عبد الله غُل وبناء تركيا الجديدة

المكتوب عليه "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وأعلنوا أنّ السرقة سوف تجازى بقطع اليد، وأنّ على النساء ارتداء الزيّ الشرعي. أعلن البغدادي أنّ مجاهدي دولة العراق الإسلامية هبّوا لنصرة إخوانهم في سورية حين خذلهم الجميع. ومن هنا جاء اتحاد جبهة النصرة مع دولة العراق الإسلامية وإنشاء كيان جديد يحتل أراضيَ في كلٍ من سورية والعراق. اعترض أيمن الظواهري على هذا الدمج ما جعله يبدو مدافعًا عن اتفاقية سايكس بيكو، كما عبّ المؤلفان. وردّ البغدادي على الظواهري بأنّ هذه الحدود رسمها الغربيون ولا ينبغي أن نحافظ عليها. وتفاقم الصراع بين القاعدة وداعش، حتى أعلن داعش أن لا صلة له بالقاعدة (ص. 196) يورد المؤلفان ملاحظة مفادها أنّ النظام السوري تجنّب عبر الجزء الأكبر من عامَي 2013 و 2014 استهداف مراكز داعش بالطائرات. وبناءً على اعتراف دمشق نفسها، فإنّها تخلّت عن استهداف داعش لتركّز على الجيش السوري الحر. وأورد المؤلفان أيضًا، أنّ النظام السوري ظل يدفع إتاوات لجبهة النصرة لتأمين أنابيب النفط في المناطق التي كانت تسيطر عليها في الشمال السوري. كما أورد المؤلفان أنّ داعش ظل يتجنّب مهاجمة القوات الحكومية مُقرًّا أنّه يترك التنظيمات الأخرى تقاتل النظام، وحين ينتهي القتال يزحف ليستولي على الأرض (ص. 199) ركّز الفصل الثالث عشر على احتواء داعش رجال العشائر. ويورد الفصل دور عائدات النفط في تحالفات رجال العشائر؛ فحين رفضت جبهة النصرة منح قبيلة البوعز الدين حصة من عائدات النفط، انضمت البوعز الدين إلى داعش. ويورد المؤلفان أنّ داعش خلق شروخًا بين القبائل وجعل القبيلة الواحدة تحارب بعضها. كما أخذ داعش يقوم بدور الوسيط الذي يحقق الصلح بين العشائر المتحاربة (ص. 207) أمّا الفصل الرابع عشر، وهو الأخير في هذا الكتاب، فقد تحدّث عن الدولة وعن خلاياها النائمة وحرصها على معرفة ما يجري خارج أراضيها، مما يمكن أن يكون له تأثير في مستقبلها. وناقش هذا الفصل ما أظهره داعش من قدرةٍ على ضبط الشؤون الحكومية اليومية في المناطق التي وقعت تحت سيطرته وكبحه الفساد، وترك الإدارة للأهالي حين يطمئن أنّ الأمور أخذت تسير بصورة منضبطة. في الخاتمة، يشير المؤلفان إلى استمرار السياسة الطائفية والتطهير العرقي للسنّة، حتى بعد أن خلف العبادي نوري المالكي. ويورد المؤلفان من الشهادات ما يشير إلى انخراط الإيرانيين وحزب الله في تدريب الميليشيات الشيعية في العراق، وأنّ دبابات أبرامز الأميركية لم تقع في أيدي أفراد داعش فقط، وإنّ ا أصبحت أيضًا في أيدي ميليشيا حزب الله. ويركّز المؤلفان في الخاتمة على خطأ السياسة الأميركية. ويوردان من الشهادات ما يشير إلى أنّ الضربات الجوية لن تفعل شيئًا؛ فأعداد ضخمة من السنّة جرى دفعها لتصبح قوة راديكالية. والسياسة الأميركية التي تحرص على الإبقاء على الأسد ستقود إلى الفشل في مكافحة الإرهاب في سورية كما جرى في العراق (ص. 240) ويختم المؤلفان كتابهما بقولهما، بعد إحدى عشرة سنة من غزو العراق، لا تزال الجماعات المقاتلة تقاتل، ويبدو أنّ جيش الرعب هذا سوف يبقى فاعلً إلى أجل غير مسمّى. يتميز هذا الكتاب بالمسح الدقيق لخريطة القوى الفاعلة في الحالتين العراقية والسورية بالغتَي التعقيد. كما أنّه يسلط الضوء على العوامل الأخرى التي تحرّك المشهد السياسي، من وراء صيغ الخطاب السياسي المعلن التي غالبًا ما تتدثّر بنبل الدوافع؛ فالجري وراء الثراء والحرص على المنافع المادية خلقا تحالفات تكتيكية بين من يبدون أعداء لا يتفقون. فقد أبرزت الشهادات الثرية التي جمعها المؤلفان من مختلف الأطراف، النزعة البراغماتية والمرونة التكتيكية اللتين تحلّ بهما الجميع، ربما دون استثناء. من الأمور التي لم يتناولها الكتاب كما ينبغي، الدور الروسي في إسناد نظام بشار الأسد، وعامل الصراع الأميركي - الروسي في المنطقة. كما لم يعرض الكتاب التأثير التركي بصورة وافية. وعلى الرغم من قيمته الكبيرة المتمثلة بكونه قد قام على بحث ميداني موسّع، ومقابلات كثيرة جدًا أجراها المؤلفان مع مختلف الأطراف، فالكتاب لم يخْل من اللغة الصحفية وكليشيهات الإثارة الصحفية. ومع ذلك يبقى هذا الكتاب من أفضل الكتب التي بيّنت المتغيرات التي تكوّن فيها داعش الذي يظن كثيرون أنّه قد ظهر فجأةً، بلا مكان، ولا تاريخ.

