الاستقرار في العراق و"الحرب على داعش"
تمث ل الحرب على تنظيم الدولة الإس مااية في العراق والشام "داعش" مصلحة أميركية فائقة الأهمية، ذلك أنّ داعش لا يهدد بتكوين مركز كبير للإرهاب والتطرف في منطقة حرجة من الشرق الأوسط قد يمتد ليهدد تدفق صادرات الطاقة والاقتصاد العالمي فحسب، بل إنّ هذه المنطقة قد تصبح مركز ا للإرهاب الدولي. إل ا أنه من المهم أن نفهم أنّ داعش هو أحد أسباب عدم الاستقرار في المنطقة، كما أنه أحد التهديدات الناجمة عن تفشي العنف الطائفي والإثني. يعدّ العراق حالة أساسية بهذا المعنى، إذ أن هزيمة داعش لن تجلب للعراق الأمن والاستقرار أو تمنحه الوحدة والقوة المستقلة الكفيلة بمقاومة الضغط الإيراني والتهديدات القادمة من سورية وتركيا. لا يمكن لأي عمل عسكري أن يؤدي - في إلى إيجاد نظام واقتصاد مستقرين، وأن يخفف إلى حد مقبول التوتر بين السن حد ذاته -ة والشيعة والعرب والأكراد العراقيين. وكما هي الحال في سورية، وليبيا، واليمن كذلك، فإنّ العمل العسكري يجب أن يكون مقرون ا بعمل سياسي واقتصادي وبإيجاد نوع من الحوكمة القابلة للحياة.
القوة العسكرية لا تستطيع تحقيق أمن العراق واستقراره
على السياسة الأميركية أن تفهم أيضًا أنه ما من شيء يمكن أن يكون أكثر إضرارًا أو أقل جدوى، في مجال خدمة المصالح الأميركية في اللحظة الراهنة، من الدخول في جدال حزبي حول مسؤولية الرئيس بوش أو الرئيس أوباما عن "خسارة العراق" بسبب سوء إدارة الجهد العسكري الأميركي.
من المهم أن نتذكر أنّ اتفاقية وضعية القواتSOFA() الأصلية التي وقّعها الرئيس جورج دبليو بوش عام 2008، هي الاتفاقية المبرمة بين الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية العراق حول انسحاب القوات الأميركية من العراق، وتنظيم نشاطاتها أثناء وجودها المؤقت في العراق. وقد نصّت الاتفاقية على أنّ القوات المقاتلة الأميركية ستنسحب من المدن العراقية بحلول 30 حزيران / يونيو 2009، وأنّ جميع هذه القوات ستكون خارج العراق بالكامل بحلول 31 كانون الأول / ديسمبر 2011، وأنّ المقاولين العاملين لحساب القوات الأميركية الذين يبقون في العراق سيخضعون للقانون الجنائي العراقي، ولم تنص الاتفاقية بوضوح على حماية أفراد القوات الأميركية المتهمين بارتكاب "جرائم كبرى متعمدة" خارج أوقات الدوام وخارج قواعدهم. والأهم هو أنّ الاتفاقية لم تتوقع مسبقًا مستوى النشاط الأميركي في مجالات الاستشارة والتدريب والمساعدة الذي سيظل ضروريا لتقديم العون للجيش العراقي والشرطة العراقية بعد الموعد النهائي في 31 كانون الأول / ديسمبر 2011. ولم يكن من الممكن للاتفاقية أن تتوقع الكابوس السياسي الذي تسببت به النتيجة غير المؤكدة لانتخابات 2010، والدرجة التي سيمضي إليها المالكي في سعيه المتزايد إلى تشكيل بنية حكم مستقلة عن الوجود الأميركي، أو المدى الذي سيبلغه في زيادة سلطته وسيطرته على القوات العراقية. ويمكن المجادلة بأنّ إدارة أوباما كان بمقدورها أن تفعل أكثر مما فعلت للضغط من أجل وجود مستمر لقوات أميركية. ومن الواضح أنّ عددًا من كبار الضباط الأميركيين والوزير غيتس قد دعوا إلى بقاء قوة مستمرة، وكان ذلك طبعًا بتأييد من الوزيرة كلينتون. غير أنّ شخصيات بارزة مثل آية الله العظمى [علي السيستاني] وعددًا من القادة السياسيين العراقيين عارضوا هذه الفكرة. ومع ذلك فإنّ دور المالكي وإيران وآخرين في ضمان عدم إمكانية التوصل إلى اتفاق، يستدعي بذل جهد جدي للحصول على سجل كامل بدءًا من عام 2007، فلاحقًا مع أقل قدر ممكن من التصنيف. سيظهر ذلك السجل أنّ الإدارات الأميركية - وكذلك عددًا من الدبلوماسيين الأميركيين الأساسيين الموجودين في المكان - قد ارتكبوا أخطاء جسيمة، ولكنه سيظهر أيضًا أنّ مشكلات العراق نشأت بقدر أكبر على أيدي العراقيين وإيران، وأنه على العراق أن يبدأ بالتعامل مع جميع مشكلاته العسكرية والمدنية الحرجة، إذا أريد لهزيمة داعش أن تكون فاتحة لأي نجاح إستراتيجي ذي مغزى في العراق.
الحاجة إلى حلول مدنية - عسكرية
إنّ أي تحليل للضغوط الكلية على استقرار العراق يجب أن يبدأ بالإقرار بأنّ داعش يمثّل تهديدًا حقيقيًا بأتمّ معنى الكلمة. وفي الوقت نفسه، فإنّ اهتمام الولايات المتحدة وقوى خارجية أخرى يتوقف أحيانًا عند داعش، كما لو أنّ شكلً ما من "النصر" العسكري على داعش سيمكنه القضاء على مجموعة التهديدات الأوسع التي يمثّلها التطرف الإسلامي، وتخفيف التوترات والنزاعات المدنية بين السنّة والشيعة والعلويين، وحل المشكلة الكردية، وإعطاء العراق وسورية الاستقرار الضروري لطمأنة جيرانهما وردعهم في الوقت نفسه. إنّ الوضع المدني - العسكري الأوسع نطاقًا في العراق أقل فظاعة مما هو في سورية. إلّ أنّه من الواضح تمامًا، مع ذلك، أنّ العراق لا يستطيع انتظار مثل هذا "النصر" للتعامل مع مشكلاته الداخلية. وأنّ أي "نصر" كهذا قد يجعل التوترات بين السنّة والشيعة، والعرب والأكراد، أكثر سوءً، حتى إذا تحقق النصر بطرق لا تمنح السنّة العراقيين مستقبلً واضحًا وتجعل من هزيمة داعش عملية تحرير حقيقية تؤدي بدلً من ذلك إلى مزيد من سوء معاملة الشيعة للسنّة، وتكون بداية لصراع على الأراضي حول حجم مناطق السيطرة الكردية وصلاحيات حكومة إقليم كردستان.
