المفاعيل الدولية والداخلية للسياسة التركية في سورية
الملخّص
تناقش هذه الورقة ما تراه اضطرابًا في السياسة التركية تجاه الأزمة في سورية، إذ اتسمت بالتقلب المستمر. فهي قد تناقضت، على سبيل المثال، بين وقوف سلبي تجاه احتلال تنظيم الدولة الإس مااية لبلدة عين العرب "كوباني" الكردية، وهجومها لاحقا بس حاا الطيران على مواقع داعش داخل سورية، عقب التفجيرات في بلدة سروج. ثم ما لبثت تركيا أن تحولت، مرة أخرى، لقصف القواعد الخلفية لحزب العمل الكردستاني في شمال العراق. وحتى بعد أن فتحت تركيا قاعدة إنجرليك لقوات التحالف، ظهر أن تركيا لم تشارك في الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية إلا بضربات قليلة، في حين ظل نشاط طائراتها مستمرًا ضد مواقع حزب العمال الكردستاني. ترى الورقة أنّ السياسة التي تنتهجها تركيا في سورية لم تتطوّر كثيرًا، كما أضحت مشدودة أيض ا إلى الأزمة السياسية، وأعمال العنف الداخلية، التي اجتاحت البلاد منذ انتخابات 7 حزيران / يونيو 2015. يضاف إلى ما تقدم، أن الوضع في سورية فرض عليها الانشغال بإدارة حدودها الجنوبية، ما جعلها في تماس مع الأطراف الفاعلة المتعدّدة في سورية، ذات المصالح المتضاربة. ومن الجهة الأخرى، دفعت الأزمة السورية أنقرة إلى إعادة النظر في إدارتها ساحل بحر إيجه وحدودها الشمالية، للاحتفاظ باللاجئين على أراضيها، والحفاظ، من ثم، على علاقة جيدة بالاتحاد الأوروبي.
مقدمة
اقتنع عدد من المراقبين الغربيين، بسبب استمرار الحرب السورية، ولا سيما في إثر حصار المدينة السورية عين العرب (المعروفة بكوباني) في النصف الثاني من عام 2014، أنّ تركيا باتت الحليف الإستراتيجي لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في الشرق الأوسط. إلّ أنّه عندما قصف السلاح الجوي التركي مواقع داعش في سورية صبيحة الرابع والعشرين من شهر تموز / يوليو 2015، في إثر اغتيال حزب العمال الكردستاني ضابطيْ شرطة في جنوب شرق تركيا، ردًّا على التفجير الانتحاري في سروج، وبعد الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأميركي باراك أوباما بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ووقوع اشتباك على الحدود، لم يتردّد هؤلاء المحلّلون في إعلان أنّ الدبلوماسية التركية بدأت تشهد تحوّلً إستراتيجيًا رئيسًا. ومع ذلك، توالت الحوادث لتشوّش تلك القراءة الجديدة لإستراتيجية أنقرة. ففي مساء اليوم عينه (أي في الرابع والعشرين من شهر تموز / يوليو 2015)، حوّلت الطائرات التركية إف 16 مسارها بعيدًا عن أهدافها السورية لتهاجم القواعد الخلفية لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق، معيدةً إلى الأذهان فجأة، صورةَ الدبّابات التركية المنتشرة على طول الحدود، والتي لم تحرّك ساكنًا في أثناء معركة عين العرب قبل عام، لتثبت نوعًا من التواطؤ بين الأتراك والجهاديين ضدّ الأكراد. بعد مرور عدة أشهر على افتتاح تركيا قاعدة إنجرليك الجوية العسكرية، وفي الوقت الذي كانت تشير فيه المعلومات الواردة عن عمليات التحالف العسكرية إلى أنّ تركيا لم تشارك سوى بعدد قليل جدًا من الضربات التي شنّها التحالف ضد مواقع الجهاديين، لا بل إنها كانت تواصل قصف مصالح حزب العمال الكردستاني بانتظام1، ولا يزال الغموض يكتنف تلك المسألة، يبدو أنّ السياسة التي تنتهجها تركيا في سورية لم تتطوّر كثيرًا، إلّ أنّها بدأت تأخذ في الحسبان الأزمة السياسية وأعمال العنف الداخلية التي عصفت بالبلد منذ انتخابات 7 حزيران / يونيو 2015، ما يعزّز الانطباع السائد بعدم الاستقرار.
