الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس

يوسف كرباج * | عميد صعابنه ** | امطانس شحادة

الملخّص

تتناول هذه الورقة التحولات في ديموغرافيا الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية منذ عام 1967 ى عام حت 2013، وتستعرض المعطيات الديموغرافية عن السكان اليهود المستوطنين، والتكاثر السكاني، وميزان الهجرة، والتوزيع الإثني، وتناقش العوامل المباشرة وغير المباشرة التي تؤثر في ازدياد أعداد المستوطنين والهجرة إلى المستوطنات. كما تقدم توقعات حول الازدياد السكاني في أعداد المستوطنين حتى عام 2048. تزعم الورقة أنّ الارتفاع في عدد المستوطنين ناتج من عاملين أساسيين: الهجرة إلى المستوطنات، والزيادة الطبيعية الشديدة الارتفاع في صفوف المستوطنين. في حين أنّ العامل الأول يفسَّ ر بقرارات سياسية تشجع الهجرة إلى المستوطنات وتوفير شروط اقتصادية وخدمات اجتماعية داعمة للهجرة، يفسَّ ر الثاني (أي التزايد الطبيعي البالغ الارتفاع) بطبيعة المستوطنين ومستويات التدين والأيديولوجيا اليمينية/ القومية. وتوضح الورقة أنّ أهمية هذه العوامل تتفاوت وفق ا للمراحل السياسية المختلفة؛ ففي بداية الاستيطان كانت الهجرة هي العامل الأساسي لتزايد عدد المستوطنين، بينما تفسِّ ر معدلاتُ الولادة المرتفعة تزايدَ عدد المستوطنين الذي جرى، في العَ قدين الأخيرين، في الضفة الغربية بالأساس، وليس في القدس.

خصائص ديموغرافية وسياسات الدعم المالي

مقدمة

يعد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس، منذ عام 1967، امتدادًا لمشاريع الاستيطان المختلفة التي قامت بها الحركة الصهيونية منذ أواخر القرن التاسع عشر؛ إذ لا تختلف وسائل الاستيطان وأهدافه الذي تشهده المناطق التي احتلتها إسرائيل عام 1967 عن مشاريع استيطانية سابقة في فلسطين الانتدابية: الاستيلاء على الأرض، وطرد سكانها الأصليين، وإحلال السكان اليهود مكانهم. والمقصود أن عملية الاستيطان في أراضي الضفة الغربية قد تكون مرحلة تمهيدية للسيطرة على الأراضي الفلسطينية المحتلة كافة، أو على الجزء الأكبر منها، وتطهيرها من السكان الأصليين، وذلك إما بواسطة تهجيرهم إلى خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإما عن طريق تجميعهم في مناطق محددة فيها كثافة سكانية فلسطينية عالية، وخنقهم في "كنتونات" كبيرة تحت سيطرة إسرائيل ورحمتها. وبهذا تجري إعادة السيناريو والإستراتيجية ذاتيهما اللذين نفّذهما المشروع الصهيوني للسيطرة على مناطق ال 48، مع اختلاف في الوتيرة والأدوات في حالة الضفة الغربية1. كانت بداية الاستيطان الإسرائيلي في أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة محدودة وعلى نطاق ضيق، وقد تركز هذا الاستيطان في مواقع معينة، كالمعسكرات السابقة للجيش الأردني، والمواقع التي سبق لليهود أن أقاموا فيها، مثل كيبوتس كفار عتسيون في الخليل2. كذلك تركز هذا الاستيطان في مدينة القدس، ثم ما لبث أن امتد إلى سائر الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بقيادة حكومات حزب العمل. وبعد أن صعد تكتل الليكود إلى الحكم عام 1977، تسارعت عمليات الاستيطان وتوسعت، وبدأت هذه العمليّات تنفَّذ ضمن إستراتيجية مختلفة تمامًا عن الإستراتيجية التي تبنّاها حزب العمل سابقًا. فبعد أن كانت المستوطنات تقام تحت ستار الدوافع والاعتبارات الأمنية بالأساس، تغيرت واختلطت بأسباب تاريخية وعقائدية ودينية، إذ رفع الليكود شعار أرض إسرائيل المحرَّرة وحق جميع أفراد الشعب الإسرائيلي في الاستيطان في كل جزء منها؛ وذلك ابتغاء خلق كثافة سكانية يهودية في المناطق المحتلة للحيلولة دون إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبَلً في تلك الأراضي3. وقد ازدادت وتيرة الاستيطان بخطوات نوعية بعد معاهدة "السلام" المصرية - الإسرائيلية، وبعد اتفاقيات أوسلو ومعاهدة السلام الإسرائيلية - الأردنية. ومن ثَم انتقل الاستيطان إلى الطور الحربي "الجدار والبرج" بعد الانتفاضة الثانية4. ويمكن تقسيم سياسة الاستيطان وإستراتيجياته في الأراضي الفلسطينية إلى أربع ح قَب أساسية: الأولى منذ الاحتلال حتّى صعود الليكود للحكم في عام 1977، والثانية منذ صعود الليكود حتّى اتفاقيات أوسلو في عام 1993، ولثالثة منذ أوسلو حتّى الانتفاضة الثانية عام 2000، والرابعة منذ الانتفاضة الثانية حتّى الآن. والمشترَك بين هذه الح قَب كافة هو سعي إسرائيل إلى زيادة عدد المستوطنات والمستوطنين بغية تغيير الميزان السكاني بين الفلسطينيين واليهود في الضفة الغربية والقدس؛ لخلق واقع جديد على الأرض يصعّب تحقيق حل سياسي. تتناول هذه الورقة التحولات في ديموغرافيا الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية منذ عام 1967 حتّى عام 2013، وتستعرض المعطيات الديموغرافية عن السكان اليهود المستوطنين، والتكاثر السكاني، وميزان الهجرة، والتوزيع الإثني، وتناقش العوامل المباشرة وغير المباشرة التي تؤثر في ازدياد أعداد المستوطنين والهجرة إلى المستوطنات. كما تقدم توقعات حول الازدياد السكاني في أعداد المستوطنين حتى عام.2048 ندعي في هذه الورقة أنّ الارتفاع في عدد المستوطنين ناتج من عاملين أساسيين: الهجرة إلى المستوطنات، والزيادة الطبيعية الشديدة الارتفاع في صفوف المستوطنين. في حين أنّ العامل الأول يفسَّ بقرارات سياسية تشجع الهجرة إلى المستوطنات وتوفير شروط اقتصادية وخدمات اجتماعية داعمة للهجرة، يفسَّ الثاني (أي التزايد الطبيعي البالغ الارتفاع) بطبيعة المستوطنين ومستويات التدين والأيديولوجيا اليمينية/ القومية. وتوضح الورقة أنّ أهمية هذه العوامل تتفاوت وفقًا للمراحل السياسية المختلفة؛ ففي بداية الاستيطان كانت الهجرة هي العامل الأساسي لتزايد عدد المستوطنين، بينما تفسِّ معدلات الولادة المرتفعة تزايدَ عدد المستوطنين في العَقدين الأخيرين.

  1. امطانس شحادة وحسام جريس، 1 دولة رفاه المستوطنين -لاقتصاد السياسي للمستوطنات (رام الله: مدار،.)2013
  2. إيلان بابه، "المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية: الاحتلال والتطهير العرقي بوسائل مجلة الدراسات الفلسطينية أخرى"،، العدد 91 (صيف 2012)، ص .124-106
  3. لاستيطان الإسرائيلي في فلسطين بين النظرية والتطبيق نظام محمود بركات،، سلسلة الثقافة القومية 15 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988)، ص 152؛ وطلال ناجي، "الاستيطان الصهيوني والمقاومة الفلسطينية"، في: إستراتيجية لاستيطان الصهيوني في الأراضي العربية المحتلة بعد عام 1967 وبرنامج المقاومة الفلسطينية لمواجهتها (عمان: دار القدس للنشر والتوزيع، 1987)، ص .41
  4. أسياد البلاد: المستوطنون ودولة إسرائيل عقيبا الدار وعديت زرطال،، ترجمة عليان الهندي (المغرب: د.ن.، .)2006

كذلك توضح الورقة أنّ الارتفاع الأكبر في عدد المستوطنين هو في الضفة الغربية بالأساس، لا في القدس، وأن وجود عوامل اقتصادية نابعة من سياسات اقتصادية خاصة داعمة للاستيطان، وعلى وجه التحديد بواسطة ميزانية السلطات المحلية، تساهم أيضًا في تزايد أعداد المستوطنين. وتستعرض الورقة التوقعات المستقبلية، حتى عام 2048، بشأن أعداد المستوطنين بواسطة فرضيات مختلفة حول معدل النمو السكاني في الأعوام القادمة. وبحسب هذه التوقعات، التي تفترض معدلات نمو معتدلة، سيصل عدد المستوطنين في عام 2048، أي بعد مئة عام على النكبة الفلسطينية، إلى نحو مليون و 700 ألف مستوطن يشكلون قرابة %30 من مجمل سكان الضفة الغربية والقدس. تعتمد هذه الورقة على عدة مصادر للمعلومات، من بينها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ودائرة الإحصاء الإسرائيلية المركزية، والموقع الإلكتروني لحركة "السلام الآن"، ومعهد القدس لدراسات إسرائيل، إضافة إلى العديد من النشرات. ومن المهم الإشارة إلى أن بعض الجداول والرسوم البيانية تفْصل بين المعلومات عن الاستيطان في القدس الشرقية وبين باقي المستوطنات في الضفة الغربية. ولا يعني هذا الفصل تمييزًا بين نوعين من الاستيطان؛ إذ إنّ هذه الدراسة تعتبر كل الأحياء التي أقيمت في القدس الشرقية بعد احتلالها مشمولة ضمن المستوطنات، لكنّ هذا الفصل ناتج من التباين في توافر البيانات لكل منطقة، ولا سيمّا أنّ قسمً من هذه البيانات مصدره النشرات الإسرائيلية الرسمية؛ تلك التي لا تشمل الأحياء اليهودية في شرقي القدس ضمن المستوطنات، ولا توفر المعلومات عنها على نحو منفصل عن سائر الأحياء في مدينة القدس.