عبد الرحمن السراج *

مراجعة كتاب عبد الله غ ل وبناء تركيا الجديدة

.Abdullah Gul and the Making of the New Turkey عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: عبد الله غُل وبناء تركيا الجديدة. المؤلف: جيرالد ماكلين. سنة النشر:.2014 الناشر: ون وورلد لندن world One.- عدد الصفحات: 368 صفحة من القطع الكبير.

شهدت الجمهورية التركية مطلع القرن العشرين تحولات سياسية وثقافية واقتصادية، أدت إلى تبوّئها مكانة مهمة على المسرح الإقليمي والدولي. كانت هذه التحولات امتدادًا لتفاعلات سياسية، بدأت منذ منتصف القرن العشرين مع انتهاء حكم الحزب الواحد، وظهور تيارات وأحزاب تتبنّى أفكارًا منافسة لنهج مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك. من قلب هذه التفاعلات، برز عبد الله غُل الذي ولد في 29 تشرين الأول / أكتوبر 1950، السّنة التي خرج فيها حزب الشعب الجمهوري من السّلطة أول مرة منذ تأسيس الجمهورية. ويتبنّى حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه غُل شعار "تركيا الجديدة"، ومن هُنا خرجت فكرة الكتاب "عبد الله غُل وبناء تركيا الجديدة."

منهجية الكتاب

لم يكن الكتاب سيرة ذاتية للرئيس غُل، إلّ أنّه محاولة لجيرالد ماكلين مدير قسم الدراسات التركية في جامعة إكزيتير لوصف الحوادث التي شهدتها تركيا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، من خلال تتبّع حياة الرئيس التركي الحادي عشر عبد الله غُل. اعتمد ماكلين في كتابه على لقاءات شخصية مع غُل وأفراد عائلته وأصدقائه وسياسيين أتراك، إضافة إلى منحة وفّرتها له جامعة بيلكنت العريقة في أنقرة بصفة أستاذ زائر في عامي 2011 و 2012، مكّنته من الوصول إلى الوثائق والمراجع التي يحتاجها. ويتكوّن الكتاب من ستة فصول تناولت حياة عبد الله غُل: طفولته وحياته في مدينة قيصري، وإسطنبول إنجلترا وبريطانيا، وسنوات الرّفاه في أنقرة، ومن الرّفاه إلى العدالة والتنمية، والعدالة والتنمية وتركيا الجديدة، والرئاسة. برزت فكرة الكتابة عن حياة غُل في ذهن ماكلين مع الجدل الذي ظهر عام 2007، حول الرئيس الجديد الذي لم ينحدر من إحدى العوائل المرموقة في المدن التركية الكبُرى وامرأته التي ترتدي الحجاب. تواصل ماكلين مع الكاتب التركي الشهير محمد علي بيراند لطلب المشورة، واتفق الاثنان على أنّ أردوغان يستحق أضواء الإعلام أكثر من غُل، إلّ أنّ تطور حياة غُل على المستويين الشخصي والسياسي، ونشاطه في الحركات الطلابية القومية اليمينية كانا أقرب لتطور التاريخ السياسي التركي والتوجهات المستقبلية للبلاد. يرى الكاتب البريطاني أنّ غُل هو المصمّم الأساسي للبرنامج الذي أوصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، ففي الوقت الذي تصدّر أردوغان عناوين الصّحف، وضع غُل الأجندة السياسية والاقتصادية ووجّه تركيا إلى عالم أكبر من الاقتصادات الدولية والتحالفات الإستراتيجية. يقول بيراند: "لا تنسَ أنّ هذا الكتاب سيُباع، لأنّ هذا هو السياسي التركي الذي يتّفق الجميع على أنّه يُشبه جورج كلوني."

النشأة الفكرية لعبد الله غ ل

تفاعل عبد الله غُل في حياته مع معظم التيارات الفكرية والسياسية في تركيا الحديثة، ويتناول الكاتب هذه التفاعلات، وكيف انعكست على شخصية غُل الذي أخذ الكثير عن هذه التيارات، لكنه لم يتفق مع أي منها كليًّا في أي لحظة من لحظات حياته، ليخرج بمدرسته الخاصة في الفكر والممارسة السياسية.