كما أنّ العراق لا يستطيع تشكيل قوات أمنية فعالة أو نوع حقيقي من حكم القانون من دون التصدي للانقسامات الطائفية والإثنية التي تمزق البلاد. لن تستطيع أي حملة جوية أميركية، أو مهمة تدريب ومساعدة، أو مجموعة مختلطة من المستشارين القتاليين، تحقيق نجاح دائم إذا ظل العراق منقسمً إلى قوات عسكرية وشرطة يهيمن عليها الشيعة، وميليشيات شيعية، وقوات كردية منفصلة، وخليط ضعيف من القوات القبلية السنّية ينحصر نشاطها في غرب العراق. على إدارتي بوش وأوباما أن تتشاطرا تحمل اللوم عن جزء من العملية السياسية التي قسّمت العراق على أساس خطوط طائفية وإثنية، ما دفع العراقيين إلى مقاومة استمرار وجود محدود لمستشارين أميركيين وقوات أميركية. وقد أدى ذلك إلى تمكين المالكي من تسييس القوات العراقية، وتقسيم البلاد، وإيصالها إلى حالة متدنية المستوى من الحرب الأهلية بحلول عام 2013، وإيجاد الأوضاع التي سمحت لداعش بأن يغزو ويجتاح. ومع ذلك، فإنّ التاريخ الكامل لهذه الحوادث سيظهر أنّ مشكلات العراق قد بدأت منذ وقت طويل قبل الغزو الأميركي، وأنّ دوافعها كانت بفعل الانقسامات العراقية أكثر مما كانت بفعل الأخطاء الأميركية، وأنها على أقل تقدير قد كانت نتاج الأسباب المدنية الكامنة خلف عدم استقرار العراق بقدر ما كانت نتاج أي خطأ أميركي. كما أنّ الاستقرار في العراق ضرورة ملحة لأنه من الواضح بالقدر نفسه أنّ عراقًا يكون أكثر استقرارًا بكثير مما هو عليه الآن، يستطيع الحد من دور إيران، وتشكيل نوع من الحاجز في وجه ما يبدو على الأرجح استمرارًا لعدم الاستقرار في سورية، وإخراج المنطقة الكردية في العراق من دائرة المخاوف التركية بشأن الأكراد، وبناء علاقات مؤاتية مع الدول العربية الأخرى، وإنهاء الصراعات الدائمة على السلطة بخصوص السيطرة على موارده البترولية وعائدات التصدير. ويحتاج العراقيون إلى أن تكون لهم "الهيمنة" على العراق وإلى توحيده بالكامل، إذا أريد للعراق أن يصبح قوة للاستقرار الإقليمي بدلً من أن يكون تهديدًا لذلك الاستقرار. لقد اتضح تمامًا في الأسابيع الأخيرة أنّ التحدي الحقيقي في العراق ليس طرد داعش من الأنبار ونينوى، بل مساعدة العراق على تحقيق نوع من الأمن الأوسع نطاقًا والاستقرار السياسي والاقتصادي. من المؤكد أنّ طرد داعش من المناطق السنّية في غرب العراق ضرورة حيوية، لكن مجرد هزيمة داعش لن يحدث فرقًا، إذا لم يكن ذلك جزءًا من جهد أوسع للتوصل إلى علاقة سياسية واقتصادية مستقرة بين السنّة والشيعة والعرب والأكراد، وتوفير الأمن لهم جميعًا، وإيجاد بنية من الحوكمة يشعر العراقيون جميعًا أنها تخدم اهتماماتهم الأساسية، ووضع العراق على سكة التعافي الاقتصادي الأوسع نطاقًا، ثم السير في اتجاه التنمية الشاملة.
فهم كامل نطاق مشكلات الاستقرار وتاريخه في العراق
إنّ نسيان الماضي يؤدي إلى تحويله إلى مستقبل مستمر، ويبدو أنّ العراقيين والأميركيين لا يرغبون فعلً في أن يفهموا إلى أي حدّ بدأت به مشكلات العراق الأمنية قبل عقد من الغزو الأميركي للعراق ورحيل القوات الأميركية. لم يكن في العراق في أي وقت من الأوقات نوع من الحوكمة ساعده فعلً على استغلال ما يملك من إمكانيات التنمية أو على تلبية احتياجات نموه السكاني المتسارع بعد عام 1950. أعقبت نهاية النظام الملكي الدموية عام 1958 عقود من التقاتل الداخلي السياسي الدموي أيضًا بين فصائل عراقية من السنّة العرب عمومًا، وتحول التركيز إلى الصناعات المملوكة للدولة والتنافس العسكري مع إيران الذي أدى إلى تشويه منهجي للاقتصاد العراقي والحد من قدرات التنمية العراقية على المستوى الوطني. وبينما لا يزال العديد من العراقيين ينكرون مدى التمييز ضد الشيعة الناشطين دينيًا ومدى المشكلات مع أكراد العراق، كانت هذه المسائل عاملً أساسيًا في التطورات التي شهدها العراق خلال المدة من عام 1958 حتى آخر السبعينيات، وفي حرب أهلية مع الأكراد بدأت عام 1961 واستمرت على مستويات مختلفة خلال النصف الأول من السبعينيات. وبلغت هذه الصراعات ذروتها في حملات التطهير القاسية التي شنها صدام حسين على جميع خصومه عام 1979، مع إقامة ديكتاتورية قمعية لا ترحم، تستند إلى قاعدة قوة تتألف من أقلية سنّية عربية، وقد استمرت هذه الديكتاتورية حتى غزو العراق عام 2003 بقيادة الولايات المتحدة. شهد العراق طفرة وجيزة من الثراء عام 1979 إثر سقوط الشاه وما نتج عن ذلك من اضطراب في أسواق النفط العالمية، وقد أهدر معظم هذه الأموال بفعل تشويه إضافي للاقتصاد في استثمارات غير منتجة في القطاع العام. ومع ذلك فقد حاول صدام حسين استغلال الغليان الثوري في إيران لاجتياح مناطق غنية بالنفط في جنوب
غرب إيران وضمها بحجة أنّ سكان تلك المناطق العرب قد طلبوا المساعدة من العراق. بحلول عام 1984 كان الغزو العراقي قد أدى إلى إفلاس العراق تقريبًا وإلى تجنيد إلزامي شامل مع تدهور حاد في نوعية التعليم، وأصبح معظم الخدمات الحكومية العراقية معتمدًا على القروض السعودية والكويتية والمساعدات في صادرات النفط. ودخل العراق مرحلة من التقاتل الداخلي الدائم وأزمة ما تزال مستمرة حتى الآن. لم يشهد العراق أبدًا بعد عام 1980 مرحلة من التعافي الكامل للخدمات الحكومية وقطاع التعليم، وتلاشت خطط طموحة واحدة تلو الأخرى لتتحول إلى ملفات على رفوف الأرشيف كما أصبحت الحوكمة المدنية أقل فاعلية. خلال الفترة من عام 1980 حتى نهاية الحرب العراقية - الإيرانية عام 1988، بدأت فصائل كبرى من أكراد العراق تسعى مجددًا إلى الاستقلال، وشن صدام حسين عام 1986 حملة الأنفال الدموية التي خلفت ضحايا يقدر عددها ما بين 50000 إلى 200000 ضحية. ساندت أعداد لا يستهان بها من الشيعة العراقيين إيران في محاولة لإسقاط صدام، ونمت حركة معارضة شيعية في المناطق الحدودية والعتبات المقدسة في الجنوب، ما أدى إلى قمع لا رحمة فيه لأي قادة دينيين أو سياسيين شيعة بدا أنهم يمثّلون تهديدًا للنظام. أعقبت غزو العراق للكويت عام 1990 هزيمة كارثية للعراق إضافة إلى ثورات جديدة كبرى من جانب الأكراد والشيعة. كانت الثورات الشيعية في بداية الأمر مصاحبة لاحتجاجات سنّية، ولكنها أنشأت لاحقًا علاقات مهمة مع الشيعة في إيران وأخمدت بسرعة في الجنوب، وتبع ذلك المزيد من قمع أي تحد شيعي للنظام حتى عام 2003 وإعدام عدة قادة دينيين بارزين. مهّد تاريخ طويل من التوتر المتنامي بين السنّة والشيعة، بين أول الثمانينيات وعام 2003، السبيل أمام إنشاء حركات شيعية في المنفى وإقامة علاقات مع إيران، وكذلك سعي الشيعة إلى الهيمنة على الحكم في العراق بعد الغزو الأميركي من أجل الأخذ بالثأر وضمان الإمساك الدائم بزمام السلطة من خلال تدابير مثل التخلص من البعثيين في الجيش العراقي وحله، وكذلك إقامة سيطرة شيعية على المؤسسات الأمنية وبنية الحكم التي كانت الأقلية السنّية تسيطر عليها في الماضي. كانت النتيجة مختلفة في الشمال، حيث قادت الولايات المتحدة مجهودًا أدى إلى إنشاء منطقة أمنية كردية أثناء الفترة من 2003 إلى 2005، ومهد السبيل أمام تأسيس حكومة إقليمية كردية على الرغم من التقاتل الداخلي بين الفصيلين الكرديين الرئيسين - الحزب الديمقراطي الكردي وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني - ونشوب حرب أهلية بينهما أثناء أواسط التسعينيات استمرت حتى عام 1997. وكانت النتيجة إنشاء منطقة كردية يسودها عدم الاستقرار والفساد، أصبحت فيما بعد حكومة إقليم كردستان التي تمكنت من السيطرة على أجزاء كبيرة من الأراضي المتنازع عليها بعد الغزو الأميركي عام 2003، إضافة إلى مزيد من الأراضي في نينوى وكركوك أثناء القتال ضد داعش عام.2014
غزت الولايات المتحدة العراق وأطاحت صدام عام 2003، وكان المفترض أنّ العراق لم يكن بحاجة إلى الولايات المتحدة في التخطيط لعمليات تحقيق الاستقرار وإعادة تأطير الحكومة والقوات الأمنية العراقية، وأنّ الوحدات القتالية الأميركية يمكن أن تبدأ بالانسحاب بعد 90 يومًا من سقوط صدام حسين. لكنّ مزيجًا من هذا القصور في التخطيط والصعود المفاجئ إلى السلطة لقادة شيعة منقسمين بعمق وغير مجربين، مع اقتران ذلك بعلاقة خرقاء وغير مستقرة مع حكومة إقليم كردستان، ساعد على منع العراق من تطوير أي صورة من الاستقرار، وأطلق شرارة حرب أهلية بين الشيعة والسنّة استمرت من 2004 إلى 2010، ثم أعادت أعمال المالكي إحياءها خلال الفترة من 2011 إلى.2013 أدى سعي صدام حسين الرامي إلى تقوية سلطته، وإخفاء حقيقة التدمير المتزايد لما تبقى لديه من أسلحة دمار شامل وبرامج صاروخية، إلى تشويه نمو العراق وعرقلته على نحو حاد خلال المدة من 1991 إلى 2003. وتبنّى مجلس الأمن الدولي القرار رقم 661 الذي أدى إلى فرض عقوبات كبيرة قبل جولة القتال عام 1991، وعقوبات أشد من التي سبقتها بعد جولة القتال عام 1991 بصفته جزءًا من القرار رقم 687 الذي دعا إلى القضاء على قدرة العراق على إنتاج أسلحة الدمار الشامل واستخدامها.
