مراجعة كتاب خيارات صعبة
عنوان الكتاب في لغته:.Hard Choices عنوان الكتاب: خيارات صعبة. المؤلف: هيلاري كلينتون. سنة النشر:.2014.Simon and Schuster الناشر: عدد الصفحات: 635 صفحةً مرقّمةً من القطع الكبير وثلاث ملازم من الورق المصقول تضمنت 100 صورة ملونة.
كتاب خيارات صعبة لوزيرة الخارجية الأميركية سابقًا شغل هيلاري كلينتون حيزًا مهمًّ في الإع ماا العربي منذ صدوره في حزيران/ يونيو 2014، وتحوّل إلى مادة دسمة لصَوْغ التحليلات والقراءات التي لم تسلم من تأثير التجاذبات السياسية في المنطقة، ليكون من أبرز الكتب التي تناولها الرأي العامّ العربي خلال عام
أهمية الكتاب ومنهجه
يُعَدُّ هذا الكتاب، من وجهة نظر الدبلوماسية الأولى في الولايات المتحدة، سجلًّ لأهم القضايا التي واجهتها السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية في الفترة الرئاسية الأولى لباراك أوباما في تلك الفترة. تقول كلينتون إنّ الكتاب يتناول عددًا من الخيارات التي اتّخذتها بوصفها وزيرةً للخارجية تجاه الأحداث المهمة، والحيثيات المحيطة بها، وموقف الإدارة الأميركية والزعماء والدبلوماسيين في مختلف أنحاء العالم. وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن تصنيف كتابها ضمن كتب التاريخ؛ فهو مقسّم إلى سبعة أبواب وخمسة وعشرين فصلً على أساس جغرافيّ، وليس بناءً على ترتيب زمني. وإذا كانت كلمة "مذكرات" قد وردت على غلاف الكتاب، فإنّ ذلك لا يعني أنه سيرة ذاتية بالمعنى الكلاسيكي للكلمة؛ فهو يجتنب الأسلوب الأدبي، أو ما يمكن أن يدل على مشاعر الكاتبة؛ إذ لم يرِد فيه أيّ مؤشر دالّ على شعورها بالغضب طوال السنوات الأربع، ولكن ورد شعور بقليل من "الاستياء"، ولم يرد شعور بالتعب إلا نادرًا. ولم تضع كلينتون أيًّا من قراراتها السياسية المهمة التي توثّقها في الكتاب في سياق محلِّ أو دولي، فقد رَوَت كلًّ منها على أنّه قصة في حدّ ذاته، تنتهي نهايةً سعيدةً، حتى لو كان الواقع خلاف ذلك. وقد تحوّل الكتاب قبل صدوره بفعل الحملة التسويقية الضخمة عبر وسائل الإعلام واللقاءات المتكررة لكلينتون إلى سلعةٍ ثمينةٍ بغض النظر عن محتواه. تقول الصحافية آن أبلبوم التي تناولت الكتاب في مقالة لها إنّ زوجها وزير الخارجية البولندي (السابق) رادوسلاف سيكورسكي ما إن رأى الكتاب حتى تصفحه ليبحث عن اسمه في الجداول في الصفحات الأخيرة من الكتاب؛ إذ يكفي أن يرد اسمه في هذه الكتاب ليعدَّ ميزةً له، وخصوصا أنّ مؤلفته قد تكون الرئيسة المقبلة للولايات المتحدة الأميركية. ولا يتضمن الكتاب فرضيةً أو أطروحةً شاملةً في العلاقات الدولية أو في العلوم السياسية، ولا يسوق أدلةً أو إثباتات بشأن صحّة فرضية أو إستراتيجيةٍ أو أطروحةٍ معينة، ولذلك لا يمكن تصنيفه في خانة كتب العلوم السياسية أو العلاقات الدولية. فلا جدال في ما يتعلّق بالواقعية أو المثالية، وعلى الرغم من ورود أفكار وملاحظات مهمة متصلة ببعض القضايا الدولية، فإنّ كلينتون لم تربط بين هذه الأفكار لتشكّل رؤيةً متكاملةً للسياسة الخارجية الأميركية. كما أنّها صرفت النظر منذ البداية عن الجدال بين "القوة الصلبة" و"القوة الناعمة"، مفضلةً "القوة الذكية" التي وصفتها بأنّها "اختيار المجموعة الصحيحة من الأدوات الدبلوماسية، والاقتصادية، والعسكرية، والسياسية، والقانونية، والثقافية"؛ من أجل "تعزيز الأهداف الأساسية لأمننا القومي." إلا أنّ هذا الطرح يظلّ متعلّقًا بالوسيلة، بدلً من الهدف، وقد نأت كلينتون بنفسها في صفحات الكتاب عن الجدال الشائك بشأن تعريف مصالح الأمن القومي. تشير كلينتون إلى أنّ الكتاب موجه إلى الأميركيين وإلى أيّ شخص يودُّ الاطلاع على الكيفية التي واجهت بها الإدارة الأميركية التحديات الكبرى، ومعرفة القيم التي تنطلق منها الولايات المتحدة، وفهم طرائق عمل الزعماء والدول مع بعضهم وتضارب قراراتهم في بعض الأوقات، وأثرها في حياة الأفراد. إلا أنّها تحاول عقلنة قرارات السياسة الخارجية الأميركية في فترة خدمتها، وأن تظهر أنها تقف الموقف الصحيح تجاه معظم القضايا، وهو ما يدل على أنّ الكتاب مُوجّه بوضوح إلى الناخب الأميركي أكثر من القارئ خارج الولايات المتحدة.
الكتاب مادة للتجاذبات السياسية العربية
على الرغم من إشاعة تسجيل مليون طلب لشراء الكتاب قبل صدوره، ودخول الكتاب بعد صدوره قائمة نيويورك تايمز ضمن أكثر الكتب الرائجة طوال اثني عشر أسبوعًا، فإنّ مجموع النسخ الصلبة التي بيعت من الكتاب بعد شهرين من صدوره لم تتجاوز 250 ألف نسخةٍ، وقد أخطأ عدد من محرري عروض الكتاب في نقل هذا الرقم وجرى ذِكر بيْع مليون نسخة منه، ويشمل ذلك الصفحة الخاصة بهذا الكتاب في ويكيبيديا باللغة العربية. كانت مبيعات الكتاب، إذن، دون التوقعات مقارنةً بكتاب كلينتون السابق التاريخ الحي الذي بيعت منه مليون نسخة في الشهر الأول، على أنه شكّل مادّة دسمةً لوسائل إعلام عربية غالت في خيالها وافترائها بشأن محتواه.
كانت أكثر القصص المختلقة عن الكتاب شيوعًا اعتراف كلينتون بتأسيس الولايات المتحدة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بهدف تقسيم الشرق الأوسط والسعي لضمان الاعتراف به. وفي الحقيقة لم يرد ذكرٌ لتنظيم الدولة في صفحات الكتاب إطلاقًا، بل ورد ذكر تنظيم القاعدة في عدّة مواضع، أهمّها تأكيد المؤلفة عدم رغبتها في تكرار سيناريو ثمانينيات القرن الماضي في أفغانستان؛ إذ سلّحت الولايات المتحدة إلى جانب السعودية وباكستان متمردين أفغان ساعدوا على إنهاء الاحتلال السوفياتي لدولتهم، ليقوم بعضهم، ومنهم أسامة بن لادن، بتشكيل القاعدة وتحويل أنظاره تجاه أهداف في الغرب. ولم تكن هذه القصة مخفيةً في أحد المواقع الإخبارية، فقد انتشرت إلى حدّ أنها وصلت إلى القول إنّ وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل أخذ الأمر مأخذ الجد وتقدّم بطلب استفسار رسمي للسفير الأميركي لدى لبنان بشأن ما صدر عن كلينتون في ما يتعلّق بموقف الولايات المتحدة من داعش، وطلب تفسيرًا بهذا الخصوص. وُصِ ف تناوُل الكتاب في الإعلام المصري بالهزلي، فقد قيل إنّ كلينتون اعترفت بدعمها للسيسي في الكتاب، كما قيل إنّها مدحت مرسي واعترفت بدعمها له، واختلق مذيعٌ في قناة مصرية عددًا من الأحداث الغريبة التي ورد ذكرها في الكتاب بحسب خياله؛ مثل حدوث مواجهة بين الجيش المصري وأسطول أميركي، وقيام جنود مصريين بأسر ضابط أميركي، وتهديد ضابط مصري للرئيس الأميركي شخصيًّا. وبذلك شكّل الكتاب - بلا شك - حالةً غير مسبوقة من حيث تناوله من أطراف متخاصمة في المنطقة العربية، وهو أمرٌ عزاه بعضهم إلى عدم خضوع وسائل الإعلام التي تغذّي ذلك للرقابة أو القضاء.