تشكّلت ملامح شخصية غُل في الأساس في إطار عائلته ومدينته قيصري التي تقع في وسط الأناضول. وتوصف بأنّها موطن الإسلام الكالفيني الذي يجمع الإسلام بالنيوليبرالية التي يتّسم مجتمعها بالتزام تعاليم الإسلام، وفي الوقت نفسه الحسّ القويّ تجاه الأعمال، وما يترافق معه من خصال العمل الجاد والصبّر والمهارة في عقد الصفقات، كما أنّه يحتضن التغيير والحداثة بلهفة. تعلّم غُل من والده، أحمد حمدي غُل مهندس الطيّران النّاشط في اتّحادات العُمّ ل، أهمية أن يكون المرء مسلمً، ويولي في الوقت نفسه أهمية للأفكار الاشتراكية في فهم العالم الصّناعي المتحضّ. وأخذ أهمّية وجهة النّظر العلمية في التعامل عن والدته، عدويّة سات أوغلو التي تنحدر من عائلة مشهورة بطلب العلم. كان يمضي فترة الصيف في طفولته بمدينة إزمير عند أخواله، حيث تعرّف على أقرب المدن إلى الغرب في تركيا في ذلك الحين. كما ورث عن عائلته الشعور بالتفاؤل والنظر إلى المستقبل، ولم يأخذ بشعور الحنين السوداوي والاستعداء الذي

كان متفشيًا بين الشرائح المحافظة من الأتراك، بسبب العيش لعقود طويلة في مجتمع يفرض قيمه العلمانية والحداثية. دخل عبد الله غُل حقل الفكر والسياسة منذ أيام المدرسة، إذ اهتم بقراءة الروايات الغربية ومناقشة الكتب مع زملائه. وفي هذه المرحلة تعرّف على "مجلة الشرق الكبير" ومؤسّسها، نجيب فاضل أكيوريك، والذي ذكر غُل أنّه كان أكثر المفكرين تأثيرًا فيه، على الرغم من اختلافه معه في بعض أفكاره. ركّز نجيب فاضل على وطنية الإسلام بدلً من عالميته، الفكرة التي ناقضت فكرة حركة النور وزعيمها، بديع الزمان النورسي، العالمية الطابع. وتلخّصت أفكار مجلة الشرق الكبير في: أنّ المجتمع التركي المسلم فقد روابطه مع ماضيه، بخسارته اللغة والأخلاقيات والذاكرة التاريخية، نتيجة تغريب المجتمع. أنّ الإصلاحات الكمالية سعت بقوة إلى تدمير القوة الروحية الداخلية للأمّة التركية. أنّه يمكن عكس مسار مشروع اللاأسلمة بصعود نخبة حاكمة تملك ذهنية الإحياء التركية والإسلامية. كما بثّ فاضل في الشباب قيمً أربعًا: العاطفة، والبطولة، والتوبة من الذنوب، والفداء، ولكن غُل اكتفى من هذه الأربع بالعاطفة والتعلق بالقضية وبالبطولة، ولم تكن تشغله الذنوب والتوبة والفداء. ومن هذه المرحلة برز اهتمام غُل بالسياسة والتاريخ وانشغاله بها عن المسائل الروحية. كان تميّز غُل واضحًا في جامعة إسطنبول حيث درس الاقتصاد. لقد كان قارئًا نهمً وناشطًا في الاتحاد الوطني للطلاب الأتراك، وهو ما نمّى قدرته على إيجاد التسويات، وحلّ الخلافات بين اليمين واليسار مع تصاعد وتيرة الاستقطاب بينهما. يقول أحد زملاء غُل في الحركة الطلابية في الجامعة: "كُنّا مُسلمين ولم نكُن إسلاميين"، وكان السؤال الأهم في ذهن غُل في تلك الفترة: كيف يكون الفرد تركيًا ومسلمً ومواطنًا، في جمهورية علمانية، في الوقت نفسه؟ شاهد غُل في السّنتين اللتين قضاهما في بريطانيا للدراسة صورة جديدة للإسلام، إذ تعرّف إلى مسلمين من مختلف دول العالم في صلاة الجمعة خاصة. وتعرّف إلى نوعية الحياة الاجتماعية المختلفة في المسجد. وفي لندن طلب من إحدى الكنائس القريبة من سكنه السماح له بأداء صلاته فيها، ووافقت الكنيسة. يقول غُل إنّ التّنوع بين المسلمين في لندن كان صادمًا أكثر من التّنوع الذي شهده في مكة والمدينة لاحقًا، حتى أنّ تنوع مظاهر المسلمين وسلوكاتهم وأزيائهم وحتى مستواهم المعيشي في لندن دفعه إلى التشكيك في معتقداته وسلوكاته الخاصة. وكانت الصدمة الثانية في حديقة هايد بارك الشهيرة، حيث سمع خطابات الأجانب تُعارض الحكومة البريطانية وتنتقدها، على نحو لم يعهده في حياته في تركيا. تعلّم غُل من نجيب فاضل كيف يُعجب بالغرب وفي الوقت نفسه ألّ يثق به، وينظر وراء ادعاءاته المتبجّحة بحضارته وحداثته، ويعرف انحلاله ورغبته في السلطة. إلّ أنّ ماكلين يقول إنّ غُل رأى أنّ أوروبا لم تكن حضارة مُنحلّة كما وصفها نجيب فاضل، لكنها كانت نموذجًا على الحريات الديمقراطية والرأسمالية الغربية التي تمكّنت على الرغم من الأزمات الاقتصادية وتظاهرات العمّ ل من توفير منافع هناك، في الوقت الذي كانت الحاجة ماسّة إليها في تركيا.

