الواقعية الجديدة ومستقبل دول مجلس التعاون الخليجي بعد ثورات الربيع العربي

أحمد محمد أبوزيد

الملخّص

لم تعُ د دول الخليج العربية، مجتمعة أو منفردة، تحظى برفاهية الاستقرار والأمن التي حظيت بها خلال العقود الثلاثة التي سبقت اندلاع ثورات الربيع العربي؛ إذ أصبحت هذه المجموعة من الدول الصغيرة والغنية المعروفة ب "دول مجلس التعاون الخليجي" تجاه مخاطر وتهديدات جديدة من نوعها، ت عدّ الأخطر على وجودها وسيادتها منذ سقوط نظام صدام حسين على أيدي القوات الأميركية عام 2003. فعلى الرغم من أنها لم تشهد تهديدًا كبيرًا منذ اندلاع الربيع العربي، إلا في ما يتعلق بالانتفاضة في البحرين في بداية عام 2011، فإنّ دول مجلس التعاون كانت أكثر الدول المستفيدة من سقوط الأنظمة الاستبدادية في بلدان مثل مصر وليبيا وتونس، خصوصًا دولة الإمارات العربية المتحدة التي أصبحت القِبلة المفضلة للاستثمارات الأجنبية المباشرة في المنطقة. غير أنّ انتشار نطاق انعدام الاستقرار الإقليمي واتساعه أوجد ما يمكن أن نسميه "جوار عدم الاستقرار" لهذه الدول، وأصبح أمنها ية وإقليمية ودولية. لذا واستقرارها مهدّدين تهديدًا كبيرًا غير مسبوق من عدّة جبهات، محل، ينبغي لهذه الدول القيام بتعديل وتغيير لمساراتها وخياراتها السياسية والإستراتيجية الملخص حتى تصبح أكثر قدرة ومرونة في مواجهة هذه الصراعات والأزمات وإدارتها، لأنها لا تهدّد أمنها فحسب، بل وجودها نفسه.

إشكالية الدراسة

مع انتشار الثورات الشعبية التي شهدتها المنطقة العربية منذ شتاء 2010 - 2011، والتي بدأت شراراتها في تونس وانتقلت منها إلى مصر، ومن بعد ذلك إلى اليمن وسورية وليبيا ثمّ البحرين، بدأ كثير من المراقبين والمعلقين يتحدثون عن احتمالية انتقال الثورات المطالبة بالديمقراطية إلى داخل الممالك الخليجية. وبالفعل بدَت بوادر صحة هذه الأطاريح باندلاع انتفاضات في كلّ من سلطنة عمان والمنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية، ما جعل بعضهم يتسرع في توقعاته فيقول إنّ هذه الممالك في طريقها إلى السقوط خلال خمسة أعوام على أقصى تقدير1. ولكن بمرور الوقت تراجعت هذه الأطاريح. وبدأت أطاريح معاكسة (متطرفة أيضًا) تقول إنّ هذه الدول لديها مناعة من الصدمات الثورية، وإنها قادرة على هزيمة موجة التحول الديمقراطي الجديدة في الشرق الأوسط، وإن دعاوى اقتراب الثورات من شواطئ الخليج لا يعدو أن تكون وهمً ينم على جهلٍ تامٍّ بطبيعة الأوضاع وحقيقتها في دول الخليج2. بين الرؤيتين، نحاول خلال هذه الدراسة مناقشة هذه الإشكالية. فهل ستشهد دول مجلس التعاون اندلاع ثورات وانتفاضات (أو حتى اضطرابات وعدم استقرار) على غرار ما شهدته دول الربيع العربي (مصر، وتونس، وليبيا، واليمن)؟ أم هل أنّ لديها بالفعل مناعةً ضدّ هذه التوقعات وأنها بالفعل قادرة على النجاة من هذا المصير؛ بسبب عوامل داخلية خاصة ببنية العلاقات بين الدولة والمجتمع وطبيعتها، ونوعية السُلطة وبنيتها داخل هذه المجتمعات؟ سنجادل في أنّ مستقبل دول مجلس التعاون ليس بمستقبل "مانوي" استقرارًا أو انهيارًا، كما يزعم بعضهم. فهذه الدول ستواجه تحديات جسيمةً، إنْ لم تكن قادرةً على التكيّف الإستراتيجي وتغيير مسار بعض سياساتها العامة (الاجتماعية، والاقتصادية، والخارجية، والدفاعية) على نحوٍ يجعلها أكثر قدرةً على مواجهة حزمة التحديات والتهديدات التي تواجهها على جميع المستويات (المحلّية والإقليمية والدولية.)

هدف الدراسة وأهميتها العلمية

تهدف هذه الدراسة إلى محاولة رصد كيفية تأثير العوامل المحلّية Domestic والنظامية للنظام الإقليمي Systematic الخليجي في السلوكيات الخارجية لدول الخليج العربية، وفي طريقة إدراكها وتشخيصها للمخاطر والتهديدات الخارجية، ومن ثمة فهْم طريقة إدارتها وحلّها للصراعات والأزمات التي تحيط بها. من ناحية أخرى، تهدف هذه الدراسة إلى تشخيص مجموعة التحديات والمخاطر التي تواجهها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ اندلاع ثورات الربيع العربي؛ من أجل معرفة كيفية مساهمة الشعور بالخوف والتهديد، وانعدام الثقة المتبادلة، والشعور بالانكشاف أمام الآخرين، في فهم طبيعة السياسات والسلوكيات والأدوار التي تقوم بها هذه الدول (مجتمعةً أو منفردةً)، وكيفية مواجهتها للتحديات والتهديدات التي تواجهها، وهو ما سيساعدنا - بوصفنا باحثين - على استشراف مستقبل هذه الدول استشرافًا أكثر واقعيةً وشمولية.ً

منهجية الدراسة

لجأنا في مناقشته الظاهرة التي هي محلّ الدراسة إلى الاستعانة بالمدخل الواقعي في العلاقات الدولية، وهو من وجهة نظرنا أفضل المداخل النظرية وأكثرها ملائمةً لتفسير سلوكيات الدول في العالم النامي وتصرفاتها. فعلى الرغم من التطورات التي شهدها النظام الدولي من تزايد الدور الذي تمارسه الأطراف غير الرسمية، وتزايد وتيرة الاعتماد والتبادل الاقتصادي بين الدول بفعل ثورة الاتصالات والمواصلات، فإنّ العالم النامي مازال واقعيًّا حتى النخاع؛ ذلك أن الدول في هذا العالم مازالت هي الفاعل الرئيس (إن لم يكن الوحيد) في أغلب مناطقه، ومازالت الصراعات المسلحة/ العنيفة (المحلّية، والبينية، والإقليمية) تحكم العلاقات بين الأفراد والجماعات والدول. ومن جانب ثالث، فإنّ وجود الدولة ذاته في العالم النامي مهدّد بدرجة كبيرة، سواء كان ذلك من جانب بعض الجماعات المحلّية

  1. لعلّ أشهر أمثلة هذه الأطاريح ما كتبه كريستوفر ديفيدسون، انظر: Christopher Davidson, After the Sheikhs: The Coming Collapse of the Gulf Monarchies (London: C. Hurst & Co. Publishers Ltd, 2012).
  2. Silvia Colombo, "The GCC Countries and the Arab Spring Between Outreach, Patronage and Repression," International Spectator, vol. 47, no. 4 (December 2012), pp. 110-126; Aydin Aydin, "Hereditary Oil Monarchies: Why Arab Spring Fails in GCC Arabian States?", Journal of Social Sciences , no. 30 (December 2013), pp.

الداعية إلى الانفصال والحكم الذاتي، أو من جانب قوى إقليمية عدائية وعدوانية، أو من جانب قوى دولية توسعية تسعى لفرض هيمنتها على هذه الدول؛ من أجل التحكم في مواقعها الجغرافية الحيوية، أو السيطرة على مواردها الطبيعية ذات الفائدة الاقتصادية الكبيرة للنظام الاقتصادي العالمي، كالألماس والنفط (كما هي الحال في دول الخليج العربية.) يقوم المدخل الواقعي (بفرعيه الكلاسيكي والهيكلي) على عدّة مقولات وأسس نظرية تقول إنّ الدول – القومية Nation-State هي الفاعل الرئيس في السياسة الدولية التي لا تهتم في ظلّ وجودها بنظام دولي فوضوي تنافسي تحكمه الصراعات، ويحكمه التنافس بين وحداته، مع انعدام سُلطة عليا تمارس ضغوطًا على الحكومات الوطنية وترغمها اعتماد سياسات بعينها، بتحقيق أمنها وضمانه وبقائها من خلال توسيع نطاق حيازتها من القوة المادية، ودعم استقرارها المحل وتقوية بنيتها الداخلية، بطريقة تضمن حماية نظامها السياسي واستقلالها وسيادتها الخارجية3. تتباين الواقعية من جهة تركيزها في مستويات التحليل. ففي حين تركّز الواقعية الهيكلية في مستوى التحليل الثالث (مستوى النظام)؛ بمعنى تأثير الضغوط التي يمارسها النظام الدولي (البنية الدولية)، في تحديد سلوك الدول الخارجي وطبيعة السياسات الداخلية للدول، فإنّ الواقعية الكلاسيكية والواقعية الكلاسيكية الجديدة، انطلاقًا من الحقيقة القائلة إنّ "كلّ السياسات محلّية" تركّز في دراسة متغيرات المستوى التحليلي الأول والثاني (مستوى الأفراد والوحدات/ المجتمع)؛ مثل دور القادة والأفراد، وتركيبة المجتمع المحلّ، ودور المؤسسات المحلّية في تحديد سلوك الدول وفعلها الخارجي4. إنّ طبيعة ظاهرة التحليل الآنية لا تدخل مباشرةً في نطاق الواقعية الهيكلية التي تركّز في العوامل النظمية، وهو ما قد يُنظر إليه بوصفه انتقاصًا من قوّة هذه النظرية وتماسكها. فالنظرية، بتركيزها في المستوى التحليلي الثالث (النظامي) وتجاهلها للمستوى التحليلي الثاني (الوحدات) ومستوى التحليل الأول (الأفراد)، تفتقد موسوعيتها ونظرتها الشاملة التي يُفترض أن تتوافر فيها، بوصفها تروّج لنفسها على أنها نظرية عامّة للسياسة الدولية. وهذا الأمر جعلنا نركّز في أطاريح المدرسة الواقعية الكلاسيكية والواقعية الكلاسيكية الجديدة Neoclassical realism المهتمة بمستوى التحليل الأول والثاني اهتمامًا أك5. فتركيز الواقعيين الهيكليين في دراسة المتغيرات والتهديدات النظامية/ الخارجية أنساهم أنّ روما كلّها إنما انهارت من الداخل.

