مراجعة كتاب داعش: صورة من داخل جيش الرعب.
.ISIS: Inside the Army of Terror عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: داعش: صورة من داخل جيش الرعب..Michael Weiss & Hassan Hassan مايكل ويس، وحسن حسن المؤلفان: سنة النشر:.2015.Regan Arts, New York الناشر: عدد الصفحات: 270 صفحة، من القطع المتوسط.
مقدمة
أحد مؤلفَي هذا الكتاب مواطن سوري، من مدينة البوكمال الحدودية التي أصبحت منذ فترة طويلة، نقطة تمركز للدخول إلى العراق، والآن إلى خارج العراق. أمّا المؤلف الآخر فهو مراسل صحفي أجنبي، ظل يراسل وسائط الإعلام الغربية من ضاحية الباب في مدينة حلب التي يصفها المؤلفان بأنّها مهد المجتمع المدني المستقل الداعم للتوجه الديمقراطي، وأنّها أصبحت الآن واحدةً من المناطق التعيسة التي يحكمها تنظيم الدولة الإسلامية، بما يعدّه الشريعة الإسلامية. يقول المؤلفان إنّهما نذرا نفسيهما للتصدي للإجابة عن السؤال الذي ظل يتردد بصورة متكررة في القنوات الفضائية، منذ صيف 2014 وخريفه، وهو: من أين جاء داعش؟ وكيف أمكنه أن يحدث هذا الخراب الضخم، في مثل هذه الفترة الزمنية القصيرة (ص xiii)؟ بدأ المؤلفان كتابهما بسرد قصة شابٍ من أسرة سورية تعيش في البحرين، يدعى عبد العزيز كوان. يقول المؤلفان إنّ أسرة عبد العزيز التي هاجرت إلى البحرين من شرق سورية في ثمانينيات القرن الماضي، هيّأت له تنشئة حسنة، وأتاحت له حياة طيبة، وأرادت له أن يحقق في حياته نجاحًا مهنيًا، ومكانة اجتماعية مرموقة. غير أنّ عبد العزيز ترك الدراسة وذهب إلى المدينة المنورة ليدرس العلوم الدينية الإسلامية. ويروي المؤلفان أنّه ظل يحرص، في تلك الفترة، على البقاء في صحبة الدارسين الأكثر تشددًا. في نهاية عام 2011 أخذ هذا الشاب الذي كان عمره حينها ستة عشر عامًا، يراسل عمّه، (أو ربما خاله، uncle his)، المسمى رياض الأسعد، وهو أحد الضباط السابقين في الجيش الحكومي السوري الذين انشقوا وانضموا إلى قوى المعارضة. ذهب عبد العزيز في بداية عام 2012، إلى إسطنبول، ومنها إلى مدينة ريحانلي على الحدود الجنوبية لتركيا، ومن ثم عبر إلى محافظة حلب التي كانت قد سقطت حينها في أيدي المقاتلين المعارضين لنظام الأسد. قاتل عبد العزيز مع بعض الجماعات المقاتلة المعتدلة لبضعة أسابيع، ليكتشف، وفقًا لروايته، أنّهم غارقون في الفساد، وغير فعّالين. أخذ عبد العزيز يتنقل بين ألوية المقاتلين؛ فبدأ بأحرار الشام، ثم جبهة النصرة التي اتضح أنّها الممثل لتنظيم القاعدة في سورية. ونتيجة لما اكتسبه عبد العزيز من شهرة بوصفه مقاتلً لا يعرف الخوف ولا يهاب الموت، وبوصفه مسلمً شديد الالتزام، أصبح انتقاده لزملائه من المقاتلين يزداد، وأخذت علاقته بهم تتعقد وتسوء؛ فعاد إلى البحرين، بسبب تلازم تناقضه مع زملائه من المقاتلين، مع ازدياد ضغط أسرته عليه. ولدى عودته، قامت أمه بأخذ جواز سفره منه وإخفائه. وفي مقابلة له مع مؤلفَي الكتاب، بعد عام من عودته، ذكر لهما أنّه يمضي أيامه متسكعًا في شوارع البحرين، يكتنفه إحساس بأنّه مسجون، وأنّ هناك من يراقبه طوال الوقت. أكّد عبد العزيز لمؤلفَي الكتاب، أنّه لا يزال يحنّ إلى أيام القتال في سورية، وأنّ الحياة لا تعني بالنسبة إليه شيئًا، والحياة الشريفة في نظره، هي أن يقدّم المرء نفسه في سبيل ما يؤمن به (ص.)ix نجح عبد العزيز في إقناع والدته أن تعيد إليه جواز سفره. ومن ثم رجع، مرةً أخرى، إلى سورية. وهناك، التحق بداعش، بعد أن أجرى محادثاتٍ، عبر "سكايب"، مع من أسماهم "إخوته." وبحكم تجربته السابقة وسمعته، تدرّج عبد العزيز في سلّم القيادة بسرعة كبيرة، وأصبح مقرّبًا من قادة داعش؛ ينسّق بينهم، وينقل الرسائل الشفاهية بينهم. وعندما استولى داعش في عام 2014، على قطاع كبير من الأراضي في سورية والعراق، جرت ترقيته إلى مسؤول أمني، وأُوكل إليه الإشراف على ثلاث بلدات بالقرب من البوكمال (ص.)x
يقول المؤلفان إنّ عبد العزيز اكتشف في نفسه أمورًا لم يكن يدركها؛ فقد لمس من خلال هذه التجربة أنّه عنيفٌ ومتوحشٌ، وذو تصميم استثنائي. فقد قام بقطع بعض الرؤوس، كما احتفظ في منزله بفتاة إيزيدية تحت سن العشرين، من أجل متعته الجنسية، بوصفها سبية. وقد مُنحت له هذه الفتاة مكافأة له على بلائه في المعارك مع البشمركة، ومع بعض الميليشيات الكردية الأخرى بالقرب من بلدة سنجار العراقية، بالقرب من الحدود السورية. يقول المؤلفان، لم يؤثّر كون عبد العزيز مغتصبًا للنساء في فكرته عن نفسه بوصفه مسلمً تقيًا مستقيمً. ظل عبد العزيز يردد أنّ إخوانه من المسلمين وأخواته من المسلمات يهانون وتنتهك حرماتهم، وأنّه يتمنى أن يصبح مثل الخليفة المعتصم الذي جرّد جيشًا ليقتص لامرأة مسلمة، استجارت به من الرومان الذين أهانوها.
