روسيا: الجيوستراتيجيا فوق الأيديولوجيا وفوق كل شيء

عزمي بشارة

الملخّص

هذه ورقة تحليلية في موضوع التدخل الروسي العسكري في سورية. وهو التدخل العسكري المباشر الوحيد لدولةٍ من خارج المنطقة، وقد سبقتها إيران بالتدخ ل بأشكال أخرى. ولم ترسل أيّ دولة سواء أكانت عربية أم غير عربية، خبراء ومقاتلين ضد النظام ل الدول الأجنبية المباشر لمصلحته حصريًا السوري. فالنظام هو الطرف الذي جاء تدخ. لن تقرأ الورقة هذا التدخل بمنهج القوى المتصارعة في سورية والوطن العربي حاليًا. فالناطقون باسم كلً طرف يعدّون أيّ تدخل أجنبي لمصلحته تضامن ا، ويقبّحون أيّ تدخل لفائدة الطرف الآخر بوصفه تدخل ا إمبرياليًا؛ بل ستقرأ ذلك من زاوية دوافع روسيا نفسها التي قرّرت التدخل. فلسوء حظ القوى المتصارعة في الوطن العربي حاليًا، لا يقرر أيّ منها من يتدخل عسكريًا في منطقتنا. فهكذا يمكنها أن تستدعي مثل هذا التدخل أو تدينه، ها لا تقرر بشأنه ولكن. إنّ الذي يقرر عدالة قضية أو عدم عدالتها هو ليس التدخ ل العسكري لمصلحتها، بل القيم والمبادئ التي تمث لها، والممارسات التي تبررها بهذه القيم والمبادئ. تجد هذه المقولة في الحالة السوريّة أوثق إثبات لها لأنّ الدول الحليفة للأطراف السورية لا تتمايز فيما بينها بدرجة الأخلاقية. وهي تنحاز لهذا الطرف أو ذاك لأسباب لا علاقة لها بقضية الشعب السوري نفسها. لذلك يبقى عبء عدالة القضية ملقى كل ه على من يناضل في سورية. فهو الذي ا عليه أن يجيب عن سؤال التاريخ لاحق.

بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، مرّت روسيا بمرحلةٍ من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي منعتها من الحفاظ حتى على مناطق النفوذ المتاخمة لها، والقريبة منها. وكأنّ سقوط حلف وارسو لم يكن كافيًا، انضمّت بعض دول أوروبا الشرقية إلى الناتو، ثم اقترب الناتو من ضمّ دول كانت جمهوريات سوفييتية سابقًا، جاء هذا بالتوازي مع امتداد الاتحاد الأوروبي ملتهمً أوروبا الشرقية. ومنذ ما بعد تلك الفترة مباشرةً، جرت محاولة روسية لاستعادة دور الدولة الكبرى التي تدافع عن مناطق نفوذها القريبة، تمهيدًا لاستعادة دورٍ عالمي يتجاوز الأقاليم المتاخمة سواء أكانت آسيوية أم أوروبية. وثمة قدرٌ كبير من الرمزية في حقيقة أنّ صعود بوتين ارتبط بسياسته العنيفة في الشيشان التي اجتاحها مباشرة. بعد أن عيّنه يلتسن رئيسًا للحكومة في عام 1999، وفي العام نفسه الذي بدأت فيه محاولة بوتين وقف التدهور في مكانة روسيا، انضمت دول بولندا وتشيكيا وهنغاريا إلى حلف الناتو مكملةً عمليّةً بدأت في الأعوام 1989 إلى 1994 بانسلاخ دول البلطيق وقيام الدول الآسيوية الإسلاميّة واستقلال روسيا البيضاء وأوكرانيا.