محتوى الكتاب
بداية جديدة
لم تتوقع كلينتون أن يختارها منافسها السابق في حملة الانتخابات الرئاسية باراك أوباما، إلا أنها بعد استشارة زوجها الرئيس السابق بيل كلينتون وعدد من المسؤولين السابقين وافقت على استلام المنصب، وقد قابل أوباما ذلك بقبول شرطيها المتمثّلين بتوافر خط اتصال مباشر معه والاجتماع به منفردًا متى شاءت، واختيار فريقها كلّه بمفردها مع أخذ اقتراحات الرئيس في الحسبان. وتتناول كلينتون أهمية اختيارها لأبرز موظفيها، ومنهم دايتون ريتشارد هولبروك الذي اختارته مبعوثًا لأفغانستان وباكستان، والعضو السابق في لجنة تقصي الحقائق بشأن الانتفاضة الثانية في شرم الشيخ جورج ميتشيل الذي اختارته مبعوثًا للشرق الأوسط. وعلى الرغم من إشارة عدد من المحللين إلى أنّ تعيين مثل هذين الدبلوماسيين البارزين قد يحد دور وزيرة الخارجية الجديدة، فإنّ كلينتون ترى أنّ وجودهما قد يزيد من نفوذ الإدارة الأميركية وصدقيتها. وتقول إنّها تعلمت أنّه توجد ثلاث وظائف لوزير الخارجية، هي: الدبلوماسي الأول للبلاد، والمستشار الرئيس للرئيس في شؤون السياسة الخارجية، والمدير التنفيذي لمؤسسة مترامية الأطراف. كانت التحديات التي ورثتها الإدارة الأميركية للرئيس أوباما ولقاءات كلينتون بعدد من وزراء الخارجية الأميركيين السابقين والمسؤولين الجدد في الإدارة موضوع الجزء الثاني من الفصل الأول "القاع الضبابي: القوة الذكية." وقد تنوعت التحديات الجديدة بين خيبة الأمل من الشعب الأميركي والشكوك المتعلّقة بقدرة الإدارة الأميركية على إدارة العالم. وبعد انتخاب الرئيس الأميركي عام 2008، أصدر مجلس الاستخبارات القومي تقريرًا بعنوان "توجهات عالمية 2025: عالم متحول" تنبّأ بانخفاض القوة العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة في السنوات المقبلة، وبأنّ النظام العالمي الذي حافظت الولايات المتحدة عليه منذ الحرب العالمية الثانية مُعرّض للتهديد من جهة التأثير المتنامي للاقتصادات الناهضة مثل الصين، والدول الغنية بالنفط ومن بينها إيران وروسيا، والكيانات الفاعلة من غير الدول مثل تنظيم القاعدة. كما انتشرت تحليلات للآثار الكبيرة للأزمة الاقتصادية العالمية و"التمدد الإمبريالي" الأميركي في الحربين في العراق وأفغانستان بشأن موقع الولايات المتحدة في العالم. وعبّ ت كلينتون عن تفاؤلها ووصفت هذه التحليلات ب "المتشائمة" التي قللت من قوَّة الولايات المتحدة، وقالت إنّ القوة العسكرية الأميركية والاقتصاد الأميركي لا يزالان الأقوى من دون منازع، وإنّ الدبلوماسية الأميركية لا تزال هي الأكثر نفوذًا في العالم، وإنّ الجامعات الأميركية هي التي تحدد معايير جودة التعليم في العالم، وإنّ الإدارة الأميركية إن أرادت حلّ أي أزمة في العالم أمكنها الوصول إلى عدد من الحلفاء والأصدقاء لفعل ذلك. لتختم الفصل برسالة تلقّتها من وزيرة الخارجية الأميركية سابقًا كوندوليزا رايس، أشادت فيها بقدرات كلينتون، ووصفت منصب وزارة الخارجية بأنّه "أفضل منصب في الحكومة."
