه بحماس. ورأوا أنّ هذه الصيغة توفّر ممثلين لعشائر دغل ومرفلي مساوين عدديًا لممثلي قبيلتي هوية ودارود المهيمنين. وهي تمنح أيضًا تمثيل ما (ولو صغيرًا) للعشائر الأصغر. ويرى محمد مختار أنّ صيغة 4.5 إنجاز مهم. فهي، بالنسبة إليه، وفّرت أساسًا عمليًا للتعامل مع قضية الحجم النسبي للمجتمعات المختلفة44. وأيّد الشيخ عمر فاروق، عالم الدين الذي يحظى باحترام شديد، صيغة 4.5 ناعتًا إياها بأنها "حلّ " لكن ليس عادلً45. ونظر كل من مختار والشيخ عمر فاروق إلى هذا الترتيب بصفته آلية مؤقتة. فعندما يتوطد السلام، يمكن معالجة قضية التمثيل من خلال نظام "شخص واحد صوت واحد." وأخ ا، اقترح العديد النظام الموحد اللامركزي. فخلص إسماعيل علي إسماعيل إلى أنه "لإقامة كيان دولة صحي في الصومال، فإن الشيء الوحيد الضروري من ناحية الهياكل هو نظام موحد بسيط مع لامركزية حقيقية"46. ويوافق أحمد سمتر ويشرح النظام الموحد اللامركزي بأنه "سيناريو يفترض ضمنيًا سلطة مركزية قوية، ولكنه يترك بعض القرارات المحدودة لكن المهمة لمحافظات البلاد"47. وأكد أنه ينبغي أن يكون المركز قويًا بما يكفي للإشراف على الحكومات المحلية، ويجب أن يكون قادرًا على قيادة إعادة إعمار البلاد. غير أن عمر سالد عِلمي لا يتفق مع سمتر، ويدعو إلى نظام لامركزي، تُ نح الأقاليم فيه مسؤوليات و"سلطات جوهرية"48.
تحليل النتائج والأدبيات
إنّ نماذج الحكم عمومًا هي أدوات تستخدم لتنظيم الصراعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد اعتمدت مختلف البلدان في الماضي أنظمة كونفدرالية أو فدرالية أو توافقية أو لامركزية، وإن يكن بمآلات مختلفة. وهكذا ليس ثمة نموذج، بطبيعته، أسوأ من النماذج الأخرى أو متفوق عليها. وتعتمد فائدة أي نموذج وملاءمته على الظرف العياني الذي طُبِّق فيه. كما ليس بإمكان المرء تطبيق نموذج معيّ بحذافيره في بلد مختلف، ثم ترقب النتائج نفسها. فكل ظرف عياني يتطلب تفصيل نموذج حكم خاص به، يستطيع تنظيم الجوانب المميزة للمجتمع المعني. وأخيرًا، كما أشار هورويتز Horowitz، ينبغي للمحللين تبنّي نظرة إجمالية للجوانب الأخرى مثل: نظام رئاسي أم برلماني، حكم مركزي أم لامركزي، نظام انتخابي حزبي أم أنظمة متنوعة49؟ في ضوء ما سبق، نجد لدى النخبة السياسية الصومالية افتراضات متناقضة عن دور الدولة الصومالية التي يجب أن تولد بعد الحرب الأهلية. فلقد طُرح للبلاد كل وصفات الأنظمة الكونفدرالية والفدرالية والتوافقية واللامركزية. وفضّ ل البعض، جليًا وخصوصًا قادة الأقاليم الطامحة ودول الجوار، إقامة ولايات قبلية مستقلة تقريبًا، عبر الإبقاء على الحكومة المركزية ضعيفة إلى أقصى حد أو غير موجودة. في حين يؤكد آخرون أهمية وحدة البلد، ولذلك يفضّ لون نظامًا لا يجسد الانقسامات القبلية القائمة. نلاحظ وجود مسار معاكس في المجتمع الصومالي، فسكان الصومال في حركة دائمة منذ عقود عديدة. وتواصلت عمليات التجزئة والدمج في مستويات متعددة في المجتمع الصومالي. وعلى الرغم من أنّ الحرب الأهلية خلقت ظروفًا أدّت إلى الفصل بين المجتمعات في تسعينيات القرن الماضي، فإنّ الحروب اللاحقة بين القبائل والغزو الأثيوبي والكوارث الطبيعية مثل مجاعتي 1992 و 2011، أجبرت الملايين على الانتقال من مناطقهم. فمن الشائع بالنسبة إلى الناس، في حالتي الجفاف والحرب، الانتقال إلى أي مكان يمكنهم البقاء فيه على قيد الحياة. وقد ترك أناس من جنوب الصومال منازلهم بحثًا عن معيشة أفضل، وهم الآن بأعداد كبيرة في الأجزاء الشمالية والوسطى من البلاد. ومن ثمّ كان الوجه الديموغرافي للصومال يتغير طوال العقدين
الماضيين. كما عبّ الكثير عن رغبتهم في دولة ديمقراطية قوية، تؤدي وظائفها جيدًا، وتخدم مواطنيها بهدف تحويل المجتمع الصومالي.
