مسارات إصلاح قطاع الأمن في الأنظمة العربية الانتقالية
الملخّص
تسعى هذه الورقة إلى إثارة سؤال إص حاا قطاع الأمن في زمن الانتقال العربي إلى الديمقراطية، من خلال البحث في مرجعيات الإصلاح وتقاطعات السياسات الأمنية والنظام السياسي، وممكنات فكرة الإص حاا الأمني ومعيقاتها في السياق العربي. فالأسئلة الأساسية التي تواجه الدول تتمثل في كيفية المزاوجة بين الأمن والحرية، وبينه وبين الحق والعدالة والإنصاف؛ أي، كيف يمكن للأجهزة الأمنية أن تمارس عملها من دون المس بالحقوق الأساسية للأفراد وحرياتهم؟ أي كيف يمكن للدولة أن تكون ضامنة للأمن وحامية للحريات في الوقت نفسه؟ ترى الورقة أن إص حاا قطاع الأمن يمثل جزءًا من عملية الانتقال السياسي في البلدان العربية. ولأنّ المؤسسة الأمنية كانت وسيلة استقواء النظام وتزكية طبائع استبداده، فإنّ كل انتقال إلى الديمقراطية يرمي إلى تجاوز عناصر الأزمة، لا بد أن يأخذ في الحسبان الحاجة إلى مراجعة هذا القطاع.
مقدمة
مالت الكثير من التجارب الديمقراطية إلى ربط أعمال الأجهزة الأمنية، والمدنية، والعسكرية، بإطار قانوني يقوم على مبدأي المسؤولية والمحاسبة. وفوضت البرلمان سلطات واسعة في مجال التتبع والمساءلة، لمنع السلطات السياسية من إساءة استخدام أجهزة الأمن، والحيلولة دون عزل هذه الأجهزة عن الحكم التنفيذي1. لقد فرضت التطورات المجتمعية، وما أفرزته من نزوع قوي نحو فكرة التأصيل الحقوقي للسياسات الأمنية، على الدولة اعتماد معايير جديدة في صوغ سياساتها العمومية في المجال الأمني. ومن بين محاور الأسئلة الأساسية التي تواجه الدول كيفية المزاوجة بين الأمن والحرية، وبينه وبين الحق والعدالة والإنصاف، أي كيف يمكن للأجهزة الأمنية أن تمارس عملها من دون المس بالحقوق الأساسية للأفراد وحرياتهم؟ أي كيف يمكن للدولة أن تكون ضامنة للأمن وحامية للحريات في الوقت نفسه؟2
إنّ رهان كل سياسة أمنية في الدول الحديثة، يكمن في الجمع بين ثنائية الأمن والحرية والأمن والعدالة، إذ تمتد هذه الثنائيات في عمق التشريعات الوطنية المعنية بإصلاح قطاع الأمن، لتشمل جميع المؤسسات والآليات التي تمتلك السلطة الشرعية لاستخدام القوة، أو إصدار الأمر باستخدام القوة، أو التهديد باستخدامها3. وفي هذا التمدد، يبرز مفهوم الرقابة على السياسات الأمنية بصفته مدخلً من مداخل إصلاح قطاع الأمن. وعلى الرغم من الحذر الذي يطبع، عادة، الأجهزة الأمنية في علاقاتها بكل ما هو خارج المؤسسة، فإنّ وضع التشريعات الوطنية تحت مجهر المراقبة السياسية، قد يحدث تحولً يرسي قواعد "ديمقراطية الأمن." ومن شأن هذه القواعد أن تضع حدًّا لفكرة الطوارئ التي تتسيد الأنظمة العربية، تحت عديد المسميات كقوانين الطوارئ أو حالة الاستثناء أو تهديد يمس بأمن الدولة الداخلي، وكلها مرادفات لتعليق العمل بالقانون. لقد مثّل المجال الأمني "حقل تجارب" لعمليات الانتقال الديمقراطي داخل الكثير من البلدان. وبما أنّ السياسات الأمنية تقع على خط التماس مع التحولات الاجتماعية وأثرها في السياسات العمومية، فهي (السياسات الأمنية) تؤثّر وتتأثر بطبيعة الاختيارات والفاعلين، بمعنى أنّ السياسات من حيث مدخلاتها تكشف عن طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. نسعى في هذه الورقة إلى إثارة سؤال إصلاح قطاع الأمن في زمن الانتقال العربي إلى الديمقراطية، من خلال البحث في مرجعيات الإصلاح وتقاطعات السياسات الأمنية والنظام السياسي، وممكنات فكرة الإصلاح الأمني ومعيقاتها في السياق العربي.