ارتفعت موجة الاستقطاب في الستينيات والسبعينيات بين اليمين واليسار؛ وتمثّلت بمسيرات وخطابات من جهة، وصراعات واشتباكات مسلحة من جهة أخرى. كان عبد الله غُل معروفًا بميوله اليمينية القومية، إلّ أنه نأى بنفسه عن العمل السياسي بعد عودته من بريطانيا واتجه إلى إكمال مسيرته الأكاديمية. فأحرز شهادة الدكتوراه من جامعة إسطنبول في الاقتصاد، وكان موضوع أطروحته في العلاقات الاقتصادية بين تركيا والدول الإسلامية. تزوّج غُل من "خير النّساء أوزيورت" في عام 1980، إلّ أنّه سُجِن في الليلة التي وصل فيها إلى بيته في إسطنبول الذي وافق بالصّدفة يوم الانقلاب العسكري. كان ابتعاد غُل عن السياسة إلى جانب وضعه المادي الصعب دافعًا له ليتقدّم للعمل في البنك الإسلامي للتنمية في جدّة، الأمر الذي فتح له بابًا ليطوّر معرفته للعلاقات الاقتصادية بين الدول الإسلامية، ويضيف إلى ما اكتسبه في رسالة الدكتوراه. فكان على تواصل يومي مع بنوك من دول إسلامية في مختلف أنحاء العالم، واطّلع عن قُرب على الحروب في لبنان والعراق وإيران.

تقدّم غُل بمبادرة لاستغلال اللحوم التي تنتج عن ملايين الأضحيات التي يذبحها الحُجّاج سنويًا، وكان أول من بدأ بتنفيذها، فقد أخذ إجازة من العمل وأشرف على ذبح اللحوم وتجميدها وتوزيعها للمحتاجين في أفريقيا والدول الاسلامية. انعكس نمط الحياة في جدة إيجابيًا على عائلة غُل مع تحسّن مستواه المعيشي، وكذلك على زوجته التي انتقلت إلى مجتمع محافظ أكثر تطورًا من النواحي الخدمية من تركيا في تلك الفترة، لتتأقلم مع المجتمع في جدة وتتبوّأ مكانة مهمّة بين عوائل الموظفين الأجانب في جدة، بمعرفتها بمدارس المدينة ومؤسساتها الخدمية.

الواقع السياسي التركي من مندريس إلى أوزال

نجح مندريس في الانتخابات على رأس الحزب الديمقراطي الذي انبثق عن حزب الشعب الجمهوري. تبنّى مندريس انفتاحًا اقتصاديًا بمساعدة الاستثمارات الأميركية أدّى إلى تطور البنية التحتية وتحسن المستوى المعيشي لعدد من شرائح المجتمع. وأتاح حريات دينية مثل السماح برفع الأذان باللغة العربية وإطلاق سراح عدد من المفكّرين الإسلاميين مثل بديع الزمان سعيد النورسي، ما أكسبه كذلك رضا المحافظين، وفي المقابل حرّض الطبقة العلمانية الكمالية المتغلغلة في الدولة العميقة ضدّه. وتحسّنت علاقات تركيا مع الولايات المتحدة، فقد شاركتها في الحملة العسكرية على كوريا، وانضمت لحلف الناتو، وبدأ بتنفيذ البرامج المبنية على خطّة مارشال، وتماشيًا مع توجّه المعسكر الغربي حظر مندريس الأحزاب اليسارية ما أثار حفيظة اليساريين. كما حاول مدّ سلطة الدّولة وفرضها ليواجه زعامات حزب الشعب الجمهوري الذين رأوا أنّهم القادة الطبيعيون للجمهورية. لكن التقى حزب الشعب الجمهوري في النهاية مع الجيش التركي الذي سيطر على البلاد وأعدم مندريس. برز حزب العدالة بقيادة سليمان دميريل وريثًا للحزب الديمقراطي، إلّ أنّه اختلف عنه بأنّه لم ينبثق من النّخبة الكمالية وخرج من الريف ومن بلدات أصغر، وكان رئيس فرع الحزب في قيصري عمّ عبد الله غُل. كان دميريل محافظًا وخطيبًا مفوّهًا. وصل إلى السلطة في عام 1965، وأجرى تغييرًا دستوريًا أسّس ما سمّي في حينها الجمهورية التركية الثانية. وبموجب الدستور أ سّس مجلس الأمن القومي الذي منح الجيش التركي أول مرة قوة سياسية مباشرة. كما ارتفع المستوى المعيشي للأتراك عمومًا وللعاملين في قطاع الزراعة بنسبة 20 في المئة. ركب دميريل حسب وصف ماكلين موجة الاقتصاد، وفي الوقت نفسه قمع الحركات اليسارية، وتصاعد الاستقطاب في البلاد ليصل ذروته عام 1971، فتدخل الجيش وتولّ السلطة مرة أخرى.