تقسيم الدراسة

قسّمنا هذه الدراسة إلى ثلاثة أجزاء رئيسة وخاتمة. فالجزء الأول نظريّ، وهو يشتبك مع أطاريح المدرسة الواقعية الجديدة وفرضياتها، الخاصة بكيفية تعامل الدول الصغرى وتصرفها، مع التركيز في حالة مجموعة دول مجلس التعاون. أمّا الجزء الثاني من الدراسة، فسنقوم فيه بتفكيك بنية النظام الإقليمي لهذه الدول من منظور الواقعية الجديدة وكيفية تأثير هذه البنية/ الطبيعة الهيكلية لهذه الدول في سلوكها وتصرّفها تجاه الدول والوحدات الدولية الأخرى من جانب، وفي تحديد سلوكها وتشكيله تجاه الأزمات والصراعات التي تواجهها. وأمّا الجزء الثالث من الدراسة، فهو يدور حول استشراف مستقبل هذه المجموعة من الدول الصغيرة بعد خمس سنوات من اندلاع ثورات الربيع العربي، وذلك من خلال تطبيق الأطاريح والمقولات العامّة للواقعية الجديدة، باستخدام مقولات وأطاريح نظرية "الصور الثلاث" Theory Images Three لكينيث والتز، القائمة على تفسير سلوكيات الدول القومية بناءً على ثلاثة مستويات (المحلّية، والإقليمية، والدولية)، وذلك في ضوء السمات العامّة لهذا النظام الإقليمي، وكيفية تأثيره في سلوكيات هذه الدول وتصرفاتها واستجاباتها وتعاطيها مع "أزمة" مثل الربيع العربي. وفي الجزء الختامي حاولنا تقديم تقديرات لما يمكن أن يكون عليه مستقبل هذه الدول في ضوء التغييرات والتطورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي خلال السنوات الخمس المنصرمة.

  1. للإلمام بالأسس النظرية للمدرسة الواقعية والكلاسيكية الجديدة، انظر: Edward Hallett Carr, The Twenty Years Crisis 1919-1939: An Introduction to the Study of International Relations , 2nd edn (New York: Harper & Raw, 1964); Hans J. Morgenthau, Politics among Nations: The Struggle for Power and Peace (New York: Alfred A. Knopf, 1973); Kenneth Waltz, Theory of International Politics (Long Grove: Waveland Press, 1979); Robert Gilpin, War and Change in World Politics (New York: Cambridge University Press,
  2. Bruce Bueno De Mesquita, "Domestic Politics and International Relations," International Study Quarterly , vol. 46, no. 1 (March 2002), pp.
  3. Gideon Rose, "Neoclassical Realism and Theories of Foreign Policy," World Politics , vol. 51, no. 1 (October 1998), pp. 144-172; Fareed Zakaria, From Wealth to Power (Princeton and new jersey: Princeton University Press, 1998); Jack L. Snyder, Myths of Empire: Domestic Politics and International Ambition (Ithaca/ London: Cornell University Press, 1991).

الواقعية الجديدة وسلوك دول مجلس التعاون الخليجي

يجادل والتز مؤسس الواقعية الجديدة، أولً، في أنّ النظام الدولي منذ بزوغ الدول القومية في عُقب صلح وستفاليا عام 1648، وبحسب بعضهم منذ الحروب البلوبونيزية الإغريقية بين أثينا وأسبرطة، نظام فوضوي؛ أي لا توجد فيه سُ لطة أعلى من الدول نفسها تمتلك حق الوصاية وتوجيهها وفرض إرادتها على الآخرين. ويجادل، ثانيًا، في أنّ هذا النظام الفوضوي ذاتيّ المساعدة؛ أي إنّ الدول تعتمد على نفسها في إيجاد حاجاتها الأمنية والدفاعية اللازمة للحفاظ على أمنها ووجودها. ويجادل، ثالثًا، في أنّ هذا السعي من أجل البقاء هو المحرك الرئيس لسلوكها الخارجي تجاه بقيّة الوحدات والأعضاء الآخرين الموجودين في هذا النظام. ثمّ يجادل، رابعًا، في أنّ الدول تسعى جديًّا لتعزيز نطاق أمنها واستقرارها الوطني وتوسيعه. وأخيرًا، يجادل، خامسًا، في أنّ الدول تنتهج أسلوبًا عقلانيًّا راشدًا، فهي فاعل عقلاني، تخضع سلوكياتها لعمليات وحسابات (المكسب والخسارة) ولا تتّسم بالعشوائيّة أو بغير الانتظام6.

هذه الأصول الخمسة هي التي تشكّل مجمل السلوك الخارجي للدول القومية كلّها في النظام الدولي. وهكذا، نستنتج أنّ هذه الدول لا يهمّها في المقام الأول إلا الحفاظ على أمنها وبقائها، وأنّ السبيل الوحيدة لتحقيق ذلك هي الاعتماد على الذات؛ وذلك بالعمل على إزالة مصادر التهديد وردع الدول العدائية والأشدّ قوّةً، بالاتجاه إلى بناء قدرتها الوطنية اللازمة، أو بالتكتل والتجمع مع أطراف دولية أخرى لمواجهة ما في حال وجود تهديد مشترك (مثل مجادلة نظريتي "توازن القوى" و"توازن التهديد.)" وهذا السلوك تحدّده الدول بناء على مخرجات عمليات الإدراك والحسابات المعقّدة لطبيعة هذه المخاطر والتهديدات، وتحديدًا أكثر الأطراف قدرةً على إيجاد الحماية اللازمة للحفاظ على بقائها وأمنها7. وفقًا للواقعية الجديدة، فإنّ دول مجلس التعاون ليست إلّ دول صغيرةً، ثريةً، منكشفةً، يحيط بها عدد من القوى الإقليمية العدائية، وهي تعيش في حالة من التوتر بسبب الاختلال العميق في توازن القوى الإقليمي بينها وبين جيرانها. فمنذ نشأتها، في عُقب الانسحاب البريطاني من منطقة شرق السويس عام 1968، وهذه الدول تساير ركب إحدى القوى العظمى التي تتولى مهمّ ت حمايتها والدفاع عنها وضمان أمنها واستقرارها واستمرار أنظمة الحكم القبائلية والعشائرية، مقابل الحظوة بامتيازات ومعاملة تفضيلية في ما يتعلق بالنفط، والوجود العسكري، وحقّ إقامة القواعد العسكرية على أراضيها. وباختصار، فإن دول مجلس التعاون بسبب افتقادها لمصادر القوة القومية لمواجهة جيرانها الأقوياء، تصبح بمنزلة أدوات في أيدي القوى العظمى. قد يعتقد بعضهم أنّ هذه الرؤية مفرطة في التبسيط Over- simplification، وأنها تلغي أيّ دور أو أهمية لهذه الدول خارج نطاق حدود علاقاتها بالقوى العظمى من جانب، وبعيدًا من النفط من جانب آخر. ولكنّ ذلك غير صحيح. فالناظر والمراقب الحصيف لتطور العلاقات الدولية لهذه الدول يدرك جيدًا الحقيقة القائلة إنّ الخليج العربي من الناحية السياسية هو "خليج أميركي"، ومن الناحية الاقتصادية هو "خليج نفطيّ "؛ إذ لا توجد لهذه الدول - خارج هذين العاملين - أي مساهمة كبيرة من أيّ نوع، كما يجادل في ذلك عبد الخالق عبد الله8.

  1. للإلمام بالمدرسة الواقعية الجديدة، انظر: Waltz; Gilpin; John Mearsheimer, The Tragedy of Great Power Politics (New York: Norton, 2001).
  2. لتعرّف مقولات وأطاريح بشأن "توازن التهديد"، انظر: Stephen Walt, The Origins of Alliances (Ithaca: Cornell University Press, 1987). ولتعرّف مقولات وأطاريح بشأن "توازن القوى"، انظر: T. V. Paul, James J. Wirtz, & Michel Fortmann (eds.), Balance of Power: Theory and Practice in the 21st Century (Stanford: Stanford University Press, 2004).
  3. على الرغم من تعدّد الكتابات التي تناولت بالدراسة والتمحيص ما يُعرف ب "النظام الإقليمي الخليجي"، فإننا نرى أنّ كتاب عبد الخالق عبد الله يُعدّ أفضل ما كُتب في هذا المجال، وقد اعتمدنا على كتابه، خصوصًا في الجزء المتعلّق بفهم موضوعات التفكيك النظام الإقليمي الخليجي والديناميات للنظام الخليجي، انظر كتابه: (دبي: مركز الخليج للأبحاث، 2011)، وانظر أيضًا: علي الدين هلال وجميل مطر: النظام الإقليمي العربي: دراسة في العلاقات السياسية العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1982)؛ و محمد السيد سعيد، مستقبل النظام العربي بعد أزمة الخليج، سلسلة عالم المعرفة، العدد 158 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1992)؛ ومحمد السعيد إدريس، "النظام الإقليمي للخليج العربي" (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)؛ ونصرت عبد الله البستكي، أمن الخليج من غزو الكويت إلى غزو العراق: دراسة للأداء الأمني لمجلس التعاون الخليجي - 1981 02 20 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)2003

وهذا الأمر ليس عيبًا أو تقليلً من شأن دول مجلس التعاون على المستوى الدولي. فهي، بفضل امتلاكها لأكبر احتياطات العالم من النفط، تمارس نوعًا لا مثيل له من النفوذ على بنية النظام الاقتصادي العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. بل إنّ دولةً من دوله مثل المملكة العربية السعودية، وهي الدولة الارتكازية في منظمة "مجلس التعاون لدول الخليج العربية"، تُعدّ أهمّ دولة في النظام الدولي برمته (حجر الزاوية)؛ إذ يجادل أنصار هذا الرأي في أنّ أي توتر أو انعدام استقرار داخل هذه المملكة النفطية (بنك نفط العالم) كفيل بإحداث "كساد اقتصادي عالمي جديد" مثل ذلك الكساد الذي أصاب العالم في ثلاثينيات القرن العشرين، بسبب ما تمثّله من ثقل اقتصادي/ مواردي جعل النظام الاقتصادي العالمي قائمًا عليها على نحوٍ أساسي. وبحسب كينيث بولاك، فإنّ أهمية السعودية بالنسبة إلى النظام الاقتصادي العالمي تكاد تصل إلى حدّ الاقتران بالولايات المتحدة الأميركية مؤسِّسة هذا النظام. وفي الوقت الراهن، يأتي نحو %25 من بترول العالم من الخليج العربي، منه نحو %15 من المملكة العربية السعودية وحدها، ومن المتوقع زيادة حصتها في المستقبل. وتمتلك منطقة الخليج العربي نحو ثلثي الاحتياطي العالمي من النفط. ويمتاز نفط الخليج بسهولة تحويله. فتكلفة تحويل برميل النفط السعودي لا تتعدي خُمس تحويل النفط الروسي أو عشره. إنّ المملكة العربية السعودية ليست صاحبة أكبر وفرة نفطية من البترول في السوق العالمية فحسب، بل هي صاحبة أكبر قدرة إنتاجية منه. وهذا الأمر يساعدها في العمل على اتزان أسعار النفط واستقرارها، سواء بزيادة إنتاجها أو إنقاصه، بحسب الحاجة إلى ذلك. وبسبب أهمية الإنتاج والسوق السعودي، فإنّ الخسارة المتعلّقة بنفطها أو تهديد هذا النفط كفيلان بشلّ الاقتصاد العالمي والتسبب بانهياره على أقلّ الاحتمالات على نحوٍ مشابه للكساد العالمي الكبير خلال ثلاثينيات القرن العشرين، إن لم يكن أسوأ من ذلك9.