أولا: تمفصل السياسات الأمنية والنظام السياسي
تختلف الرقابة عن السياسات الأمنية باختلاف طبيعة الأنظمة السياسية القائمة، فهي تنشأ في الأنظمة الديمقراطية امتدادًا لعمل السلطة التمثيلية، ذلك أنّ الرقابة على القوانين والسياسات الخاصة بقطاع الأمن تمرّ عبر قنوات مؤسساتية، تتخذ شكل لجان برلمانية مختصة بالأمن. وقد تمارس بواسطة أدوات الرقابة الدستورية، من قبيل المساءلة والاستجواب والتحقيق البرلماني. وفي الأنظمة الانتقالية، تحضر هذه الآليات من دون أن تفعل في مجال السياسات الأمنية التي غالبًا ما يكون لها ماض قمعي، فيتم تجاوز الوقوف على ممارسات الأجهزة الأمنية بصفته من شروط عملية الانتقال. لقد أعادت الكثير من الأنظمة الانتقالية، في بلدان أمريكا اللاتينية تحديدًا، النظر في سياساتها الأمنية، وحاولت ربطها بالممارسة
الديمقراطية من خلال تفويض الهيئات التشريعية صلاحيات مراقبتها وتقييم عملها. وتمّ الربط بين مسلسل التحول الديمقراطي، في الأنظمة الديكتاتورية، ومباشرة تغييرات في هياكل الأجهزة الأمنية، بطريقة تحد من استقلاليتها وتضمن الرقابة الديمقراطية على أعمالها4. و مثّلت المرحلة الانتقالية فرصة بالنسبة إلى كثير من هذه الأنظمة، لإعادة هيكلة السياسات الأمنية وإبقاء الأجهزة تحت الرقابة البرلمانية، في وقت كانت فيه هذه الأجهزة جزءًا من ماضي الصراع السياسي. إنّ الحاجة إلى إصلاح قطاع الأمن في الوطن العربي، تستمد شرعيتها من سياقات وتحولات داخلية وإقليمية، ومن تشريعات دولية تساهم في التأصيل الحقوقي للرقابة على السياسات الأمنية، وبناء تراكم معياري من شأنه أن يعيد بناء سياسات ومؤسسات أمنية، تراعي توفير الأمن دون المس بالحقوق. إنّ الحكومة، في هذا السياق، لا يمكنها احتكار الرقابة على القطاع الأمني أو الإشراف عليه من دون احتمال وقوع إساءة استخدام للأجهزة الأمنية. وباستثناء دور البرلمانات في إعداد الإطار القانوني، فمن الشائع اضطلاعها بمهمة الرقابة على النشاطات التي تنفذها السلطة التنفيذية5.
بالمقابل، فرضت التحولات المجتمعية السائدة، إدراج المعايير الحقوقية في مجال السياسات الأمنية، وجاء إدماج الحقوق داخل مجالات حفظ النظام العام، لضمان تمفصل الحرية مع عنصر الأمن6 في كثير من محاولات إعادة بناء السياسات الأمنية. وقد كانت تقوية دور الرقابة السياسية على هذه السياسات وعلى الهياكل القائمة بتنفيذها، جزءًا من هذا الرهان، بما يمنع الانزلاق في ممارسة السلطة، ويحد من تأثير نفوذها داخل الصراعات السياسية، ويمنع تمددها إلى مجالات أخرى تحد من استقلالية قرارها الأمني. وفي المجمل، دفع الترافع الحقوقي الدولي في شأن إصلاح قطاع الأمن، وما أنتجه في مجال الرقابة على السياسات الأمنية من مرجعيات حقوقية وتراكم معياري، بلدانًا كثيرة إلى ملاءمة قوانينها الوطنية مع حاجيات "ديمقراطية الأمن"، غير أنّ سرعة مباشرة الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية تختلف من بلد إلى آخر، بالنظر إلى طبيعة النظام السياسي وتقاليد المؤسسات الأمنية المثقلة بماضي الانتهاكات في بعض الدول التي تعيش حالة انتقال إلى الديمقراطية. من جهة الفاعلين، تبدو مهمة فهم آليات إنتاج القرار الأمني مقعدة وتدور حول قيمة المعلومة الأمنية، غير أنّ اقتصار تداول هذه المعلومة على مختبرات صناعة السياسات الأمنية، داخل الدولة، لا يستبعد وجود رقابة لاحقة، يمارسها البرلمان لقياس مدى نجاعة تدبير المعلومة الأمنية، وأثرها في فعالية السياسات المتبعة.
