قراءة في نتائج الانتخابات البرلمانية التركية
الملخّص
فاجأت الانتخابات التركية الأخيرة المراقبين. فمع أنّ معظم استطلاعات الرأي التي أجريت قبل الانتخابات توقعت تراجع أصوات حزب العدالة والتنمية بشكل ملحوظ، فإنّ معظمها كان يشير إلى حصوله، في أسوأ التقديرات، على نحو 280 - 290 مقعدًا، ومواصلة تحقيق الأغلبية المطلقة لتشكيل الحكومة بمفرده. ولكنّ نتائج الانتخابات خالفت التوقعات، وأبرزت مفاجأتين: الأولى، تراجع أصوات حزب العدالة والتنمية بشكل ملحوظ، وخسارته الأغلبية المطلقة على الرغم من حصوله على %41 من إجمالي الأصوات، وعلى 258 مقعدًا من مقاعد البرلمان. والثانية، تجاوز حزب الشعوب الديمقراطي "الكردي" عتبة %10، بنسبة مريحة؛ إذ حصل على %13 من الأصوات، وعلى 80 مقعدًا في البرلمان. وقد شارك الأخير، لأول مرة، في الانتخابات البرلمانية بقائمة حزبية بخلاف الدورات السابقة؛ إذ كان يدفع بمرشحين مستقلين بسبب اقتناعه بعدم قدرته على تخطي عتبة ال %10. وبذلك، تكون تركيا قد انتقلت إلى حالةٍ من عدم الوضوح السياسي بعد استقرارٍ دام نحو ثلاثة عشر عامًا. تناقش وتحلل ورقة تقييم الحالة هذهالانتخابات التركية الأخيرة وتستخلص دلالاتها.
أنهت الانتخابات النيابية التركية، التي جرت في السابع من حزيران/ يونيو 2015، حقبة الأغلبية البرلمانية المطلقة لحزب العدالة والتنمية، ووضعت الحياة السياسية في تركيا أمام هواجس وتساؤلات حول احتمالية عودة الحكومات الائتلافية التي ارتبطت في الذاكرة التركية بحالةٍ من عدم الاستقرار السياسي والارتباك الاقتصادي؛ والتي كان أحد أسبابها المسافات الأيديولوجية الكبيرة نسبيًا بين الأحزاب التركية الرئيسة. تدرس هذه الورقة البحثية أهم أسباب تراجع حزب العدالة والتنمية الذي تصدّر المشهد لأعوام طويلة، وتلقي الضوء على تطورات المشهد السياسي خلال العامين الأخيرين، ومدى تأثيرها في نتائج الانتخابات، وتستعرض أهم السيناريوهات المستقبلية التي ينتظرها المشهد السياسي التركي في ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة.
أسباب تراجع حزب العدالة والتنمية
مع أنّ معظم استطلاعات الرأي التي أجريت قبل الانتخابات توقعت تراجع أصوات حزب العدالة والتنمية بشكل ملحوظ، فإنّ معظمها كان يشير إلى حصوله، في أسوأ التقديرات، على نحو 280 - 290 مقعدًا، ومواصلة تحقيق الأغلبية المطلقة لتشكيل بمفرده. ولكنّ نتائج الانتخابات خالفت التوقعات الحكومة، وأبرزت مفاجأتين: الأولى، تراجع أصوات حزب العدالة والتنمية بشكل ملحوظ، وخسارته الأغلبية المطلقة على الرغم من حصوله على %41 من إجمالي الأصوات، وعلى 258 مقعدًا من مقاعد البرلمان. والثانية، تجاوز حزب الشعوب الديمقراطي "الكردي" عتبة %10، بنسبة مريحة؛ إذ حصل على %13 من الأصوات، وعلى 80 مقعدًا في البرلمان1. وقد شارك الأخير، لأول مرة، في الانتخابات البرلمانية بقائمة حزبية بخلاف الدورات السابقة؛ إذ كان يدفع بمرشحين مستقلين بسبب اقتناعه بعدم قدرته على تخطي عتبة ال .%10 وبذلك، تكون تركيا قد انتقلت إلى حالةٍ من عدم الوضوح السياسي بعد استقرارٍ دام نحو ثلاثة عشر عامًا. يعزى تراجع حزب العدالة والتنمية إلى أسباب عدة يمكن تقسيمها إلى مجموعتين؛ تتضمن الأولى عوامل موضوعية داخلية ولخارجية لا علاقة لها بالحزب، بعكس الثانية المرتبطة بالحزب وممارساته السياسية، وبعض الأخطاء المتراكمة، والممارسة الخاطئة أثناء الحملة الانتخابية.