مباراة مرك بة بوجود عدّة لاعبين في الصراع السوري
لإماطة اللثام عن الغموض، لا بد من الرجوع إلى بدايات الأزمة السورية وكيف فهمها الأتراك حينذاك. ففي عام 2011، تأخرت ردّة فعل تركيا تجاه الانتفاضة السورية كثيرًا وشابها الارتباك، فقد اندلعت الثورة السورية في الوقت الذي كانت تركيا تنتهج منذ سنوات عدّة، سياسةَ تقارب مع الرئيس السوري بشار الأسد، ما جعل الجميع ينسى العداء الذي كان سائدًا بين البلدين خلال العقود السابقة. وقد حاولت تركيا عبثًا حتى منتصف شهر آب / أغسطس 2011، أن تقنع الأسد بقبول مبدأ عملية الانتقال السياسي لتجاوز الأزمة. وعندما أيقنت في خريف العام ذاته أنّ الأسد بات محكومًا عليه، تمامًا مثل الرؤساء التونسي والمصري والليبي، بن علي ومبارك والقذافي، قدّمت دعمً متناميًا للمعارضة السورية، وبصورة خاصة للإخوان المسلمين الذين يمثّلون ركنًا من أركان المعارضة2.
في تلك الفترة، كان "النموذج التركي" يحظى بتأييد في الشرق الأوسط. وقد فاز التيار الإسلامي في الانتخابات المغربية والتونسية والمصرية، ما جعل حزب العدالة والتنمية في تركيا يظن أنّ الربيع العربي سيتمخّض عن أنظمة إسلامية تتيح له تعزيز نفوذه عليها، أنظمة ستمسي حيّزًا طبيعيًا لتوسّع الاقتصاد التركي المزدهر. وفي هذا السياق، اندرجت العلاقات التي أقامتها تركيا، لاحقًا مع الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، وهي متعددة الدلالات. إلّ أنّ الحوادث في سورية في تلك الفترة أخذت منحى مغايرًا، إذ تحولت الأزمة الأولية إلى حرب أهلية حقيقية في عام 2012. وتبيّ أنّ حركات إسلامية متطرّفة (مرتبطة
إلى حد ما بتنظيم القاعدة) أدّت دور رأس الحربة للقوى العسكرية التي كانت تقاتل النظام السوري. وفي شهر تشرين الأول / أكتوبر، أعربت هيلاري كلينتون (وكانت وقتئذ وزيرة للخارجية الأميركية) عن قلقها إذ شكّكت في مبرّرات الدعم الأعمى الذي تقدّمه واشنطن للمعارضة السورية، وتساءلت إن لم يحن الوقت بعد لإعادة تقويمه. أمّا الأتراك من جهتهم، فكانوا أقل قلقًا، إذ رأوا أنّ الكفاح المسلّح قد يسقط النظام السوري، بما أنّ التظاهرات لم تنجح في إسقاطه. فقبلوا أن يطوّر بعض الناشطين منظمات أو شبكات عديدة على الأراضي التركية. لأنّ المقاتلين الجهاديين يمثّلون قوة قادرة على الكبح، لا بل إنها قوة تستطيع منع قيام حكم ذاتي للأكراد السوريين الذين كانت تخشى تركيا، منذ اندلاع الأزمة، انقلابَهم ضدّها بتحريض من النظام السوري. وتلوم تركيا الأكراد السوريين على علاقاتهم، أيًّا كانت، بحزب العمال الكردستاني. وكان عام 2013 منعطفًا مهمً للمقاربة التركية للأزمة السورية. فعلى الرغم من تركيب منصات صواريخ الباتريوت لمنظمة حلف الشمال الأطلسي (الناتو) في جنوب شرق الأراضي التركية، فإنّ تركيا أدركت واقع عزلتها في مواجهة حرب هي عبارة عن اشتباكات حدودية تزداد تواترًا وتتسبّب في تدفق اللاجئين3 الذين لم تعد تستطيع المخيمّات المبنيّة على طول الحدود، استيعابهم4. ففي أيار / مايو 2013، عاد أردوغان خائبًا من رحلة قام بها إلى الولايات المتحدة. صحيح أنّ نظيره الأميركي استقبله استقبالً حافلً، إلّ أنّ واشنطن كانت غير مستعدة للتورّط في المستنقع السوري. وسرعان ما