وبالنظر إلى نماذج الحكم الأربعة المعروضة، نجد أنّ كلً منها يمتلك سمات تستطيع تبرير أحد الاتجاهات داخل المجتمع الصومالي. وتشير ممارسة السياسيين الإقليميين إلى أنهم يفضّ لون ولاية مستقلة قائمة على أسس قبلية أو نظامًا كونفدراليًا – بحكومة مركزية ضعيفة، ودول مؤسسة مستقلة قائمة غالبًا على أسس قبلية. فقادة أرض الصومال يريدون الانفصال عن بقية البلاد، ويسعون للحصول على اعتراف بهم. وعلاوةً على ذلك، وكما تبين دساتير بونتلاند وغالمودوغ وهيمان وهيب وكاتومو والجنوب غرب وجوبالاند، فإنّ النظام الوحيد الذي يرضي رغبتهم هو الاستقلال الكامل أو النموذج الكونفدرالي. فلديهم بعثاتهم الأجنبية وميليشياتهم ومفاهيمهم الخاصة الحصرية عن ملكية الأرض والمواطنة. ولذلك فإنهم في خطابهم المعلن يدعون إلى نظام فدرالي، ولكنهم يدافعون في الجوهر، في أحسن الأحوال، عن نظام كونفدرالي، إن لم يكن الاستقلال التام ممكنًا. ولهذا السبب، فإن وصفة ريتشارد داودن50 ربما تكون قائمة على قراءة صحيحة للوضع الفعلي على الأرض. وتتصرف الولايات الإقليمية في الصومال، في الممارسة العملية، كما لو أنها جزءٌ من كونفدرالية. ولدى معظمها دستور خاص يتعامل مع كل جوانب الحكم تقريبًا. وهي تسنّ القوانين، وتحكم مجالات الأمن والمواطنة والموارد الطبيعية والعلاقات الخارجية. كما تتعاون مع البلدان الخارجية، ولا سيما إثيوبيا وكينيا. ولدى الولايات الإقليمية العاملة حكومات تنفيذية نشيطة في كل جوانب المجتمع. ومن المثير للاهتمام أنّ الحكومة المركزية ليس لديها علاقات مباشرة مع الناس في الأقاليم سوى التمثيل الاعتباطي في البرلمان والحكومة. وعليها أن تصل لهؤلاء الناس من خلال الإدارات الإقليمية، ما يجعل النظام نموذجًا كونفدراليًا بحكم الأمر الواقع. وأوضح أحد السياسيين الصوماليين، في مقابلة له، هذا الفصام. فشرح بأنه ثمة فراغ، ونظرًا لعدم وجود حكومة مشتركة بإمكانها أداء وظائفها، فمن الطبيعي أن تملأ الولايات الإقليمية الفجوة51. ويمكن أن يكون هذا صحيحًا في بعض الحالات، لكن قادة بونتلاند وغالمودوغ عبّ وا أثناء المؤتمرات الدستورية في غاروي ومقديشو عن مواقف متصلبة. وكان للولايتين دور في كتابة مسوّدة الدستور الحالي. ويوجد، في الواقع، عدم تطابق واضح بين خطاب قادة القبائل والأقاليم الطموحين وجوهر أعمالهم ووثائقهم التأسيسية. ومع ذلك، وعلى الرغم مما توحي به ممارسة الأقاليم، فإنّه ثمة ثلاثة قيود من شأنها أن تجعل الكونفدرالية غير مرجحة؛ الأول، هو أنّ تأسيس نظام كونفدرالي يقتصر إلى حد كبير على قادة الأقاليم الطامحين. في حين أنّ بقية النخبة والعموم على نطاق أوسع لا يتشاركون الرغبة في إقامة ولايات قبلية قوية ومستقلة، وحكومة مركزية اسمية، القيد الثاني هو أنّ عدد الولايات التأسيسية غير متفق عليه بعد بين الصوماليين. ولذلك، فإنّ الاقتراح خَلَق صراعات إضافية بين الجماعات الصومالية، عندما ربط أراضي وهويات قبلية مائعة. ويوجد بين النخب العشائرية كثير من الادعاءات والادعاءات المضادة بملكية أقاليم البلد ومحافظاته، وتحوّل بعضها إلى صراع مفتوح (هيران، وشبيلي السفلى، وسول - سناج، وجوبا السفلى، وغلغدود، ومدغ.) وأخيرًا، لم تكن الكونفدرالية نموذجًا بين الحلول العملية التي وُضعت لمجتمعات منقسمة طوال العقدين الماضيين. وفيما يتعلق بالنظام الفدرالي في الصومال، فلقد رفضه كثيرون52. فالصومال بالنسبة إليهم بلد أصغر كثيرًا وأفقر كثيرًا ومتجانس إلى حد أكثر من أن يحتضن نظامًا كونفدراليًا أو فدراليًا. ودافع المرحوم عبد الرزاق حاجي حسين رئيس الوزراء السابق للصومال بأنّ الفدرالية ليست نظام حكم ملائمًا للصومال53. وشدد محمد مختار كذلك، في