ظل عبد العزيز يبحث عن الشهادة، وفقًا لمنظوره، حتى وجدها على يد قناص من الجيش الحكومي في بلدة الحويجة من أعمال دير الزور، في 23 تشرين الأول / أكتوبر 2014. ولإظهار مدى التغيرات التي ألمّت بعبد العزيز الذي كان يُعرف في البحرين بالهدوء ودماثة الخلق، يورد المؤلفان رواية عن أحد أصدقائه له، حين سأله ماذا سيصنع إن التقى بوالده في ساحة القتال، وكان والده مقاتلً في صف جبهة النصرة، فرد عليه عبد العزيز، دون أدنى تردد، بأنّه سوف يقتله. وذكر في دعم ذلك الخيار، أنّ الصحابي أبا عبيدة قتل والده حين التقاه في المعركة ضمن جيش المشركين (ص.)xii
المحور الرئيس للكتاب
يقول المؤلفان إنّ السؤال الذي ظل يتردد في وسائط الإعلام: من أين جاء داعش؟ سؤالٌ مفهومٌ ومبرر، بخاصة إذا استحضرنا الصور الكثيرة، وأفلام الفيديو التي ظلت تنتشر ويتداولها الناس عبر مختلف الوسائط، في كلّ أرجاء العالم، حاملةًالدعاية المرعبة التي تصوّر قطع رؤوس الرهائن الغربيين الذي بدأ بقطع رأس الصحفي الأميركي جيمس فولي. غير أنّ المؤلفيَن يقولان، ومع أنّ السؤال مفهوم جدًا، فهو في الوقت نفسه يبدو غريبًا بعض الشيء؛ فالولايات المتحددة الأميركية ظلت في حرب مع داعش، في تخلُّقاتها المختلفة، لمدةٍ تجاوزت العقد من الزمان. كانت حربها في البداية مع القاعدة في العراق، ثم مع مجلس شورى المجاهدين، ثم مع تنظيم دولة العراق الإسلامية. يقول المؤلفان إنّ هذه الحالة من الاستغراب حول نشوء تنظيم داعش، تشبه كما لو أنّ الفياتكونج بدّلت واجهتها القديمة، وعادت عام 1985 فاحتلت ثلث مساحة جنوب شرق آسيا، وبدأ النظر إليها كجماعة غوريلا محاربة ظهرت فجأة، ونظرت إليها كلّ الأطراف الأميركية، من إدارة ريغان إلى قناة سي إن إن، بوصفها ظاهرة غير معروفة المنشأ (ص.)xiii ذكر المؤلفان أنّهما بحثا تنظيم داعش كما يبدو اليوم، وفي الوقت نفسه بحثا أيضًا مراحله التي تحكي تطوراته، وتبدلاته، عبر العقد الماضي. وقد ناقش المؤلفان في الفصول الأولى من الكتاب مراحل تخلُّق داعش المختلفة، مقلّبيَن صفحات التاريخ المعقد لنشأته ومراحل تحولاته. اعتمد المؤلفان في تجميع المعلومات التي تعين على رسم صورة واضحة لتطورات هذا التنظيم، على عشرات المقابلات الشخصية الأصلية مع ضباط سابقين في المخابرات، وفي وحدات مكافحة الإرهاب التابعة للجيش الأميركي. كما أجريا مقابلات مع دبلوماسيين غربيين، تعقبوا تنظيم القاعدة في العراق، وقاموا بسجن أفراده؛ فداعش، من وجهة نظر المؤلفيَن، ليس سوى تتويج دامٍ أخير لنزاعٍ طويلٍ جرى داخل الجهادية الإسلامية العالمية نفسها. والسؤال المركزي الذي كان يشغل بال الجهاديين هو: على من يشنّون الحرب المقدسة؟ على الشيعة، أم على العلويين، وغيرهم من الأقليات الطائفية والإثنية؟ أم ينبغي تأجيل الحرب على هؤلاء كلّهم، وحصر الحرب في البداية ضد الأميركيين وحلفائهم من الصليبيين والصهاينة؟ وكان أكبر من جسّد الجانب المتشدد من هذا النزاع هو الأردني، أبو مصعب الزرقاوي الذي أسّس تنظيم القاعدة في العراق؛ إذ ظل يؤمن بشنّ الحرب على الجميع. هذا، في حين مثّل الجانب المعتدل منه، معلّم الزرقاوي ورئيسه في التنظيم، أسامة بن لادن. ويرى الكاتبان أنّ تجنّب انفصال داعش عن القاعدة أصبح غير ممكن منذ اللحظة التي التقت فيها عينا الزرقاوي وأسامة بن لادن، في أفغانستان عام 1999 ص).xiv (يتكوّن هذا الكتاب من أربعة عشر فصلً. يناقش كلّ فصلٍ منها جانبًا من جوانب الأحداث، والسياسات، والعوامل القطرية، والإقليمية والدولية التي أثّرت في المسار الطويل الذي تحوّر عبره تنظيم داعش، حتى أضحى بالصورة التي هو عليها الآن. والكتاب بهذه الصفة من الكتب التي يصعب تلخيصها. وبطبيعة الحال، لا يغني تلخيص أيّ كتاب، ولا مراجعته، عن قراءته، بغض النظر عمّ يكون ذلك الكتاب. غير أنّ هذا الأمر ينطبق على هذا الكتاب الحافل بالتفاصيل، الغنيّ بالمعلومات، أكثر ممّ ينطبق على كتب أخرى كثيرة. فهو كتاب يغطّي حقبة تجاوزت العقد من الزمان، يتنقل فيها بين باكستان وأفغانستان وإيران والعراق وسورية، متتبعًا تحركات الجهاديين الإسلاميين، ويفحص خريطة سياسية عراقية شديدة التعقيد، كثيرة التداخلات،
مليئة بالتناقضات، وبالأحلاف التكتيكية القصيرة الأجل. كما يفحص الصراع السوري، وخريطته التي لا تقلّ تعقيدًا عن الخريطة العراقية.