ثبت هذا الاستنتاج عندما قرّرت الولايات المتحدة نهائيًا في أيلول / سبتمبر 2013، عدم التدخّل في سورية، في إثر لجوء النظام السوري إلى الأسلحة الكيميائية، علم أنّ أوباما نفسه كان قد عدّ هذا النوعَ من الانتهاكات "خطًا أحمر"، لا يجوز تجاوزه فيما لو ارتُكِب. منذ ذلك الحين، تتبع أنقرة حدسها وتنفّذ إدارتها الخاصة للأزمة السورية. إلّ أنّ وجود عدد من اللاعبين المنخرطين في هذه الأزمة، لكل منهم إستراتيجيته، عقّد تلك الإدارة. وفي ربيع 2013، أطلقت حكومة حزب العدالة والتنمية "عملية سلام" مع حزب العمال الكردستاني لوضع حد للكفاح المسلح وللتفاوض في شأن حل سياسي. وفي تلك الفترة، ظن بعض المراقبين أنّ أنقرة تستطيع إرساء علاقات هادئة بالمناطق الكردية التي باتت تنعم باستقلال ذاتي، أي علاقات مماثلة لتلك العلاقات التي تربط تركيا بالحكومة الكردية المستقلة ذاتيًا في شمال العراق. وفي صيف عام 2013، توجّه صالح مسلم، رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي5 إلى تركيا مرّتين6. إلّ أنّ تلك المفاوضات الأولية باءت بالفشل، إذ نأى الأكراد بأنفسهم عن المعارضة السورية التي تدعمها تركيا، وقد باتوا اليوم يخوضون مباشرة، وبصورة منتظمة، مواجهة عسكرية مع جهاديي جبهة النصرة. إضافة إلى ما سبق، تشهد العلاقات بين الأكراد العراقيين المتحالفين مع تركيا ومنطقة شمال شرق سوريا (روج آفا)7، التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي، حالة من الشدّ والجذب، إذ تتهم حكومةُ إقليم كردستان العراق (أو: تيار رئيس الإقليم، مسعود بارزاني، وهو زعيم "الحزب الديمقراطي الكردستاني" في العراق) حزب الاتحاد الديمقراطي بالمذهبية والاستبدادية. في تشرين الثاني / نوفمبر من العام ذاته 2013، نُظِّم احتفال رسمي سياسي شعبي ضخم، في مدينة ديار بكر جنوبي تركيا، وهي بمنزلة عاصمة كردستان الشمالية (أو: كردستان تركيا)، حضره كل من أردوغان وبارزاني والمغنّيان التركيان شفان بروَر وإبراهيم تاتليسس8، بهدف إطلاق "عملية السلام" في تركيا. وقد رأى فيه عدد من المحلّلين تحذيرًا وجهه المسؤولون الأتراك والعراقيون على حد سواء، لمصلحة مسلم في اللحظة التي كان يعلن فيها الاستقلال الذاتي للمنطقة التي تخضع لسيطرته في سورية9.
من دعم المعارضة السورية إلى علاقات ملتبسة بالجهاديين
حسمت تركيا خيارها بدعم المعارضة السورية المعتدلة انطلاقًا من معارضتها بقاء النظام في دمشق، وخشية نشوء دولة كردية مستقلّة في سورية؛ وإن كانت تدرك في الوقت عينه أنّ حضور القوى المعتدلة بين القوى المشاركة في الصراع ونفوذها فيه، محدودان. ولتواصل تدخّلها في الأزمة السورية، كان على تركيا تقديم دعم لم يطالبها به أحد، وذلك لقوى أخرى أكثر فعالية على الأرض، كالحركات الجهادية. وكان هذا الدعم ضمنيًّا منذ اندلاع الأزمة. ويظهر هذا الدعم من خلال التسامح الذي تبديه السلطات التركية تجاه نشاط هذه الحركات في الأراضي التركية (من مواكبة الأسلحة والمقاتلين، وأوجه مختلفة للدعم اللوجستي، وتجارة النفط وغيرها)، وإن كانت تركيا تعتمد أيضًا في بعض الأحيان، تدخلات مباشرة، حتى لو لم تتبنَها الحكومةُ التركية10. ومع ذلك، فإنّ هذه الشراكة المفروضة بعيدة كل البعد عن البساطة.
