مراجعة كتاب كيف يكون الخلاص من الاستلاب الجهادي؟
Comment Sortir de l'Emprise Djihadiste? عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: كيف يكون الخلاص من الاستلاب الجهادي؟ المؤلف: دنيا بوزار. سنة النشر:.2015.Les Éditions de l'Atelier الناشر: عدد الصفحات: 155 صفحة.ً
حاز كتاب دنيا بوزار1كيف يكون الخلاص من الاستلاب الجهادي؟ عام 2015 جائزة "الإكسبريس"2، وهي من الجوائز الأدبية المهمة في فرنسا. ويتناول هذا الكتاب ظاهرة استقطاب الحركات الأصولية الإرهابية للشبان الفرنسيين وتجنيدهم في صفوفها وتكليفهم بمهمات خطِرة في فرنسا نفسها، أو إرسالهم إلى القتال في سورية والعراق وغيرهما من الجبهات. وفي سياق محاولة تقديم حلول لتلك الظاهرة، تبحث الكاتبة في مراحل التجنيد الجهادي وإستراتيجياته وكيفية مواجهة هذه المشكلة. وفي مستهل الكتاب، تقدّم الكاتبة نفسها بوصفها باحثةً أنثربولوجية وتربويةً تهتمّ بتأثير التمييز ومشاعر الظلم في الإنسان. وتؤكِّد أنها لا تتطرّق البتّة إلى الإسلام بوصفه دينًا، ولا تدخل في نقاش متعلّق به، وأنها تهتمّ بالخطاب السياسي الإسلامي الراديكالي وتأثيره في الشباب في فرنسا. وهي ترى أنّ المتطرفين يحوّلون مشاعر الإهانة والظلم التي يعانيها بعض الشباب الفرنسي إلى مشاعر قوَّة وانتقام؛ إذ تقول: "المتطرفون يحوّلون مشاعر الذلّ والدونية إلى شعور بالقوة: إنْ كنت تشعر بعدم الارتياح مع الآخرين (أصدقائك، ووالديك، وأساتذتك.. إلخ)، فذلك لأنّ الله اختارك كائنًا متفوّقًا يملك الحقيقة. خلافك مع المجتمع هو أمرٌ طبيعيٌّ: أنت مختلف عن الآخرين، لأنك أكثرهم بصيرةً" (ص. 12) وتشير الكاتبة إلى أنها كانت تحاول في مسيرتها المهنية الإجابة عن الأسئلة التالية: لماذا يزداد تأثير الخطاب الأصولي الإسلامي في أوساط الشباب الفرنسي؟ وكيف يستطيع الخطاب الإسلامي المتطرف التأثير في شخص يشعر بالعزلة والمهانة؟ وهل يكون ذلك من خلال إعطائه مكانةً وإحساسًا بأنه ليس وحيدًا؟ وتشير أيضًا إلى أنها لاحظت من خلال عملها في مركز "الوقاية من الانحرافات الطائفية المتعلّقة بالدين الإسلامي"3 أنه جرى تكييف التجنيد وأساليبه مع الثقافة الفرنسية، فتقول "يجري تجنيد الفرنسيين بخطاب فرنسي، عبر مُجَنِّدِين يعرفون جيّدًا الإشكاليات الوطنية الفرنسية، لأنهم تربَّوا في فرنسا ويفكرون بالطريقة الفرنسية ويعودون في نقاشاتهم إلى المسائل الجدلية أو المحرمات الفرنسية، على نحوٍ يمكِّنهم من كسب ثقة الأشخاص المستهدفين بالتجنيد" (ص. 22) وبعد استعراض بعض المصطلحات السياسية والصحافية وتعريفاتها الإبستمولوجية؛ كمصطلح "التطرف الإسلامي"، و"الإسلام السياسي"، و"المؤدلجين"، و"النازيين الجدد"، و"المتعصبين و"الإرهابيين"، " و"الجهاديين"، تذكر بوزار أنها تفضّ ل استخدام مصطلحي "المُجَنَّدين" و"التجنيد"، وتشرح ذلك بناءً على أنّ التجنيد هو صيرورة نفسية تتضمن عدّة مراحل متدرجة قبل أن يلتحق الشاب أو الشابة بجبهة النصرة، أو بتنظيم داعش في سورية والعراق. وتقول الباحثة إن تأكّدها من وجود هذه الصيرورة يرجع إلى عملها في مركز "الوقاية من الانحرافات الطائفية المتعلقة بالدين