السكان ومصادر الزيادة السكانية: الهجرة والزيادة الطبيعية

تعرَّف المستوطنات بالتجمعات السكنية التي أقيمت على الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل في حرب عام 1967، والمستوطنون هم سكان هذه المستوطنات. ويعرِّف الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني المستوطنةَ أو المستعمرةَ بمكان مأهول على نحوٍ دائم ومعترَف به رسميًّا من قِبل سلطة الاحتلال الإسرائيلي، يسكنه 20 شخصًا أو أكثر، وله إدارة ذاتية وليس مشمولً في الحدود الرسمية لتجمُّع آخر. تضاف إلى ذلك المستعمراتُ والأحياء اليهودية القائمة في القدس (منطقة J1.) كما يعرِّف البؤرةَ الاستعمارية بأنها بناء مدني أو شبه عسكري، لم يَجْرِ إقرار إنشائه من قِبل السلطات الإسرائيلية، وغالبًا يجري إقراره في ما بعد، وذلك باختيار توقيت سياسي مناسب5. وتشير مراجعة أعدادِ المستوطنين اليهود في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ومعدلاتِ نموّهم منذ عام 1986 حتّى عام 2015، إلى ازدياد مطّرد في أعداد المستوطنين؛ فقد كان عدد المستوطنين في الضفة والقدس الشرقية عام 1988 أقل من 200 ألف مستوطن (قرابة 73 ألفًا في الضفة الغربية و 118 ألفًا في القدس الشرقية)، بينما أصبح عددهم في عام 2015 يزيد على 600 ألف مستوطن (انظر الجدول.)1

تشير المعطيات الواردة في الجدول 1() أن عدد سكان المستوطنات (من دون القدس الشرقية) ارتفع من 60,766 مستوطنًا عام 1986 إلى 88,888 مستوطنًا عام 1990؛ أي بزيادة %46، وبلغ عام 2000 قرابة 205,000 مستوطن وبارتفاع بنسبة %230 عن عام 1990 (بمعدل 11,100 مستوطن سنويًّا)، وبلغ عام 2010 نحو 328 ألف مستوطن بارتفاع بنحو %60 عن عام 2000 (بمعدل 12,200 مستوطن سنويًّا) وبارتفاع 5.4 أضعاف عن عدد المستوطنين في عام 1986. وبذلك شكّل الارتفاع في الفترة 1990 - 2000 أعلى نسبة ارتفاع في عدد المستوطنين منذ عام.1986 أما عدد المستوطنين في القدس الشرقية، فقد ارتفع من 132,500 في عام 1990 إلى 174,000 مستوطن عام 2000؛ أي بنسبة %31 وبمعدل 4750 مستوطنًا سنويًّا تقريبًا، وإلى 196 ألفًا عام 2010 بارتفاع بنسبة %12.7 عن عام 2000 (بمعدل 2250 مستوطنًا سنويًّا تقريبًا) وبنسبة %48 عن عام.1990

  1. معجم المصطلحات والمفاهيم الإحصائية 2011"، انظر موقع الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني http://www.pcbs.gov.ps: سنوات مختلفة. الأرقام في عام 1983 السكان في قطاع غزة وتتوزع على النحو التالي: 22,800 مستوطن في الضفة الغربية و 900 مستوطن في غزة. الجدول)1(مجموعة السكان ومعدل النمو السنوي في المستوطنات في الضفة الغربية وشرقي القدس، الفترة 2013-1972 المصادر: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، "المستوطنات الإسرائيلية في فلسطين 2013" (رام الله: 2014)؛ ودائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، كتاب الإحصاء السنوي، ملاحظات: تشمل الأرقام في عام 1972 السكان في سيناء وقطاع غزة، وتتوزع على النحو التالي: 800 مستوطن في الضفة الغربية، و 700 مستوطن في قطاع غزة وسيناء. وتشمل
معدل النمو السنويالسكان
المجموعالقدسالضفة الغربيةالمجموعالقدسالضفة الغربيةالسنة
15001972
237001983
60,76660,7661986
11.167,48367,4831987
8.8190,953117,55073,4031988
6.24.78.7202,885123,06179,8241989
9.17.611.4221,348132,46088,8881990
7.63.713.3238,060137,331100,7291991
6.12.610.9252,545140,872111,6731992
6.43.99.5268,756146,436122,3201993
6.33.99.2285,791152,219133,5721994
3.935296,959156,724140,2351995
5.61.99.8313,658159,684153,9741996
40.5-8.5326,053158,929167,1241997
4.92.57.2341,929162,842179,0871998
5.64.66.5361,150170,400190,7501999
52.17.5379,099173,986205,1132000
3.21.24.9391,049175,987215,0622001
3.61.45.4405,149178,437226,7122002
4.21.76.1422,051181,425240,6262003
3.61.94.8437,195184,944252,2512004
3.31.44.6451,533187,573263,9602005
3.81.65.5468,898190,534278,3642006
3.71.55.3486,479193,485292,9942007
1.81.91.7495,004197,071297,9332008
2.22.2-5.1505,787192,768313,0192009
3.61.84.7523,820196,178327,6422010
3.41.84.4541,824199,647342,1772011
3.61.84.7561,540203,176358,3642012
3.41.74.4580,801206,705374,0962013

سكان المستوطنات في الضفة الغربية والقدس، الفترة 2003-1986

ومعنى هذا أنه في حالة الاستيطان في القدس نجد أنّ التحول الأبرز حصل في الفترة 1990 - 2000. ونلاحظ أنّ الارتفاع في مجْمل عدد المستوطنين كان بالأساس نتيجة الارتفاع في عدد المستوطنين في مستوطنات الضفة الغربية، إذ إنّ حجم الزيادة ووتيرتها هناك أعلى ممّ في القدس الشرقية (انظر الرسم البياني.)1 كان الازدياد الهائل في أعداد المستوطنين في مستوطنات الضفة الغربية نتيجة لعاملين مختلفين: هجرة اليهود الإسرائيليين، أو يهود من خارج إسرائيل، إلى المستوطنات، والخصوبة العالية لدى المستوطنين. إلاّ أن حدة تأثير كل من هذين العاملين تغيّ ت على مر السنوات. ففي المراحل الأولى من الاستيطان؛ أي بعد حرب عام 1967 مباشرة حتّى التسعينيات من القرن الماضي، نتج الازدياد في أعداد المستوطنين أساسًا من هجرة متواصلة إلى المستوطنات. وحتى نهاية التسعينيات، شكلت الهجرة من داخل إسرائيل إلى المستوطنات مصدرًا لمِا يقارب نصف الزيادة السكانية السنوية. وبعد ذلك، أخذت حصة الهجرة من مجْمل زيادة عدد المستوطنين في التراجع تدريجيًّا لمصلحة الزيادة الطبيعية، وبخاصة في السنوات الأخيرة (انظر الرسم البياني 2.) وعلى سبيل المثال، في عام 2013 كان معدل النمو السكاني في الضفة الغربية (من دون القدس) %4.4، ويتألف من نمو طبيعي (أي نمو هو حصيلة الولادات) بمعدل %3.4 ومن نمو نتيجة الهجرة بمعدل %1؛ أي أن الدور النسبي للهجرة يعادل %24 من مجْمل النمو السكاني. ومقابل تراجع دور الهجرة في النمو السكاني في المستوطنات، تبوّأت معدلات الخصوبة المرتفعة منذ منتصف التسعينيّات، والتي بلغت في بعض السنوات أرقامًا قياسية عالمية ولا سيمّا لدى المستوطنين في الضفة الغربية، مكان الصدارة وأصبحت هي السبب الرئيس للزيادة السكانية في المستوطنات اليهودية. وفي الفترة الحالية، لا تُعتبر معدلات الخصوبة في مستوطنات الضفة الغربية عالية جدًّا فحسب، بل إنها في ازدياد مستمر. فبينما بلغت في عام 1999 ما يعادل 4.46 مولود لكل امرأة، بلغت عام 2013 نحو 5.09 مولود لكل امرأة؛ أي بازديادٍ نسبتُه %15 في غضون 14 سنة. على سبيل المقارنة، بلغت معدلات الخصوبة الكلية لدى مجمل النساء اليهوديات في إسرائيل 2.64 مولود لكل امرأة في عام 1999، و 3.06 مولود لكل امرأة في عام 2013 (انظر الرسم البياني 3.) وبسبب الخصوبة العالية لدى المستوطنين في الضفة الغربية (إضافة إلى معدلات وفاة منخفضة - وإن كان تأثيرها ضئيلً)، يبدو الهرم السكاني للمستوطنين مع قاعدة

اﻟﺰﻳﺎدة اﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ اﻟﻬﺠﺮة اﳌﺠﻤﻮع (اﻟﺰﻳﺎدة اﻟﺴﻜﺎﻧﻴﺔ اﻟﺴﻨﻮﻳﺔ) ﺑﺎﻻﻻف

معدل الزيادة
السنوية)%(
نسبة الزيادة
من السكان في
2013
حجم الزيادة بين
2000 و2013
2013201020052000اللواء
4.51%44157.9356.1310.7247.1198.2لواء المستوطنات
(في الضفة الغربية)
1.85%21147.6689.9651.2597.8542.3لواء القدس
(يشمل ذلك مستوطنات القدس)
1.24%1593.2624.1599.0563.0530.9لواء الشمال
0.76%967.1710.3685.0658.1643.2لواء حيفا
2.31%26471.31,814.01,702.91,515.91,342.7لواء المركز
1.09%13172.91,312.41,267.51,173.21,139.5لواء تل أبيب
1.43%17160.6944.4905.0851.9783.8لواء الجنوب