وفي كانون الثاني / يناير 2014، انتقد وزير الخارجية التركية حينذاك، أحمد داود أوغلو، أول مرة، المجموعات الجهادية التي تستقر في شمال سورية، إذ رأى أنها تخدم مصالح النظام السوري11. وإضافة إلى ما سبق، سرعان ما لاحظ مهندس الدبلوماسية التركية نشوء ظاهرة جديدة تفرض نفسها ضمن تلك المجموعات، ألا وهي ظاهرة داعش. وفي نيسان / أبريل ٣١٠٢ تأسس تنظيم داعش في سورية، وبات يقاتل جبهة النصرة والفصائل السوريّة الأخرى. واندلعت الاشتباكات الأولى بين تركيا وتنظيم داعش عندما حاصر تنظيم داعش ضريح سليمان شاه12. تواصلت المواجهات بعدها، وفي حزيران / يونيو 2014، احتجز داعش بعد سقوط الموصل، نحو خمسين شخصًا في القنصلية التركية، من بينهم القنصل التركي أوزتورك يلماز. ولهذا الحادث الأخير دلالات مهمة عن العلاقات الملتبسة التي تربط بين تركيا وداعش، فالحكومة التركية لم تفكر قبلً بإجلاء موظفي قنصليتها، إذ اعتقدت أنّ المنظمة الجهادية لن تجرؤ على التعرّض لهم. وقد بقي الرهائن محتجزين أكثر من شهرين، وإن كانوا قد لاقوا معاملة جيدة مقارنة بالرهائن أو المعتقلين الآخرين الذين يحتجزهم تنظيم داعش (والذين غالبًا ما يجري إعدامهم فورًا)، وجرى تحريرهم في النهاية. صحيح أنّ هذه الحوادث المتتالية كلّها تشير إلى أنّ تركيا والتنظيم ليسا حليفين، إلّ أنهما لم يتصرّفا كعدويين لدودين، فهما لم يتردّدا في تبادل المصالح المشتركة خلال الصراع. واستمر هذا الالتباس في العلاقة بين الطرفين في أثناء هجوم التنظيم ضد الأكراد، ولا سيما خلال حصار عين العرب في خريف 2014. وتجدر الملاحظة أنّ أنقرة تساوي بين تنظيم داعش وحزب الاتحاد الديمقراطي، رافضة أن تنحاز لأي منهما، كون الطرفين مصنّفين منظمتين إرهابيتين. ومنذ ذلك الحين، وفي الوقت الذي يشهد فيه الأكراد تراجعًا في مواجهتهم الجهاديين، تتحرّك الحكومة التركية علنًا لمصلحة الجهاديين، فهي لم تقدّم سوى دعم محدود لحلفائها الأكراد العراقيين، في حين أنّ التدخّل العسكري الإيراني كان حاسمً، علمً أنّ إيران تربطها علاقات معقّدة ببارزاني بسبب علاقاته الملتبسة بالحكومة العراقية. فوفقًا لبعض الخبراء، حال التدخل العسكري لفيلق "القدس"، في الحرس الثوري الإيراني، والذي قاده قاسم سليماني، في أثناء الهجوم الذي شنّه داعش على عاصمة الأكراد أربيل في آب / أغسطس 2014، دون سقوط المدينة13.
تركيا تنضمّ من الخلف إلى التحالف الدولي ضد داعش
منذ صيف عام 2015، وبسبب التصريحات المدوية التي يطلقها الطرفان، بدأ يبدو للعيان أنّ تركيا وداعش أصبحا عدوّيْن لدوديْن. وقد شنّ داعش في العدد الثاني من مجلة "القسطنطينية" (وهي المجلة الثالثة التي يصدرها التنظيم، والأولى باللغة التركية)، الصادر في 17 تموز / يوليو 2015، هجومًا على تركيا أول مرة14. وقد أطلق داعش على أردوغان لقب "الطاغوت"، ولامه على علاقاته المشبوهة بالولايات المتحدة، إضافة إلى إنه عاتبه على المفاوضات التي أجراها مع حزب العمال الكردستاني ضمن سياق "عملية السلام." وحذرت "القسطنطينية" قرّاءها من اللحوم القادمة من تركيا، كونها غير مذبوحة على الطريقة الإسلامية. وبعد ذلك بفترة وجيزة، كرّر بائع حلوى تركي من مواليد كهرمان مرعش في جنوب تركيا، كان يسكن في بورصة شمال غرب البلاد، قبل التحاقه بصفوف داعش، تلك الاتهامات في فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي15. في حين لم تتردّد الحكومة التركية في استنفار مؤسسة الشؤون الدينية ı(ğ kalı ş leri Ba ş İ Diyanet.) واتهمت هذه السلطة الوطنية الدينية التركية، في تقرير لها، في آب / أغسطس 2015، تنظيم داعش، أول مرة، بأنه "منظمة إرهابية"، ودانت أفعاله التي رأت فيها تشويهًا للإسلام16. فهل كان هذا التغيير في الخطاب يعني تغييرًا أيديولوجيًا؟ في الواقع، لم يؤسس هذان اللاعبان الأساسيان مجموعة مصالحهما الإستراتيجية في المنطقة على عقيدة مشتركة. ومن الواضح أن السلفية الإسلامية الراديكالية التي يتبناها داعش ليس لديها الكثير من القواسم المشتركة مع الإسلام المحافظ الذي يسيطر عليه زعيم لا يتردّد في الإعلان أنه كان لاعب كرة قدم محترفًا، وهي رياضة محرّمة في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم17.