ثانيًا: مرجعيات إصلاح قطاع الأمن في التراكم المعياري
من جهة الإشراف، يميز التراكم المعياري في مجال إصلاح السياسات الأمنية، بين خمس جهات تكمن مهمتها في مراقبة هذه السياسات. وتتنوع هذه الجهات بين الإداري (السلطة الرئاسية للحكومة)، والسياسي (البرلمان)، والمالي، ثم الرقابة القضائية، ورقابة المجتمع المدني ووسائل الاتصال، إذ تتميز كل واحدة منها بخصوصياتها وسلطاتها القانونية. وغالبًا ما يمثّل الدستور مرجعية جامعة لكل هذه الجهات التي يخولها الإشراف على السياسات الأمنية، سواء بالتدخل أم التوجيه أم التقرير عنها. وتمارس هذه الجهات الرقابة على السياسات المتبعة أمنيًا، من حيث إنها أعمال إدارية تخضع لقواعد قانونية. وهو تصور يجعل من الرقابة القضائية نمطًا من أنماط الرقابة اللاحقة على أعمال الأجهزة الأمنية، على الرغم من أنّ تنفيذ السياسات الأمنية يخضع لرقابة إدارية داخل الجهاز التابع للسلطة التنفيذية، وأخرى برلمانية تضفي شرعية على أعمال الأجهزة مسبقًا.
إنّ تعدد مرجعيات الرقابة على السياسات الأمنية، يمثّل ضمانة تطوق أعمال الأجهزة الأمنية بالمشروعية القانونية، ذلك أنّ تنوع آليات الرقابة لا يقلل من مكانة السلطة التنفيذية بصفتها فاعلً أصليًا في مجال تنفيذ السياسات الأمنية، بواسطة أجهزة ومؤسسات تتبع لها. فالامتياز الأصلي لا يقلل منه تنوع مرجعيات الرقابة، لأنها تعزز مجتمعة شرعية أعمالها، وتجعلها قابلة للتقويم والتقييم. ففي التشريعات الفرنسية مثلً، تمتد الرقابة القضائية إلى مراقبة مشروعية إعلان حالة الطوارئ في حالة التهديدات التي تمس بأمن الدولة. وقد ذهب بعض الفقه إلى أنّ قرار السلطة التنفيذية بإعلان حالة الطوارئ من الأعمال الإدارية التي تخضع لرقابة القضاء، مثل سائر الأعمال الإدارية التي تخضع للرقابة البرلمانية إعمالً لمبدأ المسؤولية الوزارية، وهي تخضع في الوقت نفسه لرقابة القضاء7.
