الحرب على "تنظيم الدولة" بعد مرور سنة على تشكيل "التحالف الدولي:" حالة سورية
الملخّص
ترصد هذه الورقة ظروف تشك ل التحالف الدولي وإستراتيجيته لمحاربة تنظيم الدولة في سورية، وتقف على المتغيرات الميدانية والسياسية، والتباينات ضمن التحالف، وتناقش مدى نجاعة الإستراتيجية المت بعة في المديَين المنظور والمتوسط. فقد مرّ عام على بدء غارات التحالف الجوية على "تنظيم الدولة" في سورية، من دون أن تحدث تغيرات فارقة ميدانيا أو سياسيًا. فخ لاا العام المنصرم تعرّض التنظيم لانتكاسات وهزائم في مناطق عدة لعل أبرزها عين العرب (كوباني)، والحسكة، لكنه نجح في توسيع نفوذه، وضمَّ مدن ا وقرى جديدة؛ مثال، تدمر، وريف حمص الشرقي، وريف حلب الشمالي، والقلمون، ومخيم اليرموك في العاصمة، إلى "دولته"، ليقتطع بذلك الجزء الأكبر من مساحة سورية، ويهدد مراكز إستراتيجية، وحواضر مدينية، مثل حمص والعاصمة دمشق. وتخلص الورقة إلى أن تنظيم الدولة لا يزال يفرض إيقاع المعركة ومتغيراتها في بقاع مختلفة من سورية. ولا يزال التحالف الدولي غير قادر على استئصاله، أو إضعافه خ لاا المديين المنظور والمتوسط. وقد يحتاج استئصاله إلى سنوات طويلة، إذا ما استمرت المقاربة الأميركية المجتزأة لمواجهته، مستمرة بصورتها الراهنة.
حمزة المصطفى *
أميركا والثورة: ارتباك وانكفاء
جاءت الثورة السورية خارج الحسابات الأميركية؛ فإدارة الرئيس باراك أوباما كانت قد بدأت خطوات عملية للتقارب مع النظام السوري، وأبدت رغبتها في التعاون معه في قضايا إقليمية عدة لتحدث بذلك قطيعة مع إستراتيجيات الإدارة السابقة الراغبة في تغيير النظام أو على الأقل تغيير سلوكه. واتخذت في سبيل ذلك مجموعة إجراءات لعلّ أبرزها فرض عقوبات اقتصادية قاسية عام 2004، وعزله سياسيًا ودبلوماسيًا في الفترة الممتدة ما بين 2005 و 2008. أضف إلى ذلك، أنّ أوباما بعد دخوله البيت الأبيض مطلع عام 2009 تبنّى سياسة الانكفاء نحو الداخل، ومبدأ القيادة من الخلف، وتبنّى مقاربة في سياسته الخارجية تقوم على الاعتماد على حلفاء إقليميين لإدارة أزمات دولية تؤرق الولايات المتحدة وتمثّل تهديدًا لمصالحها وأمنها القومي. وبناء عليه، اقتصر الموقف الأميركي خلال الأشهر الأولى لانطلاق الثورة على الإدانات اللفظية، وفرض عقوبات جزئية استهدفت مسؤولين انخرطوا في العنف مع التعويل على الأسد بوصفه رجل إصلاح يستطيع حل الأزمة والتجاوب مع مطالب المحتجين. ومع أنّ موقف الإدارة الأميركية من الأسد تغيّ منتصف آب / أغسطس 2011 نتيجة ضغوط إقليمية واتساع الاحتجاجات إلى عموم سورية، فإنّها أصرّت على الحل السياسي للأزمة، ورفضت مبدأ التدخّل العسكري المباشر، أو دعم المعارضة المسلحة لحسم المواجهة. وسعت للتعاون مع روسيا وحلفائها في المنطقة للوصول إلى تفاهم من شأنه أن يؤمّن انتقالً سياسيًا سلسًا يحافظ على مؤسسات الدولة، ويمنع تكرار تجربة العراق إبان حكم الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن. ولتحقيق ذلك، توصلت مجموعة الاتصال الدولية حول سورية التي ضمّت الولايات المتحدة وروسيا ودولً أخرى مثل تركيا وقطر والكويت، إلى وثيقة جنيف 30 حزيران / يونيو 2012، والتي نصّت في بندها الأخير على "تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات." لكن الوثيقة تجنبت إيضاح مصير الأسد، فاختلف رعاتها حول تفاصيلها. وعلى الرغم من الآثار الكارثية على الصعيد الإنساني، لم تغيّ الإدارة الأميركية مقاربتها تجاه الأزمة السورية، بل رفض البيت الأبيض توصيات وزارتي الخارجية والدفاع وكذلك الاستخبارات، بتسليح المعارضة وتدريبها بغية الضغط على النظام عسكريًا وإجباره على قبول الحل السياسي. وبمرور السنوات حصلت تغيرات عدة في الموقف الأميركي؛ إذ تراجعت الولايات المتحدة مع تسلّم جون كيري مهامه وزيرًا للخارجية أوائل عام 2013 عن شعار "تنحّي بشار الأسد فورًا"، وجرى استبداله بشعار "تغيير حسابات الأسد" لإقناعه بالدخول في عملية سياسية تنتهي بخروجه من السلطة، كما ربطت الولايات المتحدة تدخّلها العسكري في سورية بتجاوز النظام "خط أوباما الأحمر" لجهة استخدام السلاح الكيماوي.