انفتح حقل الفكر السياسي التركي على مصراعيه مع ولادة عبد الله غُل وما سُمّي ب "هزيمة العلمانية التركية"، بعد خروج حزب الشعب الجمهوري من السلطة عام 1950. وظهرت الحركة النّورسية نسبة إلى بديع الزمان سعيد النورسي. لقد سعى النورسي من خلال "رسائل النور" إلى إعادة تقديم السلوك الإسلامي التقليدي في العلاقات الشخصية بما يتواءم مع مجتمع الصناعة والاتصالات النّاهض. فكان أن تطورت الحركة محليًا ودوليًا لتوصف لاحقًا بأنها أقوى الحركات الاجتماعية والسياسية تأثيرًا في تركيا الحديثة. أنشأ نجم الدين أربكان بدعم من أفراد في الحركة النورسية عام 1970 حزب النظام الوطني، وهو أول حزب تركي بخلفية إسلام سياسي، وكان يسعى لتمثيل الطبقة الوسطى الدّنيا التي كانت تعاني من نمو الشركات الكبرى والاحتكار في الأناضول، إلّ أنّ الحزب أغلق بقرار قضائي من المحكمة الدستورية بعد إنذار من قادة الجيش. أنشأ أربكان بالتعاون مع التحالف نفسه حزب السلامة الوطني عام 1972، تحت شعار "تركيا العظيمة مرة أخرى"، والذي دعا أول مرة إلى إحياء الماضي العثماني "حين كانت الدولة مسلمة وقوية في الوقت نفسه." أسّس أربكان حزب الرفاه عام 1983، ولكن لم يتمكن الحزب من تشكيل حكومة حتى عام.1996 بعد تصاعد الصراع بين الأطياف السياسية في الشارع التركي ووصوله إلى اشتباكات مسلّحة، وصلت إلى درجة وصفها بأنّها حروب بالوكالة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، نأى الجيش التركي بنفسه عن هذه الصراعات. ورأى محللون أنه تعمّد ترك الصراع ليتصاعد في سياقه الذي كان واضحًا في تلك الفترة، لتتشكل أرضية ترحب بتدخله لإعادة الاستقرار والأمان، ليسيطر الجيش بقيادة الجنرال

كنعان إيفرين على السلطة في 12 أيلول/ سبتمبر 1980، ويغي الدستور ويقود البلاد من خلال مجلس الأمن القومي لثلاث سنوات. أغلقت كل الأحزاب السياسية واعتُقل قادتها، وأطلق سراحهم لاحقًا. وبعد رفع الحظر عن الأحزاب السياسية، أنشأ تورغوت أوزال الخبير الاقتصادي التركي والنائب السابق لرئيس الوزراء سليمان دميريل عام 1983 حزب الوطن الأم، وانتصر في الانتخابات في العام نفسه ليتولى رئاسة الوزراء لدورتين انتخابيتين. شهدت مرحلة أوزال تطورًا وانفتاحًا في اقتصاد تركيا وعلاقاتها الخارجية، ويرى خبراء في السياسة التركية أنّها وضعت حجر الأساس للنّهضة التركية الحديثة. انتُخ ب أوزال رئيسًا للجمهورية عام 1989، إلّ أنّه اضطلع في الوقت نفسه بعدد من مهمات رئيس الوزراء الذي لم يُبدِ أي معارضة لذلك.