أولا: عوامل موضوعية
1. العامل الكردي
في الماضي كان كلٌ من حزب العدالة والتنمية وحزب الشعوب الديمقراطي يتقاسمان أصوات الأكراد؛ إذ يصوّت الأكراد المحافظون لمصلحة حزب العدالة والتنمية في حين يختار القوميون واليساريون مرشحي حزب الشعوب الديمقراطي. ولكنّ هناك تغيرًا كبيرًا حدث في تصويت الأكراد في الانتخابات الأخيرة عبر انتقال جزء كبير من أصوات العدالة والتنمية إلى حزب الشعوب الديمقراطي.
لقد عمل مناوئو العدالة والتنمية (داخليًا وخارجيًا) على تلميع صورة حزب الشعوب الديمقراطي، والدفع باتجاه تجاوزه عتبة دخول البرلمان؛ لأنه كان السبيل الوحيد لمنع العدالة والتنمية من الحصول على الأغلبية المطلقة، خاصة أنّ الأخير يعد المنافس الوحيد لحزب الشعوب الديمقراطي على الأصوات الكردية2؛ لذلك شجعوا الحزب الكردي على خوض الانتخابات بالقائمة الحزبية بدلً من المرشحين المستقلين، وقدموا له ولزعيمه الشاب صلاح الدين دميرتاش دعم إعلاميًا كبيرًا3. لكنّ نجاح حزب الشعوب الديمقراطي في دخول البرلمان لم يقتصر على دعم خصوم العدالة والتنمية في الداخل والخارج له فحسب، فقد اتبع الحزب إستراتيجية ناجحة جدًا خلال حملته الانتخابية؛ فخلال هجوم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" على مدينة عين العرب (كوباني) في السنة الماضية، أجج الحزب وأفرعه الأخرى مشاعر الأكراد القومية في البلاد وتوجههم
ضد الحزب الحاكم، ونجح في استثمار الموجة القومية الكردية انتخابيًا لمصلحته4. من جهة أخرى، اتبّع الحزب سياسة الانفتاح على شرائح أخرى لم تصوّت له سابقًا مثل الإسلاميين الأكراد واليساريين الأتراك والعلويين والجالية الكردية في أوروبا والمثليين، وقدّم مرشحين من هذه الفئات نجح عدد منهم في الانتخابات، ودخلوا البرلمان على قائمة الحزب5. كذلك قدمت جماعة "فتح الله كولن" دعمً إعلاميًا كبيرًا له، على الرغم من العداء الأيديولوجي بينهما، وذلك بعد دخول الجماعة في صراعٍ شديدٍ مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومة العدالة والتنمية، وقد اعترف قادة حزب الشعوب الديمقراطي بأن جزءًا كبيرًا من الأصوات قد جاءت من خارج قواعدهم الشعبية. كما أنّ تحامل حزب العدالة والتنمية على الشعوب الديمقراطي وزعيمه الشاب "صلاح الدين دميرتاش" أتى بنتائج عكسية لما كان يريده العدالة والتنمية، وساهم في التفاف المعارضين لأردوغان حول الحزب وزعيمه. عدا عن ذلك، فإنّ نهج العدالة والتنمية في ما يتعلق بعملية السلام مع الأكراد والقائم على إشراك حزب الشعوب الديمقراطي في تلك العملية عززا من دور هذا الحزب، وأظهره في موقع أقوى مما كان عليه. وقد استغل حزب العمال الكردستاني PKK() المصنف كمنظمة إرهابية، وحزب الشعوب الديمقراطي الذي يعمل كذراع سياسي له، عملية السلام في تقوية دورهما في منطقة جنوب شرق البلاد ونشر أيديولوجيتهما القومية6. ليس هذا فحسب، بل أدى تعزيز الأكراد لدورهم السياسي عبر عملية السلام الداخلي إلى ابتعاد القوميين الأتراك من حزب العدالة والتنمية وتوجههم إلى حزب الحركة القومية ذي التوجه القومي التركي7. كما أدت أعمال العنف والترهيب التي قام بها حزب العمال الكردستاني ضد مرشحي حزب العدالة والتنمية في المناطق ذات الأغلبية الكردية، وممارسته ضغوطًا شديدة على الناخبين في جنوب شرق تركيا إلى انزياح التصويت ضد العدالة والتنمية، وقد اعترفت الحكومة التركية بحصول خللٍ في تأمين صناديق الاقتراع وحرية الاختيار في بعض مناطق جنوب شرق البلاد8. وهنا، لا يمكن تجاهل دور القنبلة التي انفجرت قبل يومين من موعد الانتخابات في تجمع حزب الشعوب الديمقراطي الانتخابي في مدينة ديار بكر التي تعدّ معقلً لحزب الشعوب الديمقراطي. فالتفجير الذي أدى إلى مقتل عدة أشخاص وإصابة عشرات آخرين ساهم في إظهار حزب الشعوب الديمقراطي بمظهر المظلوم والضحية، وأثار مشاعر الغضب لدى الأكراد ضد الدولة وحزب العدالة والتنمية بوصفه الحزب الحاكم. وبحسب تصريحات وزراء من العدالة والتنمية، فإنّ حادث الانفجار أثر في نتائج الانتخابات بشكل ملحوظ، وذهب نحو %2 من أصوات الحزب إلى حزب الشعوب الديمقراطي، في أقل التقديرات. وتجدر الإشارة إلى أنّ دلائل عدة تشير إلى ارتباط منفذ العملية، والذي عثر عليه بعد الانتخابات، بمخابرات أجنبية وهو ما يشير إلى وجود عوامل دولية ساهمت في التأثير في نتائج الانتخابات9.