لقد جاء التراخي الأميركي تجاه النظام في مرحلة دقيقة كانت تمر بها الأزمة السوريّة، ولا سيما بعد الإعلان عن تأسيس تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام 9 نيسان / أبريل 2013، وتوسّعه في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة بدعم ومساندة غير مباشرَين من النظام السوري الذي وجد في التنظيم طوق نجاة ومدخلً لإعادة تأهيل نفسه دوليًا، ودخول نادي مكافحة الإرهاب1. في حين حرص التنظيم خلال السنة الأولى من تأسيسه ولأسباب مصلحية، على تجنّب المواجهة مع النظام، وركّز على تثبيت ركائزه وتوسيع نفوذه بالتمدد في مناطق المعارضة التي غدت مستهدفة ومستنزفة من عدوّين هما النظام وحلفاؤه (حزب الله، والميليشيات العراقية)، وتنظيم الدولة الذي يكفّرها ويدعو لقتالها. ولتلافي الانتقادات الداخلية والخارجية لسياساتها في سورية، سعت الإدارة الأميركية التي بدت منشغلة بموضوع الإرهاب أكثر من أيّ ملف آخر، إلى التلاقي مع روسيا؛ فجاء لقاء كيري ولافروف في موسكو (أيار / مايو 2013) ليخرج باتفاقٍ نص على عقد مؤتمر جنيف 2 مع إهمال رحيل الأسد شرطًا لبدء التفاوض. وبهذا المعنى، كان اتفاق موسكو إقرارًا أميركيًا ضمنيًا بالتفسير الروسي لبيان جنيف 1 2.
وفي خطوة استباقية قبل انعقاد جنيف 2، سعى النظام إلى قلب الموازين العسكرية، وتحقيق إنجازات عسكرية أمام المعارضة لتقوية موقفه في أيّ مفاوضات محتملة، فبدأت العمليات العسكرية الكبرى في القصير، والقلمون، وريف دمشق، وحلب بمشاركة صريحة من حزب الله والميليشيات العراقية، ونجحوا في تحقيق مكاسب ميدانية مهمة في جبهات عدة. لكن لجوء النظام إلى استخدام السلاح الكيماوي في أكثر من موقع أحرج إدارة أوباما التي حاولت غض الطرف بداية، وشككت في صحة التقارير قبل أن تؤكدها في حزيران / يونيو 2014، وتقدّم وعودًا بتسليح المعارضة السورية بأسلحة "فتاكة" في محاولة لاحتواء الانتقادات الداعية لانخراط أميركي عسكري في الصراع لمعاقبة النظام على "تجاوز الخط الأحمر"3. اكتفاء الإدارة الأميركية بالوعود والإدانات، وحديث رئيس هيئة الأركان المشتركة السابق مارتن ديمبسي أمام الكونغرس 19 آب / أغسطس 2013 عن أنّ الأزمة السورية لا تمثّل تهديدًا للأمن القومي الأميركي أو لمصالحها في المنطقة ما دامت تستطيع حصر الصراع ضمن الجغرافيا السورية، وأنّ ما يجري في سورية هو حرب أهلية قد تستمر فترة طويلة، وأنّ مصالح الولايات المتحدة تفرض عليها الانكفاء والابتعاد ما أمكن عنها بخاصة وأنّ المعارضة لا تمثّل حليفًا إستراتيجيًا، وعوامل أخرى كالدعم الإيراني اللامحدود، والغطاء الدبلوماسي الذي أمّنته روسيا في مجلس الأمن، كلّ هذا شجّع النظام على التصعيد وأقدم على قصف ريف دمشق بالسلاح الكيماوي 21(آب / أغسطس 2015)، وهو ما أدّى إلى مقتل 1200 شخص خلال ساعات. بعد هجوم الكيماوي في الغوطتين، لم تعد الإدارة الأميركية قادرة على الدفاع عن إستراتيجيتها بعدم التدخّل العسكري في سورية؛ فأعلن الرئيس أوباما نيّته توجيه ضربة عسكرية عقابية للنظام قبل أن يتراجع عنها بعد صفقة رعتها روسيا 9 أيلول / سبتمبر 2013، وتضمنت تسليم النظام السلاح الكيماوي وإخضاع منشأته العسكرية للتفتيش الأممي. ولكي لا تظهر إدارة أوباما بمظهر المتفرج على المأساة السورية، حاولت الاستعجال في عقد مؤتمر جنيف 2 في 22 كانون الثاني / يناير 2014، وضغطت على المعارضة للتنازل عن شرطها ب"رحيل الأسد"4. ومع أنّ جنيف 2 فشل بسبب رفض النظام التجاوب مع مقترحات الوسيط الدولي الأخضر الإبراهيمي، فإنّ المقاربة الأميركية لم تتغير، بل تراجع اهتمامها بالأزمة السورية، وعادت روسيا إلى تشجيع النظام على الحسم العسكري ولا سيما بعد إجراء "انتخابات رئاسية" في حزيران / يونيو 2014 فاز بها الأسد، واستقال على إثرها المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي ليكون ثاني مبعوث يستقيل بعد سلفه كوفي عنان6. ومنذ ذلك الحين تراجع الحديث عن الحل السياسي للأزمة السورية، وبدَأ التركيز فقط على كيفية معالجة الحركات الجهادية الناشئة كجبهة النصرة، وتنظيم الدولة.