غ ل يدخل الحقل السياسي

دعا قادة حزب الرّفاه عبد الله غُل للترشح للانتخابات البرلمانية عام 1991 بصفة مرشح للحزب عن مدينة قيصري. كان غُل قادمًا من السعودية في إجازة، واقتنع بدفع من أهله وأصدقائه لاحقًا بدخول الانتخابات. كان من بين المرشحين الأصغر سنًا، ولم يتفق مع كل أفكار زعيم الحزب أربكان الذي كان يدعو إلى سوق إسلامية مشتركة وعملة مشتركة، ما أثار هجومًا إعلاميًا تجاهه. لم يتفق غُل مع هذه الأفكار علنًا، وقال إنّ تنفيذها غير ممكن، وفي الوقت نفسه قدّم خطابًا متميزًا نمّ عن خبرة كبيرة اكتسبها من تجاربه السابقة. وفي العام نفسه، أقنع غُل رجب طيب أردوغان الذي تعود معرفته به إلى الاتحاد الوطني للطلبة الأتراك، بالترشح للانتخابات، ودخل الاثنان الانتخابات ونجحا فيها، إلّ أنّ أردوغان مُنِع من تولي منصبه. عُيِّ غُل في لجنة التخطيط والموازنة، ثم انتقل في العام التالي ليكون ممثّل تركيا في الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي، المنصب الذي شغله غُل حتى عام 2001. مع بداية وجوده في المجلس الأوروبي، كانت النقاشات تدور حول الدول الأوروبية المتشكلة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. دعا غُل إلى تقديم الدعم للمسلمين في البوسنة مشيرًا إلى أنّ حصار الصّب لم يكن كافيًا، وظل مهتمً بإجراء محاكمات دولية لمرتكبي جرائم الحرب في البوسنة حتى عام 2014. كما اقترح غُل قرارات لإدانة قيام إسرائيل بطرد فلسطينيين من أراضيهم. في عام 1994، فاز رجب طيب أردوغان في الانتخابات المحلية برئاسة بلدية إسطنبول، واكتسح مرشّحو حزب الرفاه بقيادة عبد الله غُل الانتخابات البلدية في مدينة قيصري ليحافظوا على مناصبهم ويصبحوا من مؤسسي حزب العدالة والتنمية. ومع صعود حزب الرّفاه بدا واضحًا أنّ تيارًا من المسلمين المحافظين بدأ يسيطر على الساحة السياسية في تركيا. لقد مثّلت انتخابات عام 1995 تحولً تاريخيًا لعبد الله غُل، في عشية الانتخابات في آخر شهر تشرين الثاني/ نوفمبر صرّح غُل لمراسل صحيفة الغارديان قائلً: "هذه نهاية عصر الجمهورية." وأيّد غُل تحويل وضع العلمانية في الدستور من علمانية تسيطر على الدين إلى علمانية تدعم حرية الدين. نجح الحزب في الانتخابات وشكّل ائتلافًا حكوميًا مع حزب الطريق القويم برئاسة تانسو تشيلر. تولّ غُل منصب نائب رئيس الوزراء والمتحدث باسم الحكومة، ووزير الدولة بمهمة مستشار أربكان للشؤون الخارجية، كما تولى منصبًا في التلفزيون الرّسمي "تي آر تي"، واستلم ملفّات الدول الإسلامية في البلقان والجمهوريات التركية الجديدة التي تشكّلت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وعلى الرغم من خلافه مع أربكان حول مسائل متعلقة بفهم الدين وبوجهة النظر تجاه أوروبا، فإنّه كان الخيار الأول لأربكان بسبب امتلاكه اللغة وخبرته وسمعته المتزايدة في الشؤون الدولية. وفي الوقت الذي كان فيه أربكان يعارض قطعيًّا تقدم تركيا بطلب دخول الاتحاد الأوروبي، كان موقف غُل أقل تشدّدًا، فقد رأى أنّ الطلب لا يمكن تقديمه، ما دامت أوروبا مغلقة أبوابها على نفسها وعلى دين واحد وثقافة واحدة. كانت أولى مبادراته في الانفتاح تجاه الجمهوريات التركية تطوير النظام التعليمي في جمهورية تركمانستان، وتضمن ذلك تقديم ثلاثة ملايين كتاب باللغة التركية.

انقلاب ما بعد الحداثة

شنّت القوات المسلحة التركية والنّخبة العلمانية في البلاد حملة ضد حزب الرفاه لادّعائهم تبنّيه توجهًا إسلاميًا رأوا فيه "تهديدًا للعلمانية"، وتوسّعت الحملة لتشمل كل المحافظين في المجتمع التركي. وفي