الواقعية الجديدة وبنية النظام الإقليمي الخليجي: السمات والخصائص

مبدئيًا، ينبغي أن نعرف أنّ السياق العامّ الذي تتحرك فيه دول مجلس التعاون هو النظام الإقليمي الخليجي الذي يعرّفه عبد الخالق عبد الله بأنه "مجموعة الدول الثماني المتجاورة والمطلّة على الخليج العربي، والتي تشكّل في ما بينها وحدةً إقليميةً متميزةً في تفاعلاتها وارتباطاتها وصراعاتها"10 (هذه الدول هي الإمارات، والكويت، والبحرين، والسعودية، وقطر، وعمان، والعراق، وإيران.) ويختلف هذا النظام عن مجموعة دول مجلس التعاون الذي يضمّ جميع أعضاء النظام الإقليمي الخليجي، ماعدا العراق وإيران. فقد تمّ إنشاء هذه المنظمة الدولية لاحتوائهما وردعهما وتقييد سلوكهما العدائي. وهكذا، لا يمكن دراسة العلاقات الدولية للدول الأعضاء في منظمة مجلس التعاون بعيدًا من العراق وإيران. فالسمّات العامة الحاكمة للنظام الإقليمي الخليجي كلّه هي التي تحدّد طبيعة السلوك الخارجي لدول مجلس التعاون من جانب، وللعراق وإيران من جانب آخر. ذكرنا في البداية أنه لا يمكن فهْم أيّ ظاهرة سياسية أو تحليلها بعيدًا من سياقها العامّ. ولفهم العلاقات بين دول مجلس التعاون ودول الاتحاد الأوروبي ودول منطقة حوض البحر المتوسط، فضلنا التطرق في البداية إلى بعض السمات العامّة التي يتميز بها النظام الإقليمي الخليجي الذي يضم دول مجلس التعاون؛ من أجل توضيح أنّ وحدة اللغة والتاريخ والثقافة والدين، وطبيعة البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والتشابه التاريخي في عملية تشكيل دوله وطبيعة علاقات دوله البينية، هي العوامل التي تحدّد طبيعة علاقاته الخارجية، سواء كان ذلك بالتعاون أو بالصراع. أي إنّ العلاقات الخارجية لدول مجلس التعاون تتوقف على كيفية إدراك قادة هذه الدول ورؤيتهم لأهمية الأدوار التي يمكن أن تمارسها بقيّة القوى الدولية، أو تقوم بها، في الحفاظ على أمنها واستقرارها وبقائها بالدرجة الأولى، وهو ما يعني أنّ علاقات هذه الدول تحدّدها اهتماماتها الأمنية والدفاعية أساسًا، بدلً من أيّ عوامل أخرى. يمكن القول إنّه توجد تسعُ خصائص تتحكم في مسار العلاقات الخارجية لدول مجلس التعاون مع العالم وتحدده وتشكّله. ولكن قبل التطرق إلى هذه الخصائص ينبغي أن نلاحظ أنّ هذا النظام الإقليمي يختلف عن بقيّة النظم الإقليمية الأخرى الموجودة في النظام الدولي من النواحي الآتية11:

  1. Kenneth M. Pollack, "Securing the Gulf," Foreign Affairs , vol. 82 no. 4
  2. عبد الله، ص 9؛ وانظر: لعبد الخالق عبد الله أيضًا، "المعضلة الأمنية في النظام الإقليمي مجلة الأردن للشؤون الدولية الخليجي بعد حرب العراق"،، المجلد 1، العدد 2 (شتاء)2008، ص 71-54؛ وانظر أيضا: Robert Jervis, "Cooperation under the Security Dilemma," World Politics , vol. 30, no. 2 (January 1978), pp. 167 - 214. 11 عبد الله، النظام الإقليمي، ص 9 - .11
  3. (July-August 2003), p. 4.

هذا النظام يمتاز بوضوح وحداته السياسية. فهو يضم في عضويته الدول الثماني المطلة على شواطئ الخليج فقط. وهذه العضوية لن تزيد أو تقلّ، ولن تعرف في المستقبل توسّعًا كما هي الحال بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي12. حدود هذا النظام الجغرافية معروفة، فهو نظام مغلق ومؤطّر، وهو بمنزلة ذراع مائية تمتد من عمان حتى الكويت نحو 200 كيلومتر وهذه المساحة لن تزيد أو تقل. هذا النظام منذ نشأته، وبسبب ارتباطه بالنفط، كان قادرًا على بلورة هويته وشخصيته الدولية المتميزة التي أصبحت واضحة من الداخل والخارج. وعلى عكس الاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم من غياب الصيغة المؤسساتية والتنظيمية، نجحت الدول المكوّنة لهذا النظام في تحديد قائمة بأولوياتها السياسية والأمنية، وهي تتمحور حول قضايا النفط، والأمن الخليجي، والوجود العسكري الأجنبي غير الاعتيادي في الخليج. أمّا بشأن السمات المتعلّقة بالسياق العامّ، والتي تشكّل طبيعة النظام الإقليمي لدول الخليج العربية وتتحكم في صَوْغ سلوكه الخارجي وعلاقاته بسائر القوى الدولية (الخصوصية الخليجية)، فإنّها على النحو الآتي: سمة النظام النفطيّ: إنّ النفط بمنزلة الرابطة التي جمعت عُرى هذا النظام الإقليمي؛ إذ تقوم دوله (ماعدا البحرين) بتصدير نحو %40 من حاجات العالم من النفط، وتمتلك هذه الدول ما يزيد على %70 من الاحتياطي العالمي منه (تُقدّر بنحو 100 مليار برميل.) بناءً على ذلك يتوقف أمر بقائها أو فناء بعضها على توافر النفط13. وتُعدّ هذه الدول من أغنى دول العالم النفطية على الإطلاق، وهو الأمر الذي جعل شعوبها من أكثر شعوب العالم ثراءً؛ إذ تدفقت عوائد النفط، طوال العقود الأربعة الماضية، بأموال لا حدود لها. ووصلت إيرادات هذه الدول من النفط في عقب أزمة النفط وحتى قيام حرب الخليج الثانية 1973( - 1993) إلى ما يزيد على ثلاثة تريليون دولار14، وإلى نحو 2 تريليون دولار من عام 1993 حتى حرب الخليج الثالثة عام 2003، وهو ما يعادل جميع عوائد صادرات دول العالم الثالث. وكلمّا زاد اعتماد العالم والقوى (الصناعية) الكبرى على النفط، بوصفه مورد الطاقة الأكثر طلبًا حتى الوقت الراهن، ارتفعت حساسيتها وانكشافها من جهة التعرض للخطر في حال توقّف الإمداد النفطي، وهو ما سيؤدِّي إلى ازدياد درجة تأثير الدول المصدرة للنفط ونفوذها، وفي صدارتها دول مجلس التعاون التي يجادل بعضهم في أنّ إحدى دول هذه المنظمة الإقليمية – وهي المملكة العربية السعودية – هي أهمّ دولة في النظام الاقتصادي العالمي، وأنها أكثر أهميّةً حتى من الولايات المتحدة (القوى العظمى الوحيدة)؛ بسبب حصة إنتاجها اليومي من النفط، واحتياطيّها العالمي منه. سمة النظام المولود مأزومًا: على عكس الأوضاع الطبيعية السائدة في النظم السياسية الغربية، يُعدّ كلّ من الصراع والتوتر السمة الدائمة والمميزة للنظم السياسية في مناطق العالم الثالث كلّها، بدلً من السلام والاستقرار. فالأوضاع التي سادت أغلبية مناطق العالم الثالث – ومنها منطقة الخليج العربي – في عُقب مرحلة الاستقلال الوطني وربما قبلها - كانت أقرب إلى ما وصفه توماس هوبز بحالة "حرب الكل ضدّ الكل"؛ إذ سادت الصراعات الاجتماعية، والقبَلية،