تشكيل التحالف الدولي: الإرهاب أولّا
في النصف الأول من عام 2014، كانت جميع المؤشرات الميدانية تشير إلى اقتراب هزيمة تنظيم الدولة في سورية؛ إذ انطلقت مطلع عام 2014 مواجهة مسلحة كبرى بين فصائل المعارضة (جيش المجاهدين، وجبهة ثوار سورية، وفصائل في الجبهة الإسلامية) وتنظيم الدولة انتهت بهزيمة الأخير وإجباره على الانسحاب من كامل محافظة اللاذقية، وإدلب، وحماه، وحلب (باستثناء ريفها الشرقي)7. كما حسمت جبهة النصرة موقفها، واتخذت قرارًا بقتاله، ونجحت بالتعاون مع فصائل مجلس شورى المجاهدين في طرده من عموم محافظة دير الزور، وعزله عن مناطق نفوذه في العراق، وحصاره في بقعة معزولة ضمن الرقة وريف حلب الشرقي، وحرمانه من الإمدادات الوافدة من العراق، ومن مصادر التمويل الذاتية وعلى رأسها النفط. لكن تطورات العراق ألقت بتداعياتها على الساحة السوريّة، وقلبت موازين القوى بصورة كاملة. لقد كان سقوط الموصل 10 حزيران / يونيو 2014، وسيطرة التنظيم على مساحات واسعة من العراق، وحصوله على أسلحة ثقيلة ومتنوعة غنمها من الجيش العراقي، بمنزلة الولادة الثانية لتنظيم الدولة في سورية، إذ وظف الزخم المعنوي والعسكري الذي كسبه في العراق للانتقام من
الفصائل التي طردته في سورية؛ فأزال الحدود، وبدأ بهجوم مضاد في محافظة دير الزور، ونجح في أسابيع قليلة في هزيمة مجلس شورى المجاهدين ليتمكن من ربط مناطق سيطرته في كلا البلدين. أسهم صعود تنظيم الدولة الإسلامية، وتوسّع نفوذه، وسيطرته على مساحات واسعة في سورية والعراق، ومن ثمّ إعلانه الخلافة الإسلامية في 29 حزيران / يونيو 2014، في تغيير المقاربة الأميركية تجاه أزمات الشرق الأوسط بصورة عامة، والأزمة السورية بخاصة، إذ لم يعد حلّها أولوية لإدارة أوباما، وركزت آنذاك على ملفين رئيسين هما؛ مواجهة تنظيم الدولة، ووقف تمدّده في العراق وحرمانه من "الملاذات الآمنة" في سورية، وإنجاز اتفاق نووي نهائي مع إيران، وتجنّب استفزازها بخطوات تصعيدية ضد مصالحها وتوجهات سياساتها الخارجية سواء كان ذلك في العراق أو في سورية. في سبيل إنجاز الهدف الأوّل، سعت الإدارة الأميركية إلى إنشاء تحالف دولي لكنّها كانت محكومة بمجموعة من المحددات وفقًا لما يلي: حاجتها إلى ضمّ دول عربية وإسلامية إلى التحالف حتى لا تظهر الحملة الأميركية على الإرهاب وكأنّها حملة على الإسلام على غرار ما حصل في فترة بوش الابن. أن لا يعتمد التحالف على شركاء محليين كانوا سببًا مباشرًا أو غير مباشر في صعود تنظيم الدولة وساهموا بممارساتهم العنيفة في إكسابه حاضنة شعبية في المناطق التي يسيطر عليها. لذلك، ضغطت الولايات المتحدة من أجل إبعاد رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي وتشكيل حكومة وحدة وطنية تضمّ شرائح أساسية من المجتمع العراقي وعلى رأسها العرب السنّة. عدم نشر قوات برية أميركية وتكليفها بمهام قتالية مع إمكانية إرسال مستشارين ومدربين. ضمن هذه المحددات انعقد اجتماع جدة 11 أيلول / سبتمبر 2014، حيث اتفقت الولايات المتحدة والسعودية ومصر والعراق والأردن ولبنان وقطر والكويت والبحرين والإمارات وسلطنة عمُان على محاربة تنظيم الدولة، بما في ذلك العمل على وقف تدفق الأموال والمقاتلين إلى التنظيم، وعلى "إعادة بناء المجتمعات التي روّعها التنظيم بأعماله الوحشية" وفقًا لما جاء في البيان الختامي8. بخلاف العراق، مثّلت مواجهة التنظيم في سورية إشكالية أمام دول التحالف؛ فكما هو معروف فإنّ التدخل العسكري في العراق جاء بطلب من حكومته "الشرعية"، ولم تجد دول غربية وعربية عائقًا قانونيًا يمنعها. في المقابل، أعلنت دول غربية عدة وفي مقدمتها فرنسا، وبريطانيا، وأستراليا عدم نيتها المشاركة في أيّ ضربات جوية في سورية لعدم وجود هذا الطلب، وفي الوقت عينه لأنّ الضربات الجوية ستعزز الموقف الميداني والسياسي للنظام السوري، وهو ما أكده لاحقًا وزير الدفاع الأميركي المستقيل تشاك هيغل 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2014 9. ولتجاوز هذا الإشكال سعت الإدارة الأميركية إلى إقناع حلفائها، لا سيما العرب، بأنّ أولوية مكافحة الإرهاب لا تعني التعاون مع النظام السوري، أو إعادة تأهيله، وأعلن أوباما في تصريحات عدة "أنّ الأسد وجرائمه سبب الإرهاب، وأنّه لا يمكن أن يكون شريكًا في الحرب ضد الإرهاب"، كما صرّح كيري، غير مرة، أواخر العام الماضي "أنّ السلام لن يحل في سورية، ما دام الرئيس بشار الأسد ممسكًا بالسلطة، وفي مركز القرار." ولضمان انخراط حلفائها عسكريًا في حملتها على تنظيم الدولة، وقّعت إدارة أوباما اتفاقيات عدة مع السعودية وقطر وتركيا لتدريب المعارضة السوريّة وتسليحها. وكان ذلك بمنزلة تطمينات قبل بدء الضربات الجوية في سورية 23 أيلول / سبتمبر.2014