لم تتبنّ روسيا أيديولوجية عالمية بديلة للشيوعية، ولم تسد فيها ديمقراطية لبرالية. وهي في مسعاها لاستعادة دور الدولة العظمى، تبنّت فكرة الدولة والسيادة والمجال الحيوي بذاتها كأنّها أيديولوجية. لقد أصبحت مصالح الدولة في مجالها الحيوي فوق كلّ شيء. وقد صيغت أيديولوجيًا كقومية روسية بنزعات إمبراطورية متجاوزة القومية الروسية، في مركب متناقض في داخله. فروح الإمبراطورية (إذا صحّ التعبير) تتناقض مع الفكر القومي لأنّها تقوم على التنوّع، وإذا سادت القومية الشوفينية إمبراطورية يصبح انهيارها مسألة وقت. وتلاءمت مع طروحات الدولة العظمى هذه عقيدة جيوستراتيجية، هي العقيدة الأوراسية التي تجمع بين السلاف ومسلمي آسيا الوسطى على حدود الشرق الأوسط في مواجهة حلف الناتو، وبتحالف مع إيران ودول ذات أيديولوجية قومية مثل سورية وليبيا. وقد نظّر ألكسندر دوغين لذلك بصورة منهجية1. وكانت المحاولة الروسيّة الأولى لوضع حدٍ للتمدد الأميركي اجتياح جورجيا وطرد القوات الجورجيّة من أبخازيا وجنوب أوسيتيا، بل استعرضت قوّتها بتجاوز الحدود إلى أقاليم أخرى من جورجيا ذاتها. لم تأبه روسيا بإدانات الغرب المتلاحقة، ولا بجولات المدمرات الأميركيّة في البحر الأسود، فاعترفت أيضًا باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن جورجيا. وقد صوِّر ذلك علنيًا كنوع من المعاملة بالمثل بالردّ على اعتراف دول غربية كثيرة بانفصال إقليم كوسوفو عن صربيا في شباط / فبراير من العام نفسه. وقد استخدم الرئيس الروسي ميدفيديف سلوك الغرب في كوسوفو لتبرير سلوك روسيا، مع أنّه لو طالبت أقاليم باستقلالها لتركيبتها السكانية فقط لتمزّقت روسيا نفسها2. لم تحاول إدارة بوتين (كان ميدفيديف رئيسًا في حينه) الادعاء أن الخطوة الروسيّة في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية أصحّ من الخطوات الغربية في كوسوفو، لأنّها تخدم قضية أعدل، خلافًا لنهج الشيوعية في التبرير، وخلافًا لنهج أميركا حتى عصرنا هذا. فروسيا لا تسعى لنشر الشيوعية ولا الديمقراطية، ولا للتبشير بدينٍ ما، وما إحياء دور الكنيسة الروسية نسبيًا بعد مرحلة تهميشها في العهد السوفييتي، إلا عودة إلى أحد مركبات الهوية الروسية منذ العهد القيصري. لقد بررت روسيا هذا الموقف الانفصالي بدعم الغرب لانفصال كوسوفو، إذ اعتمد خطاب الأمن القومي على مصالح روسيا الحيوية في ما كان يشكّل يومها الاتحاد السوفييتي. وهذا ليس خطاب معسكر سياسي أيديولوجي يقدّم، أو يدّعي أنّه يقدم، قيمً بديلة عن معسكرٍ آخر، بل خطاب دولة يقوم على الأمن القومي ومصالح الدولة والسيادة الوطنية لا أكثر. وهذه برأينا ليست عودة لنظام القطبين العالميين3. فلم يقم هذا النظام على دولتين عظميين فحسب، بل أيضًا على معسكرين يحملان مشروعين مختلفين للإنسانية جمعاء.

  1. دوغ أسس الجيوبوليتكيا ومستقبل روسيا الجيوبوليتكي، ألكسندر، عماد حاتم(مترجم)، ط 1 (بيروت: دار الكتب الجديدة المتحدة،.)2004
  2. عزمي بشارة، "عودة إلى الحرب الباردة، أم واقع دولي جديد مختلف؟"، المستقبل العربي، 356، (تشرين الأوّل/أكتوبر)2008، 24-9()، ص.18
  3. المرجع نفسه، ص.19

لا تقوم سياسة روسيا في عهد بوتين على أيديولوجية عالمية يحملها معسكرٌ، ويبرّر سياسته بها؛ بل تقوم على وطنية ترتكز إلى رأسمالية دولة، تخاطب المشاعر الوطنية وترفض استغلال الغرب فترة ضعفها. ويتجلى الموقف الوطني والقومي في عدم اعتماد مبدأ مصاغ أيديولوجيًا، والانطلاق من مصلحة الدولة وأمنها القومي، فبإمكان روسيا الجديدة هذه أن تقمع حركة انفصالية بقوة السلاح في منطقة، وأن تدعم حركة انفصالية بقوّة السلاح في منطقة أخرى. الأمر متوقف على الأمن القومي والمصالح الوطنية كما يفهمها النظام4. وبهذا المعنى لا توجد مواقف ثابتة بل مصالح ثابتة، وحتى المصالح يمكن أن تكون متغيرة. وهذا هو بمفهوم كارل شميت جوهر السيادة، أنّه التمييز بين العدوّ والصديق، من منطلق مصلحة الدولة، والمعايير التي تسري على الصديق لا تسري على العدوّ. ولهذا كان كارل شميت سوف يضحك ملء فمه من النقاش "الأخلاقي" الدائر في عصرنا حول ازدواجية المعايير. إنّه بالنسبة إليه إمّا كلام الساذجين أو الضعفاء.