  1. انتشرت دعاوى، منذ عام 2011، تدعو إلى توسيع نطاق عضوية منظمة "مجلس التعاون لدول الخليج العربية"، وقد لاقت ترحيبًا واسعًا داخل دول المجلس، وبدأ الحديث بجدية عن ضمّ المملكة الأردنية والمملكة المغربية إلى عضوية مجلس التعاون الخليجي. إلا أننا مازلنا نجادل في أنّ منظمة دول مجلس التعاون لن تضمّ أعضاءً جُددًا؛ وذلك لعدة أسباب، منها أنّ الدول الستّ الأعضاء فيها لا تريد لهذه المنظمة أن تصبح عامّةً، وأنّ المملكة العربية السعودية، على وجه الخصوص، تريد إبقاءها "ناديًا للأغنياء"، مهما كانت الحوافز والفوائد التي قد تعود على الدول الأعضاء من جراء انضمام العراق، أو اليمن، أو غيرهما إلى عضويتها. يُضاف إلى ذلك أنه منذ وضع اللبنة الأولى لمنظمة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، في أيار/مايو 1981، ظلت عضويتها مقصورةً على الدول الستّ المطلّة على سواحل الخليج العربي، وعلى الرغم من أنّ لإيران وللعراق حدودًا ساحليةً على الخليج العربي، جرى رفْض انضمامهما إلى هذا التجمع الإقليمي الجديد. بل إنّ البيان التأسيسي لهذه المنظمة قد نصّ، في بادرة غير مألوفة في التنظيمات الدولية في ديباجته، على ذكر الدول الأعضاء بها. وتمّ وضع نص صعب يحول دون دخول أعضاء جدُد في المنظمة إلا بعد موافقة كلّ الأعضاء. فظل اليمن، على سبيل المثال، يسعى منذ وحدته عام 1990 للدخول في عضوية مجلس التعاون، إلا أنّ هذا السعي لم يُكلّل إلا بالإخفاق، وأقصى ما حققه اليمن هو ضمّه عضوًا في اللجان الفرعية في المجلس؛ مثل مجلس وزراء الصحة لدول المجلس، ومكتب التربية العربي لدول الخليج، ومجلس وزراء العمل والشؤون الاجتماعية بدول الخليج، ودورة كأس الخليج العربي لكرة القدم بدايةً من عام 2001. غير أنّ اليمن يظل بعيدًا وممنوعًا من الدخول في المجلس الأعلى للمنظمة، وهيئة تسوية النزاعات أو الأمانة العامة. فتلك اللجان الفاعلة في المنظمة تظلّ خاصةً بالدول الستّ فقط. ومازال اليمن يسعى جاهدًا للانضمام إلى المنظمة من دون ظهور أيّ بوادر للانفراج أو احتمال قبول سعيه. ونرى أنّ دعاوى ضم المغرب والأردن (ذات النظام السياسي المتشابه مع دول مجلس التعاون) لا تزيد على كونها ردّة فعل دفاعية من دول المنظمة للحصول على حلفاء إقليميين يساعدونها على مواجهة الأزمات والصراعات التي
  2. المرجع نفسه، ص.15 14 النظام الإقليمي عبد الله، ص.8
  3. تسببت بها ثورات الربيع العربي. فالأمر، إذن، لا يتعلّق بضمهما إلى عضوية المنظمة.

والمذهبية، والطائفية، والحدودية، والأيديولوجية، والسياسية وحدات هذا النظام الإقليمي كلّها. ثمّ إنّ المشكلات الحدودية موجودة تقريبًا بين جميع دول مجلس التعاون وجيرانها، حتى أنه لا توجد دولة خليجية ليس لها مشكلات حدودية مع جارتها. فبين العراق وإيران حروب وصراعات ممتدة لم تنته.ِ وبين العراق والسعودية، والسعودية وقطر، وقطر والبحرين، والسعودية والإمارات، والإمارات وإيران، والكويت والعراق، خلافات حدودية زادت مدة بعضها على المئة عام لم تنته،ِ ولم تُسَوَّ حتى الآن. فالنظام الإقليمي الخليجي مازال، إذن، يعاني حالةً من التوتر وانعدام الاستقرار الجغرافي (التمدد والانكماش الحدودي)، وقد كان آخر حلقات ذلك الصراع بين الإمارات العربية وإيران حول سيادة جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة أبو موسى، وبين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية حول منطقة صبخة بو مدين الحدودية؛ وذلك بعد إصدار المملكة العربية السعودية بطاقات هوية أواخر عام 2010 تظهر خريطةً للمملكة وهي تضمّ هذه المنطقة التي تعدّها الإمارات تابعةً لها وضمن سيادتها15. سمة النظام الذي يعاني اختلالً بنيويًّا في توازن القوى: ينقسم النظام الإقليمي الخليجي، طبقًا لمقولات نظرية توازن القوى إلى معسكرين؛ معسكر الدول القوية (إيران والعراق والسعودية)، ومعسكر الضعفاء الذي يضمّ بقيّة الدول الخليجية (قطر، والبحرين، والكويت، والإمارات، وسلطنة ع ناا.) فمن الملاحظ أنه يوجد تفاوت شاسع بين المعسكرين في جميع أشكال توزيع القدرات والإمكانات (الجغرافية، والعسكرية، والاقتصادية.. إلخ.) ففي حين تبلغ مساحة المملكة العربية السعودية الكلّية نحو 2.2 مليون كيلومتر مربع (نحو %49 من مساحة المنطقة)، وإيران نحو 1.6 مليون كيلومتر مربع (نحو %35 من مساحة المنطقة)، تبلغ مساحة الإمارات 83.6 ألف كيلومتر مربع، وقطر 11.52 ألف كيلومتر مربع، والبحرين 717 كيلومتر مربع، والكويت 17.81 ألف كيلومتر مربع. فمساحة جميع هذه الدول لا تمثّل إلّ نسبةً ضئيلةً جدًّا من إجماليّ مساحة المنطقة. ومن حيث التوازن العسكري والإستراتيجي، يتضح هذا الاختلال على نحوٍ جليّ. ففي حين تمتلك إيران نحو 870 ألف جنديّ، لا تمتلك جميع دول الإقليم مثل هذا العدد (السعودية 92 ألف جنديّ، والإمارات 65 ألف جنديّ، والكويت 39 ألف جندي،ّ وسلطنة عمان 34 ألف جنديّ، وقطر 12 ألف جنديّ، والبحرين 7500 ألف جنديّ، بإجمالي يبلغ نحو 500 ألف جنديّ)؛ أي إن قوّة إيران، من هذه الناحية، تبلغ نحو ضعف قوّة دول مجلس التعاون مجتمعةً تقريبًا، وكذلك الأمر قياسًا على سائر صور التوازن العسكري والإستراتيجي وأشكاله. إنّ مثل هذا الاختلال البنيوي في توازن القوى يجعلنا في مواجهة مباشرة مع الحقيقة القائلة بوجود دول صغيرة في مواجهة قوى كبيرة، وهو ما سيؤدّي إلى وجود حالة تشبه "المأزق الأمني" في الخليج، نتيجةً لسعي الدول الكبرى لتأمين أمنها واستقلالها على حساب الدول الصغيرة التي ستسعى نحو التماس الحماية من خلال التحالفات والتكتلات مع قوى من خارج الإقليم. وهذا الأمر سيؤدّي إلى استمرار حالات التوتر، كما ذهب إلى ذلك جيرفس16. سمة النظام ذي البنية الثلاثية الأقطاب: بسبب التفاوت العميق في توازن القوى الإقليمي أو نتيجةً له، ظلّ هذا النظام الإقليمي منذ نشأته في عقب الانسحاب البريطاني من منطقة شرق السويس عام 1968، وتركّز القدرات والإمكانات وتوزعها، بين ثلاثة أطراف إقليمية (العراق، وإيران، والمملكة العربية السعودية)، في حالة دائمة من التوازن والتوازن المضاد، والانحياز والاستقطاب بين هذه الأقطاب الثلاثة. فخلال فترة الحرب الباردة الأولى 1945( - 1979)، وبسبب الطبيعة الثنائية القطبية للنظام الدولي، اختارت إيران تحت قيادة الشاه رضا بهلوي الانزواء تحت راية الولايات المتحدة والمعسكر الغربي ومعاداة حركة القومية العربية، ما جعل المملكة العربية السعودية أثناء قيادة الملكين الراحلين سعود وفيصل تتكتّل مع العراق البعثي لمواجهة مساعي إيران للهيمنة على الخليج العربي. فأصبحت المعادلة إيران في مواجهة كلّ من

  1. للاستزادة بشأن الصراعات في منطقة الخليج العربي، انظر عبد الله الأشعل، قضية الحدود في الخليج العربي (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 1978)؛
  2. وانظر أيضًا: خلدون النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، من منظور مختلف (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1989 16  Robert Jervis, "Cooperation under the Security Dilemma," World Politics , vol. 30, no. 2 (January 1978), pp. 167 - 214.