2. العامل الاقتصادي
تراجعت وتيرة الاقتصاد التركي في السنتين الأخيرتين، إذ سجلت تركيا في العام المنصرم نسبة نمو تقدر ب %2.9 فقط، وهذه النسبة منخفضة مقارنةً بنسبة النمو المرتفعة التي عرفتها البلاد منذ عام 2002 من حكم العدالة والتنمية، وبنسبة المعدل العام للبلاد وهي %5.510. كما أثرت أحداث "حديقة غزي" والتي اندلعت منتصف عام 2013 للاحتجاج على خطة الإدارة المحلية لتحديث ميدان تقسيم (أشهر معالم مدينة إسطنبول)، وإعادة بناء ثكنة عسكرية تاريخية في
الحديقة المجاورة له، في الاقتصاد التركي، وأدت إلى أضرار بالغة تقدر بمئة مليار دولار11. وجدير بالذكر أنّ هذه الاحتجاجات انطلقت سلمية ولأسباب بيئية، لكن سرعان ما تحولت إلى احتجاجات واسعة ضد الحكومة وإلى أحداث عنف وتخريب ضد الممتلكات العامة والخاصة بتدخل منظمات يسارية متطرفة وأطراف مؤثرة أخرى داخليًا وخارجيًا، واتسعت إلى أنحاء البلاد واستمرت شهرًا. كما شهدت تركيا في السنة الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار المواد الأساسية وانخفاضًا في سعر صرف الليرة التركية نتيجة الجفاف الذي ضرب البلاد في السنة الماضية، والتحولات في الاقتصاد العالمي، علم بأنّ الاقتصاد هو من بين أهم العوامل التي تؤثر في قرار الناخبين في تركيا، كما حصل ذلك في الانتخابات المحلية عام 2009؛ إذ أثرت الأزمة الاقتصادية العالمية في تلك الفترة في الاقتصاد التركي سلبيًا، وشاهدنا آثارها في تلك الانتخابات، حيث تراجعت أصوات حزب العدالة والتنمية إلى %38 في تلك الانتخابات.