في عام 2008، عام تدخّل روسيا في جورجيا، كانت سورية تتجاوز لتوّها مرحلة عزلتها الدبلوماسية بعد اغتيال رئيس حكومة لبنان رفيق الحريري. وقد استخدمت المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل بوساطة تركيّة لكسر العزلة، وعملت على تجديد العلاقة مع فرنسا بعونٍ من قطر (في حينه كانتا دولتين حليفتين، فجرى تجاهل عضوية تركيا في الناتو، والقاعدة الأميركية والمكتب الإسرائيلي الذي كان قائمًا في حينه في قطر، بل وأكثر من ذلك، فقد عُدّت هذه سوريًّا نقاطًا إيجابية لمصلحة التحالف مع الدولتين.) ولم تتردد سورية في المبادرة إلى تأييدٍ علني رسمي على لسان رئيسها للهجوم الروسي المضادّ على جورجيا في ذلك العام. وربما قلةٌ من الناس تتذكر هذه الخطوة السوريّة بدعم التدخل الروسي في جورجيا بموقف من الرئيس السوري مباشرةً. وكأنّ سورية دولة عظمى عليها أن تتخذ موقفًا حتى مم يجري في القفقاز. كما أنّها لم تُخف رغبتها في استخدام هذا التطور في السياسة الروسيّة لإقناع روسيا بتطوير تسليحها، بخاصة بعد أن تبين حجم التورط الإسرائيلي العسكري والسياسي في جورجيا، فقد كانت إسرائيل متورطة في دعم الحكومة الجورجية عسكريًا. ولكن روسيا لم تتجاوب مع هذا الطلب، بل وثّقت علاقاتها مع إسرائيل للتفاهم معها. من الواضح أنّ روسيا لا تقوم حاليًا عبر تدخّلها العسكري المباشر بمكافأة النظام السوري على موقفه المؤيّد للتدخل الروسي في جورجيا عام 2008. فلدى روسيا دوافع أخرى شبيهة بدوافعها في جورجيا، ولكن في دائرة نفوذ بقطر أكبر، وفي مواجهة إدارة أميركية محبطة من التطورات في العراق، وأخرى لم تكن على رأس عملها بعد عند وقوع التدخل العسكري الروسي. لا نذكر ذلك للإضاءة على ما طواه النسيان في العلاقة الروسيّة السوريّة فقط، فالأهمّ هو أنّ الحديث يدور عن دول ترى أنّ لها مناطق نفوذ تريد أن يحترمها الغرب، وتحديدًا الولايات المتحدة، وأن لا يعمل على تقليص هذا النفوذ. ينطبق هذا على موقف سورية في لبنان الذي لم يتمكن النظام السوري من الدفاع عن وجوده العسكري المباشر فيه، وينطبق على روسيا في مناطق عديدة متاخمة في أوروبا وآسيا، وإيران في العراق والخليج. ثمة شبَهٌ بين هذه الدول في فهمها للسيادة الوطنية ومجالها الحيوي، ومناطق النفوذ، وحقّها في القيام بدور بعد انهيار عالم القطبين. وكأنّ الرئيس السوري في حينه عدّ فعل بوتين الذي أيّده في جورجيا، معبّ ا عمّ لم يعد هو قادرًا على فعله في لبنان. من هذا المنطلق، لم تهتم روسيا كثيرًا بقضايا الشعوب المنتفضة في أوكرانيا وجورجيا وقرغيزيا في العقد الأول من هذا القرن، بل رأت فقط دعم الغرب قوى سياسية/ اجتماعية في مناطق نفوذه؛ وبالعقلية ذاتها قاربت الثورات العربية جميعها سلبيًا، فقد اتخذت منها موقفًا معارضًا منذ عام 2011. وفي هذه الحالة اختلط الخوف من تمدّد التيار الإسلامي مع الخوف من التأثير الغربي في مركب تلفيقي متناقض. فالغرب خشي من دعم هذه الثورات بسبب الخوف من التيارات الإسلامية الذي يشارك فيه روسيا. مع الفرق أنّ الخوف الأحادي في حالة الدول الغربية جعلها تتردّد في دعم الثورة في سورية، في حين أن الخوف المزدوج من الغرب والإسلاميين دفع روسيا إلى العمل بقوة مع حليفها. وربما يمكن تشخيص عوامل أعمق مثل نفور أصحاب أيديولوجية الدولة والسيادة منذ كارل شميت من الثورات عمومًا.