1. في الرقابة الحكومية وربط المسؤولية بالمحاسبة
من شأن تقوية مرجعيات الرقابة الداخلية، في مجال التفويض والتعيين والتوجيه، أن يقوي دور الرقابة الإدارية على السياسات الأمنية. إلّ أنّ تحقيق هذا الغرض يتطلب وجود نصوص قانونية، قادرة على حماية العاملين داخل جهاز الأمن في حال التبليغ عن سلوكات غير قانونية داخل الجهاز، وتوضيح حدود التفويض الممنوح إلى المسؤول عن الجهاز الأمني استنادًا إلى علاقته التراتبية بالسلطة الرئاسية داخل الحكومة، ثم أخيرًا اعتماد مساطر في التعيين تخضع لرقابة البرلمان، بما أنّه المؤسسة الوصية على مراقبة مستويات السياسات الأمنية واستجواب القائمين بتنفيذها. غير أنّ بعض الأنظمة السياسية، لا تعود وجوبًا إلى المؤسسة التشريعية في تعيينات الموظفين المسؤولين عن تنفيذ السياسات الأمنية، إذ ترى الحكومة أنّ سلطة التعيين اختصاص تنفرد به، لأنها مسؤولة عن تنفيذ السياسات العمومية، ومن ثمّ فهي تمثّل سلطة وصاية إدارية عن القائمين بالإنجاز، في حدود التفويض المخول لهم قانونيًا، وبناءً على التوجيهات والاختيارات التي تحددها سلطة الوصاية الحكومية التي تتبع لها المؤسسة الأمنية. يمثّل تحديد سلطة التفويض داخل الجهاز الإداري للأمن، المدخل الأول لإطار تنفيذ السياسات الأمنية، ومن حيث أنها سلطة إدارية، فإنها تختص بتنفيذ السياسات وتوجيه القائمين عليها، من موظفين وأجهزة علنية وسرية توكل إليها مهمة الإنجاز. ويتمثّل أحد الجوانب الرئيسة في إخضاع الأجهزة الأمنية للمساءلة، في وجوب وضوح دور هذه الأجهزة ونطاق عملياتها، ويجب توافر ذلك في التشريعات وتحديد المسؤوليات8. ومن شأن هذا التحديد أن يحقق ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما أنّ وضوح الأدوار الموكلة إلى الأجهزة الأمنية يستند إلى حدود التفويض الممنوح للقائمين عليها. وهكذا، يجب أن تكون هذه الأدوار التي تضطلع بها أجهزة الأمن، محددة ومحصورة بموجب القانون، وأن يكون استخدام المفاهيم في مجال سلطة التفويض دقيقًا لا يسمح بالتأويل خارج النص. فمفاهيم من قبيل النظام العام وتهديد الأمن الداخلي والمس بالاستقرار، قد تستعمل كلها في إساءة استخدام السلطة، وتنزع الشرعية من عمل الأجهزة الأمنية، خاصة في البلدان التي تسير نحو الديمقراطية، والتي تتطلب جهدًا كبيرًا من أجل التخلص من التركة المفاهيمية والبنى المؤسساتية التي ورثتها عن فترة التسلط.
ترتبط سلطة تعيين القائمين على تنفيذ السياسات الأمنية، بتطور الممارسة الديمقراطية. فإذا كان تعيين مدير الجهاز الأمني يخضع لرقابة السلطة البرلمانية وجوبًا، فإنه في تجارب أخرى يمرّ عبر سلطة رئاسة الحكومة من دون تدخل من الجهاز التشريعي. نشير هنا، إلى أنه في التجارب الديمقراطية تكون مراجعة القوانين والأنظمة الخاصة بالأجهزة الأمنية عملية دورية ومتجددة تفرضها الحاجة. وتهدف هذه المراجعة إلى توضيح القوانين وضمان مواكبتها
للتهديدات الأمنية من دون المس بالحقوق والحريات. وفي هذا الإطار يبرز النموذج الأوروبي، فقد سعى إلى تحديد مجالات تدخل المسؤولين الأمنيين في قضايا الإرهاب، بتحديد الصفة القانونية لإجراءات مكافحة الإرهاب، وحظر استخدام التعذيب أثناء الاستجواب ومنع التعسف، إضافة إلى حظر العقوبات بأثر رجعي بموجب القانون الجنائي.
2. في المراقبة البرلمانية وتعزيز الشرعية
يمتلك البرلمان سلطة رقابية وسياسية بامتياز، يمارسها من خلال مجموعة الوسائل القانونية والهياكل والتشريعات. وتبرز العلاقة بين السياسة والأمن في طبيعة التشريعات والقوانين التي تسنها لفائدة جهاز الأمن، فالعلاقة تنشأ إذًا، حينما تشرع السلطة السياسية مجموعة قواعد مؤسسة للوظيفة الشرطية9. وعادة ما تختص المؤسسة التشريعية بهذه المهمة من خلال وضع قوانين تؤطر عمل الأجهزة الأمنية، وتمارس من خلالها الرقابة على تنفيذ السياسات الأمنية ومدى احترامها الإطار المرجعي، أي القانون. وفيما يميل البعض إلى الاعتقاد بأنّ نخب البرلمان لا تمتلك الخبرات الكافية لفهم آليات إنتاج السياسات الأمنية، وأنّ سلطته الوحيدة في المجال حدودها التصويت والتفويض المالي للحكومة بوصفها سلطة التنفيذ، ويجدون في افتقار البرلمان إلى المعلومة الأمنية حجتهم لتبرير هذا الاعتقاد، يطرح المدافعون عن فكرة الرقابة البرلمانية على السياسات الأمنية، ثلاثة أسباب على الأقل تؤكد أهمية الرقابة على الشؤون الأمنية10: أولها الرقابة على استبداد السلطة، إذ تختص المؤسسة التشريعية بسلطة رقابية دستورية على أعمال السلطة التنفيذية، ومن شأن تعزيز سلطاتها في مجال الرقابة على السياسات الأمنية، أن يجنّب نظام الدولة الاستبداد بالحكم. وثانيها أنّ البرلمان يمثّل سلطة شرعية لدافعي الضرائب، ذلك أنّ التصويت على الميزانية العامة للدولة، يعكس لحظة لتحقيق الرقابة البرلمانية، فهي إحدى أهم الآليات التي تتبعها البرلمانات للسيطرة على السلطة التنفيذية. ولما كانت مؤسسات قطاع الأمن تحصل على حصتها من مالية الدولة، فإنه يتعيّ على البرلمان التحقق من حسن استخدام هذه الموارد المالية. وثالثها يكمن في دور الرقابة البرلمانية في تقييد احتكار الدولة للتشريع الأمني، وتمكين البرلمان من المشاركة في بلورة السياسة الأمنية.