3. الصراع مع جماعة "فتح الله كولن"
دفع نجاح حزب العدالة والتنمية في جميع الانتخابات التي خاضها منذ عام 2002 وحكمه البلاد لفترة طويلة بمفرده الأحزاب السياسية المعارضة إلى تبني نهج متشدد لمعارضة حزب العدالة التنمية وإلى التحالف في ما بينها ضده، وانضمت إلى هذا التحالف جماعة فتح الله كولن التي كانت تتمتع بنفوذ قوي جدًا في مؤسسات الدولة وتمتلك منظومة إعلامية قوية ومؤثرة. وقد أدى الخلاف في الرؤى بين الحكومة والجماعة - التي تتهمها الحكومة بتشكيل كيان موازٍ في الدولة لتوجيه سياساتها - بشأن عددٍ من القضايا الخارجية والداخلية إلى تحوله إلى خصومة وعداء؛ إذ كانت الجماعة تريد تبني سياسات خارجية ترى الحكومة أنها متوافقة مع الغرب بشكل عام، ومع الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل خاص، بينما تتوجه الحكومة إلى نهج سياسات أكثر استقلالية. وقد انتقل الخلاف بين الطرفين إلى العلن مع عزم الحكومة على الإصلاح التعليمي وإلغاء الدورات التحضيرية التي أصبحت نظامًا تعليميًا موازيًا لنظام التعليم الوطني في البلاد؛ إذ كانت الجماعة تمتلك معظم هذه الدورات التحضيرية وأعلنت حربًا إعلامية على الحكومة لمنع إغلاق هذه الدورات التي تعتبر المصدر المادي والبشري للجماعة. ثم أخذ الصراع بين الطرفين أبعادًا متعددة، وتحوّل إلى حرب إقصائية. ومنذ تلك الفترة، تمارس الجماعة حملة إعلامية شرسة ضد الحكومة. ومع أنّ تأثير هذه الحملة بقي محدودًا في الانتخابات الثلاثة المتتالية المحلية والرئاسية والبرلمانية ولكنها استطاعت تغيير آراء بعض الناخبين12. كما أضرت أحداث 17 و 25 كانون الأول/ ديسمبر 2013 المتعلقة ب "قضايا فساد"، وتوجيه التهم لمسؤولين وأبنائهم ورجال أعمال بارزين بصورة الحكومة والاستقرار السياسي والاقتصادي للبلاد؛ إذ نفذت جماعة "فتح الله كولن" تلك العملية بواسطة عناصرها داخل جهازي القضاء والشرطة لإحراج الحكومة وتشويه صورتها.
4. السياسة الخارجية واللاجئون
على الرغم من محدودية تأثير السياسة الخارجية في ترجيحات الناخبين في تركيا، فإنّ التداعيات السلبية للأزمة السورية واللاجئين السوريين ألقت بظلالها على نتائج الانتخابات ولو بشكل محدود. فتركيا تستضيف منذ أكثر من أربع سنوات نحو مليوني لاجئ سوري على أراضيها، وأنفقت عليهم حتى الآن أكثر من ستة مليارات دولار من خزانتها من دون أن تكون هناك مساعدة دولية تذكر. وينظر الشعب التركي بشكل عام إلى موضوع اللاجئين من جانبه الإنساني، ولكنّ هذا لا ينفي التداعيات السلبية على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية، خاصة في المدن الحدودية وفي مدينة إسطنبول13.
ثانيًا: عوامل مرتبطة بأداء حزب العدالة والتنمية
1. تغيرات جذرية داخل الحزب
شهد حزب العدالة والتنمية تغيرات جذرية بعد انتخاب زعيم الحزب التاريخي رجب طيب أردوغان رئيسًا للجمهورية في 10 آب/ أغسطس 2014، ثم انتخاب أحمد داود أوغلو رئيسًا جديدًا للحزب. ومع أن الأخير يعدّ من أهم قادة الحزب والمنظّر الفكري له، فإنه يفتقد الخبرة والكاريزما السياسية الكافية، لذلك بقي في ظل أردوغان ولم يظهر
بمظهر القائد القوي منذ توليه رئاسة الحكومة وحتى موعد إجراء الانتخابات. كما انعكس خروج نحو سبعين نائبًا من قادة الحزب الكبار سلبيًا على الأداء الانتخابي للحزب، وذلك بموجب قاعدة عدم الترشّح لمن يكمل ثلاث دورات في البرلمان، ومن بين هؤلاء بولنت أرينتش نائب رئيس الوزراء، وعلي باباجان نائب رئيس الوزراء، وجميل جيجيك رئيس البرلمان ومحمد علي شاهين وزير العدل السابق، وهم قادة مؤسسون للحزب. لقد وضع الحزب القاعدة السابقة ليضمن التحديث الدائم، ويمنع احتكار بعض الأشخاص لمواقع القيادة وتحديث الكوادر وإعطاء الشباب فرصة لإثبات أنفسهم في المواقع القيادية. ولكنّ خروج القيادات السابقة دفعة واحدة أدى إلى بعض الضعف في الحملة الانتخابية للحزب. كما أثرت عوامل أخرى في صورة الحزب أمام الناخبين، مثل عودة الرئيس السابق عبد الله غول إلى صفوف الحزب والشائعات حول عدم رضاه عن أداء حزبه، وبعض الخلافات بين بعض الأعضاء الكبار للحزب، والاتهامات المتبادلة عبر وسائل الإعلام قبل الانتخابات بشكل سلبي14.