إلّ أنّه من المؤكّد أنّ الموقف التركي من داعش شهد تحولً بدءًا من صيف 2015. وهناك عدد من الأسباب التي تكمن وراء هذا التطوّر السياسي. فعلى الصعيد الداخلي، وبعد أن تعرّض حزب العدالة والتنمية لنكسة في الانتخابات التشريعية في 7 حزيران / يونيو 2015 18، بات هذا الحزب يسعى لوضع حد للإدعاءات عن تحالفه مع داعش. وتُبيّ الاستفتاءات أنّ أغلبية الأتراك يرون في المنظمة الجهادية تهديدًا على حدودهم يمثّل خطرًا أكبر من خطر الأكراد19. أمّا على الصعيد الدولي، فقد وجدت تركيا نفسها معزولة في المنطقة، بسبب علاقاتها التي باتت ملتبسة مجدّدًا مع عدد من جيرانها، ولا سيما العرب منهم. لذلك شعرت بالحاجة للرجوع إلى حلفائها الغربيين. وتتساءل الحكومة التركية أيضًا عن مفاعيل عودة إيران إلى الساحة الإقليمية بعد حل الملف النووي ورفع الحصار. فعلى الرغم من العلاقات الاقتصادية الوثيقة التي تربط تركيا بروسيا، فإنّ العلاقات بموسكو شهدت توترًا لم تعرفه من قبل، فتهجير التتار من شبه جزيرة القرم نتيجة الأزمة الأوكرانية بات يقلق أنقرة. وقد أكّدت الضرباتُ الجوية في سورية عودةَ الروس المدوية إلى الشرق الأوسط، وكانت ترافقت بداياتها مع الأزمة التي فجّرها النظام عندما استعمل الأسلحة الكيميائية عام 2013، ولا سيما أنّ على تركيا أن تحافظ على
علاقتها بالاتحاد الأوروبي من ناحية، مع أنّه تمّ تجميد باب ترشيحها لعضويته وتوقف أية عملية تفاوض منذ سنوات، وعليها أن تحصل من الولايات المتحدة على اتفاقية للتبادل الحر من ناحية أخرى، كي لا تعاني ما تعانيه الآن في أثناء التفاوض مع بروكسل، مقر الاتحاد الأوروبي، على اتفاقية مماثلة. ومع ذلك، أتت الآثار الإستراتيجية لهذا التغيير السياسي محدودة، لأن الموقف التركي إزاء الأزمة السورية لم يتغيّ. وفي شباط / فبراير 2015، عندما اضطرت الحكومة التركية إلى التخلي عن ضريح سليمان شاه، نتيجة تهديدات داعش، لم يجر أي تقارب بينها وبين السوريين الأكراد الذين كانوا ينوون خطب ودّ الأتراك20.
غداة شهر تموز / يوليو 2015، وبعد تنفيذ الضربات الجوية الأولى ضد مواقع الجهاديين في سورية، كانت الحكومة التركية لا تزال ترى أنّ إنشاء إقليم كردستان سوري يتمتع بحكم ذاتي يمثّل تهديدًا يعادل تهديد داعش، إن لم يكن أكبر خطورة منه. صحيح أنّ تركيا لم تقصف مواقع (وحدات حماية الشعب)، وهي الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي، وهي - في الواقع - القوات العسكرية الكردية السورية الأساسية، كما قصفت مواقع حزب العمال الكردستاني، إلّ أنها حريصة على ألّ تستفيد القوات الكردية السورية من الضربات الجوية التي يجري تنفيذها انطلاقًا من أراضيها على مواقع داعش21. وهذا يتناقض تمامًا مع مبرّ ر هذه الضربات التي جرى وضعها وإقرارها بهدف توفير الدعم للأكراد على الأرض، طالما أنّ البلدان الأعضاء في التحالف الدولي لا تنوي إرسال قوات برية. نهايةً، وعلى الرغم من إعلان الحكومة التركية انضمامها للتحالف الدولي، فإنّها لا تزال تعتمد مقاربتها الخاصة للأزمة السورية، وتلجأ إلى لعبتها المعقّدة التي يتعدّد فيها اللاعبون.