ثًالث ا: بلدان الربيع العربي، سياقات أمنية متباينة
في بلدان الربيع العربي، أبان جهاز الأمن الداخلي عن مقاومة شديدة للتغيير الذي كان يستهدف الإطاحة بأنظمة الحكم. إلّ أنّ المفارقة تكمن في كون تعامل مكونات قطاع الأمن11 مع الحراك الاحتجاجي والسياسي، كان متباينًا داخل النظام نفسه. ففي الوقت الذي راهن فيه جهاز الشرطة على صمود النظام وتولت فيه أجهزة الأمن الوطني التنكيل بالمحتجين واعتقالهم، ومطاردتهم داخل أمكان التجمعات لمنعهم من إسقاط النظام، بدت قوات الجيش، كما في التجربة المصرية والتونسية، كأنّها تتماهى مع مطالب الجماهير الغاضبة، في انتظار أن تكتمل صورة المشهد الثوري.
قد يكون للترتيبات السياسية غير المعلنة، إبّان الحراك الثوري، علاقة بتموقع الجيش مع المحتجين أو ضدهم، لكن أن يقع الخلاف بين جهاز الشرطة والمؤسسة العسكرية حول الموقف من رحيل النظام، فإنّ هذا ذو دلالات مفادها أنّ السلطة ليست آمنة دائمًا. خرج المحتجون في تونس، وقاوم النظام، فهرب الرئيس بعد أن نزل الجيش إلى الشوارع لتأمين البلاد. وفي مصر تنازل النظام بالتدريج وصولً إلى نهايته ورحيله، فنزل الجيش لحماية الدولة وما بقي من النظام، ثم
استعاد العسكر السلطة المدنية عبر الانتخابات في تجربة انتقالية فريدة في العالم. أمّا في سورية فإنّ الطائفية المتنفذة داخل المؤسسة العسكرية في دمشق، حالت دون تحقيق سقوط سريع للنظام على طريقة النموذجين التونسي والمصري، وإن كان استمرار الثورة طوال خمس سنوات، يعدّ في حد ذاته إنجازًا ومصدر تقدير وإجلال للشعب السوري. هي سياقات مختلفة ومتباينة لتعامل قطاع الأمن مع ثورات الربيع العربي، تكشف أنّ قطاع الأمن ليس على مذهب واحد، وأنّ المرحلة الانتقالية تمثّل فرصة تاريخية من أجل إعادة بناء قطاع أمني مستقل يقوم على التأصيل الحقوقي لمفهوم السلطة العامة، وعلى التراكم المعياري ومخرجات الإصلاح في الشرعة الدولية. لقد كان كل ذلك من أجل إعادة تطبيع قطاع الأمن مع النظام السياسي، ونقله من وضعية جهاز مؤتمِن على النظام إلى جهاز مؤتمَن على الدولة ومؤسساتها. لقد مثّل سؤال إصلاح قطاع الأمن أحد المطالب التي رفعتها الثورات العربية، في تونس كما في مصر وليبيا وسورية، وحتى في المغرب الذي أخذ مسارًا مختلفًا عن مسارات دول الربيع العربي. ففي مختلف البلدان العربية، سواء تلك التي عاشت الثورة أم التي تجاوزتها بالإصلاح الدستوري والسياسي، ظل مطلب إصلاح قطاع الأمن حاضرًا بقوة في النقاش العمومي، وربطت بعض الشعارات التي تقدمت مسيرات المطالبة بإسقاط النظام بين الإصلاح الأمني وتحقيق الانتقال الديمقراطي، بما يضمن تحويل بنية الأمن من وظيفة حماية النظام إلى مهمة حماية الوطن والمواطن. إنّ تحقيق هذه المعادلة اليوم، يمرّ بالضرورة عبر إعادة تشكيل العقيدة الأمنية المبنية على حكم الفرد، والتي تأسست عليها كثير من الأجهزة الأمنية العربية. ويقتضي هذا التغيير إحداث تحول في طبيعة التكوين الذي يتلقاه المنتسبون إلى قطاع الأمن، كي يصبح تحقيق العدالة وتحصين المجتمع بالديمقراطية واحترام قواعد حقوق الإنسان، مداخل لإعادة بناء العقيدة الأمنية. فليس ترفًا التذكير بأنّ الصفعة التي أشعلت الثورة في تونس كان مصدُرها شرطية، وضحيتَها مواطنٌ فرد سرعان ما تحول إلى مواطن بصيغة الجمع.