التحالف من دون شركاء
لم تجهد الإدارة الأميركية في إيجاد شركاء "محليين" في العراق، فاعتمدت على الجيش العراقي، وقوات البيشمركة، وبدأت في تدريب
قوات عشائرية "سنية" لتتولى قتال التنظيم في مناطق انتشارها. في المقابل، افتقدت عند بدء ضرباتها في سورية شركاء يمكن أن تعتمد عليهم، وتنسّق معهم. ذكرنا سابقًا أنّ إدارة أوباما استبعدت النظام السوري من خياراتها، وفي الوقت ذاته رفضت التنسيق مع فصائل المعارضة السورية بما فيها من قاتل تنظيم الدولة وساهم في طرده من مناطق واسعة؛ فقناعة الولايات المتحدة أنّ فصائل المعارضة (الجيش الحر، أو الفصائل الإسلامية) لا تمثّل حليفًا إستراتيجيًا للولايات المتحدة، كما أنّها "تتعاون" مع حركات جهادية مدرجة على لوائح الإرهاب في إشارة إلى جبهة النصرة. من جهة أخرى، نظرت المعارضة بعين الريبة لضربات التحالف كونها لم تستهدف تنظيم الدولة فقط، بل مقارّ لجبهة النصرة، وفصائل إسلامية أخرى مثل أحرار الشام. لذلك، أصدرت غالبية قوى المعارضة المسلحة بما فيها المدعومة من الولايات المتحدة مثل "حركة حزم" بيانات دانت فيها قصف التحالف مقارّ النصرة والفصائل الإسلامية الأخرى. في ظل الواقع السابق، حدد التحالف أهداف ضرباته في سورية بحرمان تنظيم الدولة من "الملاذات الآمنة"، و"تجفيف" مصادر تمويله دون السعي للقضاء عليه واستئصاله ريثما تجهز "العناصر" التي يجري تدريبها في الأردن، والسعودية، وتركيا. وفي خطوة استباقية لدخول العناصر المدربة أميركيًا، حاول تنظيم الدولة إحكام سيطرته على معظم الشريط الحدودي بين سورية وتركيا؛ فبدأ في أواخر عام 2014 ثلاث معارك متوازية؛ أوّلها وأكبرها في مدينة عين العرب (كوباني) بهدف السيطرة على المدينة10، وعلى معبرها "مرشد بينار"، وفي الوقت عينه القضاء على وحدات الحماية الكردية التي كانت تقاسمه السيطرة على ريفي الرقة الغربي وحلب الشرقي، ويجري تأهيلها لتكون شريكًا مستقبليًا للتحالف على غرار قوات البيشمركة في كردستان العراق. وثانيها، في محافظة الحسكة للسيطرة على ما تبقّى من آبار النفط، وربط مناطق سيطرته في كلٍ من نينوى والحسكة، وقطع الطريق على عودة "البيشمركة السورية" التي يجري تدريبها في كردستان العراق تحت إشراف مسعود بارزاني لتتولى حماية المناطق الكردية شمال شرق سورية. وثالثها، في ريف حلب الشمالي بهدف السيطرة على مدينة اعزاز الإستراتيجية ومعبرها، وقطع الإمدادات عن قوات المعارضة في حلب بما يمكنه في وقت لاحق من اقتحام المدينة وإعادة السيطرة عليها لتحقيق أهدافه بإقامة خلافة برأسين؛ الموصل في العراق، وحلب في سورية. وقد استفاد التنظيم من تناقضات دول التحالف وتضاد مصالحها في سورية، ولعب على مخاوف تركيا من مشروع الإدارة الذاتية الذي أعلنه حزب الاتحاد الديمقراطي في المناطق الكردية أواخر عام 2013 فضمن حيادها قبل أن يتقدم ليسيطر على معظم مدينة عين العرب، وأكثر من 300 قرية في ريفها، كما نجح في الاقتراب من مدينة اعزاز في ريف حلب، وسيطر على مساحات واسعة من محافظة الحسكة11. أربك تمدد تنظيم الدولة إدارة أوباما، ووضعها في موقف محرج أمام الرأي العام، وعرّضها لانتقادات مسؤولين سابقين، وتشكيك نواب جمهوريين في إستراتيجيتها وفي إمكانية نجاحها في القضاء على تنظيم الدولة أو احتوائه، الأمر الذي دفعها إلى التنسيق مع حزب الاتحاد الديمقراطي PYD() الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني PKK() المدرج منظمة إرهابية على لوائحها، وجرى اعتماده شريكًا ميدانيًا، ومدّه بأسلحة متنوعة لوقف تمدد داعش وطرده من المناطق التي سيطر عليها. وبهذا المعنى، أصبحت الولايات المتحدة تعتمد منظمة إرهابية "شريكًا" في قتال "منظمة إرهابية" أخرى.