2. ضعف الحملة الانتخابية
اتسمت الحملة الانتخابية للحزب بالضعف، وعدم طرح مشروع كبير يجذب الناخبين؛ ففي الانتخابات السابقة كان الحزب يعطي دائمًا مثالً للحملة الانتخابية الناجحة، ويقدم الأغاني والأفلام الدعائية الانتخابية بشكل مبهر جذاب، ولكن في هذه الانتخابات كان أداؤه ضعيفًا جدًا ولم يقدّم جديدًا أو دعايةً قويةً مؤثرة. كما أنّ الحزب لم يطرح مشروعًا تنمويًا، حتى إنه لم يطرح صوغ دستور جديد أو تعديل نظام الإدارة من البرلماني إلى الرئاسي بشكل قوي، بل إنّ رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان هو من نزل إلى الميادين وقدّم هذا الطرح بشكل قوي، بينما ركز أحمد داود أوغلو في خطاباته الانتخابية على إنجازات الحزب السابقة. من جهة أخرى، كان هناك عدم توافق على اختيار مرشحي الحزب المناسبين، وقد وجهت انتقادات واسعة من داخل الحزب لقيادته بهذا الخصوص، فبدلً من المرشحين ذوي القاعدة الشعبية، اختار الحزب مرشحين غير معروفين لدى الشعب. ومع أنّ جل هؤلاء من حملة الدكتواره والخبراء في اختصاصاتهم، فإنهم يفتقدون التواصل مع الشعب والناخبين، الأمر الذي أثر في تصويت بعض الناخبين. ويرجع بعض الخبراء هذا الخطأ إلى عدم امتلاك داود أوغلو الخبرة الكافية في العمل الحزبي مقارنة بعملة كوزير خارجية. وفي سياق متصل، اتسم سلوك بعض مرشحي العدالة والتنمية بالتعالي والكبر والغرور، لتقديرهم أنّ الشعب سينتخبهم في أي ظرف، وهو ما تبين أنه غير صحيح. وعزّز من هذا الانطباع السيء شعبيًا عدم قيام حزب العدالة والتنمية بالتحقيق الجدّي في قضايا الفساد الأخيرة التي شغلت الشارع التركي، وعدم تقديم المتهمين إلى المحاكمة، ونزوعه لتحدي خصومه بالقول "إنّ التصويت البرلماني هو من سيحاكمهم." وعلى الرغم من أنّ اتهامات الفساد السابقة جاءت ضمن صراع سياسي بين الحكومة وجماعة فتح الله كولن، فإنّ طريقة إدارة الأزمة أثرت بشكل سلبي في صورته لدى الشعب لا سيما أنّ مكافحة الفساد تعد من أهم مبادئه15.
3. نزول رئيس الجمهورية إلى الميادين
أثار نزول رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان لطرح مسألة تعديل الدستور وإقامة النظام الرئاسي بدلً من النظام البرلماني انتقادات حول حياد رئيس الجمهورية، كما تبين أنّ أغلبية الشعب التركي لا ترى في تغيير شكل النظام أولوية بالنسبة إليه، على الأقل في الوقت الراهن، بل إنه يفضل دوام الاستقرار السياسي والاقتصادي على مناقشة التعديلات الدستورية16. من جهة أخرى تعد تركيا بلدًا ديمقراطيًا ونظام الحكم فيها برلماني ورئيس الوزراء هو رأس الإدارة والتنفيذ في البلاد، وقد أضر ظهور الرئيس أردوغان في الميادين في وقت الانتخابات بصورة أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء، وأظهره في صورة الضعيف والظل، وبدا المشهد كما أنّه ثمة قيادتان على رأس السلطة التنفيذية، ما أثر بشكل سلبي في اختيارات بعض الناخبين. وبالمحصلة، أدت الأسباب السابقة إلى تراجع أصوات حزب العدالة والتنمية بشكل ملحوظ، لكنّ اعتبار هذا التراجع هزيمة كبرى يعبّ عن قصور في الفهم والتحليل، فقد حصل تراجع مشابه في أصوات الحزب في انتخابات 2009 المحلية، ولكن الحزب سرعان ما تلافاه في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في عام 2011، والتي حصل فيها على نحو %50
من أصوات الناخبين. وبإمكان الحزب تدارك هذا التراجع في انتخابات مقبلة، بشرط أن يدرس أخطاءه وأن يدرك معنى الرسالة التي وجهت إليه من خلال نتائج الانتخابات بشكل جيد ويتحرك بموجبها.