مقابلة مع صوت أميركا أنّ الفدرالية يجب أن تسقط من الدستور54. وسمى إسماعيل علي إسماعيل أيضًا سبع عقبات عملية، تجعل تنفيذ النظام الفدرالي في الصومال صعبًا جدًا إن لم يكن مستحيل55. وعلاوةً على ذلك، يؤكد علي هرسي أنّ كل الظروف التي تستلزم ضرورة الفدرالية غائبة عن الصومال، ولذلك فإنّ الوصفة الفدرالية بالنسبة إلى الصومال تعني وصفة لتدمير الذات56. ويوافق أبوكار عرمان، قائلً إنّ الفدرالية المقترحة "تمأسس واقعيًا بلقنة الصومال إلى إقطاعيات قبلية من دون أي مساحة إقليمية أو حدود فاصلة واضحة"57. ويؤيّد كثير من المثقفين والسياسيين هذا الرأي58. وصرح كل من علي هرسي59 وعبد الرزاق حسين60 علنًا بأنّ افتراض ضرورة اعتماد الصومال النظام الفدرالي يستند إلى تشخيص مرتبك وفقير لمسألة الحكم. فصحيح أنّ الأنظمة العسكرية السابقة وقادة الفصائل أساءت السلطة، وارتكبت جرائم بشعة ضد الشعب الصومالي، ولكن عزو سلوك الدكتاتورية العسكرية لدستور 1960، أو لنموذج الحكم الموحد إنّ ا هو أمر مضلّل. فلقد علّق النظام العسكري العمل بدستور الصومال عندما استولى على السلطة عام 1969. وفي الواقع، حكم الرئيس محمد سياد بري البلد على نحو فردي، بغضّ النظر عما سمح به الدستور أو رفضه. ولجأ بعض أنصار الفدرالية كذلك إلى ذريعة أنّ الصوماليين بصرف النظر عن الإقليم الذي يعيشون فيه، يريدون انتخاب قادتهم محليًا، وإقليميًا، ووطنيًا. وفي حين أنّ هذا مطلب شرعيٌ، إلّ أنه بإمكان الناس أيضًا انتخاب قادتهم في ظل نظام ديمقراطي وموحد. وبكلمات أخرى، ما يريده الصومال هو نظام ديمقراطي، وليس بالضرورة أن يكون فدراليًا. ومن المفارقات، أنّ معظم الديمقراطيات في العالم هي دول موحدة وليست فدرالية. وهكذا فإنّ خلط الديمقراطية مع نمط معين للدولة هو مغالطة. وعلى سبيل المقارنة، يوجد على الصعيد الدولي 25 دولة فدرالية فقط. وثلاث فقط منها في أفريقيا (جنوب أفريقيا، ونيجريا، وإثيوبيا)61. واستنادًا إلى خصائص البلدان الفدرالية، فإنّ الصومال لا يكاد يلبي الظروف التي تستدعي الفدرالية.62 فهو بلد صغير، ومتجانس إلى حد كبير، وفقير، ولا يوجد اتفاق على حدوده الإقليمية. وتولد الفدراليات عمومًا، كما يوضح بيتر شوك، بتحقق أربعة شروط63: الأول، دول مستقلة تجتمع معًا لخلق دولة فدرالية، وهي حالة معظم الدول الفدرالية كالولايات المتحدة وكندا والإمارات العربية المتحدة. ولا يوجد في الصومال دول مستقلة تلتقي معًا لتشكيل فدرالية صومالية، بل يوجد في ظروف الفوضى الحالية مجتمعات قبلية متنوعة تحكم نفسها بنفسها. ولكن هذه ليست كيانات قابلة للحياة لتشكيل فدرالية، ففي حالة أرض الصومال، يقترح بعض الاتحاديين من الأقاليم الشمالية فدرالية بين الصومال وأرض الصومال، ولكن ذلك لم يحقق أي تقدم. فما هو قائم الآن أنّ أرض الصومال تسعى للاستقلال عن بقية الصومال. الثاني، كوّنت البلدان الاستعمارية، تلبية لأغراض إدارية خاصة بها، بعض الفدراليات (مثلما فعلت بريطانيا مع أستراليا.)
وتصرفت إثيوبيا، وإلى حد أقل كينيا، كسادة استعماريين جدد في الصومال، في محاولة منهما فرض نظام فدرالي على أساس قبلي في الصومال منذ عام 1998. ولم تنجحا حتى الآن. الثالث، تنتج بعض الفدراليات من غزو عسكري. وعلى سبيل المثال، هزم الحلفاء ألمانيا عام 1945، ومن ثم أملوا نماذج حكمهم. وعلى الرغم من أنه لا يمكن تجاهل التدخل الخارجي الكبير وتدخلات دول الجوار، فإنّ كلا الظرفين غير موجود في الصومال. وأخيرًا، يقرر نظام موحد تأسيس نظام فدرالي لإرضاء قوى إقليمية ومحلية. ومرة أخرى، لا وجود لحكومة وطنية صومالية في العملية الإقليمية الحالية. وقد أقرّ البرلمان الصومالي قانون إدارة محلية وإقليمية غير مكتمل64. والحكومة الصومالية لا تتجشم عناء استخدام هذا القانون لإقامة إدارات مناطقية وإقليمية.