السعودية التي ظلت تتحالف وتتكتل معها بقيّة الدول الصغيرة في النظام والعراق. وخلال سنوات الحرب الباردة الثانية 1980( - 1990)، وبسبب قيام الثورة الإسلامية في إيران ومحاولة النظام الجديد تصدير الثورة لدول الخليج العربية ذات النُخب الحاكمة السنّية، تحالفت السعودية والعراق مرّةً أخرى لمواجهة التمدد الإيراني، على الرغم من تأكّد السعودية من وجود مَيْل هجومي وتوسعيّ ونيّات عدوانية بدأ النظام العراقي بقيادة صدام حسين يظهرها في تعامله مع دول مجلس التعاون التي تكونت منظمتها عام 1982، كنوع من الترتيب الأمني الجماعي لمواجهة التهديدات الإيرانية والعراقية معًا. لقد ساندت المملكة العربية السعودية العراق في حربه التي شنّها على إيران طوال ثمانية أعوام. ومع بدايات عصر انفرادية القطبية الأميركية الدولية (النظام الدولي الجديد)، وعندما تأكدت جميع دول مجلس التعاون من وجود المَيْل العدواني والهجوميّ التوسعيّ لصدام حسين، بإقدامه على احتلال الكويت في الثاني من آب/ أغسطس 1990، تكتلت السعودية مع دول الخليج الصغيرة، وعلى نحوٍ غير مباشرة مع إيران، ضدّ صدام حسين في محاولةٍ لردعه واحتواء عدوانيته، بالتحالف مع قوات التحالف الدولي التي ضمّت قوات من نحو 32 دولة.ً وفي عُقب هزيمة العراق وتحرير الكويت، وانشغال إيران بمحاولتها إعادة بناء ما دمرته حربها مع صدام حسين، بدأت قوّة المملكة العربية السعودية في التزايد على مستوى منطقة الخليج العربي، وعلى مستوى النظام الإقليمي العربي ومنطقة الشرق الأوسط أيضًا، وهو ما جعل العراق وإيران (أعداء الأمس) ينسّقان ويتوافقان من أجل حدّ التقارب السعودي – الأميركي – الغربي، وتقليل الهيمنة السعودية على منطقة الخليج العربي. وحتى بعد انهيار القطب العراقي في عقب احتلاله من الولايات المتحدة عام 2003، فإنّ هذا النظام يظلّ ذا بنية ثلاثية الأقطاب، أو في أفضل الأحوال "قطبين ونصف." فالقوى الدولية قد تتراجع معدلات قوتها، ولكن يظلّ تأثيرها في الأحداث ومكانتها موجودين، وإن لم يكن الأمر بالدرجة نفسها. وحالُ التوازن القائم حاليًّا في منطقة الخليج هي تكتّل المملكة العربية السعودية وحلفائها في مجلس التعاون ضدّ إيران، والعراق في المنتصف تتخطّفه إيران بأغلبيته الشيعية تارةً، والسعودية تارةً أخرى بفضل حلفائها السنّة. سمة التوتر وانعدام الاستقرار: هذه السمة هي الوضع الدائم، وهي نتاج طبيعي للسمات السابقة واللاحقة. فقد ساهمت في استمرار حالة الحرب وانعدام الاستقرار بين دول النظام الإقليمي الخليجي؛ ذلك أنّ النفط والصراع بين القوى الدولية من أجل السيطرة على مناطق استخراجه والاستئثار بأكبر حصة من إنتاجه، زاد حدّة تدخلها في الشؤون الداخلية لدول المجلس، والميل إلى تشكيل التحالفات العسكرية مع هذه الدول الصغيرة من أجل إيجاد الحماية وردع القوى الدولية الأخرى الطامعة في المنطقة ونفطها. فقد فرضت طبيعة بنية هذه الدول الصغيرة وافتقارها إلى امتلاك مصادر قوّة كافية لمواجهة جيرانها العدوانيين والأقوى منها، وسعيها للحفاظ على أمنها وسيادتها، التحالفَ مع قوى كبرى. ومن جانب آخر، فإن سيادة نماذج سلطوية في النظام الإقليمي الخليجي، وغياب أساليب الرقابة والمحاسبة، وتقييد صناع القرار، ومنعهم من اتخاذ قرارات سريعة ذات تكلفة يمكن أن تؤدِّي إلى اندلاع الحروب، من العوامل التي ساهمت أيضًا في انعدام الاستقرار المحلّ والإقليمي. إنّ النظام الإقليمي الخليجي بات يحيا في حالة مستديمة من التوتر والمأزق الأمني، وهو ما سيولّد سباق تسلح إقليمي يؤدِّي إلى بزوغ مخاطر وتهديدات عديدة ستزيد حدّة التوترات الإقليمية الموجودة سلفًا وانعدام الاستقرار. وفي هذا السياق، يرى بعضهم أنّ تسابق دول النظام الإقليمي الخليجي في شراء الأسلحة من الخارج سيؤدِّي إلى عسكرة المجتمعات الخليجية، ومن ثمّة إلى انعدام المساواة في ما بينها، ما ستنجم عنه مشاعر الخوف وانعدام ثقة بنيّات الآخرين، علاوةً على تغذية الأوهام التوسعية بالنسبة إلى بعضهم، نتيجةً للحسابات الخاطئة، وتزايد نزعات الرغبة في الهيمنة والقيادة، واللجوء إلى المغامرات العسكرية الخارجية، إضافةً إلى أنّ زيادة الصفقات العسكرية، من الأسباب التي ستؤدِّي إلى زيادة الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة وتغلغله، ومن ثمّة تأكيد اعتماديتها للخارج17. سمة النظام بوصفه جزءًا من النظام الإقليمي العربي: لا يمكن الفصل بين الدول العربية ودول مجلس التعاون بسبب وجود مجموعة من العوامل والمؤشرات المشتركة التي تجمع بين هذه

  1. عبد الله. وللاستزادة، انظر: محمد سعيد؛ وانظر أيضًا: أمين هويدي، العسكرة والأمن في الشرق الأوسط: تأثيرهما على التنمية والديمقراطية (بيروت: دار الشروق، 1991)؛ نظرية الأمن القومي العربي عبد المنعم المشاط، (القاهرة: دار الموقف العربي،.)1998

الدول. ومثل هذا الأمر لا يوجد في أيّ جماعة إقليمية أخرى في النظام الدولي، من جهة وحدة اللغة (العربية)، ووحدة الاعتقاد الديني (الأغلبيّة العظمى تعتنق الإسلام)، والوحدة الطائفية (السنّة)، فضلً عن التاريخ المشترك، والثقافة والتجربة التاريخية الواحدة، بل إنّ التهديد الذي يواجه هذه الدول تهديد واحد أيضًا. بناءً على ذلك، فإنّ كلّ ما يحدث في أيّ دولة من تلك الدول يكون له تأثيره الشديد في الطرف الآخر، وهو ما يوجب وجود نوع من التنسيق والتشاور الدائم بين هذه الوحدات الدولية على جميع المستويات. ومن جانب آخر، ساعد التقارب الجغرافي بين الطرفين على سيولة حركة الأفراد والبضائع ورؤوس الأموال، وعلى سدّ العجز الذي تعانيه دول المنطقتين في بعض المجالات. ففي حين تعاني دول الخليج ندرةً سكانيةً لازمةً في إقامة قاعدتها الصناعية والتنموية الداخلية، تعاني دول عربية أخرى مثل مصر وسورية ولبنان والمغرب (وهي دول تابعة لحوض البحر المتوسط) انفجارًا سكانيًّا يعوق نموّها الاقتصادي ويفرض عليها تحديات وعوائق تنمويةً كبيرةً نتيجة عجزها عن إيجاد فرص عمل للأعداد الغفيرة من الشباب. بناءً على ذلك، تساعد الهجرة العربية البينية كلا الطرفين على تخطي هذه العقبات. فالدول الخليجية ستستمر على بناء قاعدتها التصنيعية ومجتمعاتها الجديدة، وفي الوقت نفسه ستخفف عوائد المهاجرين حدّة الأعباء الاقتصادية عن كاهل الدول العربية الموسومة بكثرة عدد السكان. فالعرب من المحيط إلى الخليج وحدة واحدة. سمة النظام بوصفه جزءًا من العالم الثالث: على الرغم من الطفرة التنموية التي ظهرت في النظام الخليجي في عقب ارتفاع أسعار النفط منذ سبعينيات القرن العشرين، وما صاحبها من توسع كبير في مجالات الإنشاءات والتعمير ومحاولات بناء بنية صناعية وتنموية حديثة، فإنّ هذه الدول ما تزال – في واقع الحال – جزءًا من العالم الثالث (النامي.) فعلى المستوى الاقتصادي، مازالت هذه الدول "ريعيةً" تعتمد على مصدر واحد ووحيد للدخل القومي هو النفط الذي مازالت تحاول توكيد سيادتها الوطنية له، ضدّ سيطرة الشركات الدولية على مجمل عمليات التنقيب ونقله والصناعات التحويلية المرتبطة به. أمّا من الناحية السياسية، كما يجادل علي الدين هلال ونيفين مسعد، فإنّ دول النظام الإقليمي العربي كلّها، بما فيها دول مجلس التعاون، مازالت تعاني أزمات انعدام التكامل الوطني، وانتفاء القواعد المؤسسية المستقرة لتداول السُلطة، وهو الأمر الذي سيؤدِّي - بحسب رأيهما - إلى انعدام الاستقرار السياسي18. أمّا من الناحية الاجتماعية، فثمّة مشكلات متمثّلة بشيوع الأمية، وتضخم الفجوة بين الريف والحضر، وارتفاع معدلات الوفيات بين الأطفال.. إلخ19. سمة النظام الذي يشوب علاقاته الخارجية طابع الانقسام: على الرغم من جميع عوامل التقارب ومؤشراته، والتكامل الذي يجمع بين دول مجلس التعاون وبقيّة وحدات النظام الإقليمي العربي، وسيادة نمط التعاون في ما بين هذين الطرفين، فإنّ هذه العلاقات التاريخية المستقرة بدأت تأخذ طابع مختلفًا منذ حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت)؛ إذ أصابت دول مجلس التعاون صدمة لم تُشْفَ منها حتى الآن، عندما حاول صدام حسين – وقد أيدته في ذلك دول عربية أخرى – احتلال الكويت وبسط هيمنته على النظام الإقليمي الخليجي. فمنذ ذلك الوقت، وعبر العقود التالية، بدأت الانقسامات بين دول مجلس الخليج والوطن العربي في الاتساع. ويوضح كلّ من عبد الخالق عبد الله، ومحمد حسنين هيكل، ومحمد السيد سعيد، وغيرهم، وجود ثلاثة انقسامات رئيسة بين الطرفين، متمثّلة بانقسامات سياسية "(أهل الثورة" و"أهل الثروة" بلغة هيكل)، وهي تدور حول شكل العلاقات بين دول مجلس التعاون والولايات المتحدة التي يعدّها كثير من العرب التهديد والمعوّق الرئيسين لوحدتهم السياسية التي ينشدونها، وبدأت أيضًا بالانقسام الأيديولوجي "(أهل المدن" و"أهل الخيمة" بلغة هيكل) المتعلّق بالإدراك الخاطئ المتبادل؛ فأهل الخليج ينظرون إلى سائر أعضاء النظام الإقليمي العربي الفقير والمعدم تنمويًّا نظرةًاستعلائيةً من جهة، وينظر هؤلاء العرب إلى الخليجيين نظرةً دونيةً على أنهم بدوٌ ودولٌ رجعية محافظة من جهة أخرى. أمّا ثالث الانقسامات، فهو اقتصادي (أهل الزراعة وأهل النفط)، وهو مرتبط، أساسًا، بالنفط، ونظرة الكثيرين إليه بوصفه عامل

  1. انظر: علي الدين هلال ونيفين مسعد، النظم السياسية العربية: قضايا لاستمرار والتغيير (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004)؛ وانظر أيضًا: علي الدين هلال النظام الإقليمي العربي: دراسة في العلاقات السياسية العربية وجميل مطر، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1982
  2. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، المكتب الإقليمي للدول العربية: تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009: تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية (بيروت: شركة كركي للنشر،.)2009