كان لهذه العقوبات تأثير طال كافة النواحي التجارية والمالية باستثناء الأدوية وعدد من المواد الغذائية. وقد فرضت أولً قيودًا على صادرات العراق من النفط، ثم أدّت إلى فرض رقابة الأمم المتحدة على إيرادات الصادرات النفطية التي تمكن صدام من التلاعب بها - وذلك جزئيًا بسبب فساد أحد كبار المسؤولين الإداريين التابعين للأمم المتحدة. أدّت العقوبات إلى الحد بصفة كبيرة من كافة عمليات الاستثمار والتنمية، إلى جانب فرض نظام حصص غذائية، وتقييد محاولات العراق لزيادة ناتجه الزراعي، ما زاد من أعاقة تنمية العراق. بعد المركزية المبالغ فيها والتسلطية المفرطة اللتين فرضهما صدام حسين حتى عام 2003، أعقب مسلسل من الانتخابات، والأزمات السياسية، وخطط غير مكتملة الصوغ والتطبيق، فشلت في إنتاج حوكمة أو تنمية مستقرة، وبددت معظم ما تبقى من مساعدات خارجية لم تستهلكها الحرب، وثبت فشلها في إيجاد أي حل سياسي ل ورررة استيعاب السنّة في بنية الحكم العراقية الجديدة، أو للانقسامات بين العرب والأكراد، أو للتوصل إلى تخصيص فاعل لدخل العراق من صادرات النفط. لم تكن الخطط والمشاريع المتعلقة بالاقتصاد والميزانية والمساعدات والقطاع البترولي تؤدي في غالب الأحيان إلى أكثر من مزيد تشويه اقتصاد العراق. كما أنّ المساعي الرامية إلى محاربة الفساد لم تسفر عن أكثر من معاقبة عدد قليل من "أكباش الفداء"، بينما تشكّلت حكومة أصبحت واحدة من أكثر الحكومات فسادًا في العالم. وإن يكن الجهد الرامي إلى محاربة الفساد قد أسفر عن شيء، فقد أدى إلى إيجاد بيروقراطية عراقية تخاف اتخاذ أي إجراء في ظل التعديلات الوزارية المستمرة، كما تحد بنيتها من قدرتها على العمل. كان هذا الوضع والقتال المستمر يمنعان التعافي الفعال، والإصلاح، وتنمية العناصر الأساسية من الاقتصاد العراقي، بما في ذلك الخدمات الأساسية مثل الكهرباء وتطوير قطاع النفط العراقي وزيادة إيراداته من التصدير.
الإصلاح الفعال يتطلب وقت ا ومواجهة تحديات كبرى
لا يتطرق الجهد الإصلاحي الجديد الذي تبذله حكومة العبادي سوى إلى أعراض معظم هذه المشكلات. تزايدت لأسباب عدة، خلال شهري تموز / يوليو وآب / أغسطس، الضغوطات على الحكومة المركزية والوحدة الوطنية العراقية. وكان أحد المسببات الرئيسة درجات الحرارة التي بلغت 120 درجة (سلزيوس) من دون وجود توليد مركزي للطاقة الكهربائية، على الرغم من الوعود طوال سنوات. ليس العراقيون محصنين إزاء الحر أكثر من الأميركيين، وقد دفع هذا العبء المضاف إلى الأعباء الأخرى التي يواجهها العراقيون حاليًا، بالعديد إلى أبعد من حد الاحتمال. واجهت الحكومة تظاهرات شعبية متنامية، تسببت فيها جزئيًا موجة حر وإخفاق على مدى عقد من الزمن في توليد ما يكفي من الطاقة الكهربائية. وهي مشكلة يعتقد الكثيرون أنّ اللوم فيها يقع على الفساد وانعدام الكفاءة. أدى انتشار الاحتجاجات ضد الحكومة ودعوة "آية الله العظمى" إلى محاربة الفساد "بقبضة من حديد" إلى استقالة بهاء الأعرجي، نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة، من بين تغييرات أخرى أجراها رئيس الوزراء حيدر العبادي بوصفها جزءًا من حزمة إصلاحات شاملة أعلنت في آب / أغسطس .2015 لا توجد تقديرات موثوقة للكهرباء التي يستطيع العراق حاليًا توليدها وتوزيعها على أساس مستدام وفعال. لكن، لوضع هذا الأمر في منظوره الصحيح، فقد كانت طاقة العراق حوالى 300،4 ميغاواط زمن صدام حسين، وقد أدى رفع الرقابة على الواردات والفشل في تطبيق خطط تنموية منذ 2003 فصاعدًا إلى زيادة كبيرة في الطلب. ويحتاج العراق الآن، وفق تقديرات وزير الكهرباء العراقي قاسم الفهداوي، إلى 000،30 ميغاواط. ومع ذلك، فإنّ النطاق الكامل لأسباب هذه الجولة من الاحتجاجات هو التأثير التراكمي لخليط أوسع بكثير من المشكلات، يعود بعضها إلى الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة بعد عام 2003، لكنّ الكثير منها يعود إلى الخليط الكامل من المشكلات الأمنية والاقتصادية ومشكلات الحوكمة التي تقدم وصفها، والتي نشأت أثناء زمن صدام حسين وقبل ذلك بعدة عقود من الزمن. كانت هذه المشكلات تتضمن التوترات الإثنية والطائفية، وعدم وجود طابع مؤكد وفاعلية لمختلف قوات العراق الأمنية، والمصاعب الاقتصادية المتزايدة على مدى سنوات، والقدر الكبير من عدم الكفاءة الحكومية والفساد في كل ناحية تقريبًا من نواحي النشاط الحكومي. من الصعب وضع العديد من هذه الضغوط ضمن أي منظور كمي مهما كان نوعه، وذلك بسبب عدم وجود تقديرات موثوقة للبيانات العراقية الرئيسة بشأن السكان، والناتج المحلي الخام، والاستثمار، والفقر، والبطالة، ذلك أنّ مصادر كثيرة تبني استنتاجات على أساس بيانات ماضية وتتجاهل تأثير الحرب. ومع ذلك، فإنّ عددًا من المشكلات والتوجهات الرئيسة يظل شديد الوضوح.