عريضة وقمة ضيقة، وهو ما يشبه الهرم السكاني في دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى التي بدأ فيها التحول الديموغرافي متأخرًا (الرسم البياني.)4 تؤدي المعدلات المرتفعة للولادات في مستوطنات الضفة الغربية، إضافة إلى ميزان الهجرة الإيجابي، إلى أن تصبح نسبة الزيادة السكانية هي الأعلى مقارنة بباقي الألوية في إسرائيل. على سبيل المثال، تدل المقارنة في معدل الزيادة السنويّة بين الألوية المختلفة على أن الزيادة في المستوطنات في الفترة 2000 - 2013 هي الأعلى)%4.51(وبفارق كبير عن باقي الألوية. كما تشير إلى أنّ الزيادة السكانية في المستوطنات في هذه الفترة 157.9(ألف مستوطن)، تشكل %44 من مجْمل سكان المستوطنات في عام 2013 (انظر الجدول.)2

التوزيع الإثني في مستوطنات الضفة الغربية

وفقًا للتعريف الرسمي لدائرة الإحصاء المركزية في إسرائيل، تحدَّد الإثنية للأفراد الذين وُلدوا خارج إسرائيل حسب القارة التي وُلدوا فيها، بحيث يصنَّف الذين ولدوا في آسيا وأفريقيا بالشرقيين، والذين وُلدوا في القارات الأخرى (أوروبا، أميركا، وأستراليا) بالغربيين. أما الأفراد الذين وُلدوا في إسرائيل، فتحدد إثنيتهم حسب مكان ولادة الأب؛ ويعني هذا أنّ من وُلد لأب وُلِد في آسيا أو أفريقيا هو شرقي، وأنّ مَن وُلد لأب وُلِد في إحدى القارات الأخرى هو غربيّ. أما الذي وُلد في إسرائيل لأب وُلِد في إسرائيل، فيصنَّف في مجموعة "مولودون في إسرائيل." بداية نشير إلى أنّ نسبة الذين وُلدوا في إسرائيل (مقابل من وُلدوا في الخارج) هي الأعلى في المستوطنات. فعلى سبيل المثال، بلغت نسبة المولودين في إسرائيل من المستوطنين %86 في عام 2013، وهي نسبة أعلى من تلك التي لدى باقي سكان إسرائيل والبالغة %74 (انظر الجدول 3.) ويعود السبب في ذلك إلى اختلاف التركيبة العمْرية لسكان المستوطنات عن باقي السكان في إسرائيل. وبسبب معدلات الولادة العالية، فنسبة صغار السن في المستوطنات أعلى من نظيرتها لدى سائر السكان. ويؤثر هذا الاختلاف في تصنيف سكان المستوطنات إثنيًّا، بحيث يقلل من نسبة من يصنَّفون كشرقيين أو غربيين على حساب زيادة الذين يصنَّفون كمولودين في إسرائيل. وتعادل نسبة اليهود الشرقيين في المستوطنات في عام 2013 نحو %15، بينما يشكل الشرقيون نحو %26 من مجمل السكان اليهود في إسرائيل. كما تقل نسبة اليهود الغربيين من مجمل سكان مستوطنات الضفة الغربية عن نسبتهم من مجمل السكان، %26 و%32 على التوالي (انظر الجدول 3.) كذلك نشير إلى أنّ نسبة اليهود الغربيين في المستوطنات تفوق نسبة الشرقيين: %26 مقابل %15، على التوالي؛ أي أنّ النسبة هي 1:1.7. وهذا التباين هو أقل مما نجده في مجموعة السكان اليهود بعامة، إذ تصل نسبة الشرقيين %26، والغربيين %32، والنسبة بينهما هي 1:1.2. وتصل نسبة من وُلدوا في إسرائيل لآباء وُلدوا في إسرائيل إلى %59 من المستوطنين. وتجدر الإشارة إلى أنّ التوزيع الإثني في المستوطنات قد لا يعكس تجانُس سكانها في جوانب عديدة، كالتوجهات السياسية، والدينية، ونمط الحياة. فسكان المستوطنات هم – أساسًا - مهاجرون أو جيل ثانٍ من المهاجرين؛ ولذا فهم يشكلون فئة من المجتمع الإسرائيلي ذات خصائص مميزة. في الغالب، تختلف مجموعات المهاجرين عن المجتمع الأم، لكونها مجموعات تقوم بانتقاء ذاتها، بواسطة عملية الهجرة، وفقًا لخصائص معينة، وهو ما يؤدي إلى نشوء مجتمع متجانس من المهاجرين تجمعهم تلك الخصائص التي تشجعهم على الهجرة. وفي حالة المستوطنات الإسرائيلية، لا يمكن التغاضي عن العلاقة القائمة بين التوجهاتِ السياسية-الأيديولوجية والهجرةِ إلى المستوطنات؛ فأغلبية المستوطنين ينتمون إلى التيارات "الصهيونية- الدينية." فضلً عن ذلك، نظرًا لكون أغلبية المستوطنات هي "يشوفيم كهيلتييم"، أي أنّه بإمكان سكانها قبول الطالبين للانضمام إليها أو رفضهم، بواسطة لجان قبول؛ إذ يقوم سكان المستوطنات بانتقاء العائلات التي هي ذات نمط حياة يتجانس مع سائر سكان المستوطنة، مثل تفضيل إنشاء أ سَ كبيرة، والتدين، إضافة إلى التوجهات السياسية والأيديولوجيّة.

الإثنيّة (نسب مئوية)مكان الولادة (نسب مئوية)
إسرائيلأفريقياأوروبا وأميركاآسيافي الخارجفيي إسرائيلكل
ايلسكان
عدد السكان
(بالآلاف)
السنة
المستوطنون
421235112278100191.02000
48103392080100241.02005
5692881585100297.12010
5982671486100341.82013
كل السكان اليهود (يشمل ذلك المستوطنين)
2817421438621005122.92000
3216401335651005571.52005
3915331228721005753.32010
4215321126741006052.02013
باقي السكان اليهود من غير المستوطنين ضمن حدود 1948
2717421439611004931.92000
3216401336641005330.52005
3816341229711005456.22010
4115321226741005710.22013
سكان في نهاية
السنة
المعدل لكل 1,000
شخص
مجمل الزيادة
املسكانية
المعدل لكل 1,000
شخص
املزيادة الطبيعيةالسكان في بداية
السنة
المستوطنة
20,38042.184039.679019,540ناافيه يعكوف
18,31029.453012.222017,780بسجات زئيف (شمال)
21,9305-110-12.327022,050بسجات زئيف (جنوب)
15,14035.753029.644014,590رامات شلومو
25,26018.446034.486024,800رمات ألون (شمال)
17,1709.416028.749017,010رمات ألون (جنوب)
15,24023029.545015,230هار حوتسيم/ سنهدريا
11,02016.518034.838010,850رمات إشكول
6,400350.3-2,720-9.0709,130التلة الفرنسية
16,470164.32,50028.944013,970هار حوماه
18,5506.512016.831018,400جريلو (غرب)
10,87022.7-250-13.615011,130جميلو (شرق)
5,7708.6-50-12.1705,810املبلدة القديمة
202,510112,22024.54,940200,290مجْمل المستوطنات

الاستيطان في القدس الشرقية

باشرت إسرائيل في إقامة أحياء استيطانية في القدس الشرقية مباشرة بعد احتلالها عام 1967. ويظهر الاستيطان هناك بصيغة أحياء سكنية تتْبع إداريًّا لمدينة القدس. ويسكن أغلبية هذه الأحياء الاستيطانية اليهود فقط، وبلغ عددها نحو 12 حيًّا يسكن فيها في عام 2013 ما يزيد على 200 ألف مستوطن (انظر الجدول 1.) كما يشمل الاستيطان الإسرائيلي الأحياء العربية في شرقي القدس. وعلى الرغم من أنّ أعداد المستوطنين داخل الأحياء الفلسطينية لا تتجاوز بضعة آلاف، فإنّ لها تأثيرًا بالغًا في حياة سكان هذه الأحياء. وقد ازداد الضغط على هذه الأحياء مؤخَّرًا، وأكثرها تعرُّضًا لتغلغل المستوطنين هي قرية سلوان. وإجمالً، يسود لدى سكان القدس الشعور بأنّ المستعمرات في شرقي المدينة والأحياء المجاورة باتت تطوّقهم من جميع الجهات، وتعزلهم عن باقي أجزاء الضفة الغربية وتفصل الأحياء الفلسطينية بعضها عن بعض6. لقد بلغ عدد سكان المستعمرات في القدس في عام 2012 ما يزيد على 200 ألف مستوطن. وكما أشرنا سابقًا، إن وتيرة الزيادة السكانية في مستعمرات القدس تقل عن تلك التي في الضفة الغربية، إذ بلغ معدل حجم الزيادة السنوية في العقد الأخير 2014-2004() نحو 2,500 نسمة مقابل نحو 13,500 نسمة في الضفة الغربية. كذلك إنها تقل عن الزيادة السكانية للفلسطينيين والتي تبلغ نحو 10,500 نسمة سنويًّا في الفترة نفسها. ويفصّل الجدول (٤) عدد السكان في المستعمرات المختلفة في عام 2012، ويوضح مصادر الزيادة فيها. وتُظهِر هذه الأرقام اختلاف مصادر النمو السكاني لدى المستوطنين اليهود في القدس الشرقية عم في مستوطنات الضفة الغربية؛ وذلك نتيجة التباين في أنماط الهجرة

  1. نظمي الجعبة، "استيطان القدس: تنفيذ خطط قديمة"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 101 (شتاء 2015)، ص .28-14

في المنطقتين، إذ تتعرض الأحياء الاستيطانية في القدس الشرقية إلى تيار كبير من الهجرة إلى الخارج. وفي عام 2012، ترك 3,540 شخصًا هذه الأحياء الاستيطانية للاستقرار في أحياء أخرى في غربيّ المدينة أو في مدن أخرى في إسرائيل أو الخارج. وهذه الحركة السكانية إلى خارج الأحياء الاستيطانية لا توازيها هجرة إلى داخل الأحياء. لذلك نرى أنه في عام 2012 كان معدل الزيادة السكانية منخفضًا نسبيًّا. وبدأ هذا الانخفاض في معدلات الزيادة السكانية منذ عام 2000. ولم تتضح الأسباب من وراء هذه الهجرة إلى خارج الأحياء الاستيطانية، فهي بحاجة إلى دراسة.