الفصول الأولى
في الفصل الأول تحت عنوان "الأب المؤسس"، تحدّث المؤلفان عن الغزو الروسي لأفغانستان وبداية ظهور المجاهدين الأفغان، وتقاطر من اصطُلح على تسميتهم ب "الأفغان العرب"، على بلدة حياة أباد في ضواحي بيشاور عند مدخل ممر خيبر، في باكستان، وتركُّزهم هناك، من أجل العبور إلى أفغانستان، لمقاومة الاحتلال السوفييتي. في تلك الفترة، لمع نجم عبد الله عزام، الفلسطيني الأصل، بعد أن أصبح كتابه الذي أصدره عام 1984، مانفيستو للمجاهدين الأفغان. كان عزام يرى أنّ أفغانستان أصلح من الدول المشرقية لإقامة دولة إسلامية، عقب إخراج السوفييت منها. بوصول عبد الله عزام وأسامة بن لادن، أخذ المجاهدون العرب يتوافدون على حياة أباد. يرى المؤلفان أنّ وجهة نظر عزام التي لا تقرّ قتال المسلم للمسلم، قد اصطدمت بوجهة نظر الظواهري التكفيرية المتطرفة. وبعد أن أصبح الظواهري مقرّبًا من بن لادن أحس عزام بالخطر، ومن ثم بدأ التنافس بين الإثنين على بن لادن، بخاصة أمواله (ص. 5) ركّز المؤلفان في الفصل الأول على شخصية الزرقاوي. وتحدّثا عن بداياته تلميذًا فاشلً في دراسته، ما جعله يترك المدرسة بمستوى في كتابة اللغة العربية، أقرب ما يكون إلى مستوى شبه الأمّي. يقول المؤلفان، على الرغم من أنّه ابن لمختار القرية، ومن عشيرة مرموقة هي عشيرة بني حسن المعروفة بولائها للأسرة الهاشمية الأردنية، كان الزرقاوي منغمسًا في الجريمة. وقد روى عنه بعض أقربائه وأقرانه شربه الخمر، وممارسته القوادة. وكان أوّل دخول له إلى السجن بسبب حيازة المخدرات والاعتداء الجنسي. ولتعديل سلوكه قامت والدته بدفعه للالتحاق بدورات في الدروس الدينية، في مسجد الحسين بن علي في عمان. في هذا المسجد تعرّف الزرقاوي على السلفية الجهادية، وعلى ضرورة محاربة ما وُصف بالأنظمة العربية المرتدة في المشرق العربي. ذهب الزرقاوي إلى أفغانستان ولدى عودته في عام 1992 وضعته قوى الأمن الأردنية تحت المراقبة. وفي عام 1994، ألقى الأمن الأردني عليه القبض. ولدى مداهمتهم منزله، وجدوا في حوزته أسلحة وذخائر ومتفجرات، ما قاد إلى سجنه. ويرى المؤلفان أنّ فترة السجن مثّلت بالنسبة إليه الجامعة التي تخرّج فيها؛ إذ تمكّن الزرقاوي في تلك الفترة من فرض زعامته داخل السجن. أُطلق سراح الزرقاوي عقب موت الملك حسين، واعتلاء الملك عبد الله الثاني العرش، وإصداره عفوًا عامًا، من أجل المصالحة مع الإسلاميين الذين يشكّلون التنظيم السياسي الأقوى في الأردن. عاد الزرقاوي إلى أفغانستان والتقى بأسامة بن لادن. وكان رأي بن لادن فيه سلبيًا؛ إذ شكّ في أنّه ربما يكون من أفراد جهاز الأمن الأردني، كما أزعجته بشدة، الوشوم التي رسمها الزرقاوي على جسده في الفترة التي سبقت تديّنه، وفشل في محوها مستخدمًا الأحماض الكيماوية. يرصد المؤلفان تنقّل الزرقاوي بين الأردن وأفغانستان إلى أن يصلا إلى إقامته مرتكزًا له في العراق، عقب سقوط دولة طالبان في أفغانستان. ويسرد المؤلفان هنا تأسيس أبي عبد الرحمن الشامي تنظيم "جند الإسلام" في جبال المنطقة الكردية، حين كان إقليم كردستان واقعًا تحت الحظر الجوي من قبل الولايات المتحدة الأميركية، وكان دخوله محظورًا على القوات العراقية. اندمج تنظيم جند الإسلام مع تنظيمات جهادية أخرى تكوّن منها ما سمّي "تنظيم أنصار الإسلام"، والتي ربطها كولن باول كذبًا، بنظام صدام حسين، قبيل غزو العراق، وزعم أنّها تعمل على تصنيع أسلحة كيماوية في مساحة خمسمائة كيلومتر مربع في إقليم كردستان. ويورد المؤلفان عديد الأدلة على أنّه لا علاقة للزرقاوي بصدام حسين. كما يوردان أنّ إيران دعمت الزرقاوي تكتيكيًا، وليس إستراتيجيًا؛ فقد أمضى الزرقاوي في طريق هروبه من أفغانستان إلى شمال العراق قرابة العام في إيران. وقد يسّت له ذلك علاقته السابقة بغلب الدين حكمتيار، القائد الأفغاني البشتوني المرتبط بإيران. وينسب المؤلفان، جزئيًا، ظهور الزرقاوي في العراق واهتمامه بمدينة الموصل، إلى تأثّره بقصة القائد نور الدين زنكي الذي كانت الموصل منصة انطلاقه.
دور البعث وعزت الدوري
في الفصل الثاني، يركّز المؤلفان على دور البعث وعزت إبراهيم الدوري الذي هرب إلى سورية فاحتضنه بشار الأسد، على الرغم من العداوة القديمة بين حافظ الأسد وصدام حسين. يوضح هذا الفصل انتماء الدوري إلى الطريقة النقشبندية، والسيطرة على طرق التهريب بين العراق وسورية، والجسور التي مدّها البعثيون إلى رجال الدين، أمثال حارث الضاري، وعبد الله الجنابي، وغيرهما. كما يوضح وصول بعض رجال جيش صدام حسين القدامى إلى مناصب قيادية في الوضع الجديد، مكّنتهم من العمل على زعزعة الأوضاع، على الرغم من ظهورهم بمظهر الداعم للأميركيين. ويورد الفصل شهادات
مفصّلة، في غاية الأهمية توضح أنّ فقدان الأوضاع المرموقة، عقب سقوط نظام صدام حسين، وسياسة بول بريمر في تسريح الجيش والشرطة والأمن العراقي، إضافةً إلى سياسة اجتثاث البعث، قد خلقت تحالفًا عريضًا من معارضين، جمعهم الضرر المشترك. يقول المؤلفان في عبارات لافتة للنظر، إنّ ما فهمه كلٌ من الأسد والزرقاوي وبن لادن، وفهمته الولايات المتحدة بعد خسائر كبيرة في الدماء والأموال، أنّ الخطر الأكبر الذي يهدد جهود إقامة نظام ديمقراطي في العراق، ليس بالضرورة الجهادية الإسلامية، أو البعثيين المبعدين، وإنما هو دافعية السنّة الشديدة لاستعادة مكانتهم التي فقدوها بسقوط نظام صدام.