أميركا من دون حلفاء
ذكرنا سابقًا أنّ جميع الدول الغربية الحليفة للولايات المتحدة رفضت المشاركة في الضربات الجوية ضد تنظيم الدولة في سورية لعدم وجود تبرير قانوني يسوغ لها عملياتها التي اقتصرت على العراق فقط. وبناء عليه، لم يبق لأميركا سوى الدول العربية، لا سيما بعد رفض تركيا المشاركة في التحالف. غداة بدء الضربات الجوية في سورية، أعلنت الولايات المتحدة عن مشاركة أكثر من ست دول عربية خليجية إضافةً إلى الأردن والمغرب. لكن ما تبيّ بعد أسابيع أنّ الغارات الجوية اقتصرت على الولايات المتحدة وثلاث دول عربية، هي السعودية، والأردن، والإمارات، كانت ترى في مواجهة تنظيم الدولة، والحركات الجهادية والإسلامية المسلحة أولوية ملحّة. لكن سقوط طائرة أردنية، وأسر قائدها (معاذ الكساسبة) أواخر كانون الأول / ديسمبر 2014 فرض عليها مراجعة حساباتها؛ إذ أقدمت الإمارات على تعليق مشاركتها بسبب عدم اهتمام الولايات
المتحدة بتأمين وحدات إنقاذ الطيارين المفقودين ضمن العمليات العسكرية، والتي من شأنها أن تمنع تكرار حادثة الكساسبة12. من جهة أخرى، أسهم وصول الملك سليمان بن عبد العزيز إلى سدة الحكم في المملكة العربية السعودية بعد وفاة الملك عبد الله، في إعادة تعريف السعودية سياستها الخارجية وأولوياتها الإقليمية؛ إذ ركّز الحكم الجديد على مواجهة التمدد الإيراني في المنطقة عامة، واليمن بخاصة، لا سيما بعد حصار عدن، وسعي الحوثيين لإطاحة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي. ضمن هذا السياق، جاءت عاصفة الحزم التي فرضت على المملكة تعليق مشاركتها في التحالف الدولي والتركيز على التحالف الجديد الذي أنشئ في اليمن لمواجهة الحوثيين. وبذلك، أصبح الأردن، وفقًا لما ذكر الملك عبد الله الثاني في مقابلته مع قناة فوكس نيوز، الدولة العربية الوحيدة المشاركة في ضربات التحالف على مواقع تنظيم الدولة في سورية13. أدّى افتقاد الولايات المتحدة شركاء محليين في الميدان، وانفضاض الحلفاء العرب والإقليميين عن التحالف، إلى فشلها في حرمان تنظيم الدولة من الملاذات الآمنة، أو وقف تمدده في عموم سورية. وبنظرة مجهرية للتغيرات الميدانية نجد أنّ المناطق التي خسرها تنظيم الدولة كان قد سيطر عليها بعد انطلاق غارات التحالف، ولم يخسر أيًا من المناطق التي كان يسيطر عليها قبل انطلاق العمليات ضده.
انضمام تركيا
كانت تركيا طرفًا رئيسًا في مشاورات جدة وباريس، ورحّبت بإعلان تشكيل تحالف دولي (أيلول / سبتمبر 2014) لمواجهة تنظيم الدولة في العراق وسورية. لكنّها نأت بنفسها عن المشاركة العسكرية المباشرة، ورفضت مطالب الولايات المتحدة فتح مجالها الجوي وقواعدها العسكرية أمام طائرات التحالف، أو تقديم مساعدات عسكرية مباشرة تتعدى التعاون الاستخباراتي، وضبط الحدود، واتخاذ إجراءات للحدّ من تدفق المقاتلين الراغبين في الالتحاق بتنظيم الدولة. كما بادرت أنقرة في التعامل مع تنظيم الدولة إلى خطوات انفرادية دبلوماسية (تحرير طاقم قنصليتها في الموصل)، وعسكرية (نقل ضريح سليمان شاه) لتجنّب مستجدات غير متوقّعة قد تجبرها على الدخول في مواجهة مسلحة مع التنظيم. أوضح الموقف السابق جانبًا من الخلافات والتباينات بين أنقرة وواشنطن حول الأزمة السورية، وآليات مكافحة الإرهاب؛ إذ تحفّظت حكومة العدالة والتنمية على توجهات الدول الغربية الرامية إلى معالجة نتائج الأزمة (الإرهاب) دون التركيز على أسبابها الجوهرية، وسياق نشأتها وتطورها، وربطت مشاركتها في التحالف بتوافر ثلاثة شروط؛ ألّ تستثني عمليات التحالف النظام السوري، وإقامة منطقة "آمنة" وفرض حظر جوي عليها، وتدريب المعارضة السورية المعتدلة وتسليحها14. لكن إدارة أوباما، وعلى الرغم من قناعتها بأهمية انضمام أنقرة وفاعلية دورها في إضعاف تنظيم الدولة، لم تستجب للشروط التركية لقناعتها، آنذاك، أنّ استهداف النظام السوري والعمل على إسقاطه سوف يدفعان إيران إلى تعليق مشاركتها في مفاوضات الملف النووي، ولا سيما أنّ الأخيرة سعت لإدماج الملف السوري مع ملفها النووي في المفاوضات مع الغرب. وبناء عليه، لجأت واشنطن إلى خيارات بديلة لعلّ أبرزها اعتماد قوات الحماية الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD() شريكًا ميدانيًا في الحرب على تنظيم الدولة في سورية، وقدّمت له غطاء جويًا، ودعمً عسكريًا وماليًا، ولوجستيًا كبيرًا مكّنه من طرد مقاتلي التنظيم من عين العرب (كوباني) في ريف حلب، وتل أبيض في ريف الرقة، والحسكة. خلّفت إستراتيجية الولايات المتحدة في سورية، بقصد أو من دونه، أخطارًا على الأمن القومي التركي، وساهمت في صعود PYD()، وساعدته على تأمين تواصل جغرافي بين مناطق نفوذه (القامشلي، وعين العرب)، ودفعت قادته إلى التفكير في السيطرة على ريف حلب الشرقي والشمالي للوصول إلى عفرين (أقصى الشمال الغربي)، وإقامة كانتون كردي (يسميه الحزب مشروع الإدارة الذاتية) تمتد مساحته على كامل الشريط الحدودي السوري التركي. إضافةً إلى ما سبق، فإنّ الصعود الكردي في سورية خلق حالة من النشوة القومية لدى أكراد تركيا برزت في بعض صورها في تصويت الناخبين في المناطق الكردية في تركيا؛ إذ انحاز معظم أكراد تركيا إلى حزب الشعوب الديمقراطية، وهو ما ساهم في تجاوزه عتبة ال %10 ودخول البرلمان قائمة حزبية لأوّل مرة في تاريخ تركيا الحديث15.