  1. المرجع نفسه، ص.21

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي دخلت العسكرية الروسيّة في حالة من الأفول والمعنويات المنخفضة، وعانت مشاكل متعلّقة بنقص العتاد وانتشار الفساد ونقص التدريب والانضباط. لقد أظهر اجتياح جورجيا عام 2008 نواقص عديدة تجلّت في تكرّر الفشل العملياتي مع أنّ القوات الروسيّة انتصرت على قوّة أصغر منها بكثير في النهاية. وبعدها وضعت خطّة لبناء جيش روسي حديث وإعادة هيكلة الجيش القائم مع تصغير حجمه وتحديث سلاحه حتى عام.2020 وبدأت أكبر عملية بناء للجيش الروسي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي مع زيادة ميزانية الدفاع. والحديث هو عن تخصيص 720 مليار دولار لتحديث السلاح الروسي بين الأعوام 2010 إلى 2020، أي 72 مليار دولار سنويًّا. وبدأ الكرملين في اتباع خطٍ أكثر تشددًا نحو الخارج، وعادت دوريات الاستطلاع التي كانت تقوم بها المدمرات السوفييتية في المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، ومددت امتيازات القواعد العسكرية في أرمينيا وطاجيكستان، ويجري تخطيط قواعد جوية في بيلاروسيا وتخصيص ميزانيات أكبر للمناورات العسكرية مع الصين. وعندما ضمّت روسيا القرم في عملية سريعة من القوات الخاصة ظهر أنّ هذه القوات في آذار / مارس 2014 أفضل تدريبًا من قوات عام 2008. لكنّ روسيا تجد صعوبة كبرى في الحفاظ على ميزانية عسكرية تبلغ 9 في المئة من مجمل الدخل القومي، وهي تحتفظ بقوات بأعداد صغيرة في أرمينيا وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وقرغيزيا وطاجيكستان، وبأعداد كبيرة على حدود أوكرانيا الشرقية بالطبع. وفيما عدا التناقض بين القومية والنزعة الإمبراطورية، تواجه روسيا معضلات أخرى بنيوية. وليس المقصود مشكلات من نوع انخفاض أسعار النفط، على أهمية هذه المادة الخام للاقتصاد الروسي، بل قضايا أكثر بنيوية مثل انخفاض عدد سكان روسيا باستمرار منذ عام 1990. ويبدو أنّ مؤشرات النموّ الروسيّة تمثّل ظاهرة غير مسبوقة لمجتمع صناعي متعلّم لا يعاني الأميّة، وليس في حالة حرب... فنسبة الوفيات عالية، ونسبة الخصوبة متدنية، ونسبة هجرة المتعلمين عالية أيضًا. وهذه تميز عادةً دولة نامية. ويبلغ عدد سكان روسيا حاليًا 144 مليون منهم 21 إلى 23 مليون مسلم. وتزداد نسبة السكان المسلمين، وتزيد بينهم نسبة الولادة وتقلّ نسبة الوفيات عن حالة روسيا. ولا شكّ في أنّ لدى روسيا خشية كبيرة من مسألة الحركات الراديكالية الإسلامية، فبعد الشيشان يبدو أنّ المعارضة الإسلامية تنمو في طاجيكستان5. ولا شك في أنّ هذا العامل يدخل في حسابات سياسة روسيا في الشرق الأوسط. وهي لا تخفي ذلك. وعلى الرغم من المشاكل البنيوية التي تعانيها، ليس في السياسة الروسية بوادر لتقليل تدخّلها في الدول الجارة. ومع تدخّلها العسكري المباشر في سورية قامت بعمل غير مسبوق، حتى في تاريخ الاتحاد السوفييتي (ما عدا أفغانستان التي تؤشر إلى نهاية الحقبة السوفييتية)، وذلك بالتورط العسكري المباشر خارج منطقة حلف وارسو. فهي لم ترسل قوات إلى فيتنام، ولا إلى كوبا. وفي عام 1972 أمَر أنور السادات بإخراج الخبراء السوفييت من مصر، وأنهى بذلك عهد الوجود العسكري الروسي على شكل طيارين وخبراء في المنطقة. والآن بعد ثلاثة وأربعين عامًا، تعود القوات الروسيّة على شكل تدخّل مباشر لا يكتفي بغطاء الخبراء.

يبدو لي أنّ هدف السياسة الروسيّة القريب حماية نظام الأسد حليف موسكو من الانهيار والسقوط، ولكن إنقاذ النظام ليس هدفًا بحد ذاته، بل هو وسيلة لإثبات الذات والتقدّم خطوةً أخرى للقيام بدور دولة عظمى عالميًا، وهذه المرة في الشرق الأوسط. وهنا يخطئ النظام السوري إذا حسب أنّ إنقاذه هو هدف التدخل الحصري. فإنقاذه مؤقتًا هو وسيلة النفوذ الروسي. وبوجود روسيا عسكريًا في سورية، لم يعد النظام سيّد مصيره، ولم يعد حتى لاعبًا على الساحة الدولية، إذا أصبحت روسيا تقرر عنه في أيّ مفاوضات دولية تجري بشأن سورية.

  1. Anna Borshchevskaya, "Russia in Syria (part 1): Declining Military Capabilities Won't Hold Moscow Back," The Washington Institute for Near East Policy , September 08, 2015, at: http://goo.gl/RYhlPD.