ملاحظة: ابتداء من عام 2009 هنالك تغيير في طريقة احتساب المؤشرات، لذا لا يساوي مجمل الزيادة مجموع عوامل الزيادة. وبعض المستوطنات غير مشمولة بسبب عدم توافر المعطيات عنها. وتجدر الإشارة إلى أنّ معدلات التكاثر السكاني المنخفضة نسبيًّا في الأحياء الاستيطانية في القدس الشرقية تتعارض بصورة صارخة مع السرعة الكبيرة في البناء في الأحياء الاستيطانية في شرقي القدس؛ إذ تعلن الحكومة الإسرائيلية كل عام عن تصاريح لبناء مئات (بل قد يكون ذلك بالآلاف) من الوحدات السكنية في هذه المستوطنات أو في مستوطنات جديدة. وفي عام 2014، أعطت الحكومة الضوء الأخضر لبناء 1,060 وحدة سكنية جديدة في مستوطنتين فقط: هار حوماه ورامات شلومو. وقدّرت "المؤسسة من أجل السلام في الشرق الأوسط" عدد الشقق الجديدة التي أقيمت في القدس في الفترة 2010 - 2013 ب 2,669 شقة. من الواضح أنّ هذه الأرقام أعلى بكثير من الاحتياجات الديموغرافية في المستوطنات، وهي الاحتياجات التي تتذرع بها إسرائيل لزيادة البناء وتوسيع الاستيطان في القدس، أو ما يسمى "الزيادة الطبيعية"، والتي تتأثر - إلى حد كبير - بالهجرة إلى خارج المستوطنات. وعلى ما يبدو، إنّ التفسير الواقعي لزيادة البناء في القدس الشرقية هو سياسي محض، ويرتبط برغبة إسرائيل في عزل المدينة عن باقي الأراضي الفلسطينية المحيطة في الضفة الغربية (أي رام الله وبيت لحم.)

تقديرات مستقبلية لحجم السكان في الضفة الغربية والقدس الشرقية

تشكل التقديرات الآنيّة والمستقبلية لحجم سكان المستوطنات، وما تفرضه هذه التقديرات على التوازن السكاني بين الفلسطينيين واليهود في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، عاملً رئيسًا في الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل، وفي النقاش الدائر حول مستقبل المستوطنات وحل الصراع. ويظهر الربط بين المستقبل السياسي للمستوطنات والتوازن السكاني بين الفلسطينيين واليهود في الضفة الغربية في ادعاءات مختلف التيارات السياسية، التي تدعو إلى إنهاء الاحتلال وتفكيك أغلبية المستوطنات بحجة أنّ التوازن السكاني هو لمصلحة الفلسطينيين بصورة واضحة، وتلك التي تدعو إلى ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل مدّعيةً أنّ التوازن السكاني في الضفة الغربية هو لمصلحة السكان اليهود، وأنّ أعداد الفلسطينيين في الضفة الغربية هي أقل مما يصرّح به الفلسطينيون، وأنّ ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل لن يغيّ من التوزان السكاني الحالي الذي يضمن تفوقًا للسكان اليهود7. في الإمكان احتساب حجم الكتلة البشرية للمستوطنين في الضفة الغربية في السنوات القادمة (حتى عام 2048) بواسطة سيناريوهات مستقبلية تفترض معدلات نمو سكاني (خصوبة وهجرة) متفاوتة: عالية، ومتوسطة، ومنخفضة. وتدل التوقعات التي تفترض وجود معدلات نمو معتدلة أنّ عدد المستوطنين قد يصل في عام 2048، أي بعد مئة عام على النكبة الفلسطينية، إلى ما يقارب مليون و 700 ألف مستوطن (انظر الرسم البياني 5.) وإذا افترضنا وجود معدلات نمو منخفضة، تشير هذه التقديرات إلى أنّ عدد المستوطنين في عام 2048 سيصل إلى نحو المليون ونصف المليون مستوطن. كما سيصل هذا العدد إلى نحو مليونين إذا استمرت معدلات النمو العالية. بناء على هذه التوقعات، في الإمكان عرض نسبة المستوطنين من مجمل سكان الضفة الغربية والقدس التي قد تصل في عام 2048 إلى نحو %30 (انظر الرسم البياني.)6

  1. I. S. Lustick, “What Counts is The Counting: Statistical Manipulation as a Solution to Israel’s ‘Demographic Problem’,” Middle East Journal , vol. 67, no. 2 (2013), pp. 29 - 35. الرسم البياني)5(لازدياد السكاني في أعداد المستوطنين في الضفة، بعد نكبة عام 1948 بمئة سنة ملاحظة: تعتمد هذه التوقعات على مؤشرات الخصوبة والهجرة والوفيات التي كانت متوافرة في عامي 2012 - .2013 الرسم البياني)6(نسبة المستوطنين اليهود من مجمل سكان الضفة الغربية، توقعات حتى عام 2047

العوامل غير المباشرة: طبيعة المستوطنات والاقتصاد

يعدّ تقييم الزيادة السكانية في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والقدس، بواسطة النظر إلى معدلات الهجرة والزيادة الطبيعية، تعاملً مع العوامل المباشرة التي تؤثر في التكاثر السكاني. إلا أنّ الفهم الأعمق لهذه الظاهرة يتطلب منا التطرق إلى العوامل غير المباشرة التي تؤثر في معدلات الهجرة والولادات؛ أي إلى العوامل التي تشجع استمرار الهجرة إلى المستوطنات وارتفاع معدلات الخصوبة لدى المستوطنين. فالهجرة إلى المستوطنات والخصوبة العالية هي ظواهر تتأثر بدورها في عوامل بنيوية أخرى مثل طبيعة المستوطنات وموقعها الجغرافي، والإمكانيات الاقتصادية التي توفرها، وارتباطها بسوق العمل الإسرائيلي والاقتصاد الإسرائيلي عامة، وبالسياسات الحكومية الاقتصادية تجاه المستوطنات. يتطرق ميرون بنفنستي إلى المراحل التي مر بها الاستيطان في منتصف سنوات الثمانينيات، ويميّز بين ثلاث مراحل رئيسة8؛ إذ اعتمدت خطط الاستيطان في المرحلة الأولى، بعد حرب عام 1967 مباشرة، على المفهومين الإستراتيجي والسياسي كما يظهر من "مشروع ألون للاستيطان." وركز المشروع على إنشاء مستوطنات على الحدود بهدف سياسية لدولة إسرائيل، وبموجبه أ خلق حدود إستراتيجية -نشئت المستعمرات الأولى في منطقة غور الأردن والتي أقيمت على غرار المستعمرات الجماعية الزراعية التي عكست أيديولوجية الاستيطان الصهيوني - العمّ لي. شكلت هذه المستوطنات - تعاونيات كيبوتسيم وموشافيم - 13 من 18 مستوطنة أقيمت في الفترة 1967 - 1974 (انظر الجدول ٥.) ووفقًا لبنفنستي لم تنجح هذه المستوطنات في جذب الكثير من السكان اليهود؛ فقد كان عدد سكانها في عام 1975، أي بعد نحو 8 سنوات من بداية الاستيطان، نحو 1,800 شخص موزعين على 425 عائلة، وفي عام 1983 بلغ عدد العائلات 700 عائلة. وعلى سبيل المثال، كانت نسبة إشغال المساكن في منطقة وادي الأردن 1.7 مسكن لكل عائلة، أي أنّ كثيرًا من المساكن بقيت خالية من السكان9. شكّل إنشاء مستعمرات غوش إيمونيم المرحلةَ الثانية من الاستيطان. وتأسست حركة غوش إيمونيم في عام 1974 بهدف الاستيطان في جميع أجزاء "أرض إسرائيل"، وكانت محركَ الاستيطانِ الأساسيَّ في السنوات التي تلت إقامتها، وبخاصّة بعد فوز حزب الليكود بالحكم عام 1977، وهو الفوز الذي سارع من وتيرة إنشاء المستوطنات (انظر الرسم البياني 7.) وقد أنشأت الحركة مستوطنات بصيغة مراكز مدنية صغيرة (يشوفيم كهيلتييم)، وتبنّتها كنموذج للاستيطان في الضفة الغربية يختلف عن المستوطنات الزراعية التي أقيمت في المرحلة الأولى. ويرجع السبب في ذلك إلى أن أغلبية أعضاء حركة "غوش إيمونيم" هم من الطبقة الوسطى المَدَنية، ولا يشدهم نمط المستوطنات الزراعية ولا الأيديولوجيا العمالية الصهيونية. وتتميّز هذه المستوطنات بأنها تستطيع أن تندمج مستقبَلً لتشكّل مدنًا جديدة (أو ضواحي مبيت.) تركزت هذه المستوطنات في سلسلة الجبال الوسطى في الضفة الغربية، ولم تستطع هي كذلك أن تجذب أعدادًا كبيرة من المستوطنين؛ وذلك لقلة عدد المستوطنين ذوي البواعث الأيديولوجية الذين هم على استعداد للعيش في مستعمرات صغيرة ومعزولة عن المدن الرئيسة. وقد شكلت هذه المستوطنات نحو ثلثي مجْمل المستوطنات التي أقيمت في الفترة 1977 - 1985، والتي بلغ عددها 95 مستوطنة (انظر الجدول ٥.)