القوى السياسية والطائفية والخارجية
بنية سلطة سياسية تقودها قوائم وطنية، بدلً من تمثيل مباشر، ووساطات على أعلى مستويات السلطة تعكس الصراعات الطائفية والإثنية بين السنّة والشيعة والعرب والأكراد. تدخّل إيراني على المستويات السياسية والأمنية كافة في المناطق الشيعية والكردية، مع دعم ونشاط بحد أدنى من جانب الدول العربية المجاورة، مقرونًا بخليط غير واضح من الدعم التركي لحكومة إقليم كردستان، وعلاقات تركية سيئة مع الحكومة المركزية وتركيز تركي على الأسد وسورية. الحاجة إلى تمويل الكثير من خليط متزايد من القوى في القتال ضد داعش، من أجل توفير الأمن المحلي، وإنشاء قوات ميليشيا شيعية وكردية وسنّية. تجدد التوترات الحادة بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان KRG()، وذلك جزئيًا بسبب انهيار اتفاق بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان كان يفترض بموجبه إعطاؤها %17 من إيرادات الصادرات النفطية العراقية، وأيضًا بسبب التوترات السياسية المتزايدة داخل حكومة إقليم كردستان، والنزاعات حول تخصيص باقي إيرادات الصادرات النفطية للأجزاء الشيعية من العراق. تواجه حكومة إقليم كردستان مشكلات في تصدير النفط مباشرة عبر تركيا، كما تمّ تخريب أنبوب النفط القادم من حقول النفط في كركوك. لكن حكومة إقليم كردستان تقول إنها قد صدّرت 16019090 برميلً من النفط الخام، أو ما يبلغ في المتوسط 616745 برميلً في اليوم عبر شبكة أنابيب كردستان إلى ميناء سيهان التركي في تموز/ يوليو .2015 الجهد الذي بذله المالكي لاستغلال هذه المشكلات والعودة إلى السلطة بطرق كان يركز بموجبها على روابطه مع الشيعة، مفاقمً حقيقة أنّ الميليشيات الشيعية المختلفة تصبح قوة سياسية وعسكرية متزايدة، وتشمل فصائل تحبذ بوضوح مصالح العرب الشيعة و/أو الروابط مع إيران.
الطابع السياسي للقوات الأمنية
توترات بين البشمركة الكردية وقوات الحكومة العراقية والميليشيات الشيعية، ومشكلات ناشئة عن استيلاء البشمركة على مناطق غير كردية ومتنازع عليها أثناء القتال ضد داعش، بما في ذلك كركوك وحقول النفط المحيطة بها، وانهيار وقف إطلاق النار بين تركيا وحزب العمال الكردي وقيام تركيا بقصف مناطق حزب العمال الكردي في العراق. تزايد القلق العراقي والعربي بسبب محاباة الجهد الأميركي في التدريب والدعم الأكراد. تتفاعل هذه المشكلات مع حقيقة أنّ العراق لم يحقق إلّ نجاحًا محدودًا في تجنيد قوات سنّية، ولم يتمكن من إقرار قانون الحرس الوطني الذي أيدته الولايات المتحدة بقوة، والذي كان سيوجد قوات حرس وطني إقليمية تتألف من عناصر سنّية وكردية قوية مرتبطة بالحكومة المركزية. في الوقت نفسه، ما يزال من غير الواضح كيف سيمكن إعادة بناء العديد من عناصر القوات المسلحة التابعة للحكومة المركزية العراقية لكي تعمل بوصفها قوات وطنية حقيقية، ولا تصبح قوات من الشيعة العرب منغمسة في أزمة طائفية أو إثنية، أو تكون خاضعة لنفوذ إيراني مؤثر. تقوم شخصيات مثل قاسم سليمان، قائد فيلق القدس الإيراني، وغيره من مستشاري الحرس الثوري الإيراني، بدور مهم في عدد من وحدات الحكومة العراقية وعناصر الميليشيا. أنشأ العراق قوات متزايدة من الميليشيات الشيعية نتيجة للدعوة التي أطلقها المرجع الديني الأعلى "آية الله العظمى" لمساعدة الحكومة في القتال ضد داعش. وبينما انضم الكثيرون من الشيعة إلى وحدات التعبئة الشعبية الجديدة التي تساند الحكومة عمومًا، فقد أسس البعض منهم هويته السياسية الخاصة أو أظهر قليلً من الاكتراث بالسكان السنّة في المناطق التي يقاتل فيها أو بالحاجة إلى التعافي السنّي في المناطق التي يحررها. يتواصل نمو المزيد من الميليشيات المستقلة، وقد هدد مقتدى الصدر بإعادة بناء ميليشيته الخاصة. وشكلت أحزاب سياسية البعض من هذه الميليشيات، أو هي كانت أص الجناح العسكري لتلك الأحزاب، وهي تشمل سرايا عاشوراء التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى في العراق، وسرايا السلام التابعة للحركة الصدرية، وقوات بدر التابعة لمنظمة بدر. لهذه المجموعات جذور سياسية وهي تتبع مراجع دينية مختلفة.
هنالك ميليشيات أخرى أكثر راديكالية، وجدت في العراق منذ سنوات، قاتلت الولايات المتحدة في الماضي كما قاتلت أيضًا في سورية مؤخّرًا. تشمل هذه الميليشيات عصائب الحق، وسرايا حزب الله، ولواء أبو الفضل العباس، وسرايا الخرساني وغيرها. لهذه الفصائل أهدافها السياسية الخاصة، وقد ترشح البعض من قادتها في انتخابات 2014، وما زال عدد منها يعادي الولايات المتحدة. هدد قائد حركة نجابى المتشددة بشن هجمات على القوات الأميركية في العراق، كما قال قيس الخزعلي- قائد عصائب الحق - إنّ الولايات المتحدة موجودة في العراق من أجل مصالحها فقط ولا يمكن الوثوق بها. تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 3 ملايين عراقي على الأقل قد هُجِّروا داخل العراق في إطار القتال الذي دار مؤخّرًا، وأنهم فقدوا بيوتهم وأعمالهم التجارية أو وظائفهم، أو مصادر التعليم الآمنة، أو الخدمات الطبية، وأنهم أحيانًا لا يملكون الطعام. يتألف هؤلاء أساسًا من السنّة، وتخفي هذه الأعداد الحقيقة المشمولة لأنّ السنّة العراقيين يواجهون مشكلات كبيرة في الانتقال إلى المناطق الشيعية والكردية وفي التنافس على الخدمات مع اللاجئين السوريين، إذا استطاعوا مغادرة العراق. على نحو أوسع، لا يمكن للنصر العسكري أن يجلب الاستقرار للمناطق المحررة من دون قوات شرطة فعالة ومن دون حكم القانون. فلم يكن الجهد الأميركي لإصلاح الشرطة العراقية والنظام القضائي العراقي أبدًا متكاملً مع المشكلات القائمة، قبل أن ينتهي فعليًا مع انسحاب القوات الأميركية عام 2011، وتحويل برنامج تطوير الشرطة إلى وزارة الخارجية الأميركية التي لم تتمكن من إدارته أو تزويده بالعاملين.