١. تعطيل إصلاح الأمن في الأنظمة الانتقالية العربية
وفي تتبع لمحاولات إصلاح قطاع الأمن داخل الأنظمة العربية الانتقالية، بدا لنا أنّ السياق الإقليمي والدولي كان له الأثر الفعّال في تعطيل كل محاولة لإعادة بناء العقيدة الأمنية وفق منظور حقوقي؛ ففي تونس أعلنت الدولة حالة الطوارئ لمواجهة الإرهاب، وفي مصر أثار قانون الإرهاب جدلً حقوقيًا وسياسيًا ومخاوف بشأن مكتسبات الثورة، وفي ليبيا ضاعت الدولة بين الجيش النظامي والمليشيات المسلحة. إنّ الحرب على الإرهاب هي القاسم المشترك بين التجارب الانتقالية الثلاث، فقد أفضى تنامي الظاهرة إلى تغوّل أجهزة الأمن، وتقاسمت بلدان الربيع العربي التفكير نفسه في إعادة ترتيب أولويات بناء الدولة. لقد توجهت جميعها إلى محاربة الإرهاب واستعادة الأمن والاستقرار، وأجّلت كل تفكير في مباشرة إصلاح المؤسسة الأمنية. لا شك في أنّ الإرهاب واقع يغذّيه التطرف الديني، لكنّ الدين وحده لا يكفي لتحليل أسباب انتشار الظاهرة في بعض الأقطار العربية، لأنّ الإقصاء وتغييب الديمقراطية والتضييق على الحريات والحقوق، عناصر من شأنها أنّ تمثّل مؤشرات لتحليل ظاهرة إرهابية تغذيها العصبية القبلية والمحاصصة الطائفية في تجارب عربية أخرى كالعراق مثلً. وعلى الرغم من أنّ عمليات إعادة الهيكلة التشريعية لا تتم دائمًا خارج دائرة المراقبة البرلمانية، في بعض التجارب العربية، سواء في مرحلة مراجعة القوانين الجنائية أم أثناء تغيير السياسات الأمنية، فإنّ عقبة الإرهاب تقف أمام كل محاولات إعادة بناء القطاع الأمني وإصلاحه في مختلف بلدان الربيع العربي، فقد فرض بروز هذه التهديدات الجديدة إعادة هيكلة أجهزة الأمن خارج فكرة الإصلاح، واستمرار تشديد الرقابة على حركة الأفراد والجماعات. لقد سرّعت التهديدات الأمنية الجديدة في إنتاج سياسات أمنية قادرة على التعامل مع هذه المخاطر ومحاصرتها، حمايةً للمجتمع. ويمثّل الإرهاب أحد هذه التهديدات الأمنية، وإن اختلفت دول العالم في تحديد سبل مكافحة الظاهرة واحتوائها، فالإرهاب ظاهرة عالمية لا تقتصر على دولة واحدة أو شعب بعينه، وإنما تعصف بالعديد من المجتمعات12. وقد سارعت أنظمة عديدة إلى التعامل مع الظاهرة، من خلال مقاربة أمنية، ضمت إجراءات قانونية استثنائية، تحت مبرر الحد من التهديد الإرهابي. نشير هنا إلى أنه في سياق التعاطي مع التهديدات الأمنية التي فرضتها هذه الجريمة، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مجموعة من المعايير لمناهضة الإرهاب13، تمنع على الدول التعسف. واستند إعلان
المعايير الدولية للقضاء على الإرهاب إلى مجموعة نصوص وردت في الشرعة الدولية، في سبيل تعزيز حقوق الإنسان، حتى في الحالات التي تباشر فيها الدولة سياسات أمنية استثنائية في التعامل مع الأخطار المحدقة باستقرار المجتمع وأمن الدولة.