شباط / فبراير 1997، أجبر مجلس الأمن القومي أربكان على توقيع حزمة قرارات تتعلق بالعلمانية والإسلام السياسي، ألزمت الحكومة بالحفاظ على الهوية العلمانية بالدولة، وإغلاق عدد من المدارس الإسلامية التي افتُتِحت في عهد أربكان، وإلغاء الجماعات الصوفية. تلت ذلك قضية ضد حزب الرّفاه طلب على إثرها المدّعي العام إغلاق الحزب، ليستقيل أربكان من رئاسة الوزراء في حزيران / يونيو من العام نفسه. وُصِ فت حوادث عام 1997 بانقلاب ما بعد الحداثة، فهو لم يكن انقلابًا بالمعنى التقليدي. فحاول غُل الحيلولة دون إغلاق حزب الرفاه، وسافر إلى الولايات المتحدة ليُحاضر عن "الإسلام والديمقراطية" ويلفت الأنظار لما يحدث في تركيا، واتّهم الجيش بأنّه ارتكب أكبر الأخطاء في تاريخه، وأنّ قضية المحكمة ضد الحزب لم تكن مبنية على أساس قانوني. وفي صيف ذلك العام وُصِ ف عبد الله غُل بأنّه من إصلاحيي حزب الرّفاه ومن قادة جيل الشّباب الذين حمّلوا الأجيال الأكبر سنًا في الحزب مسؤولية خسارة السّلطة، وأنّه رأى "في إغلاق الحزب فرصة لبداية صحيّة أكثر للسياسيين الإسلاميين." وفي نهاية العام زار غُل مع مجموعة من الصحفيين قبر عدنان مندريس، ليُعلن من هُناك أنّه "استشهد ليُثبت سيادة الإرادة الشعبية." وفي تشرين الثاني/ نوفمبر حضر غُل اجتماعًا سريًا أميركيًا تركيًا تناول مسألة إغلاق حزب الرّفاه، واستخدامًا محتملً لقاعدة إنجرليك الأميركية الجوية جنوب تركيا في حال الهجوم على العراق. وعلى الرغم من قرار أربكان إنشاء حزب الفضيلة، فإنّ غُل استمر في جذب الاهتمام العالمي تجاه قضية إغلاق حزب الرفاه. وفي الوقت الذي كان الاتحاد الأوروبي يبحث طلب عضوية تركيا، يستغل غُل الموقف ويتحدث عن عدم شرعية إغلاق أكبر الأحزاب في تركيا. ولمّا سُئل غُل في لقاء إعلامي بصفته زعيم مجموعة الأعضاء الشباب من حزب الرفاه المُعارضين للنّهج القديم للقادة عن رأيه في تأسيس حزب الفضيلة، ردّ بأنّ اسم الحزب في البداية ليس ملُائمًا، لأنّه اسم إسلامي، ويجب أن يكون أكثر عالمية. أ غلق حزب الرفاه وسُجِن عدد من قادته ومن بينهم أردوغان بسبب قراءة قصيدة اتُّهِم بعدها بإذكاء الكراهية الدينية. يقول العضو البارز في حزب العدالة والتنمية بشير أطالاي إنّ غُل فكّر في التشّح لمنصب رئاسة بلدية إسطنبول بدلً من أردوغان، إلّ أنّ أطالاي أقنعه بضرورة وجوده في أنقرة، إذ رأى أنّ "إسطنبول لا تلائم مواهبه." تشكّل حزب الفضيلة من مجموعة من الحرس القديم من حزب الرّفاه وأتباع فكر "الرّؤية الوطنية" لأربكان، وطلب عدد من الأعضاء من غُل ترك الحزب وتشكيل حزب جديد إلا أنّه رفض. اتّجهت أنظار الإعلام نحو الحزب الجديد الذي كان يقوده أربكان من خلف الستار، وظهرت عناوين حول القادة السريين للحزب: رجب طيب أردوغان، وعبد الله غُل، ومليح غوكتشيك، وبولنت أرنج. ولم ينتبه الإعلام إلى ما كان يُدبّره غُل وأردوغان وأرنج وعبد اللطيف شينير في لقاءات بعيدة عن الأنظار في مركز الدراسات السياسية في أنقرة، حيث طوّروا أفكارًا لحزب سياسي مدني بالكامل "يحمي الديمقراطية وحقوق الإنسان... ليس فقط للإسلاميين، وإنما لكل أطياف المجتمع." وفي تلك الفترة بات واضحًا أنّ أردوغان يملك عقلية أكثر حداثة وانفتاحًا من نجم الدين أربكان، وأنّه هو الوريث الأمثل له. برزت على الساحة الإعلامية العالمية في عام 1998 قضية حُكم الإعدام بعد إعدام المواطنة الأميركية كارلا تاكر، وكان غُل في تلك الفترة يحضُ اجتماعات المجلس الأوروبي الذي ناقش الفكرة. في الوقت نفسه تقدّم أعضاء من حزب الشعب الجمهوري في البرلمان باقتراح لإلغاء حكم الإعدام بأثر رجعي عن نشطاء يساريين اعتُقِلوا منذ عقود، فاستغل غُل الفرصة وأعلن دعمه للاقتراح في إطار خطابه المتكرر عن ضرورة إجراء إصلاحات ديمقراطية على النّمط الأوروبي، وهو ما عزّز مكانته بوصفه خبيرًا في الإصلاحات الواجبة التّنفيذ تماشيًا مع المعايير الأوروبية، وحفظ له مكانًا في المستقبل في مشروع إصلاحي مقبل. أ بعِد غُل وأرنج مع عدد من الإصلاحيين من المناصب التنفيذية في الحزب الجديد، وأدركوا أنّ تشكيل حزب الفضيلة كان بهدف الظهور بصورة مختلفة عن حزب الرفاه وضمان الولاء لأربكان. وفي الوقت نفسه أعرب غُل وأرنج عن رغبتهما في توسيع الرؤية الضيقة للحزب، بضمّ أعضاء من أطياف أخرى من المجتمع مثل اليسار. ترشّح أربكان في الانتخابات البرلمانية عام 1999 مستقلً عن مدينة قونيا، وأحرز حزب الرفاه المرتبة الثالثة في الانتخابات التي أسفرت عن تشكيل أضعف ائتلاف حكومي شهدته البلاد بين الحزب الديمقراطي الاشتراكي بقيادة بولنت أجاويد، وحزب الحركة القومية بقيادة دولت بهتشلي، لتدخل البلاد في انهيار اقتصادي خلال ستة أشهر من تشكيل الحكومة.