احتمالات تشكيل حكومة ائتلافية
بعد اكتمال مرحلة انتخاب رئيس البرلمان وتشكيل ديوان الرئاسة كلّف رئيس الجمهورية رئيس حزب العدالة والتنمية أحمد داود أوغلو تشكيل الحكومة خلال 45 يومًا، وهي المدة التي حددها الدستور، وإلا فسيقرر رئيس الجمهورية بالتشاور مع رئيس البرلمان الذهاب إلى الانتخابات المبكرة. وقد أثبتت مرحلة انتخاب رئيس البرلمان أنّ هناك أحزابًا ثلاثة ممثلة في البرلمان تجمعها معارضة حزب العدالة والتنمية، ولكن هذه الأحزاب عاجزة عن التوافق والاتفاق على تنفيذ أي مشروع بنَّاء آخر، لهذا السبب تمكّن حزب العدالة والتنمية من انتخاب مرشحه عصمت يلماز لرئاسة البرلمان على الرغم من تفوق مجموع مقاعد الأحزاب الثلاثة على كتلة العدالة والتنمية. وتبين خلال الفترة التي أعقبت إعلان نتائج الانتخابات عجز الأحزاب المعارضة الثلاثة - وهي حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية وحزب الشعوب الديمقراطي - عن التوافق في ما بينها لتشكيل الحكومة بسبب المواقف المتعارضة لحزب الحركة القومية وحزب الشعوب الديمقراطي. أما مقولة رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو عن كتلة معارضة موحدة تمثل ستين في المئة مقابل الأربعين في المئة لحزب العدالة والتنمية فلا تبدو واقعية؛ إذ لا يمكن الحديث عن كتلة متوافقة منسجمة، فليس بالضرورة أنّ كل خصم لحزب العدالة والتنمية يدعم تشكيل كتلة موحدة ضده17. كما يتضح عدم إمكانية تشكيل العدالة والتنمية حكومة ائتلافية مع حزب الشعوب الديمقراطي بسبب رفض الأخير لهذا التحالف، وهكذا يبقى أمام العدالة والتنمية تشكيل حكومة ائتلاف إما مع حزب الشعب الجمهوري أو مع حزب الحركة القومية.
أولا: الائتلاف مع حزب الشعب الجمهوري
تطمح أطراف دولية غربية، وبعض كبار رجال الأعمال، ووسائل إعلام قريبة من الحزب الحاكم إلى تشكيل حكومة ائتلافية بين كل من حزب العدالة والتنمية المحافظ، وحزب الشعب الجمهوري اليساري العلماني. ولكن تباعد مواقف الحزبين حول بعض القضايا الداخلية والخارجية المهمة مثل الموقف المتناقض من الأزمة السورية، وكذلك شروط حزب الشعب الجمهوري التعجيزية للدخول في الحكومة الائتلافية مثل توزيع الحقائب الوزارية بشكل متساوٍ يعوق حصول مثل هذا التحالف18.
ثانيًا: الائتلاف مع حزب الحركة القومية
تتقارب طبيعة القاعدة الشعبية بين حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، فكلاهما يرتبط بقاعدة شعبية محافظة والقومية التركية، ويخاطب الناخب اليميني بشكل عام. وتطالب القاعدة الشعبية لكل من الحزبين بتشكيل الحكومة بينهما، ما يجعل هذا الخيار أقرب إلى الواقع، إلا أنّ موقف رئيس حزب الحركة القومية دولت باهتشلي من رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان ومن حزب العدالة والتنمية وعدم رغبته في الدخول في التحالف معه يصعبان هذا الخيار19.