الرابع، وهو أكثر أهمية، أنّ الصومال ليس بلدًا متعدد القوميات أو متعدد الديانات. فهو مجتمع متجانس إلى حد كبير65. وباستثناء القضايا المتعلقة باللهجتين الرئيستين، لا يوجد انقسامات لغوية أو دينية تستلزم الفدرالية. وعمومًا، تكون الفدرالية مفيدة إذا كان بعض المجتمعات لا يتشارك بقيم معينة مع الأكثرية. ولا يوجد في الصومال قيم دينية أو لغوية تفصل المجتمعات المختلفة. فجميعهم مسلمون ومن المذهب السني، ويتحدث جميعهم تقريبًا اللغة الصومالية ولهجاتها المختلفة. وتبث الآن قنوات وسائل الإعلام الوطنية الصومالية باللهجتين الرئيستين ماي ومهاتيري معًا. والصومال بلد صغير نسبيًا أيضًا، وجغرافيته لا تستلزم الفدرالية. البلد فقير، ولا يمكنه تحمل تشغيل مستويات متعددة من الإدارة. كتب محمود محمد يحيي: "كيف يمكن لبلد مفلس كالصومال، والذي رزح طوال السنوات السبع عشرة الماضية تحت ما بدا أنه حرب أهلية لانهاية لها دمرت كل مؤسساته الحكومية، أن يستطيع تحمل تشغيل هيكل إداري متضخّم وكبير كهذا؟ إنّ مجرّد التأمل في إمكانية حدوث ذلك أمر محي "66، ويوافق علي هرسي قائلً " لا يكاد يوجد جزء من هذا البلد يستطيع بمفرده تكوين وحدة فدرالية قابلة للحياة"67، وأنا أتفق مع هذه الملاحظات. إنّ الموانئ الأربعة (مقديشو وكسمايو وبوصاصو وبربرة) التي تمثّل المصادر الرئيسة للدخل لجميع الإدارات، لا تلبّي أبدًا احتياجات أي مستوى من الحكومة. والمثير للسخرية أنّ الأقاليم لم تبن هذه الموانئ، فهي بعض من البنى التحتية القليلة التي خلفتها الحكومة الوطنية. والصوماليون ليسوا أيضًا متفقين على عدد الولايات الإقليمية في البلاد. فالاقتراحات المتعددة (ثماني عشرة، ثماني، ست، خمس، أربع، ثلاث، اثنتان) كلها لخدمة مصالح ذاتية. ودول الجوار والنخب القبلية تحاول إعادة صوغ الأقاليم لكي تهيمن على البلاد. ويحذر أحمد سمتر من مخاطر اعتماد الفدرالية، مؤكدًا أنه سيكون من الصعب جدًا "إقامة محافظات قانونية"68. وتأييدًا لهذه الرؤية، يطلق علي هرسي مثلً على الفدرالية وصيغة 4.5 اسم "فيروسين سياسيين"69. ويصل إلى الاستنتاج نفسه عبد الرزاق حسين، منظّر حزب هيلقران، مدللً على أنّ الفدرالية وصفة خاطئة من جهات خارجية70. وكما شرح أعلاه، فإنّ الصومال، اسميًا، "دولة فدرالية" منذ عام 2004. ومع ذلك برهن التنفيذ على الأرض على أنّ الأمر بعيد المنال. وأخ ا، نادرًا ما نجحت الفدرالية في أفريقيا، وخصوصًا في شرق أفريقيا. ولاحظ علي مزروعي أنه: "طوال نصف القرن الأول من تجارب ما بعد الاستعمار في أفريقيا، كانت كلمة فدرالية لعنة في كل مكان تقريبًا في أفريقيا ما عدا نيجريا"71. ويوافق سوبيرو قائلً إن
أفريقيا أصبحت "مقبرة واقعية للتجارب الفدرالية"72. وقد جربت معظم بلدان شرق أفريقيا (السودان، وأوغندا، وإثيوبيا - إريتريا، وكينيا) تطبيق النظام الفدرالي وفشلت. وأصبح الانفصال، في بعض الحالات، الحل الوحيد المتاح.
وتمثّل تجارب شرق أفريقيا وإريتريا وجنوب السودان أمثلة عملية، كان الانفصال هو الحل النهائي فيها، على الرغم من أنّ الدول الجديدة لم تنجح. أمّا الفدرالية في أوغندا وكينيا، فكان المناصرون يريدونها بالاختيار أو الإكراه، بينما اتحدت "الفدرالية الإثنية" الإثيوبية بواسطة حزب واحد قوي والجيش. أما في حالة الصومال، فتعود جذور إمكانية تكوين عدة أقاليم قائمة على أسس قبلية إلى الفدرالية الإثنية الأثيوبية. ولكن منذ انزياح المركز إلى أديس أبابا ونيروبي، فإنّ بعض الأقاليم الصومالية، إن لم تكن جميعها، أصبح ولايات فعلية لدول الجوار. وينصح بعض الباحثين، في الوقت الذي يرفضون الكونفدرالية أو الفدرالية، باستعمال خصائص تقاسم السلطة في النموذج التوافقي. ويقترح النموذج مجموعات / مكونات بناء غير مرتبطة بالأراضي، تتقاسم السلطة وموارد البلاد. ففي الصومال، تمثّل القبائل هذه المكونات. فقد تقاتلت الأسر - القبائل الكبيرة على مستوى البلد ككل (الدارود، ودغل ومرفلي، ودير، وهوية، وإسحاق في مرحلة أولى من الصراع.) ثم تقاتلت العشائر الفرعية لكل أسرة قبلية فيما بينها. واللافت أنّ هذه القبائل منتشرة في كل الأرجاء. ولذلك يؤكد أنصار هذه الرؤية أنّ البلد يجب أن ينتمي لجميع الصوماليين، وينبغي للقبائل أن تتقاسم السلطة وموارد الأرض بالعدل. إنّ تقاسم السلطة في نهج توافقي معمول به منذ عام 2000. وهناك ميزتان على الأقل في ذلك؛ الأولى أنه كسر الجمود السياسي بين الفصائل الصومالية، ما أتاح لمجموعات صومالية تشكيل حكومة انتقالية عام 2000 في مؤتمر عرتة، والميزة الثانية أنّه جعل نظام الحكم يبدو أكثر تمثيلً، في وجوب تقسيم مقاعد البرلمان والحكومة بين القبائل. وهذا أمر مفيد جدًا في السياق الصومالي، إذ يرى الإنسان العادي أنه ممثّل عندما يوجد عضوٌ من القبيلة في النظام. ولكي تؤدي وظيفتها جيّدًا، تتطلب التوافقية عادة مكونات / مجموعات محددة جيّدًا لتتشارك المقاعد التنفيذية والبرلمانية. ولكن يتساءل البعض هل القبائل الصومالية، على الرغم من أهميتها، قادرة على تمثيل مكونات كهذه؟ والسبب الرئيس في ذلك، هو أنّ هذه الهوية ليست ثابتة أبدًا، وقائمة على أسلاف الأب في الأسرة. فيمكن للمرء أن يكون من دارود، أو هوية، أو إسحاق، أو دغل ومرفلي، أو دير. لكن ذلك لا ينتهي هنا، بل يستمر إلى مستوى الجد الأكبر، وخصوصًا إذا كان بإمكان هذه المجموعة دفع الديّة (وتعادل 100 رأس من الإبل أو قرابة 50000 دولار.) ويمكن لكثير من الأسر الممتدة دفع ديّة كهذه، ولذلك فهم يريدون تمثيلً في النظام السياسي. والمعضلة هنا هي التوفيق بين حقوق الجماعة (القبيلة) والحقوق الفردية (المواطنة.) ويجب أن تأتي الحقوق الفردية أولً، وأن تكون حقوق الجماعة كلها لاحقة. صحيح أنّ هذا يدفع قدمًا بالديمقراطية الليبرالية. لكن فكرة تمكين الفرد لها جذور إسلامية أيضًا. ففي الإسلام، كل فرد (ذكرًا كان أم أنثى) مفوَّض ويحاسب على أفعاله. وهكذا، عند تصميم نظام الحكم، فإنّ شيئًا قريبًا من مجلس زعماء القبائل، مع صلاحيات محدودة، يمكنه أن يُنشأ بصفة مؤسسة للقبائل. لكن يجب أن تُستثمر معظم السلطات في الجهة التنفيذية ومجلس الشعب، إذ يستطيع المواطن انتخاب ممثلين من خلال عملية انتخابية تنافسية. لقد وضع نظام 4.5 الحالي ليكون موقّتًا، إذ لا يمكنه الاستمرار طويل، لأنه يستبعد الشعب الصومالي كليًا من معادلة السلطة. ذلك أن عددًا قليلً من (السياسيين وزعماء القبائل) هم من يقرر في عملية تعسفية من يمثّل القبيلة. والتعديلات المقترحة لإضافة عدد قليل من القبائل إلى المعادلة لا تغيّ كثيرًا. فالصومال في حاجة إلى تجاوز النظام الحالي الخاضع لنخبة القبائل، والانتقال إلى نظام آخر يحصل فيه المواطن على فرصة لانتخاب المسؤولين العامين ومحاسبتهم. لذلك، فباستثناء إقامة مجلس زعماء القبائل الذي يمثّل القبائل مع سلطات محدودة، فإنّ للتوافق فائدة محدودة للبلد. إضافة إلى ذلك، يرى بعض الباحثين الصيغة القبلية 4.5 مَأسسة للتمييز. فيؤكد عبدي سمتر أنّ الصيغة الجمعية تقوّض المواطنة
المشتركة، وتتجاهل الجدارة وتستهزئ بالحكم الرشيد73. ولقد رفضها أيضًا الكثير من الناشطين والمثقفين من المجتمعات المهمشة على أرضية عدم المساواة وطبيعتها التعسفية. والافتراض الذي تقوم عليه الصيغة هو أنّ هناك حجومًا نسبية متساوية للسكان من القبائل المسلحة الأربع (دارود، ودغل ومرفلي، ودير، وهوية)، في حين أن القبائل غير المسلحة تساوي نصف قبيلة "رئيسة." ويشكك كثيرون، عن حق، في هذا الاستنتاج، مطالبين برؤية التعداد السكاني الذي أدى إلى هذا الترتيب. كان لمنتقدي صيغة 4.5 لتقاسم السلطة أهداف مختلفة. فبعضهم رفض فكرة الحقوق الجماعية أو حقوق المجموعات برمّتها، ودعا إلى سياسات مبنية على المواطنة. ورحب آخرون بفكرة تقاسم السلطة بين القبائل بصيغة جماعات، لكنهم تساءلوا عن الحكمة من تحديد هذه الصيغة ب 4.5. وفي مؤتمر إسطنبول للمجتمع المدني الصومالي (أيار/مايو 2012)، نجح عدد من الناشطين من "القبائل المهمشة" في إقناع المشاركين – وبينهم شيوخ تقليديون من "القبائل الرئيسة الأربع" - بتغيير الصيغة من 4.5 إلى خمس. ودعا البيان الصادر عن تجمع المجتمع المدني إلى هذا التغيير74. وعلى الرغم من أنّ المقاعد البرلمانية مقسمة وفق صيغة 4.5، فإنّ الحكومة الحالية استخدمت صيغة خمس قبائل. نلاحظ أنّ للصيغة التوافقية في الصومال، بشكل عام، ثلاث سلبيات: أولً، وضعت الصيغة لتكون مؤقتة بطبيعتها، لكن النخبة التي استفادت من الوضع الراهن جعلت منها إجراءً دائمًا. والجهود التي بذلت في اتجاه سياسات قائمة على المواطنة كانت ضئيلة. ونخب ما يسمّى القبائل "الرئيسة" الأربع مصممة للحفاظ على هذا النظام، لسبب بسيط هو أنها قادرة على الفساد والتلاعب بشيوخ القبائل. ثانيًا، تخرب صيغة 4.5 آلية عمل المؤسسات، على الرغم من أنها تجعل النظام يبدو تمثيليًا، فالنخب العشائرية تسيّس كل شيء وتطالب باستخدام الصيغة في كل شيء: الهيئات واللجان والوفود، والدبلوماسيين، وقوات الأمن، والبيروقراطيين، وهلمّ جرًّا. وبالنسبة إلى النخبة التي تستفيد من النظام، لا تعدّ الكفاءة والجدارة معايير مهمة. وأخيرًا، حتى لو كان من يتقاسم السلطة، نظريًا، أربع قبائل وعدد من القبائل "الأصغر"، فإنّ نخبة من قبيلتين وهما (هوية ودارود) تسيطر على الحكومة طوال العقد الأخير. وقد عدّ أحمد سمتر هذا الترتيب غير قانوني، و"احتكارًا ثنائيًا غير عادل"75، فالمنصبان الأكثر أهمية (الرئيس، ورئيس الوزراء)، والمناصب الوزارية الرئيسة تذهب إلى هاتين القبيلتين، في حين تعطى الفضلات للآخرين.