أورد المؤلفان ملاحظة لافتة للنظر أيضًا، وهي أنّه لا أحد قطّ نهض لحرب الأميركيين، عندما اجتاحوا العراق؛ لا البعث، ولا ضباط الجيش، ولا العشائر. ولكن عندما شكّل الأميركيون مجلسًا من ثلاثة عشر شخصًا غالبيته من الشيعة، وليس فيه سوى قلة قليلة من السنّة، شرع كلّ هؤلاء يقولون إنّ الأميركيين يريدون تسليم العراق إلى الشيعة. ومن ثم، بدأ البعثيون وضباط الجيش المسرّحون في المقاومة، كما بدأ رجال القبائل في التغاضي عن دخول رجال القاعدة إلى العراق (ص. 26) ويرى المؤلفان أنّ محاولة جورج بوش الابن دمقرطة العراق عن طريق القوة، أدّت إلى ضرب مراكز القوى المتشكلة في العراق، منذ وقت ليس بالقصير، ما أدّى إلى سلب السنّة ما يرونه حقوقًا لهم بالميلاد. يروي المؤلفان أنّ الزرقاوي تسلل إلى العراق في آب / أغسطس 2003، في الوقت الذي ظهر فيه "تنظيم التوحيد والجهاد" في الساحة العراقية. وقام من توّه بتدبير تفجير السفارة الأردنية في بغداد، واغتيال آية الله محمد باقر الحكيم، وتفجير مبنى الأمم المتحدة. يورد الكتاب أنّ تنظيم البعث قدّم مساعدات للزرقاوي في عملية تفجير مبنى الأمم المتحدة. ومن الحقائق الصادمة التي يعرضها هذا الكتاب، أنّ القوات العراقية الخاصة، كانت على صلة بالزرقاوي؛ فهي التي تؤمّن له السيارات التي يجري تحويلها إلى سيارات مفخخة. كما أنّها تتولى نقل الانتحاريين، وتأمينهم، بل إنّ الانتحاريين الذين يقومون بالتفجيرات، ظلوا يسكنون في أبنية بالقرب من ثكنات ضباط هذه القوات العراقية الخاصة. ولقد اتضحت كلّ هذه الحقائق من خلال تحقيقات أجريت مع انتحاري فشل في عملية التفجير، وأُلقي القبض عليه (ص. 27) كانت خطة الزرقاوي من استهداف الشيعة، كما يرى المؤلفان، هي إشعال حربٍ طائفية لإيقاظ السلبيين من السنّة وتحريكهم، وجرّهم إلى أتون الصراع. ويرى المؤلفان أنّ داعش اتبع أسلوب الزرقاوي نفسه باستهداف الشيعة، حتى تتصاعد ردات أفعالهم ضد السنّة، ما يجعل السنّة يضطرون إلى الانخراط، بصورة من الصور، أو بقدر من المقادير، في صفوف داعش. يرى المؤلفان أنّ الفظائع التي ارتكبتها القوات الأميركية في الفلوجة، والتي ارتكبتها قوات الشركة الأمنية بلاكووتر، خلقت جوًا ساعد على تنامي التعاطف السنّي مع القاعدة، وغيرها ممّن حملوا السلاح في وجه الأوضاع القائمة. ولقد أدى خروج المقاتلين من الفلوجة عقب الحرب الشرسة التي دارت رحاها داخلها، إلى انتشارهم في أجزاء مختلفة من العراق. وبذلك انقدحت بالفعل الشرارة التي طالما ودّ الزرقاوي إشعالها.
تحالف القاعدة والبعث والعشائر
يرى المؤلفان أنّ هناك تحالفًا بين البعثيين ورجال العشائر وتنظيم القاعدة في العراق. ويورد المؤلفان أنّ بن لادن في تشرين الأول / أكتوبر 2003، أخذ يدعو المجاهدين من كلّ أنحاء العالم إلى التوجّه إلى العراق. فقام البعثيون بتيسير الممرات التي مكّنت هؤلاء المقاتلين من دخول العراق. ويروي المؤلفان أنّ هناك جنرالً يدعى محمد خيري البحراوي، يعمل في القوات الخاصة العراقية، أشرف على تدريب رجال القاعدة. وقد قام الجنرال الأميركي باتريوس، في وقتٍ لاحق، بتعيين البحراوي هذا مسؤولً عن مدينة الموصل. ويربط المؤلفان بين سقوط الموصل في المرة الأولى في يد تنظيم القاعدة في العراق، ووجود الجنرال محمد خيري البحراوي مسؤولً عنها؛ فالرجل وفقًا للشواهد التي أوردها المؤلفان، كان يلعب على الحبلين. ويقول المؤلفان إنّ التاريخ أعاد نفسه؛ إذ سقطت الموصل مرةً أخرى على
أيدي قوات داعش، غير أنّه لم تكن هناك في هذه المرة قوات أميركية لتستعيدها. فبقيت، حتى هذه اللحظة، في أيدي داعش (ص. 39)
إدارة التوحش
في الفصل الثالث، تحدّث المؤلفان عن كتاب صدر على شبكة الإنترنت عام 2004 بعنوان "إدارة التوحش" ألّفه شخص يدعى أبا بكر ناجي. ويعدّ المؤلفان الكتاب المانفيستو الرئيس للجماعات الجهادية الإسلامية، في سعيها لتأسيس دولة الخلافة، ويريان أنّ إستراتيجية الزرقاوي تأثّرت بما طرحه الكتاب، موردين شهادات تقول إنّ كلّ الجماعات التي كانت تحارب في سورية والعراق، تقرأ هذا الكتاب وتسترشد بهديه؛ فالكتاب يطرح الجهاد بوصفه نشرًا للرعب بالاستخدام الأقصى للقسوة (ص. 40-41) تعرّض هذا الفصل أيضًا، إلى مقاطعة انتخابات عام 2005 التي تضافرت فيها جهود الزرقاوي مع جهود البعث. ويعرض الكتاب إلى تصعيد التفجيرات ضد مساجد الشيعة ومواقعهم المقدسة، وهو أمر يرى الكاتبان أنّ بعض القيادات الشيعية، وعلى رأسها آية الله السيستاني، دعت إزاءه جمهور الشيعة إلى ضبط النفس. غير أنّ الصدريين وقوات جيش المهدي التابعة لهم انخرطوا في عمليات عنف ثأرية وتصفيات واسعة النطاق استهدفت مجتمع السنّة. كما يعرض الكتاب إلى توجيهات المالكي بحرمان مناطق السنّة من الخدمات، وأثّر ذلك في تقوية شعور السنّة بأنّهم مستهدفون من جانب السلطة (ص. 41-42) يشير الفصل الثالث أيضًا إلى التحالف الذي قام بين القبائل وجماعة القاعدة. غير أنّ المؤلفيْ يريان أنّ تطبيق الشريعة الإسلامية وفقًا لنموذج القرن السابع، وتصرّف الجهاديين على نسق يشبه نسق المحتلين، إضافةً إلى تضرر أعمال رجال القبائل، وتكالب بعض رجال القاعدة على جمع الأموال، واحتكار نشاط التهريب، كلّ ذلك خلق شروخًا داخل هذا الحلف. ما يميز هذا الكتاب، أنّه بحَث في مختلف العوامل المعقدة التي ظلت تؤثّر في خرائط التحالفات المعقدة، ومختلف الأوضاع الميدانية العسكرية، والمناورات السياسية. ولقد عرض الكتاب بعدد وافٍ من الشواهد براغماتية رجال العشائر، واستعدادهم للعمل مع مختلف الجهات، بلا استثناء، ما دام تعاونهم مع الجهة المُعَّينة، يخدم