فرقة أكثر من كونه عامل وحدة بين الطرفين20. فكلّ هذه الانقسامات وغيرها زادت رقعة الاختلاف العربي على نحوٍ أدّى إلى تزايد وتيرة وحدة الاستقطاب والتدخل الأجنبي في الشؤون العربية الداخلية. سمة النظام المُسيّ من الخارج والفاقد لآليات تدبير شؤونه: يسود علاقات هذه الدول مع بقيّة وحدات النظام الدولي انعدام الاستقلالية. فقد فرضت عليه "لعنة النفط" أن يكون ساحة صراع متواصل أبديّ بين القوى الدولية المتصارعة على الموارد الطبيعة التي تمتلكها هذه الدول، فتصبح العلاقات بينها وبين هذه القوى الدولية قائمةً على الاعتمادية، ويجرى تحديد سلوكها السياسي وتشكيله (الداخلي والخارجي) وفق مصالح وترتيبات وخطط القوى الدولية، ولا يمكن لهذه الدول القيام باتخاذ أيّ تدابير أمنية أو تحركات سياسية أو دبلوماسية لا تتوافق مع مصالح هذه القوى المتحكمة في المنطقة. فمثلً، عندما حاول رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق تأميم النفط في إيران في أوائل خمسينيات القرن العشرين، قامت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بتمويل انقلاب عليه، وعندما أراد صدام حسين فرض هيمنته على مناطق استخراج النفط في الخليج العربي في أوائل التسعينيات من القرن العشرين، لم تتردّد هذه القوى الدولية في توجيه ضربة عسكرية لردعه. والخلاصة أنّ هذا النظام مقيّد إلى أقصى حدّ، خصوصًا في علاقاته بالقوى الدولية21. تؤكِّد السمات المذكورة الأطاريحَ التي قدّمتها المدرسة الواقعية الجديدة وتدعمها، وهي أطاريح متعلّقة بطبيعة السلوك والانحياز إلى هذه الدول في تعاملاتها مع القوى الخارجية الموجودة في النظام الدولي. فقد جادل الواقعيون في أنه بسبب كونها دولً صغيرة،ً ضعيفةً، ثريةً، عرضةٌ للانكشاف والتهديد. ومن ثمّة، ستكون دول مجلس التعاون أكثر ميلً إلى التحالف، وأكثر مسايرةً لركب أغلب القوى الدولية استعدادًا وقدرةً على إيجاد الحماية لها والدفاع عنها ضدّ المخاطر والتهديدات التي تواجهها. ففي ظلّ وجودها في نظام دولي فوضوي عدائي وتنافسي، وفي بيئة إقليمية عدائية وغير مستقرة مُتخمة بالصراعات والميل إلى الحرب، ستولي دول مجلس التعاون توسيع نطاق علاقاتها بالولايات المتحدة اهتمامًا أكثر من أيّ علاقة بقوى دولية أخرى؛ لأنها - من جهتي الاستعداد والقدرة - أكثر القوى التي يمكن أن توجد لها الحماية وأن تدافع عن أمنها وبقائها. أمّا بخصوص علاقات دول المجلس بالاتحاد الأوروبي، فعلى الرغم من سيادة نمط العلاقات التعاونية والسلمية، لن يصل مستوى العلاقات وعمقها بين الطرفين في المستقبل المنظور إلى درجة العلاقات الأميركية – الخليجية نفسها وعمقها، مادام الاتحاد الأوروبي لم يطوّر بعدُ إستراتيجيةً سياسيةً وعسكريةً موحدةً للدفاع عن مصلحته ومصالح شركائه وحلفائه بصورة فعّالة وجِدّية22، على أنّ دول مجلس التعاون لا تفضّ ل التقارب مع الولايات المتحدة رغبةً عن أوروبا، بل بسبب انعدام ثقتها بقدراتها واستعدادها لنجدتها وقت الصعاب.

الربيع العربي ومستقبل دول مجلس التعاون

إ نّ التطورات التي جرت خلال العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين (محليًّا، وإقليميًّا ودوليًّا) ساهمت إلى حدّ كبير في توسيع نطاق الفهم والإلمام بحقيقة السياسات التي تقوم بها الدول والنظم العربية، بطريقة أكثر واقعيةً، وأقلّ أيديولوجيةً ممّ كانت عليه قبل ثورات الربيع العربي. فعلى سبيل المثال، ساهمت هذه الثورات في تفنيد الدعاوى التي روجتها هذه الأنظمة طوال الحرب الباردة، ومفادها أنها تحظى بشرعية وتأييد شعبي وجماهيري صُ لبٍ من جانب، وأن علاقاتها بالقوى الكبرى لا يمكن تهديدها أو تغييرها. وفي الحقيقة،

  1. عبد الله، النظام الإقليمي،  ص 3، وانظر أيضًا سعيد؛ محمد حسنين هيكل: حرب الخليج: أوهام القوة والنصر (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر،.)1992
  2. Jeffery Macris & Saul Kelly (eds.), Imperial Crossroads: The Great Powers and the Persian Gulf (Annapolis: Naval Institute Press, 2012); Markus Kaim, Great Powers and Regional Orders: The United States and the Persian Gulf (Hampshire: Ashgate Publishing Limited, 2008); F. Gregory Gause III, The International Relations of the Persian Gulf (New York: Cambridge University Press, 2009).
  3. من وجهة نظر واقعية، ننظر إلى أنّ الدور الذي تمارسه القوى الأوروبية التقليدية وتقوم به (فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا)، إلى جانب دورها الاقتصادي والتنموي، لا يتعدّى الدور الدبلوماسي أو السياسي. ولكن لن يكون لها أيّ دور عسكري أو دفاعي كبير خلال السنوات المقبلة، خصوصًا في المناطق التي تقع خارج حدود القارة الأوروبية، أو التي تمثّل تهديدًا جوهريًا لمصالحها القومية؛ إذ صار يوجد شبه إجماع في الدوائر الأكاديمية المتخصصة على أن أوروبا باتت قوى دوليةً من الدرجة الثانية Power Rank Second، ومن جهة أخرى، فهي "قوى دولية مدنية" Power Civil، مقارنةً بقوى كبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين، وهو الأمر الذي يجعل دول مجلس التعاون لا تعتمد على أوروبا إلّ في التسليح والتدريبات العسكرية والتعاون اللوجيستي، في حين تراهن كليًّا على الولايات المتحدة في ما يتعلق بالقدرة على التدخل العسكري المباشر في حال تهديد أمنها واستقرارها الوطني.

أصبحت علاقاتها بالقوى الاجتماعية والمحلّية مهزوزةً إلى درجة غير مسبوقة، واتضح أنّ علاقاتها الخارجية بهذه القوى ليست كما ادعت. وهذا الأمر يجعلنا نجادل في القول إنّ الجميع ليس بمنأى عن الوقوع في مغبّة انعدام الاستقرار والتوترات، وليس لديه مناعة ضدّه. ولعلّ دول مجلس التعاون هي المثال الجليّ الدال على ذلك. فقد أصبحت أوّل مرة في مهب الريح وعرضةً للتغيير؛ بسبب تعدّد مستويات التهديد ومصادره، والخطر الذي أمست تواجهه منذ اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011 23.

على المستوى المحلّي

تفيد تقارير التنمية البشرية العربية، خلال السنوات الأخيرة، تقدّم مكانة دول مجلس التعاون عن بقيّة الدول العربية الأخرى؛ إذ جاءت الإمارات في المرتبة 40، والسعودية في المرتبة 34، وقطر في المرتبة 31، والكويت في المرتبة 46. وفي مستوى المعيشة والدخل السنوي، فإنّ متوسط دخل الفرد في قطر هو 104 آلاف دولار أميركي سنويًّا، وفي الكويت 47 ألف دولار، وفي الإمارات 43 ألف دولار، وفي سلطنة عمان 25.7 ألف دولار، وفي السعودية 24 ألف دولار، وفي البحرين 24 ألف دولار، وفي ليبيا 11 ألف دولار. في حين أنّه يبلغ في بلدان أخرى مثل تونس 4431 دولارًا، وفي مصر 3114 دولارًا، وفي السودان 1527 دولارًا، وفي اليمن 1518 دولارًا24. وعلى الرغم من الارتفاع الجليّ في معدلات الدخل الفردي السنوي بالنسبة إلى دول مجلس التعاون، مقارنةً بالدول آنفة الذكر، فإن ذلك لم يمنع وجود بعض المشكلات الاجتماعية والسياسية داخل تلك الدول. فبسبب الغياب النسبي للديمقراطية، وحرمان قطاع كبير من السكان من التمثيل الديمقراطي من جانب، واستئثار بعضهم بالسُلطة والقوة الاقتصادية من جانب آخر، إضافةً إلى عدم الانفتاح على العالم في بعض هذه الدول، انتشرت الأفكار المتطرفة داخل المجتمعات الخليجية. فقد أظهرت استطلاعات رأيٍ مؤخرًا تزايد شعبية جماعات متطرفة، مثل داعش والقاعدة، بين صفوف المواطنين السعوديين على نحوٍ يدعو إلى القلق، وأظهرت عدّة دراسات وتقارير أنّ عددًا كبيرًا من المقاتلين في هذه الجماعات ينتمون إلى دول الخليج العربي. وتزايدت أيضًا دعاوى الإصلاح وتحقيق المزيد من الديمقراطية والحرية، كما هي الحال في البحرين والكويت والمملكة العربية السعودية. ولعلّ حصيلة هذه المعلومات والاستطلاعات تفسّ التزايد النسبي لوقوع الحوادث الإرهابية والتفجيرات التي شهدتها بعض دول مجلس التعاون، سواء ما وقع منها بالفعل (في السعودية، أو الإمارات، أو البحرين)، أو ما نجحت السلطات الحكومية في إجهاضه (الكويت والإمارات العربية المتحدة.) فخلال الفترة 2011 – 2015، وقع في السعودية وحدها ما يزيد على خمس عشرة هجمةً إرهابية،ً وخلال الفترة الممتدّة من تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 إلى أيار/ مايو 2015، أحبطت السلطات السعودية خمس هجمات إرهابية على المملكة25. وشهدت دولة الإمارات العربية المتحدة، تهديدات إرهابيةً أوّلَ مرّة منذ تأسيسها على يد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في كانون الأول/ ديسمبر 1972؛ إذ قامت سيدة منقّبة في شهر كانون الأول/ديسمبر 2014 بقتل مواطنة أميركية في أحد مراكز التسوق بإمارة أبوظبي26. كما تتزايد أقاويل مفادها وجود خلايا إرهابية تابعة لداعش، ولغيرها من الجماعات الإرهابية داخل الإمارات، وعلى حدودها مع سلطنة عمان، مستغلّةً ضعف المراقبة والحراسة في هذه المنطقة الحدودية، من دون أن تؤكّد الدلائل مدى