تميزت المرحلة الثالثة من الاستيطان، والتي بدأت في سنوات الثمانينيات، في وضع خطط استيطان تشدد على الأهداف الديموغرافية (أي جذب السكان.) وتزامنت هذه المرحلة مع التحول لدى المجتمع الإسرائيلي نحو الهجرة إلى خارج المدن والسكن في الضواحي، إذ فضلت كثير من العائلات الابتعاد عن مراكز المدن المكتظة ذات الأسعار الغالية، والسكن في ضواحي المدن مع الحفاظ

  1. Benvenisti, Meron, The West Bank Data Project: A Survey of Israel's Policies (Washington: American Enterprise Institute Press, 1984).‏
  2. على الرغم من فشل هذه المستوطنات في اجتذاب كثير من السكان اليهود، فإنها ساهمت في تهجير الفلسطينيين سكان الأغوار، وفي السيطرة على أراضي الأغوار وعلى الموارد الاقتصادية والطبيعية لهذه المنطقة، إضافة إلى أهداف عسكرية أخرى، انظر: الجعبة. الجدول (٥) توزيع المستوطنات في الضفة الغربية حسب نوع المستوطنة وسنة الإنشاء وعدد السكان عام 2011 http://www.peacenow.org.il "المصدر: موقع "سلام الآن الجدول (٦) توزيع المستوطنات في الضفة الغربية حسب هدفها وسنة الإنشاء وعدد السكان عام 2011 http://www.peacenow.org.il "المصدر: موقع "سلام الآن
عدد السكان 2011سنة الإنشاءنوع المستوطنة
كل السنوات2013-19861985-19771976-1967
97,251)60(81)68(15)67(64)11(2يشوف كهيلتي
3,733)4(5)0(0)4(4)6(1تعاونية
3,198)7(10)0(0)4(4)33(6كيبوتس
4,349)12(16)0(0)9(9)39(7موشاف
216,921)17(23)32(7)15(14)11(2مدينة
325,452)100(135)100(22)100(95)100(18المجموع
عدد السكان 2011سنة الإنشاءهدف الإنشاء
النسبة المئويةالعددكل السنوات2013-19861985-19771976-1967
%2890,977)50(68)55(12)54(52)22(4أيديولوجي
%2995,880)4(6)5(1)5(5)0(0حريديم
%3199,635)20(27)27(6)19(18)17(3رفاهية
%1238,960)26(35)14(3)22(18)61(14رفاهية/ أيديولوجي
%100325,452)100(136)100(22)100(93)100(21المجموع

على القدرة على التنقل بسهولة بين هذه الضواحي وأماكن العمل في المدن. واستغلت حركة الاستيطان، والحكومة الإسرائيلية، والمنظمة الصهيونية العالمية، هذا التوجُّهَ لدى المجتمع الإسرائيلي من أجل إنشاء مستوطنات تشكل مراكز مدينية في ضواحي المدينتين الكُبْ ييَن تل أبيب والقدس، وبذلك تلبي هذه الحاجة لدى قطاع كبير من الجمهور الإسرائيلي. يدل هذا العرض للمراحل التي مر بها الاستيطان حتى منتصف الثمانينيّات على أنّ مستوطنات المرحلة الأولى تميزت بكونها مناطق طلب منخفض، بعيدة عن مراكز المدن والمراكز الاقتصادية، إذ إن الاستثمارات الهائلة والحوافز التي قدمتها حركة الاستيطان للمستوطنين لم تنجح في جذب أعداد كبيرة من السكان. وينطبق هذا الأمر على مستوطنات المرحلة الثانية. أما المستوطنات التي أُنشِئت في المرحلة الثالثة، منتصف الثمانينيات فصاعدًا، فقد شكلت في أغلبيتها مناطق ذات طلب عالٍ، وذلك لقربها من الخط الأخضر وسهولة التنقل منها إلى مراكز المدن الإسرائيلية الرئيسة وتوفير مصالح اقتصادية جذابة. وبذلك استطاعت هذه المستوطنات أن تجذب أعدادًا أكبر من المستوطنين. ويُستنتج من هذا العرض أنّ الأهداف

السياسية والدوافع الأيديولوجية للاستيطان كانت حاضرة في كل مراحل الاستيطان، إلاّ أنّ عوامل بنيوية أخرى - القرب من المدن والمراكز الاقتصادية - تقوم بدور مهمّ في تحديد وتيرة الهجرة إلى المستوطنات. وبعد أكثر من أربعة عقود على بداية الاستيطان، وعلى الرغم من أنّ الهجرة لم تعد هي العامل الرئيس في الزيادة السكانية للمستوطنين بل أصبح دور الزيادة الطبيعية هو الرئيس، فإنّ قدرة المستوطنات على الحفاظ على كثير من سكانها - بمن فيهم الشباب الذين وُلدوا وتربوا فيها - مرهونة باستمرار جاذبية المستوطنات من الناحيتين الأمنية والاقتصادية. يشكّل مشروع "سلام الآن" لمراقبة الاستيطان في الضفة الغربية أحد المصادر المهمة حول النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس. ويميّز المشروع بين ثلاثة أنواع من المستوطنات حسب توجهات سكانها: النوع الأول هو الأيديولوجي، أي إنّ الدوافع الأيديولوجية هي في الأساس ما يحدد الاستيطان. والنوع الثاني هو الاستيطان بحثًا عن رفاهية العيش، أي السكن في تجمعات توفر ظروفًا سكنية مريحة. أما النوع الثالث، فهو مستوطنات الحريديم، وهي تشكل مناخًا للسكن لجمهور الحريديم الذين يفضلون السكن في تجمعات أو أحياء متجانسة دونما اختلاط مع بقية السكان من غير الحريديم. وعلى الرغم من قلة عددها 6(مستوطنات)، يشكل سكان مستوطنات الحريديم ما يقارب %30 من مجْمل سكان مستوطنات الضفة الغربية. وتشير مراجعة إنشاء المستوطنات حسب هذا التقسيم إلى أنّ هنالك 27 مستوطنة من أصل 136 تصنَّف على أنها أقيمت بدافع رفاهية العيش، وقد أقيمت أغلبيتها في المرحلتين الثانية والثالثة (انظر الجدول ٦.) كذلك تصنَّف 35 مستوطنة على أنها أقيمت بدوافع أيديولوجية وبحثًا عن رفاهية العيش. وتشكل هاتان الفئتان ما يقارب نسبة %46 من مجمل المستوطنات في الضفة

الغربية، ويسكنها نحو %43 من المستوطنين. وتشير هذه الأرقام إلى أنّ عامل البحث عن رفاهية العيش له دور مهم في الاستيطان، فضل عن الدوافع الأيديولوجية. وتتميز المرحلة التي تبدأ منذ أواخر الثمانينيات بانخفاض في وتيرة إنشاء مستوطنات جديدة، لكن لا يعني ذلك انخفاضًا في النشاط الاستيطاني وفي وتيرة تزايد أعداد المستوطنين. في هذه المرحلة، تميّز النشاط الاستيطاني أساسًا بتوسيع المستوطنات القائمة وتكثيف السكان فيها، أكثر مما اتّسم بإنشاء مستوطنات صغيرة جديدة.

المحفز الاقتصادي

من العوامل البنيوية - السياسية الأساسية التي تشجع هجرة الإسرائيليين إلى المستوطنات وجودُ سياسة اقتصادية داعمة للاستيطان، تختلف إلى حد ما عن السياسات الاقتصادية العامة المعمول بها في إسرائيل، وبخاصة في ما يتعلق بتمويل السلطات المحلية والخدمات العامة والرفاهية الاجتماعية، ورصد الميزانيات من الوزارات المختلفة، كما توضح دراسة شحادة وجريس وتحليل مركز أدفا10. ففي حين تدعي حكومات إسرائيل تراجُعَ دورها ووظائفها الاقتصادية، وتوكيل قوى السوق لإدارة الاقتصاد والنمو، وتوكيل السلطات المحلية في إسرائيل بتجنيد مصادر دخل ذاتي، وتتراجع عن تقديم قسم من الوظائف الاجتماعية والخدماتية العامة، نجد أنها تقوم بهذه الوظائف في المستوطنات، بل تتكفل كذلك بتكاليف أغلبية الخدمات العامة. ويمكن القول إن هناك اختلافًا كبيرًا بين دَوْر الدولة الاقتصادية ووظائفها داخل الخط الأخضر ودورها في المناطق المحتلة عام 1967؛ بغية تحفيز انتقال السكان إلى المستوطنات وضمان بقاء المستوطنين الذين انتقلوا لأسباب ليست عقائدية بالضرورة، وتوفير مستوى حياة أفضل، لأنّ المسكن والخدمات العامة أرخص في المستوطنات من داخل حدود مناطق ال 48، وبسبب تقليص الخدمات العامة ودولة الرفاهية داخل إسرائيل. بغية توضيح ذلك وتقديم مؤشرات لوجود فرْق بين السياسات الاقتصادية العامة والسياسات الاقتصادية تجاه المستوطنات، يعرض هذا القسم مقارنة لمعدل مداخيل السلطات المحلية للفرد الواحد في لواء المستوطنات وحصة الحكومة في هذه الميزانية، مقارَنة بحصة الدخل الذاتي للسلطة المحلية وحصة الضرائب المحلية من مجمل الدخل الذاتي، مقارنة ببقية الألوية في إسرائيل. من المهمّ الإشارة هنا إلى أنّ الأوضاع الاقتصادية لسكان السلطة المحلية تؤثر إلى حد بعيد في تحديد الميزانيات الحكومية التي تُرصد لكل سلطة محلية، وفي قدرة السلطة المحلية على جباية ضرائب محلية من السكان. ولذلك نرى أنّه ثمّة حاجة إلى عرض عدد من المؤشرات الاقتصادية الأساسية لدى سكان لواء المستوطنات مقارنة مع بقية الألوية في إسرائيل. سوف نقارن في هذا القسم فقط بين سكان لواء المستوطنات وبقية الألوية، ولن تتوافر إمكانية لعرض المعطيات الاقتصادية للمستوطنين في القدس الشرقية، لكونها تُعتبر – إسرائيليًّا - جزءًا من مدينة القدس ولا تتوافر معلومات منفردة وفقًا للأحياء، ولا يمكن تحديد الميزانيات التي تخصصها السلطة المحلية (بلدية القدس) لتلك الأحياء. من المؤشرات الأساسية المستعملة لتحديد الأوضاع الاقتصادية للسكان معدلاتُ المشاركة في أسواق العمل، ومعدلاتُ البطالة والدخل. لا تدل مقارنة المعطيات الاقتصادية لدى المستوطنين في الضفة الغربية مع بقية سكان إسرائيل على دونية اقتصادية لدى سكان المستوطنات، بل - على العكس من ذلك - تدل على أوضاع اقتصادية جيدة، وأفضل بقليل من المعدلات العامة في إسرائيل، وشبيهة - إلى حد بعيد - بالوضع الاقتصادي في المركز الاقتصادي لدولة إسرائيل. يوضح الجدول 7() أنّ معدلات المشاركة في أسواق العمل في لواء المستوطنات من بين مجْمل القوى العاملة (أي السكان في سنّ العمل من 15 إلى 65 عامًا) من المعدلات الأكثر ارتفاعًا، بالإضافة إلى لواء المركز ولواء تل أبيب. وقد بلغ معدل المشاركة في أسواق العمل في لواء المستوطنات في عام 2012 نحو %70 مقابل %63.3 كمعدّل عام في إسرائيل في السنة ذاتها، و%67 معدّلً عامًّا للمشاركة لدى السكان اليهود (يشمل المستوطنات)11.