مصالحهم. فقد قبل رجال العشائر التقارب مع الأميركيين، ما أدى إلى قيام مجلس الأنبار، ومن ثم، إلى انخراط مستجدين من السنّة في القوات الأمنية. وكان المنتظر من هذا التنسيق أن تقوم العشائر عن طريق منتسبيها في القوات الأمنية، بتأمين الصحراء بعد القضاء على تنظيم القاعدة في العراق. وإقبال أبناء العشائر على التسجيل للانخراط في القوات الأمنية، جعل الزرقاوي وجماعته يستهدفون بالتفجير صفوفهم التي انتظمت للتسجيل. ويورد المؤلفان شهادات بعض الأميركيين الذين ذكروا أنّ لرجال القبائل شبكات دينية وشبكات رسمية هي التي تشكّل نظامًا من التراتبيات غير الرسمية التي تؤثّر في كلّ شيء يحدث في العراق؛ فقائد الجماعة أو زعيم العشيرة ربما لا تجد لديه ما تبحث عنه، في حين تجده عند الرجل الثاني. ووفقًا لبعض الأميركيين، تكمن الصعوبة في معرفة من هو الموكل بفعل ماذا. وينطبق ذلك على رجال العشائر، كما ينطبق على داعش (ص. 47)
في الفصل الرابع "عوامل الفوضى"، تحدّث المؤلفان عن تأثير إيران وتنظيم القاعدة في العراق في مجريات الأمور في العراق، واستمرار حالة الفوضى. ركّز الفصل على حرب الوكالة التي شنتها إيران بواسطة جهاز مخابراتها والقوات المؤتمرة بأوامرها داخل العراق ضد الولايات المتحدة الأميركية، للتعجيل بخروجها. ويرى المؤلفان أنّ المجلس الأعلى للثورة الإسلامية ليس سوى صنيعة للإيرانيين ولمحمد باقر الحكيم؛ فالجناح العسكري وفيلق بدر ليسا، في حقيقة الأمر، سوى الطابور الخامس الإيراني داخل العراق. وينقل المؤلفان عن بعض القادة الأميركيين الذين عملوا في العراق أنّ تأثير الملالي الإيرانيين في الأوضاع داخل العراق، قد كان قائمًا منذ فترة حكم صدام حسين (ص. 51) أورد المؤلفان في هذا الفصل، تعلّم السنّة من خطأ مقاطعة الانتخابات في كانون الثاني / يناير 2005، وحرصهم من ثم، على دخولهم انتخابات كانون الأول / ديسمبر من السنة نفسها؛ إذ تعدّت
نسبة التصويت في أوساطهم %80 مقارنة ب %2 في انتخابات كانون الثاني / يناير التي سبقتها. كانت نتيجة كانون الأول / ديسمبر مخيّبة لآمال السنّة؛ فقد جاء الشيعة في المقدمة، ما جعل الانتخابات لا تؤثّر كثيرًا في إحساسهم المستمر بالتآمر الشيعي ضدهم. وهو أمر ظل يروّج له الزرقاوي محاولً قطع الطريق لكلّ احتمالات الاتفاق بين السنّة والشيعة. فقد أحس السنّة من الصورة التي سارت بها الأمور، أنّ هناك تحالفًا أميركيا - إيرانيًا يعمل على الدوام على حرمانهم من حقهم الطبيعي بوصفهم أهل مدينة بغداد وسدنتها.
الصدر وجيش المهدي
تعرّض هذا الفصل أيضًا لدور مقتدى الصدر وجيش المهدي الذي أخذ من خلال الدعم الإيراني يسير في وجهة أن يصبح مثل حزب الله في لبنان. وأشار الفصل إلى تحكّم أفراد جيش المهدي في الناقل الجوي الوطني، وفي العمليات في مطار بغداد، ما جعل الصدريين ملميّن بكلّ التحركات، وجعلهم أيضًا قادرين على تهريب الأسلحة من العراق وإليه لمصلحة جيشهم. كما تحدّث الفصل عن قاسم سليماني ودور القنصلية الإيرانية في بغداد. ومما لاحظه الأميركيون العاملون في العراق أنّ هناك تعاونًا وثيقًا بين قاسم سليمان وتنظيم القاعدة في العراق. بل إنّ قاسم سليمان أكّد للقاعدة أنّ لهم حق حرية التنقل بين إيران والعراق متى ما احتاجوا. ويقول الكتاب إنّ السبب وراء ذلك هو أنّ الإيرانيين كانوا يرون أنّ نشاط القاعدة ضد الأميركيين في العراق، سوف يسهم في التعجيل بخروجهم (ص. 54) وتحدّث هذا الفصل أيضًا عن تمويل تنظيم القاعدة في العراق من خلال مختلف الأنشطة الإجرامية، بل اتخذ المؤلفان لهذه الفقرات التي تحدثت عن تمويل تنظيم القاعدة في العراق، عنوانًا فرعيًا هو "أغنى من بن لادن." من أهمّ ما ورد في هذا الفصل الشهادات التي أكّدت ضلوع الإيرانيين في تسهيلات لنقل الأموال والرجال إلى تنظيم القاعدة في العراق، من باكستان، عن طريق إيران. وكما تقدَّم، فإنّ رؤية قاسم سليماني لاستخدام تنظيم القاعدة في العراق تتلخص في أنّ كلّ ما يسهم في التعجيل برحيل الأميركيين، يصب في مصلحة طهران. وهكذا اكتشف الأميركيون أنّ إثنين من أعدائهم داخل العراق بينهما نوع من التنسيق. وواضح من مجريات الأمور أنّ كلً من الإيرانيين وتنظيم القاعدة في العراق قد ظلا ينسقان ويتربصان ببعضهما البعض، في الوقت نفسه؛ فالتحالفات التكتيكية بينهما لم تحجب الأهداف الإستراتيجية القصوى. وتعرّض هذا الفصل إلى ما قام به الزرقاوي من أجل تخفيف نفور السنّة من تنظيم القاعدة في العراق، بوصفه تنظيمً مكوّنًا في غالبيته من الأجانب. قام الزرقاوي في عام 2006، بتكوين ما سُمِّي مجلس شورى المجاهدين في العراق المكوّن من ستة أفراد من الجماعات السلفية. غير أنّ السيطرة على العمليات في هذا الحلف العريض، بقيت في يد تنظيم القاعدة في العراق. ولكن في حزيران / يونيو 2006 قتل الزرقاوي في ضربة جوية أميركية. ويرى المؤلفان أنّ من الصعب القول إنّ موت الزرقاوي عنى نهاية تنظيم القاعدة في العراق؛ فقد قادت خلافة أبي أيوب المصري الزرقاوي إلى دفع سياسة الزرقاوي التي هدفت إلى توطين التنظيم و"عرقنته" أكثر، فنشأ ما سمّي بتنظيم دولة العراق الإسلامية. اتسمت هذه الفترة في نظر المؤلفيَن بازدياد وتيرة التفجيرات، بل وبتقسيم بغداد نفسها إلى مناطق إدارية يديرها رجال تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، ويقومون بالإشراف عليها. بل أنشأوا وزارات، ومؤسسات في الظل، ما جعل دولة أخرى خفيّة، تقوم من تحت الدولة الظاهرة. وقد كشف الكتاب عن أنّ الورش التي يجري فيها تفخيخ السيارات تنتشر حول مدينة بغداد في بعض المزارع الواقعة في الأطراف.