الإسلامي"؛ إذ كان يتطلب منها الالتقاء بعائلات الشباب المجندين والنقاش وقتًا مطولً معهم. وترى بوزار أنّ الخطر لا يكمن في ذهاب المجندين إلى سورية والعراق ولا في عودتهم؛ ذلك أنّ عودتهم في حدّ ذاتها تدل على تراجعهم وصدمتهم تجاه الواقع الذي عايشوه. وفي المقابل ترى أنّ الخطر الفعلي يكمن في أولئك المجندين الذين لم يتركوا فرنسا بعد، والذين يصعب كشفهم؛ لأنهم لا يتصرفون في أغلب الأحيان كمتطرفين إسلاميين، ويشكّلون خلايا نائمةً في المجتمع الفرنسي. لهذا، فإنّ مواجهة ظاهرة التجنيد الجهادي لا تكون من خلال منع الشباب من الذهاب إلى سورية والعراق للالتحاق بداعش، ولا بإلقاء القبض عليهم حال عودتهم، بل بمنع وقوع الشباب تحت تأثير الخطاب الإسلامي الراديكالي وسيطرته. وقبل أن تبحث الكاتبة مراحل التجنيد والآليات النفسية المستخدمة للسيطرة على الشباب المجندين، تورد إحصائيات مهمّةً تشير إلى أنّ ضحايا ظاهرة التجنيد الجهادي هم من أصول اجتماعية ودينية شتَّى، وذلك على عكس النظرة النمطية التي توجّه إصبع الاتهام إلى الشباب الفرنسي من أصول مسلمة. وتبيِّ كذلك أنّ الخطاب الإسلامي الراديكالي يستطيع الوصول إلى شباب غير مسلمين من طبقات اجتماعية غنية، وهو أمرٌ يناقض النظرة النمطية الشائعة التي تشير إلى فقراء الضواحي من المسلمين، وتؤكِّده الأرقام4، فقد أحصى "مركز
الوقاية من الانحرافات الطائفية المتعلقة بالدين الإسلامي" 400 عائلة فرنسية التحق أبناؤها أو بناتها بالجهاد في سورية والعراق، منها %40 من العائلات ملحدة، و%40 كاثوليك، و%19 مسلمة و%1 يهودية. أمّا من حيث العمر، فإن %30 من الشباب قاصرون، و%39 منهم تراوح أعمارهم بين 18 و 21 عامًا، و%31 أعمارهم بين 21 و 28 عامًا. ولم تتصل حتى الآن بالمركز أيّ عائلة يزيد عمر ابنها أو ابنتها عن 30 عامًا. وأمّا من حيث الجنس، فإنّ نسبة الفتيات تساوي نسبة الفتيان. ومن حيث الوضع الاجتماعي، ينتمي %59 من العائلات إلى الطبقة المتوسطة، و%30 منها إلى الطبقات الشعبية، و%11 منها إلى الطبقات العُليا. لقد ألقت السلطات الفرنسية القبض على 30 فتاةً تراوح أعمارهن بين 13 و 17 عامًا أثناء محاولتهنّ الذهاب إلى سورية. وتُشير الأرقام الرسمية التي قدمها رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس في هامش مؤتمره الصحافي الذي عقد في التاسع عشر من آذار/ مارس 2015 إلى وجود 1900 جهادي أو شخص واقع تحت تأثير الخطاب الجهادي، استطاع 770 واحدًا منهم الالتحاق بداعش والنصرة. وقد عاد قسم منهم، وبقي 420 شخصًا، منهم 119 امرأةً. وأكّد فالس وجود نحو 300 جهادي فرنسي في تركيا يحاولون العبور إلى سورية، وأشارت هيئة مراقبة الإنترنت إلى وجود نحو 1200 ملفٍّ شخصيٍّ يشكّل كلّ منها حالةً خطِرةً من خلال نشر رسائل وفيديوهات تساند المجموعات الإرهابية. وتخصص الكاتبة الفصول الثلاثة من الباب الأول من كتابها لشرح الآليات النفسية وآليات الإقناع العقلية المستخدمة في السيطرة على هؤلاء الشباب. وتشير إلى أنّ الاستقطاب يجري أوَّلً من خلال الإنترنت؛ أي قبل أيّ لقاء وجهًا لوجه. وفي هذا السياق تتجلى مرحلة افتراضية مهمتها نزع ثقة