إنّ الحرب على الإرهاب يجب ألّ تلغي فكرة الإصلاح من أجندة الأنظمة العربية في المرحلة الانتقالية، بل لا ينبغي أن تصبح شماعة تعلق عليها الأنظمة الجديدة في بلدان الربيع العربي، فشلَها في إقرار سياسات عمومية أمنية، يساهم في صوغها كافة الفاعلين المتدخلين في قطاع الأمن، ضمن ما يصطلح عليه المنتج المشترك للأمن. لقد سلكت منها بلدان كثيرة الطريق السهل، فأصبحت تعيش حالة طوارئ دائمة، وترهيب وتخويف للشعوب، وتأجيل لكل إصلاح أو انتقال إلى الديمقراطية، بدعوى الانشغال بمواجهة الإرهاب.
2. في البحث عن "البرادايم" الأمني
في البحث عن برادايم لإص حاا قطاع الأمن، تحضر الكثير من المرجعيات الدولية والقرارات الأمنية، نسوق منها مثالً: القرار رقم 169 / 34، بتاريخ 17 كانون الأول / ديسمبر 1979، والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في شأن إحداث مدونة لقواعد سلوك الموظفين بإنفاذ القوانين. فقد مثّلت هذه المرجعيات والقرارات مرجعية موضوعية في مجال الرقابة على السياسات الأمنية تحديدًا، وتضمنت ثماني قواعد تؤطر عمل رجال الأمن في مجالات المسؤولية، واحترام حقوق الإنسان، وحدود السرية، وتقنين استعمال القوة، وتجريم التعذيب، والحفاظ على سلامة المحتجزين، والنزاهة، ثم الحق في رفض التعليمات الصادرة عن الرؤساء المباشرين إن كانت مخالفة للقوانين وقواعد سلامة الإجراءات. نظم هذا القرار سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون، في مجال السلطة العامة، بالتنصيص على وجوب أن يؤدي العاملون في قطاع الأمن "الواجب الذي يلقيه القانون على عاتقهم، وذلك بخدمة المجتمع وبحماية جميع الأشخاص من الأعمال غير القانونية، على نحو يتفق مع علو درجة المسؤولية التي تتطلبها مهنتهم"14. وشرّعت المدونة الأممية، لفكرة التناسب في استخدام القوة، وإن حدّت من استعمالها، إذ تنص المادة الثالثة من المدونة على أنه "لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين استعمال القوة إلّ في حالة الضرورة القصوى وفى الحدود اللازمة لأداء واجبهم." فلجوء هذه الفئة من الموظفين إلى القوة، مأذون به لكنه يجب أن يكون استثنائيًا، وأن يقع في تناسب مع القانون أو التهديدات التي تواجه الموظفين المكلفين بتطبيق القانون. وقد بلورت مجموعة من البلدان قاعدة التناسب في استعمال القوة، ضمن تشريعات الداخلية، وذلك في سياق الحد من الشطط في استخدام القوة وجعل الأفعال المتجاوزة للقانون معاقبًا عليها. ولما كان استخدام الأسلحة النارية، أحد أشدّ مظاهر استعمال الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون القوة خطرًا، فإنّ كثيرًا من التشريعات قيّدت اللجوء إلى القوة النارية التي تخضع في الغالب للسلطة التقديرية لمستخدميها. وتمنع الفقرة الثانية من المادة الخامسة الموظفين الاختباء وراء التعليمات الصادرة عن رؤسائهم المباشرين، أو ادعاء تعرض الأمن الجماعي للخطر، في سبيل تبرير انتهاكات حقوق الإنسان. ذلك أنّه "لا يجوز لأي من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يتذرع بأوامر عليا أو بظروف استثنائية كحالة الحرب، أو التهديد بالحرب، أو إحاقة الخطر بالأمن القومي، أو تقلقل الاستقرار السياسي الداخلي، أو أي حالة أخرى من حالات الطوارئ العامة، لتبرير التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة." يوجد في القانون الدولي فائض من النصوص، يمكن أن تكون مدخلً معياريًا لإصلاح أمني عربي قادر على رفع التحديات والتجاوب مع الجيل الجديد من الحقوق والحريات. ويقوم هذا المدخل على إعادة تكييف النصوص الوطنية والسياسات الأمنية الداخلية مع نصوص
الشرعة الدولية، لأنّ الانتقال إلى الديمقراطية لن يتحقق بقوانين وسياسات رجعية.