الصحوات
في الفصل الخامس، ناقش المؤلفان ظاهرة الصحوات. واستهلّ الفصل بقولهما إنّ تاريخ صحوات الأنبار يتسم بالكثير من المرارة. وقد أخبر مسؤول عراقي كبير المؤلفيَن في نهاية عام 2014، أنّ الذين حاربوا القاعدة في الأنبار تجاهلتهم الحكومة، وأنّ كثيرين منهم اغتالتهم القاعدة، كما اعتقلت القوات الأمنية العراقية بعضهم الآخر. وأضاف هذا المسؤول الكبير، قائلً: "ما لم تغيّ الحكومة العراقية سياساتها وطريقتها التي أضحت معروفة، فإنّني أشك جدًا، في أنّ أحدًا ما سوف ينهض في محاربة داعش." يقول المؤلفان، مثلما هو الشأن في مناطق عراقية أخرى كثيرة، فإنّ المسؤولين المحليين في الرمادي، يحتفظون بسجليَن إدارييَن مختلفين: واحد للحكومة في بغداد والآخر لتنظيم القاعدة في العراق الذي استمال القوات الأمنية والمسؤولين المحليين بالرشوة. فهناك الكثير
من براميل الزيت الخام التي يجري تهريبها من مصفاة بيجي ليجري بيعها في السوق السوداء العراقية. يقول المؤلفان، إنّ هذا هو ما ظلت تقوم به العشائر منذ أيام صدام حسين، غير أنّ المتحكّمين الجهاديين الجدد، أثبتوا أنّ مراسهم صعب، لا يسهل التعامل معهم. يضاف إلى ذلك رعونة أفراد تنظيم القاعدة، واغتصابهم النساء، ونزعتهم التكفيرية، واختطافهم كبار رجال العشائر، كلّ ذلك أزعج السكان وقاد إلى التذمر، وإلى ظهور ما سمّي بثوار الأنبار الذي أصبح تنظيم الصحوات. وقد أثبت هؤلاء الثوار أنّهم فعّالون للغاية ما اضطر القاعدة إلى محاولة التفاهم معهم. ويورد المؤلفان ما ذكره الأميركيون الذين شهدوا بقدرات رجال العشائر، ومن ضمنهم الفريق باتريوس، مقابل فساد القوات الأمنية وعدم فعاليتها؛ فكثير ممّن ينخرطون في القوات الأمنية، لا رغبة لهم في القتال. بل إنّ كثيرين منهم يهربون بالأسلحة التي جرى منحها لهم ليبيعوها في السوق. وقد أحصى الأميركيون اختفاء مئة وتسعين ألف بندقية كلاشنكوف، جرى شراؤها بأموال دافعي الضرائب الأميركيين، لتنتهي في أيدي الذين يستهدفون الجنود الأميركيين في العراق. يخلص المؤلفان في هذا الفصل، إلى أنّ أيّ نجاح تمّ تسجيله ضد القاعدة في العراق، جرى بوجود مئة وسبعين ألف جندي أميركي. أمّا الآن فقد تغيّ ت الأوضاع. لم يعد الأميركيون هناك، ولم يعد رجال العشائر يثقون بالحكومة، كما أنّ تنظيم داعش قد عمل الكثير الذي يجعل عودة الصحوات مرةً أخرى، أمرًا متعذرًا (ص. 81)
البغدادي الغامض
في الفصل الثامن، يعرض الكتاب إلى موت أبي عمر البغدادي وأبي أيوب المصري، وتعيين أبي بكر البغدادي زعيمً لتنظيم القاعدة في العراق، وبقائه غير معروف لدى أكثرية الناس، حتى لحظة إعلان نفسه الخليفة الأول للدولة الإسلامية عقب سقوط الموصل. يورد المؤلفان أنّ كلّ التقارير والمقابلات التي أجريت مع جيرانه ومعارفه، لم تدلّ إطلاقًا على أنّ له صفات قيادية؛ فقد كان مهتمً بالدراسات الدينية، وبالقرآن على وجه الخصوص، وقد حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة الأعظمية في بغداد. بل أورد المؤلفان ما يدل على أنّ مبلغ طموحاته كان لا يتعدى إيجاد وظيفة حكومية في وزارة الشؤون الدينية. غير أنّ بعضهم وصفه، بعد أن ظهر بهذه الصورة مع إعلان الدولة الإسلامية، بأنّه ربما كان من المخططين الذين يتحلّون بالصمت. ويقول المؤلفان، حين غزت القوات الأميركية العراق عام 2003، لم يكن البغدادي قد انخرط في العمل العسكري بعد. كما أورد المؤلفان شواهد على دور البعثيين السابقين في صعود البغدادي (ص. 116-120) يناقش المؤلفان في نهاية الفصل الثامن، ظاهرة انجذاب الشبان الأوروبيين إلى تنظيم داعش، ودور الميديا الغربية في الترويج لقصص تجد صدى لدى فئة الشباب الغربي، كسفر مراهقات نمساويات إلى سورية للزواج من التكفيريين. وكيف تخلق مثل هذه القصص مقلّدين يستهويهم هذا النوع من التجارب، فيسعون إلى تنفيذها. ويورد المؤلفان بعض آراء بعض علماء الاجتماع الغربيين في تحليلهم الظاهرة؛ إذ قالوا إنّها لا تختلف عن غيرها من الظواهر الرومانسية الثورية التي