نظام موحد لامركزي: حل وسط ممكن في الصومال
اللامركزية عمومًا مفهوم واسع، يلامس العديد من جوانب أنظمة الحكم. وهي مرنة مع عدد من الأدوات يتضمنها هذا المفهوم. وكما أشار دانيال إليعازر، فإنّ اللامركزية والفدرالية ليستا متماثلتين76. ففي نظام موحد لامركزي، تظل السيادة والصلاحيات الدستورية بيد الحكومة المركزية. بيد أنّ الحكومة المركزية تفوّض صلاحيات إدارية وسياسية ومالية إلى كيانات مختلفة بينها الأقاليم. وعلى سبيل المثال، تستخدم الحكومات المركزية في الأنظمة اللامركزية على الغالب تخفيض التركيز وتفويض السلطات، لكي تلبّي احتياجات الخدمات المحلية، وتحتفظ لنفسها بالسيطرة النهائية على الحكومات المحلية والإقليمية. وأيضًا، وكما أشار دينيس روندينيلي، يمثّل نقل الصلاحيات أداة أخرى متاحة في الأنظمة اللامركزية. وهي النمط الأكثر "تطرّفًا من اللامركزية"77. وفي هذا النمط، تنشئ الحكومة المركزية "مستويات ووحدات مستقلة للحكومة"78، وتمنحها السلطات والمسؤوليات والموارد لكي تتخذ القرارات وتنفذها. ووفقًا لشيما وروندينيلي، فإنّ لللامركزية عدد من الميزات. فهي تعزز المشاركة الديمقراطية وتضمن تمثيل المواطنين. كما أنها تستخدم آلية لتلبية تنوع المواطنين في نظام دولة معطى79. والواقع أنّ خيار
نقل الصلاحيات في اللامركزية، يعطي الوحدات الفرعية أو الوكالات الموازية أحيانًا سلطات أكبر مما يمنحه النظام الفدرالي. والمملكة المتحدة مثال جيّد في هذا الصدد. إذ تتمتع سكوتلندا بسلطات مهمة في حين يبقى البلد دولة موحدة لامركزية. والأهم من ذلك أنه في ظل نظام لامركزي، يمكن لوحدة البلد أن تتعزز، فالموارد المحدودة يمكن تجميعها وتقاسمها بالتساوي، ويمكن تمكين الأقاليم وتعزيز المشاركة السياسية على جميع المستويات. كما يمكن تقديم الخدمات على نحو فعّال، ويمكن بناء المواطنة المشتركة80. وتستخدم بلدان أفريقية عديدة نماذج مختلفة من اللامركزية مع نتائج متفاوتة81. إنّ مرونة أدوات اللامركزية ملائمة لظروف الصومالي. وربّ ا تكون المادة 86 من دستور 1960 في الصومال هي الدعوة الأولى لتطبيق اللامركزية في البلاد. فقد نصّت على أن "يجري تطبيق اللامركزية في الوظائف الإدارية كلما أمكن ذلك، وتقوم بهذه الوظائف الهيئات المحلية للدولة والهيئات العامّة"82. وإضافة إلى ذلك، اقترح عبد الرزاق حسين رئيس الوزراء الراحل بأنّ أفضل طريقة لتلبية المطالب المحلية وإبقاء البلد موحدًا هي اعتماد نظام موحد لامركزي، تحال فيه بعض الصلاحيات إلى الأقاليم. فقد كتب: "نظام موحد لامركزي، مع ضمانات بإقامة حكم ذاتي إقليمي ومحلي، سيكون ملائمًا أكثر، بل أكثر كثيرًا للجمهورية الصومالية الثالثة"83. غير أنّ أندرو باركر يشير إلى تعقيد اللامركزية باستخدام تشبيه مطبخي: "مثل الكاتو الذي لا يحتاج لينضج جيدًا سوى إلى استخدام مقادير صحيحة من الحليب والبيض ودرجة الحرارة، فإنّ نجاح برنامج اللامركزية يقتضي مزيجًا صحيحًا بين العناصر السياسية والمالية والمؤسسية"84. والحقيقة أنّ اللامركزية، على الرغم من صعوبة تطبيقها، فإنّها يمكن أن تنجح في الصومال، كما يكتب إسماعيل علي إسماعيل85، إذا توافرت لدى النخب السياسية والثقافية الإرادة والقدرة على إنجاحها. ولكي تؤدي اللامركزية (عمومًا) ونقل الصلاحيات (خصوصًا) وظيفتهما على الوجه الصحيح في الصومال، يجب البدء بضمان التزام النخبة السياسية ككل والحكومة الوطنية خاصة لها. ولقد ضيّعت النخبة الصومالية فرصة عظيمة عند الاستقلال في 1 تموز / يوليو 1960. إذ تضمّن دستور عام 1960 مادة تحث الحكومة على تفويض السلطات الإدارية إلى الأقاليم86. فتجاهلت النخبة السياسية ذلك، وساهمت من ثمّ عن غير قصد في خلق العديد من الشكاوى التي طرحتها بعض القطاعات الصومالية ضد الدولة. إضافة إلى ذلك، فإنّ سجل الطبقة السياسية الصومالية حافل بالأخطاء والتلاعب المتعمد عندما يتعلق الأمر باللامركزية الحقيقية. إذ أدى خطاب الحكومة الصومالية الحالية وأفعالها إلى تفاقم المشكلة87. فلقد أصرت سابقًا على تعيين حكام ومحافظين للأقاليم. وبعد ضغوط من دول الجوار والمجتمع الدولي، بدأت تقبل باستمرار مطالب جامحة للسياسيين القبليين، عبر الاعتراف بملكية القبائل الحصرية للأراضي. فقد أقرّت الحكومة قانونًا مبهمً يمأسس التمييز القبلي، وينكر الحقوق السياسية للمواطن الصومالي88. ويقسّم هذا القانون السلطات إلى أربعة مستويات من الحكم: محافظات، وأقاليم، وولايات، وحكومة وطنية. إنّ إصرار الحكومة على تعيين إدارات الأقاليم لا ينسجم مع رغبات الناس والحقائق على الأرض. فعلى الرغم من أنّ إنشاء أقاليم قبلية لا يعزز السلام والديمقراطية، فإنّ عزم الحكومة على تعيين حكام يستحضر ذكريات سيئة، ويلقي أيضًا الشك على نيات الحكومة في تحقيق الديمقراطية. وبما أنّ الانتخابات غير عملية في الوقت الحاضر، فإنّ على القادة إطلاق عملية مؤقتة، يمكن بواسطتها لمجتمعات كل إقليم اختيار مندوبين، وينتخب هؤلاء بدورهم قادتهم. ففي النهاية، هذا هو النظام الذي أدّى إلى الحكومة الوطنية الحالية، وهو قابل للتنفيذ في ظل الظروف الحالية. لقد فقدت الحكومة الصومالية الصدقية بسبب تعاملها مع هذه القضية المهمة.