المشكلات الاقتصادية المتزايدة باستمرار بسبب إيرادات الصادرات النفطية المحدودة
يواجه العراق تحديات حرجة بسبب تعاظم النمو السكاني. لا توجد أعداد موثوقة، لكن مكتب الإحصاء الأميركي يبدو مصيبًا تقريبًا في تقديره القائل إنّ سكان العراق قد ازدادوا من 16،5 مليون نسمة فقط عام 1950 إلى 23،13 مليون عام 1980 حين بدأت الحرب العراقية - الإيرانية، وإلى 14،18 مليون عام 1990 عندما غزا صدام الكويت، وكان هذا العدد 67،29 عام 2010 عندما كانت الولايات المتحدة تنهي وجدها على مراحل. حتى إذا افترضنا أنّ نسبة المواليد ستتدنى، فإنه يقدر لهذا الضغط السكاني أن يستمر لعدة عقود قادمة على الأقل وأن يصل عدد السكان إلى 46،50 مليونًا عام.2040 أدى هذا إلى إيجاد عدد كبير جدًّا من صغار السن بين أوساط السكان، وأعداد كبيرة من الشبان والشابات الباحثين بيأس عن مهن ووظائف وسكن وتكوين أسرة. تشير تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية CIA() إلى واقع خارج عن المألوف، هو أنّ 7،%36 من سكان العراق تتراوح أعمارهم بين الصفر و 14 سنة، وأنّ أعمار 6،%19 تراوح بين 15 و 24 سنة، وأنّ نحو %70 من العراقيين هم من سكان المدن. سيكون اقتصاد العراق وسياساته وتوتراته الاجتماعية تحت وطأة ضغط سكاني حاد طوال عقدين آخرين على الأقل. وضع العراق بصفته دولة نفطية - أو ما يدعى أحيانا المرض الهولندي أو النفطي - كان قليل التأثير في إعداده للتعامل مع هذا النمو السكاني، أو في الطرق العديدة التي اجتمعت بها الحروب، والقمع، والنزاعات المدنية، والأيدولوجية السابقة، لتشلّ نموّه. يشمل هذا أكثر من 35 سنة من الضغط المتواصل وقد ترك، كما في أفغانستان، إرثًا يؤثر في كلّ مظهر من مظاهر الحياة العراقية. اقترن تأثير الحرب الحالية بالمشكلات المتزايدة الناجمة عن تأثير التدني الكبير في إيرادات النفط. كانت الإيرادات في عام 2014 أقل بنسبة %11 مما توقعته الحكومة أصلً، وذلك على الرغم من ازدياد الحجم الإجمالي للصادرات النفطية. وتوقعت التقديرات العراقية الرسمية في نيسان / أبريل 2015 عجزًا ب 22 مليار دولار على الأقل في ميزانية 2015 البالغة 105 مليارات دولار. ثروة العراق النفطية محدودة أيضًا في أفضل الأحوال. وقد أشارت تقديرات وكالة معلومات الطاقة الأميركية، حتى في عام 2014، أنّ دخل الفرد السنوي من النفط بالنسبة إلى العراق كان 682،2 دولار فقط، مقابل 362،25 دولارًا للكويت، و 012،36 دولارًا لقطر، و 900،7 دولارات للسعودية، و 435،9 دولارات للإمارات العربية المتحدة. في الوقت نفسه، فإنّ هذه الأرقام هي بمنزلة إنذار لمقدار محدودية ثروة العراق الاقتصادية الكلية في حقيقة الأمر.
تقديرات حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في العراق غير مؤكدة في أفضل الأحوال، لكن وكالة الاستخبارات المركزية تقول إنها تبلغ 400،14 دولارًا. وفي المقابل، تبلغ هذه الحصة 400،143 دولارًا بالنسبة لقطر، و 000،71 دولارًا للكويت، و 500،64 دولارًا للإمارات العربية المتحدة، و 500،52 دولارًا للملكة العربية السعودية. إيران - ب 10،17 دولارًا - هي الدولة النفطية الخليجية الوحيدة التي يقارب دخل الفرد فيها دخل الفرد في العراق، كما أنّ إيران أيضًا، بعد سنوات من العقوبات الدولية التي شلّت اقتصادها، لم يعد بالإمكان القول عنها إنّها دولة غنية. لتدني إيرادات النفط أهمية حرجة في اقتصاد لا يبذل سوى حد أدنى من الجهد لتحصيل الإيرادات الضريبية، وتصنّفه وكالة الاستخبارات المركزية على أنه يتلقى %90 من دخله الحكومي و%80 من دخله من الصادرات من قطاع النفط. وهو قطاع يُعدّ من أكثر القطاعات في البلاد تدنّيًا من حيث نسبة التوظيف الضروري المتعلق برأس المال والاعتماد على المعدات والتكنولوجيا المصنعة محليًّا. تأثير "المرض النفطي" تُفاقمه حقيقة أنّ تخصيص الحصص الرئيسة من دخل العراق الوطني ليس مدفوعًا بقوى السوق، وأنّ الحكومة العراقية لا تستطيع عمل تخصيص فعّال لأموال الصادرات النفطية التي تستلمها. كما أنّ الوزارات الرئيسة لا تخصص مبالغ كبيرة. هنالك فشل دخلي واسع النطاق في السيطرة على الهدر والفساد في قطاع النفط، وفي مختلف الهيئات الحكومية التي تتلقى مداخيل نفطية على المستويات الحكومية من مركزية إلى محلية.
مشكلات أوسع نطاق ا في الحوكمة
بعض السياسيين، داخل أغنى المحافظات أو الأقاليم المصدرة للنفط في الجنوب، يحبذون نوعًا من الاستقلالية السياسية المتزايدة أو "الفيدرالية" التي تسمح لهم بأن يحتفظوا بالمزيد من ثرواتهم النفطية. تراكم ثابت لتأثير الحروب والأزمات في تقليص التوظيف المباشر والمستتر، ونقص حاد في وظائف ملائمة للشبان والشابات، وتدهور نوعية التعليم. يستمر انخفاض الاستثمار والنشاط الاقتصادي خارج قطاع النفط بسبب الحرب والأزمة، ما يؤدي إلى تقليص الناتج المحلي الخام عمومًا وحصة الفرد من الناتج المحلي الخام. عدم وجود إنصاف كبير في مستوى الدخل وتوزيعه في محافظات أو أقاليم معينة. تتفاعل مشكلات العراق الاقتصادية مع أزمة بنيوية زراعية طويلة الأمد، وصناعات حكومية غير منتجة وغير ذات كفاءة، ومتخمة بأعداد فائضة من العاملين، تفاقمها وظائف حكومية مفرطة العدد وفاسدة. كانت قيمة الدينار غير ثابتة بالنسبة إلى الدولار. ازداد باستمرار عدم المساواة في توزيع الدخل على نطاق واسع، وعانى القطاع المصرفي من مشكلات متزايدة وقلّص عدد من البنوك المدفوعات بصفة حادة. ما زال العراق يتعامل مع مستوى من الفساد أكثر اتساعًا وقائم منذ مدة أطول بكثير، وفق تصنيف البنك الدولي ومنظمة الشفافية العالمية التي تصنف العراق في المرتبة 170 من بين الدول ال 175 الأكثر فسادًا في تصنيفها المسمى مؤشر ملاحظات الفساد).Corruption Perceptions Index(
تصريحات العبادي الإصلاحية
بذل رئيس الوزراء حيدر العبادي جهدًا جديدًا كبيرًا من أجل التصدي لعدد من هذه المشكلات، وذلك بإصدار برنامج إصلاح من سبع نقاط في التاسع من آب / أغسطس، وقد كان مصيبًا في التركيز على الناحية التي يستطيع فيها إحداث أكبر تأثير على المدى القريب، وعمل أكثر ما يمكن لتهدئة احتجاجات الجماهير.