سياق سياسي غامض جدًا منذ انتخابات 7 حزيران/ يونيو 2015
إضافة إلى التوترات الإقليمية السورية، شهدت الساحة التركية الداخلية في صيف 2015، غموضًا سياسيًا داخليًا أعقب الانتخابات التشريعية التي جرت في 7 حزيران / يونيو 2015. صحيح أن انتخابات حزيران / يونيو المنصرم قد ثبّتت سيطرة الأحزاب السياسية التركية الرئيسة الأربعة على المشهد السياسي التركي (حزب العدالة والتنمية، وحزب الشعب الجمهوري22، وحزب الحركة القومية23، وحزب الشعوب الديمقراطي24) القائمة منذ انتخابات 2007، إلّ أنها عدّلت المشهد بمضاعفة حزب الشعوب الديمقراطي نِسَبَه السابقة، ليمسي تشكيلً قائمًا بذاته ضمن النظام السياسي التركي25. وكمنت النتيجة الرئيسة لتلك الانتخابات التشريعية، في خسارة حزب العدالة والتنمية الأغلبية المطلقة التي أتاحت له منذ عام 2002 أن ينفرد بحكم تركيا. وقد تكون هذه النتيجة قد عبّ ت عن رغبة الأتراك في وضع حد لطموحات أردوغان ونيته في إقامة نظام رئاسي26، إلّ أنّها نجمت أيضًا عن عوامل لا بدّ من مراعاتها، إذ شهد الحزب الذي يتبوّأ سدّة الحكم منذ ثلاثة عشر عامًا، تراجعًا في شعبيته يقارب عشرات
النقاط مقارنة بانتخابات 2011 27. ويعود هذا التراجع لفقدان الرأي العام التركي ثقته في أداء حكومة حزب العدالة والتنمية الذي بات يراه غير مقنع خلال الدورة التشريعية الثالثة التي حكم فيها هذا الحزب 2011( - 2015.) فقد شهدت تلك الفترة اعتداءات متكرّرة على حرية وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى تقصير الحكومة في التعامل مع حوادث ساحة حديقة غيزي، وكارثة انهيار منجم فحم سوما28، وفشل مساعي حل المسألة الكردية، وتراجع الدبلوماسية التركية التي باتت تواجه صعوبات في الملفات الإقليمية الكبرى، في المرحلة التي تلت الربيع العربي، ولا سيما فيما يخص الأزمة السورية29. في الواقع، آثر الأتراك، وبوضوح، تخفيف دعمهم حزب العدالة والتنمية، من دون التخلي عنه تمامًا (إذ حاز في النهاية أغلبية بسيطة.) وإن كان هناك من رسالة من الناخبين إلى الحزب الحاكم، فهي دعوته إلى أن يتبنى سلوكًا أكثر تحفظًا، وحثه على إشراك المجموعات الأخرى في ممارسة السلطة. ومع ذلك، فإنّ تشكيل حكومة ائتلافية كان يعني العودة إلى النظام البرلماني ووضع حد لأحلام أردوغان، وهو احتمال لا يستطيع مؤسس حزب العدالة والتنمية تصوّره. ومنذ ذلك الحين، أعاق عدم تجاوب الحزب الحاكم والرئيس، المشاورات مع المعارضة، ما حال دون التوصّل إلى اتفاق، ولا سيما أنّ الرئيس التركي قد أخّر عملية إطلاق المفاوضات، إذ لم يكلّف أحمد داود أوغلو بتشكيل الحكومة الائتلافية قبل 9 تموز / يوليو. وعندما تبيّ لاحقًا في 13 آب / أغسطس أنّ تلك المهمة فشلت بعد عقد ثلاث جولات من المحادثات مع الحزب الجمهوري، لم ير أردوغان أي ضرورة لتكليف زعيم المعارضة الرئيس كمال كيليتجدار أوغلو بمهمة تشكيل الحكومة، وذلك وفقًا للأعراف البرلمانية. وفي 23 آب / أغسطس، عند انتهاء المهلة الدستورية لتشكيل حكومة جديدة، وبعد أن أعلن الرئيس فشل المحادثات التي انطلقت في 9 تموز / يوليو، نجح أردوغان في الحصول على ما سعى إليه: ألا وهو إجراء انتخابات مبكرة قد تتيح لحزب العدالة والتنمية استعادة الأغلبية المطلقة، من أجل إعادة طرح النظام الرئاسي.