الشاب في المجتمع وفي زملائه، ومن ثمّة يشعر بإحساس الجماعة الجهادية نفسه وبالتطابق معها؛ إذ تحل هويتها محلّ هويته الشخصية الفردية. لذلك يجب إقناعه بنظرية المؤامرة، وبأنّ كلّ شيء مدبَّر ومدروس من الأقوياء ضدّ الضعفاء. فالعالم يعاني الظلم والاستغلال والنهب والدعاية الكاذبة، وأحداث 11 سبتمبر مدبَّرة، وكذلك مرض السيدا، والشركات الكبرى تتآمر على العالم لبيع منتوجاتها، وأميركا تراقب العالم، والقوى الرأسمالية تسيطر على كلّ شيء. ولا يجرى التطرّق في هذه المرحلة إلى أيّ جانب روحي أو ديني، وإنما يجري التركيز في المؤامرة، وفي مشاعر الظلم حتى يصبح الشخص المستقطب شيزوفرانيًّا يرفض الواقع الظالم. وبعد ذلك ينتقل الخطاب من منطق الضحية العاجز أو المفعول به، إلى منطق المواجهة ومحاربة الظلم لإنقاذ الضحايا، ومنطق الفاعل. فلا سبيل إلى تغيير النظام ومواجهة المؤامرة وإنقاذ البشر إلا بالمجابهة. وتؤكِّد بوزار أنّ معظم الشباب والشابات جرى تجنيدهم من خلال الإنترنيت، فلقد أدرك الخطاب الراديكالي الإسلامي أنّ هذه الوسيلة ناجعة للدعاية والاستقطاب؛ لأنها تسمح بتجاوز قيود الزمان والمكان. وتوصّلت الباحثة، من خلال عملها، إلى ثلاثة أنواع من الفيديوهات التي يجرى تداولها في هذه المرحلة الافتراضية، وهي: الفيديوهات التي تركّز في فساد النظام العالمي. الفيديوهات التي تركّز في مجموعات سرية تسيّ الأمور بحسب مصلحتها (شهود يهوه، والماسونية، ومافيات اقتصادية، واستخبارات عالمية، وموساد.. إلخ.) الفيديوهات التي تحثّ على المواجهة. وبعد تحليل عشرات الفيديوهات الدعائية تَبَيّ للباحثة أنّ قوَّتها تكمن في جلب المشاهدين الشباب الذين لا أسئلة دينية لديهم أو روحية، وأنهم يكونون في البداية ناقمين باحثين عن معركة ضد الظلم في العالم. وسرعان ما تدفعهم هذه الفيديوهات إلى الغرق في تصورٍ للعالم بأنه محكوم كلّه بالكذب والمؤامرات، ثمّ يخرجون وهم على يقين بأنّ الخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا) ما هو إلا جزء من المؤامرة الكبرى، وأنّ قوى الشرّ الشيطانية تهاجم الإسلام؛ لأنه يمثّل آخر معقل يمكنه الوقوف أمامها ومكافحتها. وفي هذا السِّياق يُدخل الراديكاليون في ذهن الشاب أنّ الالتحاق بهم هو الطريق الوحيد إلى تهديم تلك التكتلات السرية التي تريد تحطيم الإنسانية. ولاحقًا تُقدَّم للشباب مساحة افتراضية بديلة تفوق كلّ المساحات الحقيقية: أناس يتحدثون معهم ويحاورونهم ويشعرون بشعورهم نفسه. وكثيرًا ما يتوجه الخطاب الراديكالي إلى شباب ذوي بنية نفسية ضعيفة ويشعرون بأنهم لا ينتمون إلى أيّ مكان ويعانون أزمة هوية. فيرى الشابّ الذي يشعر بأنه من أصل جزائريّ، أو مغربي،ّ أو فرنسيّ أيضًا، أنه محميّ من خلال سُلطة هذا الخطاب الذي يمنحه قوَّة الانتماء إلى الجماعة والشعور بالتفوق على الآخرين لأنه يعرف الحقيقة. وفي النهاية يتوحّد الشاب مع هذه الجماعة بعد أن يجتاز ثلاث مراحل، هي: مرحلة تحديد الجماعة وتعريفها: تعطي الجماعات الأصولية الشاب إحساسًا بالقدسية والهيبة؛ لأنها تعيد تحديد علاقة