ويفتقر القادة الإقليميون الطموحون أيضًا إلى الالتزام الحقيقي باللامركزية. وتكشف تصرفاتهم عن اهتمامهم بتكوين إقطاعيات قبلية مستقلة، يستخدمونها لتحقيق سلطة سياسية. وتتحكم عواصم هذه الأقاليم في كل شيء، مع أنها تطالب بالفدرالية. فلا يوجد إقليم لامركزي أو حتى فدرالي في العالم لديه جيش خاص به، وسياسة خارجية مستقلة، وموارد طبيعية، وقوانين جنسية، أي نظام حكم دولة مستقلة من حيث الجوهر. وهذا النهج غير مستدام، وسيقود إلى مزيد من تقطيع أوصال البلد. فقد دمرت النخبةُ العشائرية الدولةَ الصومالية بمنافسات الربح والخسارة والنداءات العاطفية. والاستمرار في هذا النهج لن يؤدي إلى استعادة هذه الدولة. إنّ القدرات اللازمة لبناء مؤسسات سليمة في مناطق تفتقر إليها كلية، هي أيضًا مهمة، إذا أريد للامركزية أن تنجح في الصومال. فإذا كان القادة مؤهلين، فهم يستطيعون الاستفادة من الموارد البشرية غير المستثمرة في الشتات وداخل البلد؛ فالشعب الصومالي لديه موارد كبيرة، وهناك عدد كبير من المهنيين الشبان في كل مكان تقريبًا. وتقدّم المؤسسات التعليمية الخاصة في البلاد، على الرغم من ضعفها الشديد، عددًا كبيرًا من الخريجين. ويمكن، مع تدريب ملائم لأي مستوى من الحكومة، الاستفادة من هذه الموارد البشرية. البلد فقير بالفعل، لكن على القادة أن يفكروا بأسلوب خلاق، ويقترحوا سبل تسمح باستغلال الموارد الطبيعية في الصومال لأهداف بناء الدولة. وثمة عدد من الخيارات متاح للحكومة لتحقيق الشراكة مع المجتمع الدولي. صحيح أنّ مساعي بناء السلام وبناء الدولة مكلفة، لكنها تكلّف أقل كثيرًا من ال 18 مليار دولار التي يخسرها العالم سنويًا جراء القرصنة الصومالية منذ عام 2005 89. لا بد من اعتناق اللامركزية مبدأ مهمًّ للحكم، وأداة طيعة في الإدارة العامة. وهي تقوم على مبدأ تفويض السلطات الذي يقتضي ممن يتأثرون بالقرارات المشاركة في صنع السياسات وتنفيذها. ويمكن للامركزية، بصفتها أداة مرنة، أن تستخدم بطرق متنوعة. فيمكن للحكومة مثلً نقل المسؤوليات والصلاحيات إلى الأقاليم، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، لمواجهة الضغوط المتنوعة من زوايا مختلفة. ويمكن للامركزية، إذا جرى تصورها وتنفيذها بأسلوب ملائم، أن تكون مفيدة في مواجهة معظم تحديات الحكم في الصومال. وتشمل أدوات هذه الوصفة تخفيف المركزية، والتفويض، ونقل الصلاحيات، والحكم الذاتي الإقليمي، ويمكن استخدامها في معالجة مخاوف بعض الأقاليم الصومالية بطرق مختلفة. ووفقًا لروندينيلي، يمكن للإدارات الموازية وترتيبات الشراكة، تبعًا لكيفية تصميمها، أن تكون مفيدة للحكومة الوطنية. فمن خلال اللامركزية يمكنها استخدام صيغة "بناء - تشغيل - نقل ملكية" في المشاريع الرأسمالية90. ومثالً على هذا، لدينا مشاريع الحكومة التركية مثل مستشفى ديغفر Digfer في مقديشو الذي بنته الحكومة التركية، وستستثمره سنوات عدة قبل تسليمه للحكومة الصومالية. ويمكن للحكومة أيضًا إسناد بعض المهام للقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، مثل إدارة الموانئ والمطارات والمياه والطاقة المائية وغيرها من مجالات الإدارة العامة. وفيما يتعلق بالشكاوى المحلية الأربع الموضحة أع هاا، وببعض المخاوف المشروعة لبلدان أجنبية، يمكن بسهولة استخدام الأداة المرنة للامركزية في التصدي لها. ومن السهولة حل قضية المشاركة الديمقراطية (انتخاب حكام، ومحافظين، ومجالس بلدية.) ففي النهاية ليس لهذا الأمر علاقة بنموذج الحكم؛ بل هو مطلب من أجل الديمقراطية. ومن جهة أخرى، لن يكون الناس أحرارًا في اختيار قادتهم إذا كان البلد خاضعًا لديكتاتورية، حتى لو ادعت أنها فدرالية أو لامركزية. لذا لا مجال للخلط بين الديمقراطية ونموذج الحكم في هذه المناقشة. ولا ينبغي لحكومة قط أن تعيّ حكام