سياسة المحور في منطقة المحيط الهادئ
تطرح كلينتون في الفصل الثاني من الكتاب "عبر المحيط الهادئ" سياسة أوباما الجديدة تجاه آسيا التي وصفتها في مقالة لها في مجلة فورين بوليسي ب "محور آسيا"، وتقول إنّ الولايات المتحدة استثمرت
كثيرًا من الموارد طوال عشر سنوات في العراق وأفغانستان، وإنّ ثمّة حاجةً إلى سياسة أكثر ذكاءً وتنظيمً تجاه استثمار الموارد في السنوات العشر المقبلة، ولذلك، ترى كلينتون أنّ المهمّة الأكثر إلحاحًا بالنسبة إلى السياسة الأميركية في العقد المقبل ستكون زيادة الاستثمار الدبلوماسي والاقتصادي والإستراتيجي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. لذلك قررت أن تكون زيارتها الأولى بوصفها وزيرة للخارجية إلى آسيا لتحقيق ثلاثة أهداف، هي: زيارة اليابان وكوريا الحليفين الرئيسين للولايات المتحدة في آسيا، وزيارة إندونيسيا القوة الإقليمية الناشئة ومقر رابطة دول جنوب شرق آسيا، وبدء التواصل مع الصين. وذكرت كلينتون أنّ الزيارة الأولى لليابان كانت لإيصال رسالة مفادها أنّ الولايات المتحدة قد عادت إلى آسيا بعد سنوات من التورط في العراق وأفغانستان، مبديةًاقتناعها بأنّ الولايات المتحدة تحتاج إلى مدخل جديد لآسيا، يُظهر التزامًا أميركيًّا بالعمل على نطاق واسع مع الدول الآسيوية، هدفه الرئيس إظهار أنّ الديمقراطية هي نموذج أفضل من النموذج الصيني القائم على الاستبداد مع رأسمالية الدولة، واصفةًالصين بأنّها بُؤرة معاداة الديمقراطية في آسيا. تركز كلينتون في التوتر حول بحر الصين الجنوبي الذي تصاعد قبل شهرين من تولّ أوباما منصب الرئاسة؛ إذ تمسكت الصين بمطالبها في الإقليم المائي، وهو ما أثار حفيظة جيرانها الآسيويين فضلً عن الولايات المتحدة. وذكرت وقوفها إلى جانب فييتنام والدول الآسيوية الأخرى في لقاء رابطة دول جنوب شرق آسيا بالعاصمة الفييتنامية هانوي في تموز/ يوليو 2010؛ إذ أصرّت فييتنام على طرح مسألة الخلاف المتعلّقة بالبحر الجنوبي، على الرغم من رفض الصين، لتتدخل كلينتون إلى جانب فييتنام، مؤكدةً عدم تحيز الولايات المتحدة إلى أيّ طرف في هذا الصراع، ودعوتها إلى حلّ متعدّد الأطراف وفق القانون الدولي، وإلى إتاحة وصول حرٍّ إلى بحر الصين الجنوبي والعمل على إيجاد حل من شأنه أن يمنع النزاع. ووصفت كلينتون التحول في بورما بأنّه من أبرز قصص النجاح لها بوصفها وزيرةً للخارجية. وتحدثت عن تعيين الرئيس الجديد، ووقف بناء السد الصيني على نهر إيراوادي، وخروج زعيمة المعارضة أون سان سو تشي الحائزة على جائزة نوبل من الإقامة الجبرية، واتصال أوباما بها الذي مهّد الطريق لزيارة كلينتون لبورما، وقد كانت أول زيارة لوزير خارجية أميركي لهذا البلد منذ 50 عامًا.