لقد انتقد بوتين النظام السوري، واعترف بالحاجة إلى تغيير سياسي، ولكنّه رفض وقف دعم الأسد مؤكدًا أنّ دعم النظام هو جزء من الحرب ضدّ التطرف والإرهاب. لكنّ الدعم الروسي للنظام في دمشق يعود إلى ما قبل نشوء التنظيمات الإسلامية المسلّحة في الثورة. كما أنّ روسيا وقفت ضد كلّ الثورات العربية، وحتى ضد ثورة يناير المصرية السلمية دون علاقة بالإرهاب أو غيره. والقول هذا لا يقلل من أهمية الدور الذي قامت به هذه التنظيمات في إضعاف قضية الشعب السوري على المستوى الدولي، وتحويل الثورة إلى احتراب أهلي على المستوى الوطني. لكن الخطوات الروسيّة تضع موسكو في حالة عداء ليس مع التنظيمات الإسلامية فقط، بل مع مجمل المعارضة السوريّة، سيمّا وأنّ استهداف المدنيين السوريين يجري منذ البداية بأسلحة روسيّة. من الواضح أنّ التورط الروسي في سورية يمنع أو يعقّد أيّ احتمال تدخّل أميركي في سورية، ويعقّد حتى فكرة منطقة آمنة أو منطقة حظر طيران. فالوجود الروسي يقلّل من خيارات الولايات المتحدة. ولا شك في أنّ التدخّل هذا جرى بعد حساب دقيق لاحتمالات الرد الأميركي، بتوقّع ردّة فعلٍ ضعيفة من الولايات المتحدة6. كان غياب الإستراتيجية عند إدارة أوباما، هذا الغياب الذي يحظى بتأييد الرأي العام الأم كيرر، العاملَ الرئيس في حسابات بوتين الإستراتيجية عند حساب ثمن التدخّل؛ وذلك لناحيتين: 1. الفراغ الذي خلّفه غياب هذه الإستراتيجية، وهو الباب الذي دخلت منه روسيا، 2. التنبؤ بردة فعل أميركية فاترة ما يجعل ثمن هذا التدخل ضئيل مقابل إنجازاته. وفي هذا السياق، يقارن بعض المعلقين بين سياسة أوباما الخارجية وسياسة كارتر. ولا يوجد في الحقيقة ما هو أكثر اختلافًا. لقد كانت إدارة كارتر فاعلة جدًا، ومؤثرة جدًا في السياسة الخارجية، ففي فترته خرجت مصر من الصراع العربي الإسرائيلي، ووقع اتفاق كامب ديفيد الذي يعدّ أعظم نجاح للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وأكبر ضربة للعرب في الصراع العربي الإسرائيلي، لكن ثورة إيران وما ترتَّب عليها هي التي أوجدت الشعور بالخيبة والفشل. ففي عام 1979 حين قاد يوري أندروبوف الاتحاد السوفييتي إلى التدخّل في أفغانستان، وكان في حينها رئيس جهاز المخابرات الروسي، ردّت إدارة كارتر ردًا حادًا، ولكن بوسائل سرّية، فقد تحالفت مع ضياء الحق في باكستان والسعودية تحت قيادة الملك فهد (وليّ العهد في حينه) بعد أسبوعين من احتلال الروس كابول، ووصلت أوّل دفعة سلاح إلى كراتشي. لكن بسبب فشله في تحرير الرهائن في إيران لم يحصل كارتر على الرصيد الذي استحقّه. فإستراتيجيته هي التي حوّلت أفغانستان إلى فيتنام روسيا، بل حصل عليها ريغان الذي جعلها إستراتيجية علنيّة في مواجهة الاتحاد السوفييتي. في المقابل، كانت محاولة باراك أوباما المترددة جدًا لدعم "المجاهدين" في سورية ضعيفة وفاشلة. ولذلك، وإذا لم يجْر التوصّل إلى حلٍ سياسي مع الروس في سورية، فسوف يضطر أوباما أو الإدارة المقبلة إلى تغيير إستراتيجيتها في سورية، وربما في الشرق الأوسط عمومًا.

يتلاءم القرار الروسي بالتدخّل في سورية مع الإستراتيجية الروسيّة العريضة بتسوية الصراع في سورية بموجب شروط موسكو، وهذا ما حاولت موسكو أن تنجزه في اتصالاتها مع الدول الخليجية. ويستمر بوتين في الإصرار على أنّ أيّ تسوية سلام في سورية يجب أن تتأسّس على الدولة السوريّة القائمة وبناها ومؤسساتها مع بعض المشاركة في السلطة بين النظام القائم في دمشق والعناصر التي يختارها من المعارضة السوريّة. يمكن تلخيص أهداف التدخل الروسي بما يلي: أول، على المدى القصير يرمي التدخل العسكري لجعل النظام يصمد مدّة كافية حتى تحصل موسكو على الاختراق المرغوب فيه على المسار الدبلوماسي. ولا شكّ في أنّ الوجود العسكري الروسي في سورية لا يهدف إلى مكافحة الإرهاب، فهذا كلام للاستهلاك الإعلامي السريع، بل إلى دعم النظام، وتعريف ثانيًا الإرهاب مرون ومطواع لأهداف الدول الكبرى.، بعد التدخل الروسي يصبح أيّ تدخل عسكري خارجي في سورية أمرًا صعبًا للغاية. وهذه رسالة للأتراك والغرب على حدٍ سواء. وبرأيي دخل التحضير للتدخل العسكري المباشر طور التطبيق فور بدء التحركات لإقامة منطقة آمنة في شمال سورية، ودعم الثوار للسيطرة على محافظة

  1. Michael Singh & Jeffrey White, "Why an Expanded Syria Presence in Syria Would Carry Big Risks for Russia," The Wall Street Journal , September 8, 2015, at: http://goo.gl/53J78x.

إدلب. لقد تأخرت تركيا وحلفاء الشعب السوري كثيرًا في تحقيق إنجاز ثالثًا على هذا المستوى.، يعزز الروس وضعهم الدبلوماسي ويصبح من الصعب اتخاذ أيّ قرار في سورية من دون مشاركتهم الحاسمة. وقد ازدادت فعلًالاتصالات الدبلوماسية بين الغرب وروسيا منذ التدخل في سورية، ولا سيمّا بعد مرحلة من البرود ومحاولة فرض حصار غربي عليها بعد التدخل في أوكرانيا وضمّ شبه جزيرة القرم7.