  1. شحادة وجريس؛ وشلومو سبيرسكي وإيتي كونور- أتياس وأريان أوفير، المساعدة الحكومية للسلطات المحلية: مَن الرابح، ومَن الخاسر؟ (تل أبيب: مركز أدفا،.)2011
  2. دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، كتاب الإحصاء السنوي 2013، الجدول 12.1، انظر: http://www.cbs.gov.il/reader/shnaton/templ_shnaton.html?num_ tab=st12_01x&CYear=2013 الجدول (٧) المشاركة في أسواق العمل: الألوية المختلفة 2001 - 2012)%(لواء المستوطنات 60 المصدر: دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، استطلاعات القوى العاملة، السنوات 2001 - .2012 الجدول (٨) معدلات البطالة في الألوية 2001 - 2012)%(لواء المستوطنات 5.9 المصدر: دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، استطلاعات القوى العاملة، السنوات 2001 - .2012 الجدول (٩) معدلات الدخل للأجيرين وفقًا للّواء 2000 - 2009 (بالشيكل) لواء المستوطنات 6245 المصدر: دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، استطلاعات القوى العاملة، السنوات 2000 - .2012
201220112010200920082007200620052004200320022001
524748474646474646464647لواء القدس
585152515251505050504949لواء الشمال
625656545455545353525353لواء حيفا
706363636262606061605959لواء المركز
676262616060595858575757لواء تل أبيب
615454535353535354525251لواء الجنوب
696263626162626159606160لواء المستوطنات
201220112010200920082007200620052004200320022001
7.55.97.69.17.39.49.48.57.77.78.88لواء القدس
9.86.68.28.87.79.29.911.512.511.111.310.5لواء الشمال
7.05.27.07.66.77.48.59.610.911.510.610لواء حيفا
5.85.25.96.75.16.27.58.09.910.59.38.3لواء المركز
5.55.15.56.84.75.76.67.18.89.99.48.1لواء تل أبيب
7.36.47.57.86.88.310.510.812.913.513.912.1لواء الجنوب
5.85.25.16.85.76.57.68.08.38.66.45.9لواء المستوطنات
201220112010200920082007200620052004200320022001
6,9116,9116,531613961506013578958685717584560585732لواء القدس
6,6466,4406,054570555825467490049194898469649954886لواء الشمال
7,9997,8807,453702069786726582661776063580560155950لواء حيفا
9,2679,2688,728818981137744692372196819684370566884لواء المركز
8,9108,9668,463791479227506707571056701669768206759لواء تل أبيب
6,9896,8446,494608060755775500153405212512354165299لواء الجنوب
7,5697,4966,972660265796411593761276003608564106245لواء المستوطنات

بالإضافة إلى تقارب معدلات المشاركة في أسواق العمل لدى سكان المستوطنات في الضفة الغربية مع المركز الاقتصادي الإسرائيلي، نجد أنّ معدلات البطالة في المستوطنات منذ عام 2001 حتّى عام 2012 هي - في المعتاد - من المعدلات الأكثر انخفاضًا مقارنةً بسائر الألوية؛ فقد بلغ معدّل البطالة عام 2001 نحو %6، مقابل %10.5 في لواء الشمال، و%10 في لواء حيفا، و%12 في لواء الجنوب، ونحو %8 في لواءَي المركز وتل أبيب. أما في عام 2003، في ذروة الأزمة الاقتصادية التي عصفت بإسرائيل بعد الانتفاضة الثانية، فقد بلغ معدل البطالة في لواء المستوطنات %8.3 مقارنة ب %10.5 في لواء المركز، و%13.5 في الجنوب، و%11.1 في الشمال، و%10 في تل أبيب. أما في عام 2012، فلم تتعدَّ نسبة البطالة في لواء المستوطنات ال %6 مقارنة ب %6.9 كمعدل عام في إسرائيل، و%6.0 لدى السكان اليهود في إسرائيل12، وهي أقل من معدلات البطالة في ألوية الشمال والجنوب والقدس وحيفا، وتتشابه مع المعدل في لواء المركز ولواء تل أبيب. بالإضافة إلى ارتفاع معدلات المشاركة في سوق العمل وانخفاض البطالة، نجد كذلك أنّ معدلات دخل العمال الأجيرين في لواء المستوطنات مرتفعة مقارنةً مع بقية الألوية (الجدول ٩.) فعلى سبيل المثال، بلغ معدل دخل الأجير من سكان المستوطنات في عام 2009 نحو 6,602 من الشيكلات الإسرائيلية، مقابل 6,139 شيكلً معدل دخل الأجير في لواء القدس، و 5,705 شيكلات في لواء الشمال، و 6,080 شيكلً في الجنوب؛ لكنه أدنى من معدلات الدخل في ألوية المركز وتل أبيب وحيفا. وإذا قارنّا معطيات عام 2001، نجد أنّ الفرق بين معدلات دخل الأجير في المستوطنات ولواء الشمال والجنوب كان أكبر من الفرق في عام 2012، وأنّ الفرق مع لواءَي المركز وتل أبيب كان أقل. في اعتقادنا، إنّ هذا الأمر ساعد في إقناع السكان وسهّل عليهم الانتقال للسكن في مستوطنات الضفة الغربية، بالإضافة إلى العامل العقائدي. إجمالً، يمكن القول إنّ الحالة الاقتصادية لسكان المستوطنات ليست سيئة أو متدنّية، مقارنةً مع بقية الأقاليم، فهي أفضل من أوضاع سكان ألوية الشمال والجنوب والقدس، ومنخفضة بعض الشيء مقارنة بلواءَي المركز وتل أبيب. بالإضافة إلى الأوضاع الاقتصادية الجيدة، نجد أنّ أغلبية المستوطنين أنفسهم يقيّمون أوضاعهم المعيشية بأنّها جيّدة. فعلى سبيل المثال، يتبيّ من استطلاعات أَجْرتها دائرة الإحصاءات المركزية أنّ معظم سكان المستوطنات %92.3() راضون عن حياتهم أكثر ممّ في النسبة القطْرية.)%83(كما يَعتبر المستوطنون أنّ جودة حياتهم هي أفضل من المعدّل في إسرائيل13. كذلك في الإمكان الاستدلال على أوضاع المستوطنات الاجتماعية والاقتصادية بواسطة التدريج الاجتماعي - الاقتصادي الذي تقوم باحتسابه دائرة الإحصاء المركزية لكل واحدة من البلدات في إسرائيل - ويشمل ذلك المستوطنات - والذي يلخّص مؤشرات عديدة على مستوى البلدة، من بينها مستوى التعليم، ودخل الأسرة، والمشاركة في سوق العمل، والمساحة المخصَّصة للفرد، وغيرها من المؤشرات. وتتراوح قِيَم هذا المعيار بين الرقم 1"" الذي يعبّ عن مكانة اقتصادية اجتماعية متدنّية، والرقم 10"" الذي يعب عن أفضل مرتبة في التدريج. وفقًا لهذا السلّم، يبلغ المعدل في المستوطنات 6 درجات مقارنة مع 4.2 درجات للبلدات في لواء الجنوب، و 4.6 درجات للبلدات في لواء الشمال. معنى هذا أن الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية لدى السلطات المحلية والبلدات اليهودية في المستوطنات جيدة مقارنةً بالمعدل العام في إسرائيل.