الشاب بنفسه وبالآخرين، فتمنحه هويةًاجتماعيةً معروفة ومحددة.ً مرحلة الانقطاع عن المحيط الاجتماعي: لا يكتفي الخطاب الراديكالي بالتركيز في الجماعة نفسها، وفي رئيسها (شيخ، أو مكانة سياسية.. إلخ)، وفي نقاط التشابه بين أفرادها، بل يركّز أيضًا - على نحوٍ مستمرّ ودائم - في نقاط الخلاف والاختلاف مع الآخرين (العائلة، والأصدقاء، ورفاق المدرسة ونحوهم) حتى يصل الشاب إلى مرحلة الانقطاع التامّ عن محيطه الاجتماعي. مرحلة محو الهوية الفردية Dépersonnalisation: يدفع التركيز في نقاط التشابه بين أعضاء الجماعة الشاب إلى أن يشعر بأنه يتحدث باسم الجماعة ويمثّلها. وهكذا تضمحل الهوية الفردية ويصبح "الأنا" نحن. وفي ثالث فصول الباب الأول تتطرّق الكاتبة إلى آليات الإقناع التي يجرى استخدامها في الفيديوهات، وأهمها الرسائل المبطنة غير المباشرة ومشاهد العنف. وتشير في البداية إلى أنّ جميع العائلات التي تواصلت معها بشأن أبنائها صرَّحت بأنه كان لديهم نوع من الإدمان على الإنترنيت، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. ثمّ تُبين أنّ التجنيد يبدأ باستخدام فيديوهات بسيطة ومعروفة وألعاب افتراضية شائعة أيضًا. وهكذا يجرى التواصل مع الشاب أو الشابة بطريقة تجعله يُدمن علاقته الاجتماعية الافتراضية. ثمّ يجرى الانتقال من مرحلة الألعاب الافتراضية والفيديوهات المعروفة إلى مرحلة الفيديوهات التي تحتوي رموزًا من التاريخ الإسلامي (رمزية سورية وبلاد الشام المحببة إلى الرسول ونحو ذلك) حتى يصل الإدمان بالشاب إلى أن يتحدث باسم الله. ويجرى كذلك التدرج بمشاهد العنف من مرحلة العنف الجسدي البسيط إلى مشاهد الذبح والدم، حتى يصل الشاب إلى مرحلة "اللاحدود في العنف وتقبله"، بعد أن يتمّ القضاء على كلّ العقبات النفسية الإنسانية في وجه العنف. وتهدف هذه المرحلة إلى التحكم الذهني في الشاب من جهة، وإلى نزع الصفة الإنسانية عن الأعداء من جهة أخرى، ومن ثمة تُقبل فكرة التخليص العرقي أو الديني، أو قتل كلّ من يخالف الجماعة حتى لو كانوا من المسلمين، فهؤلاء أخطر من غيرهم لأنهم، في نظرهم، خونة وعملاء. وبعد تفكيك أساليب الأدلجة والتجنيد ومناهجهما، تُكرّس الباحثة الباب الثاني من الكتاب بفصوله الثلاثة للبحث في مسألة مواجهة هذه الظاهرة. وتقول بوزار إنه لا توجد وصفة سِحرية لمنع الشباب من الوقوع تحت تأثير الخطاب الجهادي وإنه لا يمكننا التركيز في الجانب النفسي وإهمال الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أو العكس. وعلى الرغم من تعقيد المشكلة، تشير الكاتبة إلى نوع من العلاج، يعتمد منهجًا عابرًا للاختصاصات ويأخذ في الحسبان العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، توصّلت إليه من خلال عملها في "مركز الوقاية من الانحرافات الطائفية المتعلقة بالدين الإسلامي"، ومن خلال لقائها عديد الشباب الذين وقعوا ضحايا هذا الخطاب. وقبل الحديث عن مراحل العلاج، يجب أن يعرف المعنيون بتقديم المساعدة للشبان أنّ عليهم أوَّلً إرصاد ضروب سلوك القطيعة التي تظهر عند المراهقين والمراهقات، وعدم خلطها إطلاقًا مع بداية تديُّن ما أو التحوّل إلى دين آخر. ويجب عليهم معرفة الوظيفة النفسية التي يقوم بها الدين بالنسبة