ولأنّ هدف التدخل المباشر هو منع النظام من السقوط، فقد وجّهت الضربات الرئيسة للمناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلّحة والمتاخمة لمناطق النظام، ولا تسيطر الدولة الإسلامية على مناطق كهذه إلا قرب حلب ودير الزور، فكانت الضربات الروسية الأولى موجَّهة إلى المناطق المتاخمة لتلك التي يسيطر عليها الجيش السوري وتحديدًا في الشمال الغربي حيث بدأت بقصف منطقة سلمى وما يسمى جبال التركمان والأكراد في اللاذقية (وهي تسميات جديدة بحدّ ذاتها)، لمنع التهديد الذي تمثّله المعارضة على قاعدتها البرية في حميميم والساحل عمومًا، وكذلك على جبهة ريف حماة الشمالي والغربي (كفرنبودة، والتمانعة، وخان شيخون)، وقرى سهل الغاب، لإعاقة مساعي المعارضة الرامية إلى السيطرة على كامل سهل الغاب، وبخاصة قرية جورين والتي تعدّ بوابة الدخول إلى الساحل من جهة حماة. من جهة أخرى، تركزت الغارات الجوية على مناطق ريف إدلب الجنوبي لإحداث ثغرة في دفاعات المعارضة بما يساعد قوات النظام على استعادة مساحات واسعة من إدلب التي خسرها في الأشهر الأخيرة، وفتح طريق دمشق – حلب الدولية. لكنّها باءت بالفشل بعد نجاح فصائل المعارضة في إفشال الهجوم الأخير على ريف حماة الشمالي والغربي. ويبدو أنّ الرئيس الروسي يمتلك إستراتيجية، فبعد أوكرانيا اندفع إلى الأمام، ليصبح التدخّل في أوكرانيا وضمّ القرم حقيقة ناجزة، ويبدأ الحديث معه عن قضية أخرى حارقة، يحاول أن يملك مفتاح حلّها بهذا التدخل، في حين تفتقد إدارة أوباما إستراتيجية في سورية. ولهذا تمكّن الرئيس الروسي من خلق وقائع على الأرض تضمن له مكانًا في أيّ تسوية نهائية للحرب في سورية. وعزّز بوتين موقف قوات الأسد التي كانت تتعرض لتهديد في الشهور الأخيرة قبل التدخل الروسي، وهو يسعى الآن لضمان دورٍ للأسد في المرحلة الانتقاليّة، في حين حاول القادة الغربيون والعرب تجنّب هذا الاحتمال. فهل فشلوا في تطوير إستراتيجية عسكرية وسياسية لإطاحة الأسد؟ الحقيقة أنّهم لم يرغبوا في ذلك قبل أن يتأكدوا من البديل. ويرى الروس أنّ مشاركة الأسد ضرورة قد يستدعون لتبيينها تفاوض الغرب مع الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش على حربين؛ البوسنة عام 1996 وكوسوفو عام 1998، هذا على الرغم من أعمال القتل المتكرّرة على أيدي القوات الصربية ضدّ مدنيين بوسنيين وألبان في كوسوفو، بما في ذلك مذبحة سريبرينيكا الشهيرة عام 1996. وهذه ستكون ديماغوغيا، فلا أحد يرفض التفاوض مع نظام الأسد للتوصل إلى حلٍ سياسي، بل المرفوض هو مشاركته في مرحلة انتقالية بعد التفاوض. وهذه مسألة عملية لا تتعلّق بحجم جرائمه فقط. بقاء الرئيس السوري في مرحلة انتقالية يعني إفشالها. فالرئيس السوري هو ديكتاتور. ولا يمكن للديكتاتور أن يتقاسم السلطة مع أحد، ولذلك لن تنجح أيّ مرحلة انتقالية هدفها نقل السلطة أثناء وجوده في الحكم. ولا أحد في سورية يمكنه تخيّل الأسد موجودًا في السلطة، ولكن من دون سلطات. تقوم الديماغوغيا التي تسوغ ذلك وتستسهله على عدم التمييز بين التفاوض والمرحلة الانتقالية.

لقد تدخّلت روسيا في سورية بقدر ما لديها إستراتيجية، وبقدر ما تغيب هذه عند أميركا. وفي الوقت ذاته يطوّر الرئيس بوتين علاقات مع عبد الفتاح السيسي في مصر باستغلال تراجع النفوذ الأميركي. وتتعزز العلاقة الإسرائيليّة الروسيّة أيضًا باستمرار، وقد لخّصت

  1. Nikolay Kozhanov, "Russia's Military Intervention in Syria Makes It a Key Regional Player," Chatham House , 02 October 2015, at: https://goo.gl/ GY41yf.