يمكن القول إنّ سيطرة القوات الكردية ع ىى تل أبيض 15( حزيران / يونيو 015٢) دفعت أنقرة إلى تغيير حساباتها ومحددات تدخّلها في سورية، وأضحت مواجهة تنظيم الدولة تتصدر قائمة الأولويات ليس تخوفًا من أعمال إرهابية ازدادت وتيرتها في المدن التركية خلال الأشهر الأخيرة، بل لقطع الطريق أمام إقامة كانتون كردي على حدودها الجنوبية، وجعل سورية قاعدة آمنة لمقاتلي حزب العمال الكردستاني. ومنذ ذلك الحين، اتخذت أنقرة قرارها بالتدخل العسكري في سورية، واستحضرت فرقًا وألوية عسكرية ضخمة ونشرتها على الحدود، وجاء التفجير الانتحاري الذي نفّذه تنظيم الدولة في مدينة سروج الحدودية ليسرّع تنفيذ هذه العملية. فعلى إثره أعلنت الحكومة التركية في 22 تموز / يوليو 2015 بدء عملياتها العسكرية ضد تنظيم الدولة. وتزامن هذا القرار مع مجموعة من الخطوات العسكرية والسياسية؛ إذ فتحت أنقرة قواعدها الجوية (انجرليك) أمام طائرات التحالف، وأعلنت توافقها مع الولايات المتحدة على إقامة منطقة "خالية" من تنظيم الدولة داخل سورية، كما قصفت طائراتها، ولأول مرة منذ ثلاث سنوات، مواقع لحزب العمال الكردستاني في إقليم كردستان العراق.
هل يحدث انضمام تركيا فارقا كبيرا؟
يمثّل التدخل العسكري التركي تطورًا مهمً ومفصليًا في الحرب على تنظيم الدولة؛ إذ يعدّ الجيش التركي ثاني أكبر جيش من حيث العدد في حلف الناتو، ويمتلك مقدرات قتالية جوية وبرية من شأنها أن تحدث أثرًا في أيّ مواجهة مستقبلية، ومن شأن مشاركته أن تغني التحالف عن شركاء ميدانيين إشكاليين مثل وحدات الحماية الكردية تخشى شرائح واسعة من الشعب السوري من مخططاتها الانفصالية، وتتخوف من علاقاتها مع النظام، لا سيما بعد التصريحات الأخيرة لرئيس حزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم عن استعداده لقبول عودة الجيش النظامي إلى المناطق الكردية، وقبوله بأن تكون وحدات الحماية الكردية جزءًا من الجيش النظامي إذ غيّ ما سمّ ه "عقليته البعثية والمخابراتية"16. ومع أنّ العمليات العسكرية التركية لا تزال في مرحلة الضربات الجوية، فإنّ التفاهم الأميركي - التركي على إقامة منطقة خالية داخل سورية تمتد من مدينة مارع في ريف حلب الشمال وصولً إلى جرابلس في ريفها الشرقي، سيكون له بالغ الأثر في تنظيم الدولة؛ فعدا عن خسارته مساحات واسعة تضم موارد اقتصادية، ومنشآت إستراتيجية، سوف يخسر التنظيم آخر نقاطه على الحدود السورية التركية، وهو ما يُفقده عنصرين رئيسين في مقومات بقائه وصموده على المدى الطويل، هما: المقاتلون الأجانب الراغبون في الانضمام إليه، وشبكات التهريب لتصريف النفط المنتج في الحقول الزراعية والذي يعدّ من أهم مصادر التمويل. عدا عن ذلك، فإنّ إنشاء المنطقة الخالية ضمن الحدود السابقة سيعزله في المنطقة الشرقية والبادية، ويقطع الطريق على مخططاته الرامية للسيطرة على مدينة حلب. لذلك، يقوم التنظيم بتجميع قواته المنسحبة من عين العرب (كوباني)، والحسكة في ريف حلب الشمالي، ويحشد لاقتحام مدينة مارع ذات الأهمية الإستراتيجية والرمزية بالنسبة إلى فصائل المعارضة في محاولة استباقية للتدخّل التركي المرتقب. وجدير بالذكر أنّ تنظيم الدولة كاد ينجح في دخول مارع لولا تدخّل طائرات التحالف، ولأول مرة، إلى جانب فصائل المعارضة العاملة في تلك المنطقة، وإدخال الفرقة 30 التي أشرفت الولايات المتحدة على تدريبها في تركيا17. من جهة أخرى، فإنّ قرار الحكومة التركية المشاركة في الضربات الجوية، والسماح لطائرات التحالف باستخدام قواعدها القريبة من مناطق سيطرة التنظيم سوف يعرّض التنظيم للاستنزاف الدائم. فمن المرجّح أن يزداد عدد هذه الضربات وفاعليتها، إذ لن تضطر طائرات التحالف للإقلاع من مناطق بعيدة، والتحليق ساعات طويلة للوصول إلى أهدافها18. كما ستمكّن القواعد التركية طائرات