كان العبادي متمتعًا بدعم آية الله السيستاني، وقد نسّق مقترحاته مع أبرز شخصية سياسية سنّية في الحكومة العراقية الحالية: رئيس مجلس النواب سالم الجبوري. كانت النتيجة النهائية موافقة البرلمان العراقي في 11 آب / أغسطس 2015 بالإجماع تقريبًا على الإصلاحات، وذلك من دون نقاش تقريبًا. إلّ أنّه يتعيّ على المرء، مع ذلك، أن يكون شديد الحذر بخصوص البرنامج الناتج عن ذلك، لأنّ العراق لم يسبق له أبدًا في الماضي أن تمكن من تحويل الأهداف الواسعة إلى عمل فعلي، وقد اتسم الفحوى الفعلي لبرنامج حزمة إصلاحات العبادي بتركيز كبير على السياسة. وتضمنّت إحدى الخطوات الرئيسة الدعوة إلى التخلص من نواب الرئيس الثلاثة إضافة إلى نائب رئيس وزراء فاسد هو بهاء الجبوري. كان من بين نواب الرئيس رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وهو شخصية تقسيمية جائعة إلى السلطة كانت قد أوصلت العراق مجددًا إلى حافة الحرب الأهلية في عام 2013، وشلّت قواته الأمنية، وجعلت السنّة العراقيين في موقف ضعيف في وجه غزوات داعش. لكنّ هذه الخطوة شملت أيضًا إياد علاوي، وهو شيعي كانت كتلته تحظى بتأييد سنّي كبير وفازت بمعظم المقاعد في الانتخابات الوطنية عام 2010، والزعيم العربي السنّي البارز أسامة النجيفي. إضافة إلى ذلك، دعا البرنامج إلى إنهاء المحاصصة الإثنية والطائفية والحزبية. ستكون هذه الخطوة، مثل العديد من الخطوات التي تضمنها البرنامج، مفيدة إذا أدت إلى نوع من التطبيق يحقق الوحدة الطائفية والإثنية. إلّ أنّ جهدًا من دون مهلة زمنية محددة قد يؤدي ببساطة إلى تحول ميزان المال والنفوذ، وقد يزيد في الواقع محاباة الشيعة والفساد. أمّا تقليص التوظيف الحكومي فهو من جهة مهم في اقتصاد نام، ولكنه من جهة أخرى أمر مغاير تمامًا إذا أدى إلى مزيد من البطالة والاستياء. كما أنّ العديد من اقتراحات العبادي عبارة عن تأكيد نيات عامة لا يتضمن أي نمط عمل واضح. وقد سعى بدلً من ذلك إلى تقديم برنامج واسع للبرلمان قال إنه "رزمة التدابير الأولى على درب الإصلاح الذي نسعى إليه، والحرب على الفساد. ومع إقرار هذه المجموعة من الإصلاحات، فإننا سنتخذ التدابير اللازمة لتنفيذها." لا يتطرق العبادي، في مبادرته الإصلاحية، إلى معظم التحديات التي سبق لنا ذكرها، كما أنه لا يتناول القتال ضد داعش، وموضوع القوى الأمنية، أو أيًّا من مظاهر الانقسامات الطائفية والإثنية في العراق باستثناء إقالة عدد من المسؤولين الكبار، والقول إنه سينهي العمل بنظام المحاصصة. كان الجهد الرامي إلى تقليل الامتيازات المفرطة التي يتمتع بها المسؤولون الحكوميون محددًا بعبارات أوضح من باقي المسائل، ولكنه لا يتضمن خططًا واضحة لوضعه موضع التنفيذ. يتضمن برنامج الإصلاح المالي عدة أهداف جيدة، لكن من دون تحديد التفاصيل. جاء برنامج الإصلاح الاقتصادي محددًا بموجب عدد قليل من الخطوات لتلبية الاحتياجات الآنية، ولا يتضمن أي أهداف أو أولويات واضحة. أمّا الجزء المتعلق بالخدمات فلا يرقى سوى إلى ما هو أكثر بقليل من وعد مبهم متسم بنيات حسنة، مثل الجزء المتعلق بالفساد. وباختصار، فإنها بداية قد تكون جيدة في عدد من النواحي - إذا طبقت بصفة فعالة ومنصفة -لكنها تكاد لا ترقى سوى إلى خطة العمل الضرورية للتعامل مع معظم مشكلات العراق الأساسية. كما أنه ليس من الواضح أنّ رئيس الوزراء العبادي سيحصل على الدعم الذي يحتاج إليه لإحراز تقدم، حتى في النواحي التي أوردها في خطته مع ذكر تفاصيل فعلية. قد تكون خطة الإصلاح مناسبة لصيف الاستياء العراقي، لكنها لن تمكّن الحكومة من عبور فصل الشتاء. كما أنّ العراق يحتاج بالتأكيد إلى مساعدة كبيرة وعون في التخطيط للتصدي لمجموعة المسائل الأوسع نطاقًا التي ستشكّل مستقبله بغض النظر عن مستقبل داعش. ومن الناحية العملية، فإنّ العراق لا يستطيع، من دون إصلاح أوسع نطاقًا بكثير، أن يلحق هزيمة حقيقية بداعش وبالتهديد الإسلاموي في الغرب، أو يوجد علاقة عمل دائمة بين الشيعة والسنّة أو بين العرب والأكراد، أو يتعامل مع الانقسام داخل كل طائفة ومجموعة إثنية، أو يتعامل مع الحاجة إلى تلبية احتياجات شعبه الأوسع نطاقًا. لا تستطيع الولايات المتحدة والقوى الخارجية الأخرى أن تأمل بتحقيق المستوى من الاستقرار والأمن الذي يحتاجه العراق، من دون القيام بأكثر بكثير من مجرد توفير قوة جوية وتدريب القوات ومساعدتها، ومن دون مساعدة العراق على التصدي لهذا النطاق الأوسع من المسائل.
التعامل مع مشكلة السنة والأكراد في العراق: تأثير داعش المحدود في العراق
من المهم أيضًا إبقاء التأثير الحقيقي للقتال ضد داعش ضمن المنظور الأوسع للتحديات التي يواجهها العراق في التعامل مع السنّة والأكراد
العراقيين. لا ترقى هزيمة داعش إلى أي صيغة عملية من "الفيدرالية" في التعامل مع هذه المشكلات، كما أنّ التحدث عن الانفصال بعبارات مرسلة أسهل بكثير من التعامل مع حقيقة أي تصرف من هذا القبيل. إنّ أهم مشكلات العراق ليست داعش، بل إنّها إيجاد قاعدة يمكن العمل على أساسها للتوصل إلى وحدة طائفية وإثنية. لا توجد، كما تظهر ذلك عقود من المحاولات الماضية، أجوبة سريعة وسهلة عن هذه المشكلات. يمكن لهزيمة داعش أن تكون عاملً مساعدًا، إذا تمكنت الحكومة العراقية المركزية فعلً من تنفيذ قانون الحرس الوطني، وإنشاء قوات أمنية سنّية وكردية تبني درجة جديدة من الثقة. لا يحتل داعش جزءًا كبيرًا من المحافظتين الغربيتين البالغتين الأهمية في العراق: الأنبار ونينوى. وهو يحتل أكبر مدينتين في الأنبار، الرمادي والفلوجة، وثاني أكبر مدن العراق، الموصل، في نينوى. كما أنّ الأنبار ونينوى محافظتان سنّيتان في الغالب، تكتسب روابطهما مع الحكومة المركزية أهمية حيوية، إذا كان للعراق أن ينعم يومًا بدرجة كافية من الأمن والاستقرار والتنمية بمحاذاة حدوده الغربية مع سورية، وتركيا، وجيرانه العرب في الجنوب، مع إيجاد توازن ثابت بين إيران الشيعية والدول العربية السنّية.
إلّ أنّه من المهم مع ذلك وضع دور داعش في تشكيل مستقبل العراق ضمن المنظور الصحيح، فالخرائط التي تظهر احتلال داعش مناطق شاسعة ليست أكثر من هراء بياني، فالأنبار في معظمها صحراء غير مسكونة باستثناء الجزء الشمالي الشرقي بمحا ذاة نهر الفرات، وقد عانت في الماضي من جفاف خطير ومشكلات مناخية. كما كانت الأنبار، وفق استطلاعات الأمم المتحدة وجهات أخرى، تعاني من مشكلات بطالة حادة قبل قيام داعش بغزو العراق، كما كانت مسرحًا لعدد من أسوأ الانتهاكات التي ارتكبتها الحكومة العراقية في استخدام قواتها الأمنية لقمع احتجاجات سلمية ومحاولة فرض سيطرة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي على البلاد. وبالعودة إلى التقرير السنوي في مطلع عام 2011 الصادر عن "وحدة المعلومات والتحليل المشتركة بين الوكالات" التابعة للأمم المتحدة، فإنّ مجموع سكان الأنبار كان حوالى 4،1 مليون نسمة فقط، وكان عدد كبير منهم في الشرق وعلى ارتباط غير وثيق مع بغداد. كان في نينوى مركز حضري حديث هو الموصل، ولكنها كانت أيضًا مصدرًا للعنف الطائفي، كما كانت مناطقها الزراعية تشهد تراجعًا منذ وقت طويل قبل قيام داعش باحتلال جزء كبير من هذه المحافظة. كانت مناطق نينوى الريفية فقيرة عمومًا وكانت معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة متدنية بصفة استثنائية خارج المناطق الحضرية. وكانت حدودها الإثنية مع إقليم كردستان موضع نزاع وقد وصل الأمر في عدة حالات إلى حوادث مسلحة قبل أن يجتاحها داعش. وكان عدد سكان نينوى نحو 8،2 مليون نسمة في آخر عام 2011، طبقًا لتقديرات الأمم المتحدة. لا توجد تقديرات موثوقة للسكان وللتأثيرات الاقتصادية الناجمة عن الحوادث والقتال الذي تسببت به محاولات المالكي القمعية خلال الفترة من 2011 إلى 2013، أو لما تسبب به داعش بعد أن ادعى إنشاء خلافة إسلامية. إلّ أنّه يبدو من المرجح، مع ذلك، أنّ التأثير الناجم عن الدخل المحلي الخام قد كان إنقاص دخل المحافظة بحوالى %50 على الأقل، وأنّ الكثيرين من المهجرين العراقيين داخل البلاد البالغ عددهم ثلاثة ملايين شخص، وكذلك من اللاجئين العراقيين، ينحدرون من محافظتي الأنبار ونينوى. ويبدو من المرجح أيضًا أنّ عدد المهجرين داخل البلاد كان سيكون أعلى بكثير، لو كان السنّة موضع ترحيب في بغداد التي تصبح شيعية وخاضعة للفصل الطائفي بصفة متزايدة أو في أجزاء البلاد ذات الكثافة السكانية الأعلى. كما يبدو من المرجح أيضًا أنّ أفراد الطبقة الوسطى والمتعلمين وسكان المدن من السنّة هم أكثر من عانى من تأثير تركة المالكي وداعش. كما أنّ نسبة البطالة والتشغيل الجزئي والناقص للعمالة underemployment() أكثر من التقديرات الصادرة في عام 2011 التي تضعها عند %30 إلى %40، وأنّ التدهور في نظام التعليم يدخل عامه الثالث على أقل تقدير وسيكون له تأثير طويل الأمد في المكون السنّي من السكان.