صحيفة هآرتس زيارة نتنياهو بوتين، وهي الزيارة التي نظّمت خلال أقل من 24 ساعة، بالقول "مع زيارة موسكو يؤشر نتنياهو لشرق أوسط ما بعد أميركا"8. لن ينهي التدخل الروسي الحرب التي نشبت في سورية بفعلٍ واع من النظام بإعلانه حربًا على ثورة شعبية دخلت فيها عناصر كثيرة غير ملتزمة مبادئ الثورة السوريّة. ولم يكن ممكنًا أن يصمد النظام السوري أو قوى المعارضة في هذه الحرب الشرسة من دون دعم قوى خارجية. يذكّر نمط هذا الدعم واستمرار الحرب، بالحروب الطويلة أثناء الحرب الباردة بسبب وجود معسكرين يدعمان الطرفين كما كان يحصل في أنغولا وفيتنام وسلفادور ونيكاراغوا حيث استمرت الحروب أكثر من عقد في بعض الحالات. ولا يبدو لي أنّ بوتين يترك انطباعًا لدى المقاتلين السوريين بقدراته في رياضة الجودو أو الهوكي؛ وهم لا يهتمون كثيرًا، بحسب تقديري، لصوره على حصان وهو عاري الصدر. فهم ليسوا ناخبين روسًا يتوقون لعودة دور الدولة العظمى. وثمّة كوابح ذاتية للتدخل الروسي العسكري المكثّف في سورية، نذكر اثنين منها؛ الأوّل في أوكرانيا، فعلى الرغم من وقف إطلاق النار في شرق أوكرانيا، ما زالت القوات الروسيّة الأفضل مركزة في مناطق الحرب هناك. و ثانيًا، إنّ نقل دبابات وأسلحة ثقيلة لفيلق واحد مهمّة صعبة جدًا للقوات الروسيّة المجهدة أصلً. يصعب أن تصبح المهمة الروسية في سورية واسعة النطاق بقدر أفغانستان، كما أنّها لا يمكن أن تتواصل لفترة طويلة، إنّها تمهيد للبدء في المفاوضات على أساس توازن بين القوى، بما يحافظ على مصالح روسيا والنظام السوري. وهذا يعني أنّ ثمة مجالً واسعًا للعمل والتأثير ضد التدخل الروسي إذا وُجدت الإرادة عند القوى المؤيدة للشعب السوري. ومن الواضح أنّ إسرائيل ودولً أخرى في المنطقة تعدّ التدخل الروسي في سورية أفضل من استفراد إيران بالتأثير في إدارة بشار الأسد9. ونحن نعتقد أنّ المجتمع الحاضن للنظام في سورية يرحّب بالتدخل الروسي أكثر من ترحيبه بالإيراني الذي يأتي بحمل طائفي ديني، لا يتلاءم مع طبيعة هذا المجتمع العلمانية. أمّا الأوساط المقرّبة جدًا من إسرائيل في الولايات المتحدة فمنقسمة؛ إذ نلاحظ تأييدًا لروسيا يتضمن شماتة بتركيا بوصف التدخل الروسي في سورية صفعة إستراتيجية لتركيا، وعقابًا لها على إستراتيجيتها التي راهنت على ميليشيات إسلاميّة متطرفة وابتعدت عن الغرب واستسهلت فكرة سقوط الأسد مثلما توقّع أحمد داوود أوغلو في آب / أغسطس 2012 سقوط الأسد خلال أسابيع، ومثلما توقّع أردوغان في أيلول / سبتمبر من العام نفسه10. وفي المقابل، ثمّة منظّرون مقرّبون من إسرائيل والحركة الصهيونية يؤيدون سياسة أميركية أكثر فعاليّة في المنطقة، ويدعون إلى تدخل عسكري ضدّ الأسد وضدّ تنظيم الدولة في الوقت ذاته. ويحذّرون من الرد بلامبالاة وفتور على إرسال إيران قوات لها شرقي المتوسط، وشرعنة تدخلاتها العسكرية في دول أخرى، وشرعنة التدخل الروسي في الشرق الأوسط. ويعدّونها فشلً لسياسة أوباما وتقديراته لطبيعة المرحلة11. ما زال هؤلاء يرون التسليم بالتدخل الإيراني في دول أخرى كأنّها دولة عظمى خطأ فادحًا سوف يكلّف الولايات المتحدة وحلفاءها ثمنًا باهظًا. ويرى بعض المعلقين أنّ المفتاح لمواجهة السياسة الروسيّة الجديدة تعزيز التنسيق الأميركي التركي وتكثيفه في مواجهة روسيا ليس فقط في سورية، بل أيضًا حيث تتقاطع مصالحهما ضد النفوذ الروسي في أرمينيا وجورجيا وأذربيجان، ولا سيمّا بسبب حاجة تركيا إلى تنويع مصادر الطاقة وحاجتها إلى وجود دول مستقلة عن الإرادة الروسيّة في تلك المنطقة. ويتطلّب ذلك تغييرًا في السياسة الأميركيّة تجاه تركيا وتغيرًا في السياسة التركيّة بالتوجه شرقًا والاهتمام أكثر بعلاقاتها بالغرب، ولا سيمّا مع الولايات المتحدة12. ويذكر هؤلاء أنّه حين وقعت إستونيا ولاتفيا تحت ضغطٍ روسي قبل عام، جمّع الناتو كلّ قواه ومصادره

  1. Lord Michael Williams of Baglan, "Putin's Gamble in Syria," Chatham House , 6 October 2015, at: https://www.chathamhouse.org/expert/comment/putin-s-gamble-syria.
  2. تعامل العديد من الدول الخليجية مع التدخل الروسي من زاوية فحص تطور علاقة روسيا بإيران. ومع رفضهم التفاوض مع إيران حول سورية، إلا أنّهم لا يعارضون التفاوض مع روسيا. ونحن نرى أنّ هذا الرفض الإقليمي لإيران هو من عوامل ضعف الدور الإيراني.
  3. R. Krespin, "Russian Intervention Shatters Turkey's Neo-Ottomanist Dreams For Syria," The Middle East Media Research Insititute (MEMRI), October 19, 2015, at: http://www.memri.org/report/en/print8805.htm.
  4. Robert Satloff & james F. Jeffrey, "Misanalysis Makes a Mess," The American Interest , October 2, 2015, at: http://www.the-american-interest.com/2015/10/02/misanalysis-makes-a- mess/.
  5. Lt. Col. John R. Barnett, "Putin's Syria Adventure Is an Opportunity for Washington and Ankara," The Washington Institute for Near East Policy , October 6, 2015, at: http://goo.gl/mBgjvj.