إرسال قوات إلى أفغانستان والتمهيد للانسحاب
مرّ صيف عام 2009 مرورًا سيئًا بالنسبة إلى القوات الأميركية، مع ازدياد مقاتلي طالبان والهجمات على قوات الناتو، وتشوّه الانتخابات بالتزوير على نطاق واسع. ونقلت كلينتون وصف أوباما للحرب في أفغانستان في أحد اجتماعات غرفة عمليات البيت البيت الأبيض بأنّها "في طريقها لتكون أطول حرب في تاريخ أميركا." وقد وافق أوباما على طلب قائد القوات الأميركية في أفغانستان الجنرال ستانلي مكريستال إرسال 30 ألف جندي لمهمات أمنية وخدمات إنسانية ومساعدة الحكومة، مع حدّ أقصى لانسحاب القوات 18 شهرًا. وبدت الوزيرة كأنّها لم تتخذ موقفًا إزاء قرار الرئيس، واكتفت بإشارتها إلى صعوبة تغيير مسار الحرب واقتناعها بأنّ الرئيس اختار الخيار الصحيح. تشير كلينتون إلى محاولتها إقحام باكستان في الجهد الهادف إلى تأمين مستقبل أفغانستان، بخاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة منها. وتتطرق إلى مفاوضات تبادل بعض الأسرى عقدتها الولايات المتحدة مع كبير مساعدي زعيم حركة طالبان الملا عمر، مضيفةً أنّ الهم الرئيس لطالبان خلال المفاوضات كان مصير مقاتلي الحركة في خليج غوانتانامو، إضافةً إلى سجون أخرى. كما تتناول اللقاءات التي قادت إلى التحرك ضدّ أسامة بن لادن في أبوت آباد بباكستان. وتشير إلى أنّه على الرغم من تردد وزير الدفاع روبرت غيتس وشكوك نائب الرئيس جو بايدن في توجيه ضربة لمكان سكن بن لادن، فإنّها اعتمدت رأي مدير وكالة الاستخبارات المركزية ليون بانيتا ومستشار الأمن القومي توم دونيلون المتمثّل بتوجيه ضربة، مضيفةً أنّها أوضحت رجوح كفّة مكاسب إجراء الضربة على كفة المخاطر.
بين أمسيات أوروبا والعلاقات الشائكة مع روسيا
يبدأ تناول كلينتون لأوروبا في الكتاب من التدهور الذي أصاب حلف شمال الأطلسي تحت إدارة الرئيس بوش، وكيفية إصلاح هذه العلاقات بإعادة توثيق العلاقات مع الشركاء الأوروبيين للولايات المتحدة، ثم ينتهي بزيارة إلى صديق قديم لها في بيلفاست. إلا أنّ الفصل المتعلّق بأوروبا لا يعدو أن يكون فصلًاجتماعيًّا عدّدت فيه أصدقاءها في أوروبا وتحدثت عن مآدب العشاء حضرتها، وعن مصافحتها عددًا من الشخصيات. كما أجرت مقارنات متعلّقةً بمدى التغير في السياسة الخارجية الأميركية تجاه أوروبا منذ أن كانت السيدة الأولى. وكان مجلس الطاقة الأميركي الأوروبي أحد أكبر هموم كلينتون بشأن أوروبا. ودافعت عن إعادة العلاقة إلى طبيعتها مع روسيا، إلا أنّ هذه العملية بدأت تعرف تخبطًا، على عكس ما توقعت، وقد كانت ترى أنّ العلاقات الأميركية - الروسية تتقدم بنجاح مع الرئيس الروسي في ذلك الحين ديمتري ميدفيديف، إلا أنّها أدركت أنها ستتدهور بعودة فلاديمير بوتين رئيسًا. لتتوجه إلى أوباما بالنصيحة لدى مغادرتها منصبها بأخذ سياسة أكثر تشدّدًا تجاه روسيا.
بين القوة الناعمة في أميركا اللاتينية وتكرار الأسئلة المتعلّقة بأفريقيا
رأت وزيرة الخارجية الأميركية سابقًا أنّ مشكلة المخدرات في أميركا اللاتينية هي مشكلة أميركية أيضًا، وأنّ مسؤولية معالجتها تقع على عاتق الولايات المتحدة؛ وذلك من خلال العمل على إبقاء كوبا خارج منظمة الدول الأميركية والعمل في الوقت نفسه على زيادة تأثير القوة الناعمة الأميركية فيها، والوقوف مع جمهورية هندوراس بعد مرورها بانقلاب عسكري، ووصفت الرئيس الفنزويلي في ذلك الحين هوغو تشافيز بالدكتاتور الذي يعاني تضخّم الذات. وطرحت كلينتون التساؤل الأبرز الذي شغل وزارة الخارجية الأميركية تجاه أفريقيا في فترة خ دمتها وزيرةً للخارجية: كيف يمكن دعم التقدم الحاصل في عدد من الدول وفي الوقت نفسه وقف "الفقر والفوضى" المتفشيين في المجتمع؟ وقد تضمّن ذلك أولويات في المنطقة متمثّلة بالعمل على مكافأة الدول التي نجحت في مسعاها نحو الديمقراطية، والتصدّي للعمل الذي يقف ضدّ المرأة، وتوسيع نطاق عمل برنامج الرئيس الأم كيرر السابق جورج بوش لمكافحة فيروس الإيدز في المنطقة، ومساعدة العوائل الفقيرة والجائعة. وتناولت كلينتون أيضًا التأثير المتنامي للصين في المنطقة، ونفوذ السياسي الحقوقي من جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا.