  1. بشأن احتمالات امتداد شرارة الثورات إلى دور الخليج العربي وتداعياتها على دوله، انظر: Davidson; Stéphane Lacroix, "Is Saudi Arabia Immune?" Journal of Democracy , vol. 22, no. 4 (October 2011), pp. 48-59; Mehran Kamrava, "The Arab Spring and the Saudi-Led Counterrevolution," Orbis , vol. 56, no. 1 (Winter 2012), pp. 96-104; "Arab Uprisings: The Saudi Counter-Revolution," POMEPS Briefings , no. 5, 9/8/2011), at: http://www.pomeps.org/wp-content/uploads/2011/08/POMEPS_ BriefBooklet5_SaudiArabia_web.pdf; Kristin Smith Diwan, "Reform or the flood in the Gulf," Foreign Policy , 21/2/2011, at: http://foreignpolicy.com/2011/02/21/reform-or-the-flood-in-the-gulf; Madawi Al-Rasheed, "Yes, It Could Happen Here Why Saudi Arabia is ripe for revolution," Foreign Policy , 1/3/2011, at: http://foreignpolicy.com/2011/03/01/yes-it-could-happen-here-2; Salman Shaikh, "The Bahrain crisis and its regional dangers," Foreign Policy , 23/3/2011, at:
  2. للاستزادة بشأن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والتنموية لدول الخليج العربي وبقية وحدات النظام الإقليمي العربي، انظر: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: تقرير التنمية
  3. http://foreignpolicy.com/2011/03/23/the-bahrain-crisis-and-its-regional- dangers/
  4. البشرية 2014، المضي في التقدم: بناء المنعة لدرء المخاطر (نيويورك: دونولي، )2014، ص 158 - 205، على الرابط: http://www.un.org/ar/esa/hdr/pdf/hdr14.pdf 5 " 25 حوادث إرهابية كبرى تمّ إحباطها في السعودية"، العربية. نت، 2015/5/30، انظر: http://bit.ly/1l71d7b وانظر أيضًا: ذياب البداينة، 59" عمليةً إرهابيةً تمّت على أراضي السعودية في 37 عامًا"، الحياة،.2012/11/25 " 26 الإمارات: المرأة التي قتلت أميركية في أبوظبي حاولت تفجير منزل أميركي"، الشرق الأوسط، 2014/12/4، انظر: http://bit.ly/1X0237d

صحة هذه الشائعات27. ولم يتوقف التهديد (المباشر أو غير المباشر) على المملكة العربية السعودية والإمارات فحسب، بل امتد ليشمل دول الخليج كلّها. من جانب آخر، أدّت السياسات المتعارضة بين بعض الدول الخليجية (قطر والإمارات والسعودية)، الخاصة بطريقة التعامل وإدارة الأزمات الإقليمية إلى تعكير العلاقات الخليجية - الخليجية، إلى حد الوصول إلى الملاسنة والهجوم المباشر في وسائل الإعلام، ما ساهم في تجميد موقّت للعلاقات الثنائية، بل إنّ بعضهم توقّع قرب انفراط عقد التجمع الإقليمي العربي الوحيد الناجح خلال العقود الخمسة الماضية، وهو الأمر الذي يؤكّد وجود اختلافات عميقة بين هذه الدول، وأنّ الأمور ليست بالاستقرار أو بالتناغم الظاهر في ما بينها. وهذا قد يؤثّر في المستقبل القريب والمتوسط في استقرار النظم السياسية في هذه الدول واستمراريتها.

على المستوى الإقليمي

من الواضح أنّ معظم دول مجلس التعاون متورطة، بدرجات مختلفة، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، في أغلب الأزمات والصراعات الإقليمية، بدايةً من المغرب في الغرب، ومرورًا بالجزائر وتونس وليبيا ومصر والسودان واليمن وسورية ولبنان والعراق، ثمّ فلسطين. وحتى علاقات دول المجلس بالقوى الإقليمية الأخرى، كتركيا وإيران، أصبحت خلال العامين المنصرمين كثيرة التوتّر، بل إنها وصلت بين الإمارات وتركيا مثلً إلى حدّ تجميد العلاقات الاقتصادية والتهديد بوقف الاستثمارات المشتركة التي تبلغ نحو عشرة مليارات دولار. والعلاقات بين السعودية وإيران ليست في حاجة إلى الحديث عن توترها وتمييز سماتها الصراعية وتعارضها في مناطق كثيرة، وكذلك الشأن بالنسبة إلى التوتر من اليمن إلى العراق والبحرين وسورية ولبنان، على نحوٍ يُنبئ باحتمال نشوب حربٍ مباشرة، أو بالوكالة، بين السعودية وحلفائها العرب، وبين إيران ووكلائها في المنطقة. يُعدّ المستوى الإقليمي أكثر مصدرٍ للمخاطر والتهديدات التي تواجهها دول مجلس التعاون، سواء كان ذلك من الناحية التقليدية أو غير التقليدية. فمن الناحية التقليدية، يجعلها وجود دولة كبيرة لديها مَيْل توسعيّ وعدوانيّ وتدخليّ؛ مثل الجمهورية الإيرانية إلى جوار هذه الدول، تحت وطأة الشعور الدائم بالتهديد؛ إذ يميل ميزان القوى إلى مصلحة إيران على حساب دول مجلس التعاون (منفردة ومجتمعةً)، وربما حتى على المستوى الإقليمي من جهة القوة العسكرية والتسليح (الجدول 1.) وتستغل إيران هذا التفاوت في توازنات القوى في محاصرة دول الخليج من خلال وكلائها الإقليميين في عدّة بلدان، مثل البحرين والعراق واليمن وسورية ولبنان؛ وذلك بمساندة هؤلاء الوكلاء بالسلاح والعتاد، وتوظيفهم للتدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج، ونشر أجواء انعدام الاستقرار والاضطراب بداخلها، وسيلةً لإدارة صراعها ضدّ الولايات المتحدة والغرب، ودول مجلس التعاون وفي صدارتها المملكة العربية السعودية. لقد تسبّب السلوك الإيراني، منذ نهاية حرب احتلال العراق 2003، بنشر أجواء الاضطراب وانعدام الاستقرار في منطقة الخليج العربي، من إذكاء الصراعات والنزاعات الطائفية والعرقية داخل العراق، بطريقة أدّت إلى تمزيق الدولة العراقية أو ما بقيَ منها بعد الاحتلال الأميركي. فقد استُغلت الأغلبية الشيعية في العراق في تغيير بنية السُلطة والتوزيع والتوازن الديموغرافي للعراق، وتحويله إلى ساحة صراع بالوكالة بين إيران وأعدائها على حساب المواطنين العراقيين وجيرانه. وشهدت الفترة الممتدّة بين عام 2004 وعام 2013 زيادة مطّردةً في عدد الهجمات الإرهابية في العراق، وتحوّل العراق بسبب إضعاف الحكومة المركزية في بغداد إلى مستودع للإرهاب وجماعات إرهابية اتخذت العراق ملاذًا آمنًا لمهاجمة جيرانها، بدايةً من سورية ولبنان والبحرين واليمن، إلى المملكة العربية السعودية والكويت. وعاقت إيران جميع المحاولات الخليجية والدولية الداعية إلى محاربة الإرهاب والقضاء على هذه الجماعات الإرهابية. على صعيد آخر، تسبب التدخل الإيراني في الشأن اليمني المتمثّل بدعم قوات الحوثي وتدريبها وإمدادها بالسلاح والعتاد، بإدخال اليمن في أتون حرب أهلية وطائفية طويلة المدى، وهو الأمر الذي أوجد مصدرًا لتهديد دول الخليج العربية من ناحية الجنوب، وبخاصة ضدّ المملكة العربية السعودية التي اضطرت بعد احتلال الحوثيين للعاصمة صنعاء والاستيلاء على السُلطة (بمساندة وتأييد طهران) إلى قيادة التحالف الدولي للدفاع عن الحكومة الشرعية والدستورية في اليمن، والقضاء على الوكلاء الإيرانيين في صنعاء، وهو التحالف الذي يضمّ أكثر من عشر دول عربية وغربية، انطلقت أوّل هجماتها تحت اسم "عاصفة الحزم" في 25 آذار/ مارس 2015، ومازالت الهجمات مستمرّةً حتى الآن.

  1. عادل الراشد، "اتهام شاب يبلغ 19 سنةً بالانضمام إلى 'داعش"'، الإمارات اليوم، 2015/6/17، انظر: http://www.emaratalyoum.com/local-section/accidents/2015-06-17-1.794545 وانظر أيضًا: "الإمارات تحيل 41 شخصًا للمحاكمة بتهمة تشكيل 'تنظيم إرهابي"'، بي بي سي عربي، 2015/8/2، على الرابط: http://www.bbc.com/arabic/middleeast/2015/08/150802_emirates_trial_ terrorist_group

وتواجه دول مجلس التعاون أيضًا تهديدًا إقليميًّا آخر تقوده إيران في سورية ولبنان. فدول مجلس التعاون تساند خيار إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، وتدعم (بالتمويل وبالتسليح) جماعات المعارضة ضدّ النظام. في حين تساند إيران ووكلاؤها في لبنان وسورية (حزب الله) بقاءَ بشار في السُلطة وتقوم بتمويل قوات النظام والجماعات الموالية له وتدعمها. وهكذا، تخوض دول الخليج حربًا بالوكالة في سورية ضدّ إيران وحلفائها. وكذلك الأمر في ليبيا والبحرين ومصر؛ إذ تروّج دول الخليج العربية (خصوصًا الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية) أنها تقوم بمساندة الحكومات الشعبية والرسمية صاحبة الشرعية في كلّ من مصر وليبيا والبحرين واليمن (وحتى تونس والمغرب والجزائر) في حربها ضدّ الجماعات والتنظيمات الإرهابية التي تهدّد الأمن والاستقرار الإقليمي. وهو الأمر الذي يبرّر تدخلها المباشر بطريقة عسكرية في مناطق مثل اليمن وليبيا ومصر وسورية، بدرجة غير مسبوقة في تاريخ هذه الدول المعروف عنها تاريخيًا أنها دول دفاعية لا تحبذ اللجوء إلى استخدام القوة في إدارة الصراعات الإقليمية. وقد أثار هذا السلوك استغراب كثير من الدوائر البحثية والدفاعية الرسمية في الغرب، إلى حدّ دفَع بعضهم إلى إطلاق لقب "أسبرطة الصغيرة" على دولة الإمارات العربية المتحدة؛ بسبب دورها العسكري المتزايد في الصراعات والنزاعات الإقليمية28، والاهتمام بدراسة الدور الدبلوماسي الذي تقوم به دولة صغيرة المساحة مثل قطر على الجانب الآخر؛ ذلك أنّ الدوحة تسعى، منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، لممارسة نفوذ سياسي ودبلوماسي من أجل التهدئة والتوافق بين مختلف الأطراف الإقليمية والدولية المتورطة في الصراعات الإقليمية، بغضّ النظر عن التقييم المتفاوت لهذا الدور وأغراضه ونيّاته29. وعلى صعيد آخر، هناك الخطر الشديد الذي بات يمثّله تنظيم الدولة الإسلامية المعروف ب "داعش" بالنسبة إلى دول مجلس التعاون وغيرها. فهذا التنظيم الذي بات ينشر الرعب في العراق وسورية وغيرهما، قام بعدد من الهجمات الإرهابية في جنوب المملكة، وأصبح يمثّل تهديدًا وجوديًّا غير مسبوق في المنطقة، خصوصًا مع تدخل قوى إقليمية أخرى في العراق، وتضارب السياسات في مكافحة التنظيمات المتطرفة والتعامل معها، وهو أمرٌ لم يجعل حدود الخليج مهدّدةً من جانب إيران وطموحاتها التوسعية والتخريبية المعادية لدول الخليج والساعية للهيمنة عليه فحسب، بل من جانب فاعلين غير رسميين يسعون لترهيب المواطنين والقضاء على أنظمة الحكم الحاليّة في الخليج ونشر الإرهاب في المنطقة. إنّ دول المجلس بسبب خوفها الشديد من تداعيات الربيع العربي على أمنها واستقرارها، وسعيها لحصرها وراء حدودها، تدخلت أحيانًا بطريقة غير مدروسة في هذه المناطق، فساهمت في تدهور الأوضاع وتفجّرها، بدلً من حلّها أو تقليلها، وخلقت أوضاعًا أكثر سوءًا، وباتت مهدّدةً على نحوٍ أكبر ممّ كان متوقعًا.