خاتمة
إنّ إصلاح قطاع الأمن جزء من عملية الانتقال السياسي في البلدان العربية. ولأنّ المؤسسة الأمنية كانت وسيلة استقواء النظام وتزكية طبائع استبداده، فإنّ كل انتقال إلى الديمقراطية يرمي إلى تجاوز عناصر الأزمة، لا بد أن يأخذ في الحسبان الحاجة إلى مراجعة هذا القطاع. فالانتقال بوصفه تحولً في المخرجات أيضًا، لا يمكن أن يتحقق إلّ بتغيير كل التمثلات السلبية عن قطاع الأمن، لأنّ استمرارها يولّد ردات فعل عنيفة وسلوكات جانحة ناتجة عن التمثل السلبي لمؤسسات الدولة. في الأنظمة العربية، عادة ما تتشكّل علاقة مزدوجة بين ممثل السلطة الحكومية (وزير الداخلية)، والمسؤول عن الجهاز الأمني (مدير جهاز الأمن أو جهاز مخابرات...إلخ.) وقد لا يسعف هذا التداخل في تحديد المسؤوليات عن العمليات الأمنية بدقة. لكن، في التجارب الديمقراطية، يملك الوزير الوصي على القطاع صلاحية وضع السياسات العمومية الأمنية، وإبلاغها إلى المسؤولين الأمنيين قصد تنفيذها، بينما تتولى الأجهزة الأمنية توفير المعلومات وتقييم الوضعية الأمنية، من خلال تقارير ترفعها إلى الوزارة الوصية تبني عليها سياساتها العمومية وتعرضها للمناقشة العامة. بالمقابل، يقدّم التراكم المعياري في مجال إصلاح قطاع الأمن مرجعية لكل مشروع يروم إعادة النظر في بناء المؤسسة الأمنية العربية، إلّ أنّ إعمال هذه المرجعيات قد يتهدده دعاة الخصوصية الوطنية الذين يعلقون كل فكرة حول الإصلاح على هذا الهوس الهوياتي، ويعيقون به كل محاولات العبور إلى الديمقراطية. نعتقد أنّ بروز تهديدات أمنية جديدة وظهور فاعلين جدد في مجال إنتاج السياسات العامة الأمنية، يجعل احتكار مجال إنتاج القرار الأمني غير ذي معنى. إنّ الإرهاب الذي تختبئ وراءه السياسات القمعية في البلدان العربية، يمكن أن يكون مدخلً لتعبئة وطنية تعيد صوغ مقاربة حديثة في التعامل مع الحاجة إلى الأمن، تأخذ في الحسبان الحاجيات الفردية والالتزامات الدولية ضمن ما يصطلح عليه اليوم ب "الحوكمة الأمنية." في بعض الأنظمة الانتقالية، تطرح إشكالية "تسييس" المعطيات الأمنية، ذلك أنّ وجود وزير حزبي على رأس قطاع الداخلية، بصفته الجهاز الحكومي الوصي على أجهزة الأمن، يثير حساسية لدى بعض الساسة الذين يرون في موقع الحزب على رأس الوزارة استقواء بما توفره من معطيات وبيانات حول الأفراد والأحزاب، يُخاف توظيفها خارج سياق تدبير الشأن العام. ونرى أنّ تجاوز هذه الإشكالية يقتضي إضفاء مزيد من الشفافية على أعمال قطاع الأمن، وجعل السلطة التنفيذية مسؤولة بشكل تضامني عن أعمال الجهاز الأمني.