انهيار وقف إطلاق النار وعملية السلام مع حزب العمال الكردستاني
وضعت هذه الحوادث السياسية الداخلية، إضافة إلى تفجير سروج في 20 تموز/ يوليو 2015، حدًّا لعملية السلام التي كانت قد انطلقت في آخر عام 2012 ضمن سعي لإيجاد حل سياسي للمسألة الكردية. وما كان من حزب العمال الكردستاني إلّ أن كرّر التهم الموجّهة إلى الحكومة، إذ حمّلها مسؤولية توقف عملية السلام، فشنّ مجموعة عمليات انتقامية ضد قوى الأمن. وفي 22 تموز / يوليو، تبنى حزب العمال الكردستاني عملية اغتيال شرطيين انتقامًا في مدينة سيلان بينار، في محافظة شانلي أورفا، جنوب شرق تركيا.ولن يكون سوى الاغتيال الأول ضمن سلسلة من الاغتيالات أو الاشتباكات المماثلة التي ردّ عليها الجيش التركي بعمليات تمشيط وبغارات جوية على شمال العراق. وفي غضون شهرين ونصف الشهر، لقي أكثر من 200 عنصر من قوى الأمن (شرطة وعسكريين) حتفهم في أثناء اشتباكات قد تكون عنيفة، كتلك الاشتباكات التي اندلعت في بلدة داجليكا في محافظة هكاري، جنوب شرق تركيا، في 6 أيلول / سبتمبر 2015، وأدّت إلى قتل 15 جنديًا تركيًا. وبالطبع، وضعت هذه التطورات حزب الشعوب الديمقراطي بين المطرقة والسندان، وإن كان قد دعا على الفور إلى إعادة إحياء عملية السلام، وطلب من حزب العمال الكردستاني وضع حدّ للعنف. وتعرّضت الأحزاب الكردية المشاركة في المجلس التشريعي إلى حملة انتقادات عنيفة، شنّها عليها حزب العدالة والتنمية خاصة، إضافة إلى حزب الحركة القومية. فحزب العدالة والتنمية اتّهم حزب الشعوب الديمقراطي بأنّ لديه علاقات وثيقة بحزب العمال الكردستاني. ورآها فرصة للطعن بصدقية قوة سياسية تسبّبت في خسارته الانتخابية في 7 حزيران / يونيو 2015. فقد جرى اتهام الحزب الحاكم بأنه هو من عرقل تشكيل حكومة ائتلافية، وها هو الآن يُشتبه به بأنه يسعى لتأجيج الوضع ويعمل على حصد مكاسب انتخابية نتيجة ردّة فعل رأي عام خائف. ففي أثناء جنازة بعض العسكريين الذين قضوا، كانت لافتةً صرخاتُ الاستهجان التي أطلقها الأهالي لدى ذكر اسم أردوغان، كما طلب أقارب الضحايا من ممثلي حزب العدالة والتنمية بمغادرة مكان العزاء. فقد أتيح للأتراك منذ عام 2012، أن ينعموا بعملية السلام التي على محدوديتها وبطئها، نجحت في إسكات السلاح ووقف الاغتيالات. وخلال العقد المنصرم، لم يتوانَ أردوغان عن
التأكيد مرارًا وتكرارًا انه لا بد من عقد سلام مع الأكراد، في حين يدعو اليوم إلى محاربتهم، ما أربك الأتراك. ويسجّل له أنه كان أول مسؤول سياسي تركي اعترف عام 2005 بأنه هناك بالفعل "مسألة كردية" في تركيا، ولكنه بات يعارض تجديد عملية السلام، واتخذ مواقف شديدة القومية في أثناء حملته الانتخابية التي سبقت انتخابات السابع من حزيران / يونيو.