ثًالث ا: الذهاب إلى انتخابات مبكرة
يبدو أنّ احتمال تشكيل حكومة ائتلافية والذهاب إلى الانتخابات المبكرة، أو إلى الانتخابات المكررة كما سماها أردوغان، متساويان حتى الآن، ويقال إنّ الرئيس التركي يرجح الذهاب إلى الانتخابات المبكرة، بينما يرجح رئيس حزب العدالة والتنمية أحمد داود أوغلو
تشكيل حكومة ائتلاف أو على الأقل تجريب تحقيق هذا الخيار بشكل جاد وبنّاء، لأنّ الناخب التركي قد يعاقب من يحاول الالتفاف على إرادته وخياره، ولكن في حال دخول مفاوضات تشكيل الحكومة في طريق مسدود لم يبق غير خيار الذهاب إلى انتخابات مبكرة. ويسود اقتناع لدى كثير من مسؤولي حزب العدالة والتنمية أنه حال الذهاب إلى الانتخابات المبكرة فسيحصل الحزب على الأغلبية المطلقة من جديد ما سيمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده، وتشير استطلاعات الرأي التي أجريت وما زالت تُجرى بعد الانتخابات إلى هذا الاحتمال، ولكنّ بعض قادة الحزب يرون أنه لا بد من خوض تجربة "ترجمة" نتائج انتخابات السابع من حزيران/ يونيو إلى الواقع احترامًا للإرادة الوطنية20. يمكن القول إنّ الأحزاب الثلاثة الممثلة للمعارضة تبدو متخوّفة من الدخول في حكومة ائتلافية، فهي بالنسبة إليها مغامرة غير محسوبة العواقب، في حين يبدو الأمر أكثر مرونة بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية، كما أنّ إفشال المعارضة تشكيل الحكومة الائتلافية قد تنعكس إيجابيًا عليه لا سيما أنّ جميع الاستطلاعات تشير إلى ارتفاع شعبية حزب العدالة والتنمية في ظل تزايد الاستياء في صفوف الناخبين من حالة الغموض وعدم الاستقرار السياسي التي تنتظر البلاد في هذه الأجواء السياسية21.
تداعيات نتائج الانتخابات على السياستين الداخلية والخارجية
أراد الشعب التركي في الانتخابات الأخيرة معاقبة حكومة العدالة والتنمية على بعض إخفاقاتها في مجال السياسة الداخلية، وتأكيد حقيقة أنه هو صاحب القرار في بقائها أو رحيلها. كما يبدو أنّ هناك رغبة شعبية جرت ترجمتها عبر صناديق الاقتراع في تخفيف حدة الاستقطاب السياسي الذي ازدادت وتيرته في الآونة الأخيرة عبر الدفع باتجاه تشكيل حكومة ائتلافية والتحول نحو سياسات أكثر توافقية بدلً من سياسات المواجهة والمماحكة لتواصل الحكومة المقبلة العمل على تنفيذ المشاريع التنموية الضخمة. كما اعتبرت نتيجة الانتخابات بمنزلة استفتاء على عدم رغبة الشعب التركي في التحول من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي وإعطاء صلاحيات أكبر لدور رئيس الجمهورية. ولذلك يتوقع في المدى المنظور أن يبقى دور رئيس الجمهورية في ما يتعلق بتحديد السياسات الداخلية ورسمها في الإطار الذي يحدده الدستور لأنّ كلً من حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية يصران على تراجع دور رئيس الجمهورية إلى موقعه الذي يرسمه الدستور حسب رؤيتهما.
على المستوى الخارجي، يرجح في حال تشكيل حكومة ائتلافية، تبني سياسات أكثر توافقية في مجال السياسة الخارجية. كما أنّ تأثير رئيس الجمهورية في تحديد سياسات البلاد سيكون أقل مما كان عليه قبل الانتخابات. ومع ذلك، فإنّ التغيّ الذي قد تشهده السياسية الخارجية التركية لن يكون جذريًّا؛ فحزب العدالة والتنمية إن عجز عن تشكيل الحكومة منفردًا، فإنه يبقى صاحب الحصة الأكبر في الحكومة، ومع ذلك تبقى المعضلة في عدم تمكّن الحزب من اتخاذ قرارات مصيرية تجاه قضايا السياسة الخارجية تحديدًا، بسبب المعارضة التي يواجهها الحزب في البرلمان، فضلً عن القيود التي سوف يضعها أي حزب مشارك في الحكومة الائتلافية بهذا الاتجاه22.