ولغت في الدم عبر التاريخ الإنساني. وأورد المؤلفان رأي عالم الاجتماع الأميركي سكوت أتران، في جامعة ميتشغان، والذي قال: "لا يمكن لأحد أن يقنع أحدًا بقتل الآخرين ما لم يربط لهم ذلك بفضيلة من نوع ما"؛ فمسألة داعش تشبه من بعض الوجوه ما جرى في الثورة الفرنسية، فروبيسبير استخدم الإرهاب أداةً لتحقيق الديمقراطية (ص. 130) ناقش المؤلفان في الفصل التاسع قدوم الجهاديين إلى سورية. واختارا لهذا الفصل عنوان: "خيانة الثورة." أورد المؤلفان في مقدمة هذا الفصل، مزاعم الأسد لصحيفة "وول ستريت جورنال"، في كانون الثاني / يناير 2011، أنّ سورية مستقرة، وأنّها لن تتعرض لحدوث ثورة مثلما حدث في تونس ومصر وليبيا، لأنّ قيادتها ملتصقة بشعبها. غير أنّ الثورة اشتعلت في سورية، وكانت ثورة سامية، وكانت المطالبات الشعبية حينها، لا تتعدى الإصلاح. غير أنّ المخابرات وميليشيات الأسد قابلتها بعنف وباستهتار واستهانة كبيرة بالشعب ومطالبه. كما جرى استخدام سلاح الاغتصاب على نطاق واسع بواسطة ميليشيات "الشبيبة"، إمعانًا في إهانة الثائرين، وإرهابهم لثنيهم عن مقاومة النظام، ما حوّل الحركة السلمية المطالبة بإجراء إصلاحات، إلى ثورة شعبية شاملة، تعدّت مطالبها إحداث إصلاحات، إلى إسقاط النظام (ص. 130-131) يرى المؤلفان أنّ سورية والعراق واقعتان تحت الصراع الطائفي الحاد، وصيغة حكم ذات ملامح متشابهة، حيث تحكم الأقلية الغالبية؛ فالسنّة، وهم الأقلية في العراق، ظلوا هم المسيطرون. هذا، في حين أنّ الأقلية العلوية التي تمثّل إفرازًا جانبيًا صغيرًا من الجسم الشيعي، والتي تمثّل نحو %15 من عدد السكان في سورية، ظلت تتحكم في الأكثرية السنية التي تبلغ نحو %75، من مجموع السكان (ص. 135)
أورد المؤلفان في هذا الفصل، شهادة رياض حجاب، رئيس الوزراء السوري الذي انشق في آب / أغسطس 2012، حيث قال: "إنّ سورية أضحت محتلة بواسطة النظام الإيراني." وأشار المؤلفان في هذا الفصل، إلى نموذج قوات "البيسيج" الإيرانية المختصة في قمع المعارضين في إيران، واتباع النسق نفسه في سورية عن طريق ما سمّي قوات الدفاع الوطني، إضافةً إلى ميليشيات حزب الله اللبناني. وقد أورد المؤلفان العديد من الشواهد على الانخراط الكلّ للإيرانيين في الحرب الأهلية في سورية. فقد أصاب قوات الأسد الإجهاد، كما قُتل الكثير منها، في حين فرّ منها قطاع كبير آخر. وهكذا أصبحت إيران هي المدافع الرئيس عن وجود الأسد في حكم سورية (ص. 139) ويروي المؤلفان أنّ النبرة الطائفية ارتفعت، حين أخذت القوات الإيرانية والشيعية العراقية تدخل سورية، تحت دعوى الدفاع عن المقدسات الشيعية، كضريح السيدة زينب في ضواحي دمشق (ص. 141) كما أورد المؤلفان شواهد على إحضار إيران آلاف الأفغان للحرب إلى جانب الأسد.
ويورد الكتاب أيضًا، أنّ الأسد لم يضع الوقت كما أضاعته قوى المعارضة، في انتظار مساعدة الأميركيين لها. فقد اتجه الأسد إلى إدخال المتعصبين الدينيين في ساحة النزاع؛ ففي أيار / مايو 2011، أي بعد شهور من اندلاع الثورة، أصدر الأسد عفوًا عن السجناء، جزءًا من الحزمة الإصلاحية التي قدّمها. غير أنّ تنفيذ ذلك العفو جرى بانتقائية؛ فالناشطون والثوار لم يُطلق سراحهم، وإنّ ا أ طلق سراح السلفيين. ويورد المؤلفان شهادة للسفير السوري المنشقّ نواز فارس الذي ذكر أنّ رجال المخابرات السوريين كانوا ينسّقون مع رجال القاعدة. بل إنّ التفجير الذي استهدف مباني الأمن في ضاحية دمشق عام 2012 جرى بمساعدة قوى الأمن الحكومية السورية (ص. 148) ويناقش هذا الفصل دخول مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق إلى سورية، وتسريب البغدادي لعددٍ من رجاله إلى محافظة الحسكة الشمالية، قبل شهور فقط من مغادرة الأميركيين العراق. كما يناقش قيام جبهة النصرة التي يقول عنها المؤلفان إنّها كانت أقرب إلى الاعتدال من حيث عدم الرغبة في استهداف الشيعة والإيزيديين والمسيحيين والطوائف الأخرى. ويرى المؤلفان أنّ جبهة النصرة كانت تسير على نهج أيمن الظواهري.