على المستوى الدولي

باتت دول مجلس التعاون مكشوفةً ومعرّضةً للخطر بسبب الأخبار والتوقعات المتزايدة بقرب انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط وإعادة تمركزها في الشرق الأقصى، وهذا الأمر سينتج عنه فراغ إستراتيجي كبير سيدعو إلى "تكالب" القوى الكبرى والإقليمية الأخرى على المنطقة، بدايةً من الصين وروسيا والهند وغيرها، وسيخلق ذلك وضعًا مشابهًا للحرب الباردة، لكن هذه المرة من دون الولايات المتحدة، وهو الوضع الذي يسبب قلقًا شديدًا لدول المجلس المرتبطة بها تاريخيًا والمعتمدة عليها تمامًا على في تأمينها والدفاع عنها ضدّ أطماع القوى الإقليمية والدولية العدوانية التي تسعى للهيمنة عليها، وعلى مواردها الطبيعية. أدّى هذا الوضع الدولي الجديد، مع تزايد حدّة الأزمات والصراعات والتهديدات التي تعجّ بها البيئة الدولية، مثل الإرهاب والجريمة المنظمة وموجات الثورات والحركات المتطرفة والانفصالية.. إلخ، إلى إعادة تفكير هذه الدول في تشكيل تحالفات وتوازنات قوى جديدة تضمن لها الأمن والاستقرار، وتُوجِد لها الحماية من أطماع الآخرين، وهو الأمر الذي يفسّ التقارب الخليجي - الأوروبي الأخير الذي يُعد محاولةً من دول الخليج لموازنة النفوذ المتزايد إقليميًّا لقوى دولية

  1. Rajiv Chandrasekaran, "In the UAE, the United States has a quiet, potent ally nicknamed 'Little Sparta'," The Washington Post , 9/11/2014, at: http://wapo.st/1X036nA; Ishaan Tharoor, "3 ways the U.A.E. is the Sparta of the modern-day Middle East," The Washington Post , 15/11/ 2014, at: http://wapo.st/1SGAhpU; Marta Canneri, "From Microstate to 'Little Sparta': the International Rise of the United Arab Emirates," NATO Association of Canada , 16/7/2015, at: http://natocouncil.ca/from-microstate-to-little-sparta-the-international-rise- of-the-united-arab-emirates
  2. Kristian Coates Ulrichsen, Qatar and the Arab Spring (London: Hurst, 2014); Mehran Kamrava, Qatar Small State, Big Politics (Ithaca: Cornell University Press, 2013); Lina Khatib, "Qatar's Foreign Policy: The Limits of Pragmatism," International Affairs , vol. 89, no. 2 (March 2013), pp. 417 - 431. أحمد محمد أبو زيد، "من التبرعات إلى النفط: كيف تحوّل ’داعش‘ إلى أغنى تنظيم إرهابي في العالم؟"، المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية، القاهرة، 2014/10/9، انظر: http://bit.ly/1kGjY1L وانظر أحمد أبو زيد: "سياسات مكافحة التطرف في دول الخليج"، حالة الإقليم، العدد الأوّل.(أغسطس 2014)، ص 10-14
الجدول)1(
التوازان العسكري في الشرق الأوسط 2012
العتادالأفرادالدولة
القوات
البحرية***
الدفاع
الجوي**
القوات
الجوية*
قاذفات
صواريخ
مضادات
الصواريخ
سلاح
المدفعية
دباباتإجمالي القواتالقوات
لاحتياطية
القوات
النظامية
8715184907900-22583110621.500445.000176.500إسرائيل
26926982.235763853927160.70060.000100.700الأردن
33626536230030043260465.500-65.500الإمارات
7019967575701808.200-8.200البحرين
946042411.9551.4009201.080277.000150.000127.000الجزائر
13233162122222.1509701015214.000-214.000السعودية
2450578725-820350104.000-104.000السودان
8142301553-15.09770275.000-275.000العراق
11332111909017748339.50024.00015.500الكويت
993185814507951142345348.500150.000198.500المغرب
34118051019~40-30001.620870.000350.000520.000إيران
15946526724369951230260.000200.00060.000اليمن
3212.7544046.7331.0234.5502.890800.000379.000421.000تركيا
541951820565332613935.000-35.000تونس
56933903.4005.0603.2744.800422.000132.500260.000سورية
98174160888814720134.000-34.000عمان
4219504848568011.800-11.800قطر
468402662.2306202.400~65076.000-76.000ليبيا
1793105114.2556.9004.0503.400704.000254.000450.000مصر
* القوات الجوية تشمل إجمالي عدد الطائرات القتالية فقط.
** قوات الدفاع الجوي تشمل إجمالي المدفعية الثقيلة والمتوسطة، وبطاريات الصواريخ.
*** القوات البحرية تشمل إجمالي عدد السفن، والغواصات، والقوارب المقاتلة، وخفر السواحل.
International Institute for Strategic Studies , The Military Balance 2012 (New York: Oxford University Press, 2012), pp. 303-360; The
Institute for National Security Studies, Middle East Military Balance in Glance 2011 (Israel:Tel Aviv University, 2011), at: http://www.
inss.org.il/weapons.php?cat=283

مثل الصين وروسيا، ما يعني استمرار تورط دول مجلس التعاون في لعبة سياسات القوى واللعبة الكبرى؛ لأنها ليست أساسًا على توافق أو تفاهم شديد مع القوى الدولية الصاعدة، وهي لعبة محفوفة بالمخاطر، بالنظر إلى أنّ الحليف الجديد للخليج لا يمكن الاعتماد عليه على نحوٍ مؤكّد كما كانت عليه الحال طوال العقود الستة الأخيرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية التي ساهمت إلى حدّ كبير في استمرار حالة السلام الطويل والاستقرار الذي نعمت به هذه الدول بفضل مظلّة الدفاع الأميركية.

خاتمة: المستقبل والمآلات

تمرّ دول مجلس التعاون بأكبر أزمة خلال هذا القرن إنْ لم يجرِ تغيير جذري في سياساتها الإقليمية على وجه الخصوص، وفي جوانب كثيرة من سياساتها الداخلية، سيكون مستقبلها مخيفًا. ولعل أولى الخطوات التي يمكن أن تقوم بها هذه الدول هي إعادة ترتيب البيت الخليجي، والسعي جدّيًا لحلّ الخلافات البينية. فينبغي التركيز في السياسات التعاونية وتحقيق المصالح العامة المشتركة، ومواجهة التحديات الحقيقية التي تهدّد أمنها الجماعي، مثل التطرف والإرهاب والتمدد الإيراني والتدخل الأجنبي في شؤون المنطقة، والتركيز في الجوانب التعاونية في المجالات الاقتصادية والأمنية والسياسية، والنأي عن التدخل في الصراعات الإقليمية والانحياز إلى مصلحة أطراف ضد أطراف أخرى، وعن محاولات، إعادة تشكيل المنطقة وفقًا لمصلحتها الخاصة، وفي المقابل انتهاج سياسات توافقية تسعى لتحقيق الإجماع المحلّ والإقليمي، وإدارة الصراعات المحلّية بطريقة سلمية. وهذا الأمر يعني أن تحترم اختيارات الشعوب الأخرى، وعدم مساندة النظم الاستبدادية لتحقيق مصالح على المدى القصير، وأن تعيَ درس الأعوام الثلاثة الأخيرة التي أثبتت أنّ الشعوب العربية باتت لا تقبل فرض نظمٍ بطريقة إجبارية، مهما كانت نسبة التأييد والمساعدات التي تقدّمها لها دول الخليج. فكما أنّ دول الخليج تريد إبقاء الثورات بعيدًا من مجتمعاتها، ينبغي أن تحترم خيارات هذه الشعوب، مادامت لا تمثّل لها تهديدًا لأمنها واستقرارها. وينبغي لدول مجلس التعاون أيضًا أن تعتمد سياسات أكثر جديةً في ما يتعلق بمكافحة التطرف والإرهاب في المنطقة، وتشجيع استقلال المؤسسات الدينية الرسمية وإبعادها عن اعتماد خطابات السُلطة ومجاراة السياسات الرسمية.

وفي ما يتعلق بسياسات دول مجلس التعاون الخارجية وعلاقاتها الدولية، ينبغي أن تستفيد من درس الحرب الباردة، وتدرك مغبّة الاعتماد الأحادي على قوى دولية واحدة، وتقلع عن سياسات الارتباط الثنائي بقوى معيّنة. فعالم اليوم ليس كالحرب الباردة، والسياسة الدولية لم تعُد "ملاكمةً"، بقدر ما أصبحت مباراة "كرة قدم." ففي ظلّ التعدّدية القطبية الدولية، والتداخل والتعقيد الكبير الذي باتت تتّسم به جميع السياسات الدولية والمحلّية، أصبح التعاون والعمل الجماعي والتواصل مع جميع الأطراف والفاعلين الموجودين في العالم السبيل الوحيدة لتحقيق الأمن والاستقرار والرفاهية لشعوب هذه الدول، ولعل هذا الدرس لم تدركه دول مجلس التعاون وحدها، بل حتى القوى الدولية العظمى في النظام الدولي.