الفوران في الشرق الأوسط
عنونت كلينتون الفصل الذي يتناول الشرق الأوسط ب "الفوران." وتتتبّع في الجزء الأول منه، وهو بعنوان "الطريق الصخري للسلام"، روابطها العميقة وانخراطها في جهد تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ إذ تؤكِّد استثمارها الشخصي إلى جانب كثير من الأميركيين في أمن إسرائيل ونجاحها. وتحرص في ذلك على تقديم نفسها على أنها شخصية مفضّ لة منذ وقت طويل لدى كلّ من الفلسطينيين والإسرائيليين، وأنها متحمّسة لحلّ الدولتين. إلا أنّها بعد جولة من المحادثات الصعبة والشائكة، تعترف بأنّ توقعات تحقيق سلام قد باتت خافتةً، وتختم بأملها أن يقرّر الطرفان السعي للسلام على نحو أكثر جدّية.ً وتعترف كلينتون في فصل "الربيع العربي: الثورة" بأنّ الإدارات الأميركية المتعاقبة دأبت في تقديم القضايا الأمنية والإستراتيجية المُلِحّة؛ مثل مكافحة الإرهاب، ودعم إسرائيل، وكبح طموحات إيران النووية، في أولوية سياستها الخارجية على تشجيع الإصلاحات الداخلية في الدول العربية، وأنها لم تنظر في قطع العلاقات العسكرية معها. وتقول إنّها كانت دائمًا شديدة الحذر تجاه الوقوف في صف الثوار الذين يبشّون بمستقبل غامض أو حتى استبدادي في المدى البعيد، وبخاصة في مصر، مشيرةً إلى أنّ موقفها وضعها في مواجهة مسؤولي الإدارة الأميركية الذين أُِخ ذوا بالمثاليّة وفضّ لوا التحرك بطريقة أسرع لإطاحة الرئيس المصري حسني مبارك من الحكم. كما تذكر تحذيرها في مداولات الإدارة بشأن التعامل الأميركي مع الاحتجاجات التي ملأت ميدان التحرير وميادين أخرى في مصر، من أن يحصل في مصر ما حصل في إيران، ومن استيلاء المتطرفين على الثورة الشعبية وتأسيس نظام ثيوقراطي. لم تَغِبْ المفاوضات المكثّفة والدقيقة التي قادت إلى بناء تحالف دولي لفرض حظر الطيران في ليبيا وإطاحة معمر القذافي عن الكتاب، فقد ذكرت كلينتون معارضتها في البداية التدخل العسكري الأميركي خوفًا من غرَق الولايات المتحدة في الصراع، إلا أنّ مطالبة الجامعة العربية بفرض حظر للطيران فوق ليبيا أقنعتها بضرورة دخول الولايات المتحدة في التحالف الدولي المتعدّد الأطراف لوقف قتل المدنيين. وتشير إلى جهدها في بناء التحالف والدفاع عن أوباما بقوَّة ضدّ من يتهمه ب "القيادة من الخلف" في ليبيا، قائلةً إنّ تحقيق مهمّة التحالف الدولي تطلّب قدرًا كبيرًا من القيادة من الأمام ومن الخلف ومن كلّ اتجاه. كما تتعرض، في تفصيلٍ، إلى الجدل الذي دار حول أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2012 في بنغازي، فتسرد تفاصيل الحادثة متجاهلةً أيّ حديث متعلّق بمؤامرة، وتسلّط الضوء، على نحوٍ دفاعيّ، على العواطف السائدة في تلك اللحظات ولقائها أ س الضحايا الأميركيين الأربع في تفجير السفارة، والغضب الذي تسبب به تسييس الحادثة على حدّ تعبيرها. تسرد كلينتون تطور العلاقة الأميركية الإيرانية خلال العشرين عامًا الماضية، بدءًا بالانفتاحات الجزئية