الأقاليم والمحافظين ورؤساء مجالس البلديات. وتدرك الحكومات الصومالية، على الرغم من فقرها الشديد، أهمية تقديم الخدمات على المستوى المحلي. فعلى الرغم من ضعفها الشديد، فإنّنا نرى على سبيل المثال مكاتب لجوازات السفر في بعض البلدات الرئيسة في البلاد. وفي حين أنّ هذا بداية جيدة، لم تقدّم الحكومة أي شيء آخر في الوقت الراهن. ويمكنها، عبر جعل خدماتها لامركزية، تقديم العديد من الخدمات الحيوية من خلال الأقاليم والمحافظات والشركات العامة والخاصة ومنظمات المجتمع المدني. كما يمكنها، من خلال سن القوانين، معالجة قضايا تقاسم الموارد، إذ أنّ هذه القضية تسبب الكثير من الصراعات السياسية. وأخيرًا، يمثّل غياب الثقة أحد المبررات المهمة للرغبة في اللامركزية. وأفضل طريقة لاستعادة الثقة بين الأفراد والجماعات هي إقامة سلطة شرعية ومهنية، تضمن السلامة والازدهار لجميع المواطنين. والعنصر المفقود هو سلطة يمكنها فرض القانون والنظام. ففي
عام 2006، أنشأت المحاكم الإسلامية سلطتها، وبدأت بطرد الذين يشغلون بيوت أشخاص اضطروا إلى الفرار من مقديشو. وأعيدت من ثمّ الكثير من الأملاك إلى أصحابها. ولم تستطع سلطة أي حكومة عمل أي شيء قريب مما فعلته المحاكم في عام 2006، وذلك ببساطة لأن الحكومات الصومالية لم تعدّ هذه القضية أولوية.
وفيما يتعلق بالمقترحات المتنافسة، من الضروري إيجاد مزيج من ترتيبات قديمة وجديدة لمعالجة قضايا متشعبة. وينال اقتراح ثمانية عشر إقليمً قبولً واسعًا بين الصوماليين. ومردّ ذلك أنّ الناس ما زالوا يتذكرون حدود هذه الأقاليم، ويرى الكثيرون ذلك نقطة انطلاق ممكنة. بيد أنه من منظور الفاعلية، سيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل تأمين دعم مالي لثمانية عشر جهازًا تشريعيًا وحكومة إقليمية تنفيذية، وبيروقراطيين وقوات شرطة. وفي نهاية المطاف، سيجري التفاوض على عدد الأقاليم بين المجموعات الصومالية. إنما كلما كان عدد الأقاليم أقل، كان أفضل. وقد اقترح سياسي سابق، تمت مقابلته لأغراض هذه الدراسة، تقسيم البلد إلى ثلاثة أقاليم (صوماليلاند، وإقليم أوسط وشمال غرب – من بلعد حتى بوصاصو، وإقليم الصومال الجنوبي – من أفجوي حتى كسمايو.) ووفقًا لهذا الاقتراح، ستبقى مقديشو العاصمة91. أمّا بشأن توزيع الصلاحيات والمسؤوليات، فعلى الصومال أن يتعلم من بلدان أخرى تعمل اللامركزية فيها بصورة حسنة. ولا يوجد في الصومال مستوى محدد من السياسات يمكن تبرير منحه للمستوى الإقليمي، لأنّ الميادين المكرسة لمستوى أخفض غالبًا ما تشرّع السياسات الدينية واللغوية. وإحدى المقاربات المعقولة هي ترك السيادة والتشريع والتخطيط وصنع السياسات في يد حكومة وطنية شاملة وديمقراطية، فيما تتولى الحكومات المحلية والإقليمية تنفيذ هذه السياسات. والسبيل الأكثر ملاءمة لتوزيع المسؤوليات والسلطات هو وفق خط صنع السياسات وتنفيذها. وتجرّب كينيا أمرًا قريبًا من هذا النظام في نقل الصلاحيات.
خاتمة
وختامًا، حددت هذه الورقة الشكاوى التي تقف وراء نزعات النفور من المركزية في الصومال. ودللت على أنّ ضعف الثقة، والمطالبة بالديمقراطية، والحصول على الخدمات الأساسية، والتقاسم العادل للموارد هي الأسباب الرئيسة التي تجعل الناس يريدون نظامًا لامركزيًا. وناقشت الدراسة ثلاث جهات فاعلة تقف وراء المشروع الفدرالي القبلي الحالي هي دول الجوار، والمجتمع الدولي، والسياسيين القبليين. كما حللت الكتابات المنشورة عن أنظمة الحكم المقترحة لكي تعالج الشكاوى المذكورة. وقيّمت الدراسة مدى ملاءمة الأنظمة الكونفدرالية والفدرالية والتوافقية والموحدة اللامركزية. وخلصت إلى أنّ نظامًا موحدًا لامركزيًا يلائم الصومال، لأنه يحافظ على الدولة قوية وموحدة في الوقت الذي يتصدى للشكاوى المشروعة والتطلعات التي عبّ عنها كثير من الصوماليين.