التحالف من التزود بالوقود بسهولة، وهو ما يساعدها على البقاء في الأجواء لساعات طويلة، ويمنحها القدرة على رصد تحركات التنظيم ومتابعتها، وتحديث بنك الأهداف وتوسيعها من دون الحاجة إلى جهد استخباراتي استثنائي19. أضف إلى ما سبق، أنّ تداعيات التدخل التركي لن تقتصر على التنظيم ضمن الأراضي السورية، فكما هو معروف تضطلع الحكومة التركية بمهمة تدريب مقاتلين عراقيين بهدف تحرير الموصل، ما يعني أنّ المواجهة بين تنظيم الدولة وتركيا ستمتد إلى العراق20. يبقى أنّ حدود الدور التركي وفاعليته في مواجهة تنظيم الدولة مرتبطان بمجموعة عوامل تعبّ عن التباين في المواقف والتوجهات بين كلٍ من تركيا والولايات المتحدة؛ وهي: موقع النظام السوري: تركّز الولايات المتحدة على مواجهة تنظيم الدولة فقط، ولا ترغب في استهداف النظام السوري. في حين ترى تركيا أن لا جدوى حقيقة من الحرب على الإرهاب ما لم تعالج أسباب ظهوره وانتشاره. ويرى المسؤولون الأتراك أنّ لنظام الأسد دورًا رئيسًا في نشوء تنظيم الدولة، بل ذهبت الرواية الرسمية التركية إلى أبعد من ذلك عندما تحدّث رئيس الوزراء الحالي عن وجود "شراكة" علنية بين النظام والتنظيم21، كما سرّبت المخابرات التركية تقريرًا ادّعت فيه أنّ الطرفين عقدا اتفاقًا من أربعة بنود لتدمير الجيش الحر، وشراء النفط، وتبادل السيطرة على مدن ومناطق سورية تقطنها أقليات درزية وإسماعيلية22. وبعيدًا عن التوظيف الإعلامي والخيال المؤامراتي، فإنّ المسؤولين الأتراك حدّدوا ثلاثة أهداف لعمليتهم العسكرية، وهي: محاربة التنظيمات "الإرهابية" الكردية، وتنظيم الدولة، والديمقراطية في الجوار (إشارة إلى نظام الأسد.) من جهة أخرى، فإنّ المنطقة الخالية من تنظيم الدولة على الحدود السورية التركية، وبحسب تصريحات المسؤولين الأتراك، ستكون بعمق 50 كيلومترًا23. الأمر الذي قد يؤدي إلى اندلاع مواجهة مباشرة بين التحالف ممثلً بتركيا، وقوات النظام ما لم تبادر الأخيرة إلى سحب قواتها المنتشرة في القسم الغربي من مدينة حلب وحوافها، وهو ما لا ترغب فيه الولايات المتحدة لا سيما خشية استفزاز قوى دولية مثل روسيا تنسّق معها من أجل إيجاد حل سياسي للأزمة السورية، وكذلك قوى إقليمية مثل إيران خشية أن يؤثّر ذلك في الاتفاق النووي، والذي يعدّه الرئيس أوباما أهم إنجازاته على صعيد السياسة الخارجية. الأكراد: مثّل التفاهم الأميركي - التركي ضربة قاسية لطموحات حزب الاتحاد الديمقراطي، وعطّل مخططاته الرامية إلى إنشاء إدارة ذاتية في سورية تمتد من القامشلي في الشمال الشرقي إلى عفرين في أقصى الشمال الغربي. كما كان هذا التفاهم بمنزلة ضوء أخضر للضربات الجوية التركية ضد حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل. ومع أهمية ضمّ تركيا إلى التحالف، فإنّ الولايات المتحدة لا تزال تعوّل على دورٍ ميداني لوحدات الحماية الكردية في سورية، ولمقاتلي حزب العمال الكردستاني في منطقة ربيعة على الحدود السورية العراقية. لذلك تخشى من أن تسعى تركيا لتوظيف دورها في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة لغايات ترتبط بالحرب مع حزب العمال الكردستاني. الانتخابات المبكرة: جاء التفاهم الأميركي - التركي في مرحلة بالغة الحساسية داخليًا؛ فلأول مرة منذ ثلاثة عشر عامًا لم يستطع حزب العدالة والتنمية الحصول على أغلبية برلمانية تؤهّله لتشكيل الحكومة منفردًا، ولم تنجح المشاورات بين الأحزاب التركية في تشكيل حكومة ائتلافية لتدخل تركيا مرحلة من عدم الاستقرار السياسي بانتظار نتائج الانتخابات المبكرة التي ستجري مطلع تشرين الثاني / نوفمبر 2015. وعلى الرغم من أنّ غالبية القوى السياسية في تركيا حريصة على علاقات إستراتيجية مع الولايات المتحدة، فإنّ الأخيرة تخشى أن يجيّ اتفاقها مع الحكومة الحالية لأهداف انتخابية ما يجعلها طرفًا في الحياة السياسية التركية، لا سيما وأنّ حزب الشعوب الديمقراطي الذي دخل البرلمان لأول مرة هو واجهة سياسية لحزب العمال الكردستاني الذي تحاربه حكومة العدالة والتنمية. وبناء عليه، قد تضطر الولايات
المتحدة إلى تأجيل تنفيذ تفاهماتها مع الحكومة التركية إلى ما بعد الانتخابات المبكرة، بخاصة أنّ التفويض الممنوح للقوات التركية بالتدخّل خارج حدودها ينتهي مطلع تشرين الأول / أكتوبر 2015، ما يعني أنّ البرلمان بتشكيلته الحالية هو الوحيد المخوّل بتمديد التفويض، ولا يمتلك فيه حزب العدالة والتنمية أغلبية تمكّنه من تمرير التمديد ما لم توافق عليه باقي الأحزاب.