في فترة رئاسة بيل كلينتون، وتلاشيها تقريبًا في فترة "محور الشرّ" في إدارة جورج بوش الابن، ثم بداية التقارب الهادئ في فترة تولّيها وزارة الخارجية. وتشير إلى عدد من النقاط المهمة في التعامل الأميركي مع إيران، ومنها تمرير عقوبات إضافية في الأمم المتحدة عام 2010، وتقول إنّ هذه العقوبات، إلى جانب فتح قناة تواصل خلفية من خلال سلطان عمُان، أعطت الولايات المتحدة فرصةً جدِّية لبدء مفاوضات ظهرت إلى العلن في العام الماضي. ولا تُخفي كلينتون ندمها على عدم تقديم الولايات المتحدة دعمً أكبر للثورة الخضراء عام.2009 وتتحدث كلينتون عن فشل الدبلوماسية الدولية في معالجة الصراع المنتشر في سورية خلال الفترة 2011 - و 2012، بما في ذلك محاولتها حشْد كمٍّ من المعارضة لبشار الأسد في الأمم المتحدة في كانون الثاني/ يناير 2012. وتنقل كلينتون لقاءً جمع بوتين بأوباما، في حضورها، تأكيد بوتين أنّه لا يكِنّ مودةً للأسد الذي يتسبب له بصُداعٍ على
حدٍّ قولها، واعترافه بأنّ روسيا لا تملك اليد الطولى في نظام الأسد. لتستدرك ذلك بأنّها لا تثق بكلام الروس، ولا بأفعالهم. كما تُورد توجهها بالسؤال لوزير الخارجية السعودي في ذلك الحين سعود الفيصل بشأن إمكان إقناع الأسد بوقف العنف وبدء انتقال سياسي حماس. وكسب دعم موسكو للتعاون على ذلك، فأجاب بالنفي قائلً إنّ عائلة بشار الأسد لن تسمح له وبخاصة أمه، فهو حريص على إبقاء مكانة العائلة واتّباع النهج الوحشي لوالده. ويذكر الكتاب مخاوف كلينتون المبكرة من تسليح الثوار وتحذيرها من صعوبة السيطرة على السلاح حالما يدخل إلى سورية. وتصف كلينتون سورية بأنّها "مشكلة شريرة"، وهو مصطلح قالت إنّ خبراء التخطيط يستخدمونه لوصف تحديات معقَّدة جوابها الصحيح نادر الوجود وكلّ خيار لحلّها يبدو أسوأ ممّ بعده؛ إذ تقول: "إن لم تفعل شيئًا، فإنّ أزمة إنسانية ستنتشر في المنطقة. وإنْ تدخلت عسكريًّا، فقد ينفجر أمامك مستنقع آخر مثل العراق. أمّا إذا أرسلت الدعم للثوار، فإنّ هذا الدعم سينتهي أمام ناظريك بيد المتطرفين. وإن اعتمدت الدبلوماسية، فستواجه الفيتو الروسي. وعلى الرغم من كلّ ذلك، فلا بد من مواصلة جميع هذه المسارات." تتناول كلينتون خطةً متعلّقةً بتدريب مجموعة من الثوار المعتدلين خلصت إليها بعد نقاش في تموز/ يوليو 2012 مع مدير وكالة الاستخبارات المركزية في ذلك الوقت ديفيد بيترايوس ومع الحكومة التركية في الشهر التالي. وترى كلينتون أنّ من شأن تدريب مجموعة من الثوار - ولو كانت صغيرة - أن يكون له تأثير نفسي إيجابي في الثوار، وأن يدفع الأسد إلى حلّ سياسي، مشيرةً إلى أنّ حزب الله نجح بذلك في تعزيز موقف الأسد بعد نشره بضعة آلاف من المقاتلين الجيدين. وتشير، نقلً عن إحدى مداولاتها مع الرئيس أوباما وبترايوس، إلى حديثها عن وجود فرق كبير بين ضخّ السعودية وقطر السلاح إلى سورية وتدريب الولايات المتحدة مجموعة غير متطرفة من الثوار وتجهيزها، وإلى أنّ ذلك ليس لهزيمة الأسد، بل لإيجاد شريك على الأرض يمكن التعامل معه ويكون كافيًا لإقناع الأسد وداعميه باستحالة تحقيق نصر عسكري، واصفةًالخطة بأنها الخيار الأقل سوءًا. ولم تتمكن كلينتون أو أيّ مسؤول آخر في الإدارة من تغيير رأي أوباما في تلك الفترة. وتتحدث كلينتون عن دورها التفاوضيّ بعد ما وصفته ب "اندلاع القتال بين مقاتلي حماس وإسرائيل في قطاع غزة" في خريف 2012، واصفةًالأزمة بأنّها اختبار مهمّ للقيادة الأميركية. وتشير إلى تركها رحلةً مهمةً إلى جانب الرئيس الأميركي في وقت متأخر من تشرين الثاني/ نوفمبر، وأنها ذهبت في رحلة طارئة إلى التوسط من أجل وقف لإطلاق النار في الشرق الأوسط. وكان التحدي الأكبر بالنسبة إليها في تلك المهمّة كسب موافقة مرسي على وقف إطلاق النار في غزة، لتتوسط في المحادثات المتوقفة بين إسرائيل ومصر التي كانت تمثّل
وتقول كلينتون إنّ التاريخ أقحم الزعيم الذي لم يُختبر محمد مرسي "من الغرفة الخلفية إلى الكرسي الضخم"، مشيرةً إلى أنّه كان من غير الواضح إن كان سيضطلع بدور رجل الدولة، وإن كان يملك المؤهلات لذلك. وتشير إلى أنّها أقنعت إسرائيل بالموافقة على اتفاق لوقف إطلاق النار، وأنّها راجعت الاتفاقية مع مرسي سطرًا سطرًا، لتوقّع الاتفاقية على عكس التوقعات. وتكتفي كلينتون بالإشارة إلى تظاهر الملايين من المصريين ضدّ تجاوزات حكومة مرسي وتدخل الجيش لخلعه والبدء في حملة عنيفة على الإخوان المسلمين، وتختم بأنّ آفاق الديمقراطية في مصر لا تبدو مشرقةً؛ فالسيسي يخوض الانتخابات الرئاسية أمام معارضة شكلية، ويبدو أنّه سيتبع النموذج الكلاسيكي للحكم التسلطي في الشرق الأوسط.
مسودة للحملة الانتخابية
أفضل ما يمكن أن يستفيد منه القارئ في هذا الكتاب هو تعرّف المسار الذي ستسلكه كلينتون تجاه السياسة الخارجية في حملتها الانتخابية؛ وذلك من خلال فصول الكتاب والأفكار التي طرحتها حول كلّ قضية من قضايا السياسة الخارجية، بصورة السياسية ذات الروح القتالية العالية التي عادت من هزيمة عام 2008، لتكون صاحبة رؤية أوضح للولايات المتحدة. وقد وصف بعض النقاد الكتاب بأنّه مسوّدة ذكية لبرنامج انتخابي يطرح رؤية كلينتون لمستقبل الولايات المتحدة. اختتمت كلينتون كتابها بالحديث عن ملفات غير متعلّقة بالسياسة الخارجية في المقام الأول، في فصل خصّصته لمستقبل الولايات المتحدة، وهو أمرٌ لا يمكن إلا أن يندرج في مسودة لبرنامجها الانتخابي؛ إذ أكّدت التزامها بمواجهة التغير المناخي، مشيرةً إلى أهمية الدور الذي اضطلعت به في إيجاد اتفاقية دولية لتقليل انبعاثات الكربون، وركّزت في القضاء على البطالة وتسويق المنتوجات الأميركية، وذكرت في هذا الصدد إقناعها الحكومة الجزائرية بتوقيع عقد ضخم مع شركة جنرال إلكتريك الأميركية للمساعدة في بناء ستة حقول للغاز الطبيعي، وصراعها مع الصين، وإدارة الرئيس بوش لمساعدة مصنع زجاج أميركي. كما تناولت حقوق المرأة وتعزيز دورها في المجتمع.