السياسية لدعم أمن هاتين الدولتين، فتوقفت الاستفزازات الروسيّة الجويّة في أجوائهما. تتوقع تركيا ما لا يقلّ عن ذلك لأنّها الدولة الأكثر تأثّرًا بالتدخل الروسي والأعمال الحربية إلى جانب حدودها13. يقول دنيس روس الذي يمكن عدّه من اللوبي الإسرائيلي، والمقرّب عمومًا من دوائر صنع القرار الأميركي بشأن الشرق الأوسط، إن بوتين يؤمن بسياسة القوّة، وإنّ محاولات إقناعه بالتمني والتوسل تزيده تعنتًا. وإنّ الرّد يجب أن يكون دبلوماسيّة قوة أميركيّة أيضًا تشمل بناء مناطق آمنة للاجئين ولتدريب معارضة سوريّة قادرة على مواجهة النظام وتنظيم الدولة، ويؤكد ضرورة التوجّه إلى الأتراك لضمان هذه المناطق بحيث لا تتسرب إليها عناصر من تنظيم الدولة، وإلى السعوديين والإماراتيين والقطريين والكويتيين لتمويل حاجات اللاجئين في هذه المناطق14. وثمة آراء كثيرة مخالفة هذا الموقف تدعو إلى ترك روسيا تغرق في مستنقعٍ جديد، من دون تدخل أميركي فاعل. أمّا دوليًا، فقد أصبحت القضية الحارقة قضية اللاجئين. قضيّة ملايين اللاجئين السوريين في تركيا وسورية ولبنان، سوف تتحول إلى قضية متفجرة ومدمرة إذا لم تحلّ قريبًا. ويمكننا تخيّل حجم المرارة عند سكان المخيمات السوريين في الدول المجاورة، وإلى ماذا ستدفع هذه المرارة جيلً من الشباب ينمو في ظل القهر والذل في ظروف غير إنسانية، وفي دولٍ ضعيفة اقتصاديًّا لا تكاد تقوم بالمهام التنموية لمجتمعاتها، مثل الأردن ولبنان.

استدراك

كما بينّا في ملاحظة في بداية هذا النص، لا تنبع صحة موقف أي من الطرفين المتصارعين في سورية من حلفائه. وبهذه الملاحظة أخرجنا التحليل من نمط الأوراق التحليلية التي تنتجها مراكز تحليل السياسات. وبموجب هذه المقاربة تتوافر للمعارضة السورية نقطتَا أفضلية على النظام: أوّلهما، الظلم الذي وقع على الشعب السوري في العقود الأخيرة، ونظام الاستبداد ووحشيته في سورية؛ وثانيهما، أنّ النظام هو الذي اختار الأسلوب العسكري لقمع الشعب السوري، محوّلًالثورة المدنية إلى حرب أهلية.

مع تحوّل الحرب في سورية إلى حرب بين قوى تتصارع جيوستراتيجيًا، وليس أخلاقيًا أو قيميًا، كما شرحتها هذه الورقة جزئيًا، بتحليل التدخل العسكري الروسي، يصبح الفرق بين المعارضة والنظام ملقى على عاتق المعارضة. فهي إذا طرحت بديلً ديمقراطيًا للاستبداد تعني أنّها قادرة على حكم سورية، وفيما عدا ذلك تصبح المسألة صراعَ قوى ينتهي بتسوية، فالحروب الأهلية تنتهي بتسويات ومحاصصات للأسف. والأهمّ من ذلك أنّ التدخل الروسي حاليًا قد يجعل مسألة طبيعة النظام في سورية، بل طبيعة سورية كلّها بندًا في تسوية جيوستراتيجية بين دول كبرى. تمنع توازنات القوى الدولية القائمة في سورية حاليًا أيّ طرف من فرض سيطرة على طرف آخر، وفرض حكم فئوي على البلاد كلّها. البديل الذي يمكن طرحه لمجمل سورية هو النظام الديمقراطي القائم على المواطنة المتساوية للسوريين جميعًا. وفي ظل التوازنات الدولية داخل سورية، يعني كلّ طرح آخر ديني طائفي أو غيره، أن يكون مقصورًا على منطقة بعينها. فالقوى العسكرية القائمة حاليًا في سورية تمنع تحقيق ذلك، وسوف يتخذ حلّ الصراع الفئوي شكل تسوية جيو سياسية، وليس تحقيقًا لمطالب الذين خرجوا عام 2011 مطالبين بالتغيير. وقد بدأ بعض مراكز تحليل السياسات في أميركا في التنظير لذلك15 بعد التدخل الروسي مباشرةً، غير مستفيد من تجربة العراق المأساوية منذ الاحتلال الأميركي، بل في محاولة لتعميم هذه المأساة.