ميزانيات السلطات المحلية

تأخذ سياسات تخصيص الميزانيات الحكومية للسلطات المحلية في إسرائيل في الاعتبار عدة عوامل، من بينها قدرةُ السلطة المحلية على تجنيد أموال ذاتية من الضرائب المحلية، وعددُ سكان السلطة، وأوضاع السكان الاقتصادية. من هنا، وبما أنّ أوضاعَ سكان المستوطنات الاقتصاديةَ جيدة، مقارنة ببقية الألوية، من المفترض أن تكون مشاركة الحكومة في ميزانية السلطات المحلية في لواء المستوطنات أقل من أغلبية الألوية الأخرى، أو - على الأقل - أقلّ من الميزانيات المخصصة للسلطات المحلية في الألوية ذات الأوضاع الاقتصادية المتدنية، مثل ما في ألوية الشمال والجنوب والقدس، وأعلى من لواءَي المركز وتل أبيب (ولواء حيفا إلى حد ما.) بغية مقارنة مركبات ميزانية السلطة المحلية وحصة مشاركة الحكومة والتمويل الذاتي والضرائب المحلية، سوف نقارن بين المعدلات الموزونة لميزانية الفرد الواحد في مداخيل السلطات المحلية في لواء المستوطنات، مقارنة مع سائر الأقاليم، لكي نلغي تأثير عدد السكان في السلطة المحلية على تخصيص الميزانيات14.

  1. المرجع نفسه.
  2. دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، "استطلاع اقتصادات العائلات"،.2011
  3. دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، "ميزانيات السلطات المحلية"، سنوات عديدة. الجدول (٠١) المعدل الموزون لدخل السلطة المحلية للفرد الواحد وفقًا للألوية (بالشيكل) لواء تل أبيب 6825 المصدر: دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، "مسوحات السلطات المحلية في إسرائيل"، سنوات مختارة. الجدول (١١) حصة الميزانية لاعتيادية من مجمل مداخيل السلطة المحلية)%(لواء تل أبيب 85 المصدر: دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، "مسوحات السلطات المحلية في إسرائيل"، سنوات مختارة. الجدول (٢١) مشاركة الحكومة من مجمل الميزانية لاعتيادية)%(لواء تل أبيب 22 المصدر: دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، "مسوحات السلطات المحلية في إسرائيل"، سنوات مختارة.
201220102008200620042002
669560195760564257846445لواء المستوطنات
692762035937593152215331لواء الجنوب
731967206230594153635522لواء المركز
631458915926555753485519لواء الشمال
780669896966633757685533لواء حيفا
619452614865497043494781لواء القدس
888583618283762468706825لواء تل أبيب
201220102008200620042002
798281827778لواء المستوطنات
848485858686لواء الجنوب
808183818582لواء المركز
848585858078لواء الشمال
828482848580لواء حيفا
798686818374لواء القدس
828485868985لواء تل أبيب
201220102008200620042002
505052555557لواء المستوطنات
403638394146لواء الجنوب
302728272932لواء المركز
535054545358لواء الشمال
373534353633لواء حيفا
333133333342لواء القدس
222020192022لواء تل أبيب
20122002امللواء
26882853لواء المستوطنات
23042101لمواء الجنوب
17201449لاواء المركز
28232492لواء الشمال
23661485لواء حيفا
16191496لواء القدس
16231273لواء تل أبيب
201220102008200620042002
495049454540لواء المستوطنات
606362615854لواء الجنوب
707272717068لواء المركز
474845454741لواء الشمال
636465656466لواء حيفا
676967676757لواء القدس
788080808078لواء تل أبيب
201220102008200620042002
11011032946915822811لواء المستوطنات
235920841931170515181437لواء الجنوب
269525292342212719021789لواء المركز
1411129711561055934849لواء الشمال
269024282232211219071803لواء حيفا
204619891774165015751479لواء القدس
397538533621333331062714لواء تل أبيب

وتوضح مقارنة معدل مداخيل السلطات المحلية للفرد الواحد في الفترة 2002 - 2012 أنّ معدل دخل السلطات المحلية في لواء المستوطنات بالمجمل قريب من معدل مداخيل السلطة المحلية في الألوية كافة (الجدول ٠١.) في معطيات عام 2012، نجد أنّ معدل دخل السلطة المحلية للفرد الواحد في لواء المستوطنات شبيه بالمعدل في لواء الجنوب، وأعلى من لواءَي الشمال والقدس، وأدنى من ألوية حيفا وتل أبيب والمركز. وقد بلغت ميزانية الفرد الواحد في لواء المستوطنات في عام 2012 نحو 6,700 شيكل، مقابل 6,900 في لواء الجنوب، و 6,300 في لواء الشمال، و 6,200 في القدس. تتألف مصادر دخل السلطات المحلية من ميزانية اعتيادية مخصصة للمصاريف الجارية وتقديم الخدمات وإدارة السلطة المحلية، ومن ميزانية غير اعتيادية مخصصة لتطوير البنى التحتية والمشاريع العامة وتطوير الحيّز. وسوف تتركز المقارنات التالية في بند الميزانية الاعتيادية، التي تشكل نحو %80 من مجمل مداخيل السلطات المحلية، كما يوضح الجدول (١١)، لأنها تشتمل على حصة الحكومة في تمويل الخدمات العامة في السلطات المحلية. الجانب الأكثر أهمية، في محور مقارنة مدخولات الميزانية الاعتيادية للسلطات المحلية، هو مصادر هذه الميزانية وحصة الحكومة مقابل حصة الدخل الذاتي وحصة الضرائب المحلية من مجموع الدخل الذاتي. في هذه المحاور، نجد الفروق الأبرز بين ميزانية السلطات المحلية في لواء المستوطنات وميزانيّات بقية الألوية. ويوضح تحليل مصادر الميزانية الاعتيادية وفقًا لمصدر الميزانية، أي حصة المشاركة الحكومية مقابل الدخل الذاتي وحصة الضرائب المحلية، أنّ حصة الدخل الذاتي من نفقات السلطات المحلية في لواء المستوطنات أصغر ممّ في أيّ من باقي الألوية، ما عدا لواء الشمال، بسبب العدد الكبير للسلطات المحلية العربية في هذا اللواء (لواء الشمال) التي تعاني أزمات اقتصادية حادة، ونجد أنّ مشاركة الحكومة من مجْمل مداخيل السلطة المحلية هي الأعلى. فقد بلغت حصة مشاركة الحكومة من معدل مداخيل السلطات المحلية للفرد الواحد في لواء المستوطنات نحو %57 عام 2001، وتراجعت إلى %50 عام 2012؛ إذ بلغت نحو 2,700 شيكل في هذا العام، وكانت المشاركة الأكثر تدنّيًا في لواءَي المركز وتل أبيب 1,720(شيكلً و 1,623 شيكلً على التوالي)،

ومَرَدُّ هذا إلى أنّ السلطات المحلية في هذين اللواءَيْن تتمتع بوضع اقتصادي جيد ويمكنها جباية ضرائب محلية تسد أغلبية احتياجاتها. ثمّة معطى آخر يشير إلى التسهيلات الماليّة ونِسَب الحسوم التي يحظى بها سكان المستوطنات، ويتمثّل في محور حصة الضرائب المحلية التي تجنيها السلطات المحلية من مجمل الدخل الذاتي في الميزانية الاعتيادية؛ إذ نجد أنّ حصة ما تجمعه السلطات المحلية من ضرائب للفرد الواحد في لواء المستوطنات هي أدنى بكثير ممّ في بقية الألوية، كما يوضح الرسم البياني 8() والجدول (٥١.) ويعني هذا أن الدخل الذاتي هناك هو أقلّ ممّ في بقية الألوية، وأنّ حصة الضرائب من الدخل الذاتي أقل. وقد بلغت حصة الدخل من الضرائب المحلية في لواء المستوطنات نحو %42 عام 2012، مقابل %68 في لواء الشمال و%70 في لواء تل أبيب، و%66 في لواء المركز. وتوضح متابعة معطيات ميزانيات السلطات المحلية والمجالس الإقليمية في لواء المستوطنات أنّ دولة إسرائيل تمول أغلبية الخدمات العامة المحلية في المستوطنات، وتوفّر الميزانيات اللازمة لصيانة مشروع الاستيطان في المناطق المحتلة. فقد وجدنا أنّ مصدر معظم الميزانية الاعتيادية هو من الحكومات، على الرغم من الأوضاع الاقتصادية الجيدة لدى المستوطنين.