خاتمة
دخلت تركيا بعد انتخابات السابع من حزيران/ يونيو 2015، فترة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي التي قد تمتد شهورًا معدودة أو تطول لسنوات، وذلك بعد أن كانت قد شهدت فترةً من الاستقرار في
ظل حكم حزب العدالة والتنمية منذ عام 2002، وقد سجلت البلاد خلال هذه الفترة طفرةً في التنمية السياسية والاقتصادية، غيّ ت وجه تركيا من بلد غير مستقر إلى بلد مستقر ومتطور وانعكست على الحياة المعيشية للمواطنين بشكل مباشر. وعلى الرغم من ملامح عدم الاستقرار، ومؤشرات عدم الوضوح السياسي للمرحلة التي تلت الانتخابات، تبقى هناك العديد من الدلالات التي يمكن قراءتها والتي أفرزتها نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، خاصة ما يتعلق منها بأسباب تراجع حزب العدالة والتنمية والسيناريوهات المحتملة. وفي ما يلي بعض الدلالات المهمة التي تجدر الإشارة إليها: أكدت نتائج الانتخابات أنّ الديمقراطية راسخة في تركيا، فقد شارك أكثر من 47 مليون ناخب في الانتخابات بنسبة بلغت %85، وأكدت التصريحات الصادرة عن جميع الأحزاب السياسية احترام النتائج التي عبّ ت عن رأي الشعب التركي وتوجهاته، وهو مؤشر صحي يشير إلى تقدّم التجربة الديمقراطية التركية. كما أنّ استيعاب الأكراد في النظام السياسي كمواطنين أتراك لهم الحقوق نفسها وعليهم الالتزامات نفسها يعتبر مكسبًا لتركيا. ظهرت مسألة الهوية والأيديولوجية القومية بوضوح في التصويت، فقد صوّت معظم الأكراد لحزب الشعوب الديمقراطي، حتى إن بعض الإسلاميين الأكراد، قدموا الهوية الكردية كأساس للتصويت. كما توجّهت معظم أصوات القوميين الأتراك إلى حزب الحركة القومية التركية؛ إذ ثمة تصاعد في التوجهين القوميين التركي والكردي معًا. وجاء تصاعد القومية الكردية نتيجة التطورات الراهنة في المنطقة وتنامت في ظل أجواء الحرية والديمقراطية وعملية السلام الداخلي. أما تصاعد النزعة القومية التركية فجاء كرد فعل على بروز دور الأكراد في السياسة التركية وعلى عملية السلام، إذ يشترط حزب الحركة القومية للدخول في الائتلاف الحكومي مع حزب العدالة والتنمية إنهاء تلك العملية وتبني النهج الأمني حيال مشكلة الإرهاب. اتضحت الخريطة الحزبية التركية من خلال المشهد السياسي الذي أظهرته الانتخابات البرلمانية؛ إذ تسيطر أربعة تيارات رئيسة على المشهد ممثلة في الأحزاب الأربعة التي نجحت في الوصول إلى البرلمان، وهي العدالة والتنمية بما يمثله من اتجاه محافظ، والشعب الجمهوري الذي يمثل اليسار الوسطي والقومي والعلماني، والحركة القومية المعبرة عن القوميين الأتراك، وحزب الشعوب الديمقراطي الذي يعتبر نسخة كردية لحزب الشعب التركي إذ يتبنى أفكارًا قومية كردية ويسارية وعلمانية. لم يكن النظام الرئاسي أولوية لمعظم الناخبين في تركيا، على الأقل في المرحلة الحالية، بل ما يهم الشعب هو مواصلة الاستقرار والتنمية الاقتصادية. كما أنّ نتائج الانتخابات شكلت ردًا مباشرًا على أي محاولة لإعادة إنتاج نظام سياسي مطلق السلطات، فأعادت بذلك توضيح الحدود الديمقراطية التي يجب على أي سياسي مهما علا شأنه أن يلتزمها ويخضع لها. في حال تشكل حكومة ائتلافية، هناك تخوف على المستوى الاقتصادي من سيادة فترة من التقلبات السياسية والاقتصادية الناجمة عن اضطلاع حكومة ذات ائتلاف ضعيف في شؤون البلاد، ما قد يؤثر في الاستقرار ويزيد من مخاوف تكرار التجربة التاريخية السابقة لتركيا، إذ لم تكن تستمر الحكومات الائتلافية فترات طويلة، وهو ما أدى إلى زعزعة الاستقرار السياسي وإلى تقلبات اقتصادية حادة. كان أثر السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية محدودًا مقارنة بالسياسة الداخلية في قرار الناخب التركي، إذ لم تمثل السياسية الخارجية عاملً حاسمً في نتائج الانتخابات، على عكس قضايا السياسة الداخلية والاقتصادية والاجتماعية في الداخل التركي. وليس من المتوقع أن تشهد السياسة الخارجية التركية تغيرًا جذريًا في المرحلة الحالية، إذ يستلزم التغيير مدى زمنيًا كبيرًا، خاصة في حالة دولة إقليمية مثل تركيا، وربما تشهد تغيرًا في الشكل والأسلوب؛ إذ قد تصبح أكثر هدوءً وأقل حدة في مواجهة بعض الأطراف الخارجية، في حال تشكل الحكومة الائتلافية. تعد نتائج الانتخابات البرلمانية فرصة لحزب العدالة والتنمية لمراجعة سياسات الحزب، وإعادة ترتيب أوراقه، في ضوء قراءة التطورات المختلفة التي طرأت على المشهد السياسي التركي.