الأمر الأقل وضوحًا بكثير هو مستوى الحوكمة والنشاط الاقتصادي الذي استطاع داعش المحافظة عليه، ومقدار الإيرادات الحكومية التي تدفقت فعلً إلى إي من المحافظتين، وأبقت بعض عناصر الحوكمة تؤدي وظائفها، وكيف تغيرت بنية اقتصاد المناطق "المحتلة"، وكيف يجب أن تكون عملية التعافي من حيث الاستثمار، والإنفاق الفوري العاجل والنشاط، وإيجاد مزيج من التوظيف والخدمات لتحقيق الاستقرار في المناطق التي أرغمت داعش على مغادرتها. قد يبدو الجواب إمكانية وجود خطط لعمليات عسكرية في المستقبل، إلّ أنّه لا توجد خطط ذات مغزى لمرحلة الصمود والبناء، والأيام التي تلي أي نجاح عسكري كبير.
داعش وحقائق التقسيم الطائفي وآفاق الفيدرالية
من المهم في الوقت نفسه أن نفهم أنّ العراق لا يستطيع حل مشكلاته الطائفية من خلال التركيز على الأنبار ونينوى أو المناطق التي تسيطر عليها داعش حاليًا، وأنّ المعطيات الديمغرافية الحالية في العراق تعني عدم وجود مقاربة واضحة لل "فيدرالية" أو لتقسيم العراق إلى مناطق سنّية وشيعية، من دون أن يستتبع ذلك عملية هائلة الحجم وغير ممكنة عمليًا لإعادة إسكان المتأثرين بذلك. إنّ التحدي الذي تواجهه الحكومة العراقية ليس ببساطة استرداد غرب العراق أو "تحريره"، بل إيجاد طريقة لإنهاء الفصل الطائفي والتقسيم في البلاد. من غير المرجح أن يكون مجموع السكان في المحافظتين معًا أكثر من 4 ملايين في الوقت الحالي، أو %11 تقريبًا من أصل 37 مليون نسمة، هم حاليًا مجمل سكان العراق وفق تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية. وهنالك في المحافظتين مناطق كبيرة مأهولة لا تخضع لسيطرة داعش (هنالك تقديرات أدنى عمومًا لعدد السكان، إلّ أنّها تبدو أقل صدقية بالنظر إلى نسبة المواليد في العراق.) وفي الوقت نفسه، فإنّ حقيقية كون نينوى والأنبار محافظتين سنّيتين في الغالب لا تعني إمكانية أن تكونا قاعدة لكيان سنّي فيدرالي. لا توجد لسوء الحظ تقديرات موثوقة لإجمالي المجموعات الطائفية والإثنية في العراق، لكن "التقدير التخميني" لوكالة الاستخبارات المركزية يقول إنّ نسبة السنّة تراوح بين %32 إلى %37 أي بين 8،11 إلى 7،13 مليونًا، كثيرون منهم في بغداد. بالنظر إلى حقيقة وجود شيعة وطوائف أخرى في الأنبار ونينوى، فإنّ هذا يعني أن 8 ملايين سنّي على الأقل ليسوا في الأنبار ونينوى، وليسوا تحت سيطرة داعش، ولن يكونوا مشمولين بأي صيغة من "الفيدرالية" تكون مركّزة على المحافظتين الغربيتين، وتتجاهل المشكلة الحرجة المتمثلة بتقسيم ثروة العراق النفطية (التي تساهم الآن بنسبة %90 من الدخل الحكومي، وتمثّل ما يصل إلى %80 من الإيرادات بالعملات الأجنبية)، وتتجاهل جغرافية مياه العراق وبنيته التحتية، وتتجاهل تكلفة إعادة إسكان مكونات كبيرة من السكان وما سيصاحب ذلك من عنف لا يمكن تفاديه. وفي واقع الأمر، فإنّ ديالى، وهي إحدى محافظات العراق الأكثر تطرفًا في اتجاه الشرق، كان بها أغلبية سنية عندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003، مع أنّ عددًا من التقديرات يشير إلى أنّ نحو %50 منهم قد غادروا المحافظة منذ ذلك الحين. ما يزال هنالك أيضًا أعداد كبيرة من السنّة في صلاح الدين، وكركوك، وبابل، إضافة إلى منطقة سنّية بمحاذاة الحدود الكويتية إلى الجنوب الشرقي من البصرة. وقد تعذّر في الماضي نقل هؤلاء السكان إلى منطقة صحراوية بمحاذاة الفرات يوجد بها اقتصاد عامل، وستؤدي أي عملية إعادة إسكان كهذه في وقتنا الحاضر إلى ترك السنّة من دون حقول نفط مطورة أو مصدر أساسي للدخل بالعملة الصعبة. كما أنّ الحل العملي لإنهاء التوترات والعنف بين السنّة والشيعة يجب أن يضع في الحسبان الدور الحيوي للتمدن ودخل النفط في اقتصاد العراق وتنميته، علمً أنّ المدينة الكبيرة الوحيدة في الأنبار أو نينوى هي الموصل. تقدّر وكالة الاستخبارات المركزية عدد سكان المدن العراقية الكبرى كما يلي: بغداد: 643،6 ملايين، الموصل: 694،1 مليون، أربيل: 166،1 مليون، البصرة: 019،1 مليون، السليمانية: 004،1 مليون، النجف: 889000 ألفًا (تقديرات 2015)، ما يعني بعبارة أخرى أنّ نسبة سكان المدن والحواضر من بين سكان العراق بحسب تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية هي 5،69 % أو ما يساوي 7،25 مليون نسمة. ويبدو من المشكوك فيه أن يكون عدد سكان المدن أو السكان "العصريين" في الأنبار ونينوى في الوقت الحالي أكثر من 3،2 مليون أو ما يساوي نحو %9 من مجموع سكان العراق. كما تتزايد أيضًا أهمية مسألة المياه. لم يكن لتنمية الأرياف في العراق سوى أولوية هامشية منذ سقوط الملكية عام 1958، بينما كان للمناخ تأثير متزايد في نسبة هطول الأمطار، كما تأثر تدفق مياه دجلة والفرات بالسدود وتزايد استهلاك المياه في تركيا وسورية وإيران.
يجرى بموجب مشروع الأناضول وحده، في جنوب شرق تركيا، بناء 22 سدًا وثمانية سدود وأحواض كبيرة، وقد ساعدت إدارة القطاع الزراعي في ظل حكم صدام حسين على زيادة التصحر وملوحة المياه، كما أضرت بالأهوار في العراق. وبينما دفع جفاف كبير عام 2008 كلً من تركيا والعراق وسورية إلى تشكيل لجنة ثلاثية مشتركة في شأن استخدام مياه النهرين، فقد أدى القتال الدائر في سورية والعراق إلى تعطيل أي تخطيط مشترك جدي للمستقبل. من غير الواضح مدى خطورة المشكلات التي سيواجهها العراق في المستقبل، لكنّ الأيام التي كان العراق يستفيد فيها من موارد مائية أكثر من كافية، ربما تكون قد أوشكت على نهايتها. ويجب بالتأكيد لأي خطة تعامل مع احتياجات السنّة والشيعة أن تولي مسائل المياه اهتمامًا، إضافة إلى جميع المسائل الأخرى التي تمس بنية النقل التحتية، والسدود، وتوليد الطاقة الكهربائية في العراق. إنّ هزيمة داعش وكسر شوكته أولوية حيوية، إلّ أنّ ذلك لن يحقق أمن العراق طالما ظلت سورية غير مستقرة. وقد تمتد إلى العراق الحرب الأهلية السورية مع عناصرها الإسلامية المتطرفة والقتال الدائر في سورية بين السنّة من جهة، والعلويين والشيعة من جهة ثانية. كما أنّ ذلك لن يكون حلً لأي من التوترات بين الأكراد والعرب العراقيين، وفي واقع الأمر، وفي اللحظة التي ستخرج فيها داعش من نينوى، فإنّ توسّع حكومة إقليم كردستان إلى كركوك ومناطق عربية أخرى سيصبح مشكلة كبيرة وسببًا محتملً لنزاع أهلي.