خلاصة

شهدت المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية زيادة سكانية هائلة منذ بداية الاستيطان عام 1967 وحتّى عام.2015 فقد بلغ عدد المستوطنين عام 2015 نحو 600 ألف مستوطن يشكلون نحو عُشْ سكان إسرائيل اليهود. وقد شكّلت الفترة 1990 - 2000 أعلى نسبة ارتفاع في عدد المستوطنين؛ أي بين التوقيع على اتفاقيات أوسلو واندلاع الانتفاضة الثانية. ووجدت هذه الدراسة أنّ الارتفاع الأبرز في مجمل عدد المستوطنين كان بالأساس نتيجة الارتفاع في عدد المستوطنين في مستوطنات الضفة الغربية. فقد كانت وتيرة الزيادة السكانية وحجمها في مستوطنات الضفة الغربية أعلى من الزيادة نفسها في القدس الشرقية. ونجد كذلك أنّ الزيادة السكانية في المستوطنات كانت الأعلى بين جميع الألوية في إسرائيل، تليها الزيادة في لواء القدس، التي تشكل الأحياء الاستيطانية فيها ثلث عدد السكان في اللواء. وبحسب التوقعات المستقبلية في ما يتعلّق بأعداد المستوطنين، التي احتُسِبت وفقًا لفرضية معدلات نمو معتدلة، سيصل عدد المستوطنين في عام 2048؛ أي بعد مرور مئة عام على النكبة الفلسطينية، إلى نحو المليون و 700 ألف مستوطن يشكّلون نحو %30 من مجْمل سكان الضفة الغربية والقدس. وجاء هذا الازدياد في أعداد المستوطنين بالأساس نتيجة هجرة الإسرائيليين واليهود من خارج إسرائيل إلى المستوطنات، بالإضافة إلى الزيادة الطبيعية لدى سكان المستوطنات. ويُستدلّ، من تقدير تأثير كل من هذين العاملين (الهجرة والزيادة الطبيعية) في تحديد وتيرة الزيادة السكانية، أنّ حدة التأثير تغيّ ت عبر فترات الاستيطان. ففي بداية الاستيطان، ولفترة نحو ثلاثة عقود، شكلت الهجرة إلى المستوطنات العامل الأساسي لتزايد عدد المستوطنين، لكنّ مساهمتها انخفضت بعض الشيء في العقدين الأخيرين، لتصبح الزيادة الطبيعية، نتيجة معدلات الولادة العالية، العامل الرئيس للزيادة السكانية في المستوطنات. وتُعَد معدلات الولادة لدى المستوطنين من المعدلات العالية، ليس نسبة إلى سائر السكان في إسرائيل فحسب، وإنما أيضًا على مستوى العالم، وهي مستمرة في الارتفاع منذ سنوات عديدة. هنالك أكثر من بعد واحد لهذا التحول. أولً، إنّ استمرار الزيادة في عدد سكان المستوطنات أصبح يتعلق بعوامل داخلية؛ إذ أصبح لدى المستوطنات حالة زيادة طبيعية مرتفعة توفر نوعًا من الاستقلالية بحيث صار في إمكان المستوطنات، إذا استمرت معدلات الولادة هذه، أن تضمن نموها على نحوٍ مستقل، من دون الاعتماد بصورة رئيسة على الهجرة من باقي البلدات في إسرائيل أو هجرة من خارج إسرائيل. ولهذه الحقيقة تأثير بالغ ومباشر في استمرار توسع المستوطنات والبناء في المستوطنات، لأنها توفر للحكومة الإسرائيلية حجّة (مقبولة في كثير من الحالات لدى المجتمع الغربي، وتحديدًا في الولايات المتحدة) للاستمرار في توسيع المستوطنات بذريعة الزيادة الطبيعية. فما دامت المستوطنات تنمو نتيجة الزيادة الطبيعية، فثمّة حاجة إلى تلبية احتياجات هذا النموّ الطبيعي، وفقًا للمنطق الاستيطاني الإسرائيلي. إلاّ أن مثل هذه الادعاءات تتعامل مع المصطلح الديموغرافي "الزيادة الطبيعية" بتبسيط مفرط يتغاضى عن واقع الظاهرة الاجتماعي - الاقتصادي – السياسي، ويقدمه بالمفهوم العادي للكلمة "طبيعي"، أي "مقبول" أو " متفهَّم"؛ أي أنّه ما دامت الزيادة "طبيعية"، فإن تلبية احتياجاتها السكنية تكون طبيعية هي كذلك. إلاّ أنّ هذا الادعاء يتجاهل العوامل الأخرى التي تساهم في توفير ظروف معيشية مريحة ورفاهية للمستوطنين، وتشجع الاستيطان والزيادة في الولادة وفي الهجرة إلى المستوطنات، والتي لن تتوقّف أبدًا. وإنْ كان السبب الأساسي للزيادة السكانية هو الزيادة الطبيعية، مثلً، فإنّ توافر وحدات سكنية داخل المستوطنات بأسعار مغرية، وتوفير خدمات الرفاهية، من شأنهما أن يؤثّرا في

"الزيادة الطبيعية" ويساعدا على استمرار معدلات الولادة العالية لدى المستوطنين وبقاء الأزواج الشباب من المستوطنين داخل المستوطنات. قد تشكّل الخدمات التي يبرَّر تقديمها بأنها استجابة طبيعية للزيادة الطبيعية للمستوطنين أحدَ أهم المسبِّبات لاستمرار نسبة الولادة العالية وبقاء الأزواج الشباب منهم في المستوطنات ليشكلوا جيلً جديدًا من المستوطنين. لا تمتاز جميع الكتل الاستيطانية بالزيادة المطّردة في أعداد المستوطنين، وذلك نتيجة تفاوتها في القدرة على جذب المهاجرين إليها. فعلى سبيل المثال، لم تستطع مستوطنات منطقة الأغوار جذب السكان إليها على الرغم من الاستثمارات الهائلة والهبات المالية المقدَّمة لهذه المستوطنات، وذلك لبعدها عن مراكز المدن الرئيسة داخل حدود الخط الأخضر. وينطبق الأمر كذلك على المستوطنات التي أقامتها حركة "غوش إيمونيم" في نهاية سبعينيّات القرن الماضي وبداية ثمانينيّاته، في مناطق نائية نسبيًّا وعلى قمم الجبال؛ إذ لم تنجح هي كذلك في جذب كثير من السكان على الرغم من توافر الدعم المادي والدوافع الأيديولوجية. ونجد أنّ المستوطنات الأكثر زيادةً في عدد المستوطنين كانت تلك التي أقيمت في منتصف الثمانينيّات بجانب الخط الأخضر بالقرب من المدن الإسرائيلية الرئيسة، إذ إنّها تتواصل بسهولة مع المراكز الاقتصادية وسوق العمل في إسرائيل، وتشكل بذلك مناطق ذات قدرة جذب عالية. فعلى الرغم من حضور الأهداف السياسية والدوافع الأيديولوجية للاستيطان منذ عام 1967 حتى اليوم، فإنّ عوامل بنيوية أخرى، مثل القرب من المدن والمراكز الاقتصادية، تؤدّي دورًا مهمًّ في تحديد وتيرة الهجرة إلى المستوطنات. ولهذه العوامل دَور في قدرة المستوطنات على الحفاظ على سكانها من ظاهرة الهجرة إلى خارج المستوطنات وخصوصًا الأجيال الشابة. بقاء هذه الأجيال فيها مرهون باستمرار جاذبية المستوطنات من الناحيتين الأمنية والاقتصادية، وهو ما يتطلب قوة سياسية لجمهور المستوطنين تضمن دعم الدولة للمستوطنات. من هنا تنبع أهمية التطرق إلى السياسات الاقتصادية الخاصة التي تعمل بها الحكومات الإسرائيلية في لواء المستوطنات، ولا سيمّا الميزانيات المخصصة للسلطات المحلية في المستوطنات كعامل مساهم في زيادة عدد المستوطنين وارتفاع معدلات الولادة والزيادة الطبيعية. قامت الدراسة بمقارنة ميزانيات السلطات المحلية في إقليم المستوطنات مقابل بقية الأقاليم داخل الخط الأخضر، بغية توضيح الادعاء أن الحكومة الإسرائيلية تخصص ميزانيات أعلى للسلطات المحلية في المستوطنات. وقد قمنا بمقارنة مجمل الميزانية المخصصة للفرد الواحد في السلطة المحلية، ومعدلات الميزانيات الاعتيادية، وحصة الحكومة في هذه الميزانيات، بحصة الدخل الذاتي وما تشكله الضرائب المحلية من مجمل الدخل الذاتي. وتشَي مراجعة الميزانيات الحكومية وتحليلها بوجود اختلاف في سياسات تخصيص الميزانيات للسلطات المحلية داخل إسرائيل وفي المستوطنات؛ إذ تدعي دولة إسرائيل أنها تتراجع عن عدة وظائف اقتصادية اجتماعية كانت تقوم بها في السابق، وعن دور الحكومة الاقتصادي المركزي في حدود ال 48، لكنها ما زالت تقوم بوظائف اقتصادية أساسية في "دولة المستوطنات"، بل توسع وظائفها الاقتصادية. ووجدنا أنّ الحكومة الإسرائيلية تخصص للسلطات المحلية في المستوطنات ميزانيات فائضة، أكبر من حصة المستوطنين من السكان، على الرغم من أنّ أوضاع المستوطنين الاقتصادية أفضل من أوضاع السكان في أغلبية الأقاليم في إسرائيل، وشبيهة بالأوضاع الجيدة في المركز الاقتصادي الإسرائيلي، أي لواء المركز وتل أبيب. وتعد حصة الحكومة من مجْمل الميزانية الاعتيادية أكبر في لواء المستوطنات من بقية الألوية، وحصة الدخل الذاتي أقل، وكذلك حصة الضرائب المحلية من مجمل الدخل الذاتي. يمكن القول إنّ الجهد الكبير الذي استثمرته إسرائيل في "مشروع الاستيطان"، سواء أكان جهدًا ماليًا أم قضائيًا أم بيروقراطيًا، حوّل المستوطنات إلى جيوب مدنية في مناطق وأراضٍ خاضعة للحكم العسكري، وحوّلت المستوطنين إلى ذوي مكانة مفضلة تنعكس – ضمن أمور أخرى – على تحويل الأموال إلى هذه المستوطنات. وعلى ما يبدو، تحول الخط الأخضر في السنوات الأخ ةرر، ولا سيمّا بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ومن وجهة نظر إسرائيلية، إلى خط فصل بين دولتين: دولة تقليصات في حدود ال 48، ودولة رفاهية في بلاد المستوطنين. وفي الأعوام الأخيرة، يكاد لا يمر شهر من دون قرار أو خبر عن رفع الضرائب وتقليص في الميزانيات المخصصة للمجالات الخدماتية والاجتماعية، وإلى جانبه خبر أو تسريب عن تخصيص ميزانيات وهِبات جديدة أو استثمار في المستوطنات الإسرائيلية. وقد اعترف وزير المالية الإسرائيلي الأسبق، يوفال شطاينيتس، أنّ الحكومة الأخيرة ضاعفت الميزانيات المخصصة للمستوطنات بهدوء ومن دون إثارة ضجة أو حتى إعلان ذلك. وعلّل هذا التصرف السري بأنّ "الحكومة الإسرائيلية لم ترغب في أن تثير ضجة قد تعوق تنفيذ هذه السياسة، وقد تمنعه، إذا حصل ضغط دولي"15. والأهم، في هذا الجانب، أنّ تخصيص الميزانيات الفائض لم يتحول إلى موضوع خلافيّ، لا في المجتمع الإسرائيلي ولا بين الأحزاب الإسرائيلية.