ليسوا متطرفين وحسب
في الفصل العاشر يقول المؤلفان، استنادًا على المقابلات التي أجرياها مع العديد من أعضاء داعش، إنّ تنظيم داعش أبعد ما يكون عن الوحدة الفكرية. بل إنّ عقائد بعض أعضائه وتوجهاتهم، تصل درجة التناقض مع أيديولوجية السلفيين الجهاديين؛ فداعش مكوّن من خلفيات متباينة جدًا؛ فمن أعضائه الانتهازيون الذين لا إلاه لهم، ومنهم مستهدفو الثراء من الحرب، ومنهم رجال عشائر براغماتيون، كما أنّ منهم تكفيريين ملتزمين (ص. 153) ويورد المؤلفان شهادات مختلفة على قدرة داعش على اجتذاب أعضاء جدد. ويورد المؤلفان أيضًا أنّ قدرتهم على التجنيد اجتذبت إلى التنظيم أكرادًا وتركمانيين. وتؤكّد الشهادات التي أوردها المؤلفان أنّ تنظيم داعش لا يرى الفروق الإثنية أبدًا، ويربط عضويته بما يراه العقيدة الإسلامية الصحيحة. وقد جعله هذا يتجاوز في اجتذاب الأعضاء الخطوط الفاصلة التي تشكّلها الانتماءات الإثنية والقومية. ويختم المؤلفان الفصل العاشر بأنّ احتلال داعش الموصل وإعلان الخلافة الإسلامية، منحَا داعش جاذبية أكبر وتعاطفًا أكثر. يناقش الفصل الحادي عشر حملات الدعاية التي يشنّها داعش عبر مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر، وعن مدينة دابق، بالقرب من حلب، والتي يُروى أنّ حديثًا نبويًا تنبّأ بحدوث معركة فاصلة فيها بين المسلمين والكفار، وكيف أنّ الاستناد على هذه الرواية، وروايات قرب قيام الساعة، يجتذب الكثيرين. وقد أسمى الجهاديون مجلتهم "دابق" تيمّنًا بهذه المدينة. ويعتمد داعش في دعايته للتجنيد على أهمية العراق والشام في التاريخ الإسلامي؛ فهما مهد الإمبراطورية الإسلامية وتضمّ ن مراقد كثير من صحابة الرسول. كما عاش في أرضهما الأنبياء المذكورون في القرآن. أمّا الفصل الثاني عشر، فقد خصصه المؤلفان لانفصال القاعدة عن داعش، وتعرّضا فيه لضعف موارد الجيش الحر بإزاء الجهاديين. كما تعرّضا إلى موقف الإدارة الأميركية من جبهة النصرة بوصفها ذات صلة بتنظيم القاعدة. وأشارا إلى سقوط الرقة في يد جبهة النصرة وإبعاد قوى النظام السوري منها. غير أنّ جهاديّي جبهة النصرة رفعوا عليها العلم الأسود
المكتوب عليه "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وأعلنوا أنّ السرقة سوف تجازى بقطع اليد، وأنّ على النساء ارتداء الزيّ الشرعي. أعلن البغدادي أنّ مجاهدي دولة العراق الإسلامية هبّوا لنصرة إخوانهم في سورية حين خذلهم الجميع. ومن هنا جاء اتحاد جبهة النصرة مع دولة العراق الإسلامية وإنشاء كيان جديد يحتل أراضيَ في كلٍ من سورية والعراق. اعترض أيمن الظواهري على هذا الدمج ما جعله يبدو مدافعًا عن اتفاقية سايكس بيكو، كما عبّ المؤلفان. وردّ البغدادي على الظواهري بأنّ هذه الحدود رسمها الغربيون ولا ينبغي أن نحافظ عليها. وتفاقم الصراع بين القاعدة وداعش، حتى أعلن داعش أن لا صلة له بالقاعدة (ص. 196) يورد المؤلفان ملاحظة مفادها أنّ النظام السوري تجنّب عبر الجزء الأكبر من عامَي 2013 و 2014 استهداف مراكز داعش بالطائرات. وبناءً على اعتراف دمشق نفسها، فإنّها تخلّت عن استهداف داعش لتركّز على الجيش السوري الحر. وأورد المؤلفان أيضًا، أنّ النظام السوري ظل يدفع إتاوات لجبهة النصرة لتأمين أنابيب النفط في المناطق التي كانت تسيطر عليها في الشمال السوري. كما أورد المؤلفان أنّ داعش ظل يتجنّب مهاجمة القوات الحكومية مُقرًّا أنّه يترك التنظيمات الأخرى تقاتل النظام، وحين ينتهي القتال يزحف ليستولي على الأرض (ص. 199) ركّز الفصل الثالث عشر على احتواء داعش رجال العشائر. ويورد الفصل دور عائدات النفط في تحالفات رجال العشائر؛ فحين رفضت جبهة النصرة منح قبيلة البوعز الدين حصة من عائدات النفط، انضمت البوعز الدين إلى داعش. ويورد المؤلفان أنّ داعش خلق شروخًا بين القبائل وجعل القبيلة الواحدة تحارب بعضها. كما أخذ داعش يقوم بدور الوسيط الذي يحقق الصلح بين العشائر المتحاربة (ص. 207) أمّا الفصل الرابع عشر، وهو الأخير في هذا الكتاب، فقد تحدّث عن الدولة وعن خلاياها النائمة وحرصها على معرفة ما يجري خارج أراضيها، مما يمكن أن يكون له تأثير في مستقبلها. وناقش هذا الفصل ما أظهره داعش من قدرةٍ على ضبط الشؤون الحكومية اليومية في المناطق التي وقعت تحت سيطرته وكبحه الفساد، وترك الإدارة للأهالي حين يطمئن أنّ الأمور أخذت تسير بصورة منضبطة. في الخاتمة، يشير المؤلفان إلى استمرار السياسة الطائفية والتطهير العرقي للسنّة، حتى بعد أن خلف العبادي نوري المالكي. ويورد المؤلفان من الشهادات ما يشير إلى انخراط الإيرانيين وحزب الله في تدريب الميليشيات الشيعية في العراق، وأنّ دبابات أبرامز الأميركية لم تقع في أيدي أفراد داعش فقط، وإنّ ا أصبحت أيضًا في أيدي ميليشيا حزب الله. ويركّز المؤلفان في الخاتمة على خطأ السياسة الأميركية. ويوردان من الشهادات ما يشير إلى أنّ الضربات الجوية لن تفعل شيئًا؛ فأعداد ضخمة من السنّة جرى دفعها لتصبح قوة راديكالية. والسياسة الأميركية التي تحرص على الإبقاء على الأسد ستقود إلى الفشل في مكافحة الإرهاب في سورية كما جرى في العراق (ص. 240) ويختم المؤلفان كتابهما بقولهما، بعد إحدى عشرة سنة من غزو العراق، لا تزال الجماعات المقاتلة تقاتل، ويبدو أنّ جيش الرعب هذا سوف يبقى فاعلً إلى أجل غير مسمّى. يتميز هذا الكتاب بالمسح الدقيق لخريطة القوى الفاعلة في الحالتين العراقية والسورية بالغتَي التعقيد. كما أنّه يسلط الضوء على العوامل الأخرى التي تحرّك المشهد السياسي، من وراء صيغ الخطاب السياسي المعلن التي غالبًا ما تتدثّر بنبل الدوافع؛ فالجري وراء الثراء والحرص على المنافع المادية خلقا تحالفات تكتيكية بين من يبدون أعداء لا يتفقون. فقد أبرزت الشهادات الثرية التي جمعها المؤلفان من مختلف الأطراف، النزعة البراغماتية والمرونة التكتيكية اللتين تحلّ بهما الجميع، ربما دون استثناء. من الأمور التي لم يتناولها الكتاب كما ينبغي، الدور الروسي في إسناد نظام بشار الأسد، وعامل الصراع الأميركي - الروسي في المنطقة. كما لم يعرض الكتاب التأثير التركي بصورة وافية. وعلى الرغم من قيمته الكبيرة المتمثلة بكونه قد قام على بحث ميداني موسّع، ومقابلات كثيرة جدًا أجراها المؤلفان مع مختلف الأطراف، فالكتاب لم يخْل من اللغة الصحفية وكليشيهات الإثارة الصحفية. ومع ذلك يبقى هذا الكتاب من أفضل الكتب التي بيّنت المتغيرات التي تكوّن فيها داعش الذي يظن كثيرون أنّه قد ظهر فجأةً، بلا مكان، ولا تاريخ.