من رئاسة الوزراء إلى الرئاسة

تشكّل حزب العدالة والتنمية من طيف واسع من السياسيين الأتراك على رأسهم المجموعة الإصلاحية من حزب الفضيلة، وأعضاء من

حزب الوطن الأم الاشتراكي المُحافظ، ومن حزب الطريق القويم من يمين الوسط، وسياسيين من اليسار القومي ويسار الوسط، وعدد من السياسيين الجُدد من أمثال علي باباجان ومولود جاويش أوغلو. وعلى الرغم من تناول وسائل الإعلام للحزب على أنّه إسلامي، فإنّ عددًا من أعضائه رفضوا هذا الوصف وقالوا إنّه لا يعكس الحقيقة، فالعدالة والتنمية في رأيهم حزب ديمقراطي محافظ، والمُحافظة في الحزب تقتصر على القضايا الاجتماعية والأخلاقية. كما صرّح أردوغان لاحقًا بأنّ الحزب ليس إسلاميًا ويرفض وصفه بأنّه إسلامي ديمقراطي، وأكّد وصف "ديمقراطي مُحافظ." وقد وُصِ فت أيديولوجيا الحزب بأنّها نيو عُثمانية أو عُثمانية جديدة، أعادت تنشيط السياسة التركية في الامتداد الطبيعي للإمبراطورية العثمانية سابقًا، الوصف الذي رفضه أيضًا قادة الحزب. تولّ عبد الله غُل رئاسة الوزراء بعد نجاح الحزب في انتخابات عام 2002، لفترة وجيزة قبل رفع الحظر السياسي عن رئيس الحزب أردوغان، ليتولى رئاسة الوزراء ويكون غُل وزيرًا للخارجية. كانت أبرز معارك غُل السياسية عام 2007، فمع قُرب انتهاء فترة رئيس الجمهورية أحمد نجدت سيزر عمّت أرجاء البلاد تظاهرات تحت اسم "تظاهرات الجمهورية" طالبت بمنع حزب العدالة والتنمية من اختيار رئيس جمهورية يتبنّى نفس المنحى الفكري. ترشّح غُل للرئاسة ونجح في الجولة الأولى للانتخابات لتُعلن رئاسة أركان الجيش التركي أنّها لن تقف على الحياد حيال النقاشات التي تدور حول علمانية الدولة. أُبطِلت نتائج الجولة الأولى في الانتخابات ولم يكتمل نصاب الجولة الثانية، فقررت المحكمة الدستورية إجراء انتخابات برلمانية مبكرة، نجح العدالة والتنمية في الانتخابات وأقرّ تعديلات دستورية خفّضت فترة الرئاسة إلى 5 سنوات، وأعطت الحق للرئيس بالترشح لدورتين انتخابيتين. جرت انتخابات رئاسة الجمهورية لثلاث جولات أخرى فاز فيها حزب العدالة والتنمية ليتولّ غُل الرئاسة. تحوّلت سياسة حزب العدالة والتنمية في فترة رئاسة غُل إلى تحييد مؤسسات الدّولة من أيدي الدولة العميقة، وتولّ غُل بصلاحياته الدستورية تعيين بعض أعضاء هيئات الدولة الخدمية والقضائية مثل الجامعات والمحاكم، ليُعيّ موظفين جُددًا في القصر وقضاة في المحكمة الدستورية التي بدأت تفقد دورها الأيديولوجي، وقام غُل بتعيين ثُلث أعضاء محكمة الاستئناف العليا والمحكمة الإدارية العسكرية عام 2008، ثم النائب العام ونائبه عام 2011، كما قام بتعيين أساتذة جامعات في معهد أتاتورك العالي للثقافة والتاريخ أحد معاقل العلمانية في تركيا. وصادق غُل بعد تظاهرات غيزي والمعركة التي انفتحت بين حركة غولن والحكومة التركية على قانون يُعطي وزارة العدل سلطات أكبر على المجلس الأعلى للقضاة والنواب، في محاولة لكبح نفوذ أعضاء الحركة في سلك القضاء. لم يُخفِ غُل آراءه المخالفة لأردوغان فيما يخص التعامل مع التظاهرات وتناول ملف الحريات، كما أعلن صراحة رفضه النظام الرئاسي الموضوع على أجندة حزب العدالة والتنمية.