الأكثر أهمية من ذلك هو أنّ الأنبار ونينوى يمكنهما القيام بدور مهم في إقناع سنّة العراق بأنهم يستطيعون البقاء في بلد موحد، لكن هذا الأمر سيتطلب جهدًا مدنيًا بقدر ما يتطلبه من جهد عسكري. توضح جغرافية العراق، ومياهه، وبنيته التحتية، ومعطياته الاقتصادية والديمغرافية، عدم إمكانية نجاح أي نوع من الانفصال السياسي أو أي نوع من الفيدرالية لا يتم بموجبه التركيز على الأنبار ونينوى، ولا يجد حلً أوسع نطاقًا بكثير للانقسامات الطائفية والإثنية في العراق. من هذا المنطلق، فإنّ أعمال الحكومة المركزية وصدقيتها في ضمان حماية وتعافي وإنماء كل منطقة سنية تحررها، سيكون لها أهمية مطلقة. أمّا المزيد من الوعود التي لا تنفّذ واستمرار الانتهاكات الشيعية بحق السنّة، والسعي إلى الثأر منهم، سوف يجعل الانتصار على داعش مسالة وقتية لا فائدة منها، تماثل إخفاق الحكومة المركزية في البناء على نجاحات "أبناء العراق." وإذا لم تقم حكومة العبادي بعمل ما تقدم ذكره، فإنّها ستخذل العراق خذلانًا مبينًا وشائنا كما فعل المالكي.
المسألة الكردية
قد تكون المسألة الكردية أو قد لا تكون أقل إلحاحًا. ولكي نذكر عددًا قليلً فقط من نواحي عدم اليقين التي تحيط بهذه المسألة، فإنّنا نشير إلى امتداد تأثير الحرب الأهلية السورية في إنشاء علاقات قوية بين حكومة إقليم كردستان والأكراد السوريين. يضاف إلى ذلك، الروابط بين هؤلاء وأكراد تركيا، وتجدد القتال بين تركيا وحزب العمال الكردي. كما أن هناك انهيار مجموعة أخرى من الاتفاقيات بين الحكومة المركزية العراقية وحكومة إقليم كردستان في شأن صادرات النفط وتقاسم الإيرادات. أيضًا، هناك تفاهم غير مستقر بين الحكومة المركزية العراقية وتركيا من أجل ممارسة النفوذ على حكومة إقليم كردستان وصادراتها النفطية. تشمل هذه النواحي أيضًا النفوذ الإيراني المتزايد والتنافس مع الولايات المتحدة في إقليم كردستان وحول البشمركة، وتزايد عدم استقرار سياسات حزب العمال الكردي والحزب الديمقراطي الكردي وقادتهما، وحقيقة أنّ حكومة إقليم كردستان لم تعد تتلقى المستوى من المساعدات الخارجية الذي كانت تتلقاه في الماضي، وأنها لا تستطيع الاعتماد على إيراداتها النفطية الحالية للمحافظة على مستواها الحالي من النشاط الاقتصادي والتنمية. وهي مشكلة تفاقمت بفعل الفساد وسوء توزيع ما يتوافر لها من موارد. أظهر العقد الماضي أنّ انتظار استفتاء عام لتقرير الحدود غير المؤكدة بين حكومة إقليم كردستان وما يخضع لسيطرة الحكومة المركزية مفيد بقدر "انتظار غودو." وفي الوقت نفسه، فإنّ النجاح الذي أحرزته مؤخّرًا حكومة إقليم كردستان والبشمركة في القتال ضد داعش قد أعطاها الآن سيطرة أمر واقع على كركوك وحقول كركوك النفطية، كما أوجد نواحي عدم يقين جديدة بخصوص الأراضي التي ستحصل عليها حكومة إقليم كردستان في نينوى إذا هُزم داعش.
وأدى ذلك أيضًا إلى وضع متسم بعدم اليقين فيما يتعلق بمجموعات السكان الإثنية والطائفية داخل منطقة سيطرة حكومة إقليم كردستان. لا يوجد على ما يبدو أي تقدير يقارب ولو من بعيد تقديرًا موثوقًا لخليط المقيمين الدائمين واللاجئين على أساس كل مجموعة إثنية، بل حتى أنّ توزع السكان في العراق ككل مثير للجدل ومتسم بعدم اليقين إلى أقصى حد. يتألف السكان وفق تقديرات وكالة المخابرات المركزية من %75 إلى %80 من العرب، و%15 إلى %20 من الأكراد، و%5 من التركمان والسريان وغيرهم. لكن أقليات عراقية كثيرة قد أجبرت على مغادرة البلاد، وقد قبلت حكومة إقليم كردستان عددًا من اللاجئين لكنها سعت إلى إخراج العرب من مناطق أخرى. تختلف ادعاءات القادة العرب عن ادعاءات الأكراد، كما يدعي التركمان أنهم أقلية أكبر بكثير. لن يؤدي القتال ضد داعش إلى حل أي من هذه المشكلات، وليس واضحًا ما هو الحل الكفيل بذلك، لكن هنالك خطوة أساسية هي جعل المقترحات الحالية في شأن تقاسم إيرادات النفط والسيطرة على الصادرات قابلة للتنفيذ، إذ أنّ ذلك سيؤدي على الأقل إلى نزع فتيل أهم مشكلة متعلقة بالسياسة والمال. ثمة خطوة أخرى هي عدم المساس بالبشمركة بصفتها قوة منفصلة إلى أن يصبح من الممكن التوصل إلى حل سياسي ما، بينما يتمّ في الوقت نفسه استيعابها وإن اسميًا في القوات الأمنية التابعة للحكومة المركزية. ذلك أنّه يكون من الأفضل أحيانًا ترك عدد من المسائل حتى اللحظة الأخيرة. أمّا الخطوة الثالثة فهي جعل حكومة إقليم كردستان تنسحب إلى خطوطها السابقة بالقرب من كركوك، وعدم القيام بأي عمليات تقدم دائمة في نينوى، بل السماح لحكومة مدينة كركوك أن تظل كردية في الغالب وجعل السيطرة على حقول كركوك جزءًا واضحًا وصريحًا من اتفاقية التصدير وتقاسم الإيرادات. سيتعيّ على الجانبين، عند نقطة ما، عمل أكثر من ذلك. لكن الجواب قد لا يكون استحداث خطوط سيطرة جديدة، بل قد يكون، كما هو الحال بخصوص التعامل مع المسألة الشيعية - السنّية، إيجاد مستويات أقوى بكثير من الحكم على صعيد الدوائر المحلية والمحافظات، وقوات شرطة وأمن محلية تطابق تشكيلتها الطائفية والإثنية تشكيلة السكان، ومأسسة الحرس الوطني بوصفه جزءًا من تلك البنية، والاستعاضة عن القوائم الوطنية في انتخاب البرلمان بمرشحين منتخبين محليًّا يمثّلون احتياجات ناخبيهم الحقيقية وتشكيلتهم الطائفية والإثنية. أما بخصوص المسألة الكردية الأوسع نطاقًا - وتركيا وسورية وإيران - فإنّ العراق بأمس الحاجة لجعل أي تدخل محدودًا قدر ما يستطيع. ليس من الواضح كيف أنّ البحث عن أي استقلال كردي أوسع نطاقًا أو دولة كردية يمكن أن يؤدي إلى أي شيء حاليًا باستثناء إيجاد حالة دائمة من النزاع الإثني الإقليمي بدلً من القتال ضد داعش، أو كيف أنّ خليطًا من عناصر كردية توجد بينها انقسامات عميقة يستطيع إنشاء كيان سياسي وعسكري واقتصادي يكون قابلً للحياة.