إلى هؤلاء الشباب. ويجب عليهم أيضًا اجتناب إسداء النصائح أو محاولة الدخول في نقاش أيديولوجي أو ديني مع هؤلاء المراهقين لإثبات عدم صحة وجهة نظرهم. فهذا الفعل لن يزيدهم إلا تمسكًا بأفكارهم واقتناعًا بنظرية المؤامرة؛ ذلك أنّ أحد أهمّ مراحل الأدلجة والتجنيد الجهادي يقوم على أنّ تقديم النصح لك وإثبات عدم صحة أفكارك ليس إلا جزءًا من المؤامرة. فضحايا الخطاب الجهادي عقولهم مغيَّبة تمامًا ومشاعرهم هي التي تقودهم، لذلك لن ينفع معهم خطاب المعرفة والعقل. وأخيرًا، يجب على المعنيين بتقديم المساعدة لهؤلاء الشباب أن يتعاملوا مع كلّ مراهق أو مراهقة بوصفها حالةً فردية.ً العلاج الذي تقترحه الباحثة قائم على إحياء المشاعر والعواطف التي تستطيع أن تُعيد للشاب المجند شخصيته المسلوبة وتساعده على فهم الصيرورة التي قادته إلى التجنيد؛ وذلك انطلاقًا من تجربته الشخصية ومن خبرته الفردية. وإنّ الخطوة الأولى التي يعتمد عليها هذا العلاج، بحسب الباحثة، هي الخروج من حالة القطيعة التامة مع المحيط الاجتماعي التي فرضها الخطاب الإسلامي المتطرف على الشاب أو الشابة، ويجرى ذلك من خلال إعادة إحياء الروابط العائلية ومشاعر الانتماء الاجتماعي، من خلال البحث عن العوامل التاريخية العائلية والاجتماعية التي ساهمت في بناء شخصية الشاب أو الشابة. وتقترح بوزار العمل على إعادة العلاقة بالوالدين وإحياء مشاعر الحب والحنان تجاههما في مرحلة أولى، ومن ثمّة إحياء العلاقات الاجتماعية مع الأصدقاء والزملاء في مرحلة ثانية. ويجرى ذلك من خلال الحديث عن الذكريات القديمة، وقصص أصدقاء الطفولة، والبحث عن معايير وقيمٍ مشتركة. وتشير الكاتبة إلى أن
المشكلة الكبرى في هذه المرحلة التي تشكّل عقبةً رئيسةً تحول دون نجاح هذه العلاج هي غياب الوالدين، سواء كان ذلك بسبب حالة صحية أو اقتصادية، أو الموت، أو بسبب إنكار وجود المشكلة أساسًا. أمّا المرحلة الثانية من العلاج، فتبدأ بعد عودة المشاعر العائلية والاجتماعية، وتسمِّيها بوزار مرحلة المواجهة مع الحقيقة، وهي تهدف إلى إعادة الشاب إلى الحياة الحقيقية وإخراجه من الوهم الذي كان يعيش فيه، وإعادة المشاعر الإنسانية إليه بعد أن جُرِّد منها. ويجرى ذلك من خلال إدراكه للإستراتيجيات النفسية التي استعملها معه الخطاب الراديكالي الإسلامي من أجل إقناعه والسيطرة عليه. وتذكر الباحثة أنّ أحد أهمّ آليات العلاج التي تسمح بتحقيق أهداف هذه المرحلة هي لقاء شباب وشابات تخلصوا من تأثير الخطاب الجهادي وعقْد ندوات وورشات عمل معهم. وأمّا المرحلة الثالثة – وهي الأخيرة - فهي مرحلة ما بعد التخلص من التجنيد وعودة الشاب أو الشابة إلى الحياة الواقعية. وتقول الباحثة إنّ هذه المرحلة صعبة جدًّا بالنسبة إليهما؛ إذ يعانيان في التخلص من تأثير الخطاب الجهادي شعورًا بخيبة الأمل وفقدان الثقة بالنفس وبالآخرين. والأشدّ خطرًا من ذلك هو الشعور بالوحدة والفراغ اللذين كثيرًا ما يؤدِّيان إلى نوع من الاكتئاب. فالشعور بالانتماء إلى الجماعة الأصولية التي اختارها الشاب، وما يرتبط به من إحساس بالقدسية والهيبة والثقة بالنفس، والعلاقات الاجتماعية الافتراضية التي عاشها، ومشروع مقاومة الظلم، من العوامل التي أعطته نوعًا من الإحساس بالمعنى والجدوى لحياته. ولكن هذا الإحساس ينتهي حين يُدرك الشاب أنّ كلّ ذلك لم يكن إلّ وهمً. وتُشير الكاتبة إلى أن الدعم النفسي أمرٌ ضروريٌّ جدًّا في هذه المرحلة، وإلى أنه يجب على الأهل والمربين أن يقدِّموا هذا الدعم بالتعاون مع معالجين نفسانيين يستطيعون تقديم النصائح له ولهم وتوجيههم. يُعَدُّ هذا الكتاب من الكتب المهمة، لفهم الآليات والإستراتيجيات المستخدمة في تجنيد الشباب في الحركات الإسلامية الأصولية. فبقراءته يمكن أن نصل إلى إجابة عن السؤال: لماذا يترك شباب وشابات الحياة في الغرب المُرفّه، ليأتوا ويقاتلوا مع النصرة وداعش، في سورية والعراق وغيرهما من الأماكن؟ فقد استطاعت الكاتبة إظهار عدم صحة الأفكار الشائعة المتعلقة بظاهرة الجهاديين الأوروبيين بوجه عامّ، والفرنسيين بوجه خاصٍّ، وأوضحت أنّ حرب تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" ليست حربًا دينيةً، بل هي حرب أيديولوجية، ولذلك بدأ التنظيم مجازره بالمسلمين الذين لم يوافقوا على أيديولوجيته الشمولية، وتذكر الكاتبة أنّ الذين يعدّون حرب داعش حربًا دينيةً لا يريدون رؤية هذه الحقيقة، وأوضحت أن التجنيد لا يجرى في الجوامع حصرًا، وأنّ بعض الشباب الذين كانوا على وشك القيام بأعمال إرهابية باسم داعش ليسوا مسلمين، وأن منهم من لم يلتقِ أيَّ شخص مسلم، وأكّدت أنّ ضحايا ظاهرة التجنيد الجهادي من الشباب والشابات من أصول اجتماعية ودينية متعدّدة. غير أنّ ما يمكن أن تؤاخذ به الكاتبة أنها لم تُعمّق، على نحوٍ كاف، تحليل إستراتيجيات التواصل والإقناع والتأثير؛ أي الإستراتيجيات الدينامية النفسية التي يُخاطب من خلالها الشباب والشابات، نفسيًّا ووجدانيًا وعاطفيًا، سواء كان ذلك عبر اللغة أو الصورة. يُضاف إلى ذلك أنها لم تتطرّق، على نحوٍ معمق أيضًا، إلى الأبحاث التي درست ديناميات الجماعة وأنواعها وتأثيرها في سلوك الفرد واتجاهاته؛ وذلك مع العلم أنها أشارت إلى أهمية تجارب سالومون آش5 المتعلّقة بالامتثال والوقوع تحت سيطرة الجماعة، وإلى تجارب ستانلي ميلغرام6 المتعلّقة بالطاعة للسُلطة، وإلى تجربة فيليب زيمباردو في سجن ستانفورد7. سيشعر المتخصص بعلم النفس الاجتماعي، أو علم الاجتماع وسيسيولوجيا التواصل، عند قراءته هذا الكتاب الذي كان يمكن إغناؤه بعدّة تجارب ودراسات بنوع من الإحباط وخيبة الأمل. ولكن هذه النقطة بالتحديد قد تكون إيجابيةً في الوقت نفسه، فهي تسمح للكتاب بالوصول إلى أوسع شريحة في المجتمع الفرنسي، ولا تجعله مقتصرًا على المتخصّصين بالعلوم النفسية والاجتماعية، وقد كان هذا الأمر، بالنسبة إلى الباحثة التي أشارت إليه في خاتمة كتابها، أحد أهدافها الأولية. يُعَدُّ هذا الكتاب مساهمةً مهمّةً في فهم الآليات والإستراتيجيات التي يستخدمها الخطاب الراديكالي الإسلامي في تجنيد الشباب والشابات، وليس ذلك في فرنسا والغرب فحسب، بل في كلّ من سورية والعراق وسائر الدول العربية أيضًا. فأغلب الظنّ أنّ معظم تلك الآليات والإستراتيجيات وطرائق التعامل معها على درجة كبيرة من التشابه في جميع الدول.