مستقبل التحالف الدولي في سورية
على الرغم من نقاط الضعف العديدة التي عرقلت خططه وتحقيق أهدافه، استطاع التحالف قصف جميع مقارّ التنظيم الظاهرة، ومعسكراته التدريبية، ومؤسساته، ومصافي النفط البدائية، وأعاق تحركاته بصورة كبيرة، وأفشل مخططاته بالسيطرة على الشريط الحدودي مع تركيا. لكنه عجز عن وقف تمدده في المنطقة الوسطى، والقلمون، والجنوبية، وأحياء دمشق. عدا عن ذلك، فإنّ سيطرة التنظيم على محافظة الأنبار في العراق أمّنت مناطق سيطرته في سورية، ومنحته هامش حركة بين البلدين العراق وسورية. لا شك في أنّ دخول تركيا في التحالف سيمثّل إضافة نوعية، ويزيد من استنزاف التنظيم، لكن من غير المرجّح نجاح التحالف في القضاء على تنظيم الدولة في سورية خلال العام المقبل؛ وذلك للأسباب التالية: تشخيص صحيح وعاج خاطئ: لطالما صرّح المسؤولون الأميركيون بأنّ تنظيم الدولة هو نتيجة لفساد الأنظمة في العراق وسورية، وأنّ الحرب على الإرهاب تفرض عملية سياسية تنهي الحيف الواقع على شرائح شعبية كبيرة في البلدين، وتحرم تنظيم الدولة من استغلال ما يسمونه "المظلومية السنّية" في العراق وسورية. في المقابل، فإنّ إدارة أوباما فضّ لت ولغايات مصلحية في ملفات أخرى محورية تجاهل تشخيصها، وركّزت على معالجات إسعافية ساهمت في إطالة أمد الصراع في سورية، وساعدت التنظيم بطريقة غير مباشرة على اجتذاب الكثير من المقاتلين المحليين، لا سيما بعد أن رفضت الإدارة الأميركية تسليح المعارضة أو مساعدتها في حربها ضد تنظيم الدولة، وتحالفت مع وحدات الحماية الكردية وحزب الاتحاد الديمقراطي الذي تتّهمه المعارضة بالتعاون مع النظام. عدا عن ذلك، لا يمتلك التحالف حتى الآن أجوبة واضحة عن كيفية وقف تمدد تنظيم الدولة في المناطق الداخلية (حمص، والقلمون، ودمشق، والسويداء)؛ فالجيش السوري النظامي في حالة ضعف ووهن شديدين، ويتعرض يوميًا لهزائم أمام تنظيم الدولة في مناطق عدة إلى درجة أصبح التنظيم يهدد مدينة حمص وسط سورية، والسويداء التي تسكنها أغلبية درزية في الجنوب، ودمشق لا سيما بعد سيطرته على مخيم اليرموك وتمدده في أحيائها الجنوبية، وكذلك لبنان بعد سيطرته على القلمون الشرقي ووصوله إلى معبر جوسية الحدودي في منطقة البقاع. ولا يمتلك التحالف في هذا الواقع إلا خيارين؛ قصف قوات التنظيم ومقارّه في تلك المناطق، وعندها سيظهر التحالف طرفًا يحمي قوات النظام وحزب الله، وهو ما يضع الولايات المتحدة في موقع محرج أمام حلفائها الإقليميين، أو تسليح فصائل المعارضة الإسلامية التي تخوض مواجهة شبه يومية مع التنظيم في أحياء دمشق الجنوبية، والقلمون، والمنطقة الجنوبية. وعلى أساس أنّ الخيارين السابقين لا يندرجان ضمن توجهات الولايات المتحدة وأولوياتها، فمن المرجّح أن يقضم التنظيم مناطق جديدة تعوّضه عمّ خسره في الشمال والشمال الشرقي، وتمدّه بمقومات إضافية للبقاء والصمود. قصور برامج تدريب المعارضة: غداة الإع ناا عن تشكيل التحالف الدولي، أعلنت الولايات المتحدة نيّتها تدريب وحدات من المعارضة السورية المعتدلة في كلٍ من تركيا، ودول خليجية، وخصص الكونغرس نصف مليار دولار لإنجاز هذه العملية بسرعة، وذلك لتخريج مقاتلين قادرين على قتال تنظيم الدولة وعلى ملء الفراغ في المناطق التي قد ينسحب منها التنظيم24. لكن هذه البرامج تعطلت أكثر من مرة، وجرى تأجيلها بسبب خلافات بين الولايات المتحدة والدول التي تستقبل هؤلاء المقاتلين
بخصوص هدف برنامج التدريب؛ فالإدارة الأميركية كانت تصر على أنّ هدف برنامج التدريب يقتصر على قتال تنظيم الدولة، في حين تطالب بعض الدول المستقبلة وعلى رأسها تركيا بأن يكون قتال قوات النظام ضمن الأهداف المدرجة25. ونتيجة لذلك كانت حصيلة برامج التدريب في تركيا، على سبيل المثال، 54 مقاتلً فقط، اختطفت جبهة النصرة عددًا منهم أثناء دخولهم إلى الأراضي السورية26، ولا يزال هؤلاء حتى الآن غير قادرين على أداء مهامهم بسبب غياب منظومة أمنية قادرة على حمايتهم سواء من النظام الذي قصفهم أيضًا، أو من الفصائل الجهادية التي تترصدهم. وأخيرًا، لا تمتلك الإدارة الأميركية إستراتيجية واضحة المعالم لقتال تنظيم الدولة في سورية، ولا تزال تحيّ خططها بما تقتضيه المستجدات على الميدان، وتبرمج تحركاتها وعملياتها القتالية في إطار ردات الفعل على تمدد التنظيم وتوسّعه، ولا يزال الأخير حتى الآن يفرض إيقاع المعركة ومتغيراتها في بقاع مختلفة من سورية. وبناء عليه، فإنّ التحالف الدولي غير قادر على استئصال تنظيم الدولة، أو إضعافه خلال المديين المنظور والمتوسط، ويحتاج إلى سنوات طويلة إذا ما استمرت المقاربة الأميركية المجتزأة لمواجهته.