أمّا حزب العمال الكردستاني، متأثرًا بتياراته الأشد تصلّبًا، فيرى أن السياسة السلمية لحزب الشعوب الديمقراطي لم تفض إلى مسار ناجح، ولا بد من ردّ عسكري على القصف الذي تشنّه تركيا على شمال العراق. وقد طالب المسؤولون الأبرز في المنظّمة المتمرّدة، مثل جميل بايك، الولايات المتحدة بالتدخل لفرض وقف لإطلاق النار، ما أوحى بأنّ هناك علاقات غير مباشرة تربطهم بالإدارة الأميركية التي نفتْ بالطبع هذا الأمر. صحيح أنّ الولايات المتحدة اعترفت سريعًا بحق تركيا في "الدفاع عن نفسها ضد الإرهاب"، إلّ أنها تفاجأت بالتحوّل العسكري التركي غير المتوقع ضد حزب العمال الكردستاني، ما يقلّص قدرة الإدارة التركية على الحشد والتعبئة ضد داعش30. وقد جرى سحب منصّات صواريخ باتريوت الأميركية والألمانية التي كانت نشرت منذ عام 2012 تحت لواء الأطلسي لحماية تركيا من تداعيات الصراع السوري، ما جرى تفسيره على أنه عقوبة تكاد تكون مبطّنة يستخدمها الغربيون ضد حليفهم التركي31. وفي تموز / يوليو 2015، وعلى الرغم من عداء تركيا تجاه الأكراد السوريين، فإنّ المتحدث باسم الخارجية الأميركية جون كيربي لم يتردّد في الإعلان أنّ بلاده لا ترى وحدات حماية الشعب منظمة إرهابية، مذكرًا بفاعليتها في محاربة تنظيم داعش32. أمّا روسيا فهي أيضًا تدعم الأكراد السوريين سياسيًا وعسكريًا، وقد تسمح قريبًا بافتتاح مكتب تمثيلي لحزب الاتحاد الديمقراطي في موسكو33.
انتخابات في جوّ من التوتر الشديد
تجدر الإشارة إلى أنّ تفاقمَ التوترات منذ التفجير في سروج، والذي نفّذه تنظيم داعش، وتجدّدَ الالتباس في موقف الحكومة من الأزمة السورية، مثلّا عامليْ تشويش على التحضيرات التي سبقت إجراء الانتخابات النيابية المبكرة في الأول من تشرين الثاني / نوفمبر. فضلً عن ذلك، كانت الكمائن والاغتيالات التي نفّذها حزب العمال الكردستاني في محافظات جنوب شرق تركيا حلقات حقيقية متتالية في مسلسل الحرب الأهلية. وفرضت السلطات التركية على مدينة جيزرة 70000(نسمة) في محافظة شرناق حظرًا للتجول لمدة ثمانية أيام في بداية شهر أيلول / سبتمبر، بعد أن شهدت تلك المدينة اشتباكات عنيفة بين حزب العمال الكردستاني وقوات الأمن التركية. فوجد سكان مدينة جيزرة أنفسهم محرومين من الاتصالات الهاتفية والإلكترونية، لا بل إنّ حظر التجول تسبّب في نقص المواد الغذائية وانقطاع الماء والكهرباء. وقد دفعت هذه التطوّرات الحكومة إلى إغلاق عدد من صناديق الاقتراع في بعض المناطق تحسّبًا لاندلاع اشتباكات وحركات عصيان. إلّ أنّ هذا القرار جرى اتخاذه من دون العودة إلى المجلس الأعلى للانتخابات، وبدلً من أن يحظى بالإجماع، تسبّب في انقسام حادّ على مستوى الطبقة السياسية التركية، ونجم عن صراعات داخلية ضمن حزب العدالة والتنمية. ولم تقتصر موجات العنف على المحافظات الكردية، إذ أنها شملت تدريجًا، وبمناسبات مختلفة، بقية أنحاء تركيا. وهكذا، تطوّرت تظاهرات نظمتها الأحزاب القومية في 8 أيلول / سبتمبر 2015، في
عدد من المدن، إلى أعمال عنف تدعو للقلق (كعمليات النهب التي استهدفت المكاتب المخصّصة لمرشحي حزب الشعوب الديمقراطي، والاعتداءات على مارة جرى الاشتباه بأنهم أكراد، وغيرها من أعمال العنف.) وبصورة متوازية، هاجم أنصار حزب العدالة والتنمية مقر الصحيفة اليومية حرييت آخذين عليها انتقاداتها للحكومة التركية. وتعرّض الصحافي الأكبر شهرة في هذه الصحيفة أحمد حاكان جوشكون لاعتداء أمام منزله، في الأول من تشرين الأول / أكتوبر. ولكنّ أعمال العنف بلغت في 10 تشرين الأول / أكتوبر مستوى لم تبلغه من قبل، مع التفجيرين اللذين استهدفا تجمّعًا من أجل السلام في العاصمة التركية كانت قد نظّمته النقابات وحزب الشعوب الديمقراطي أمام محطة القطارات الرئيسة في أنقرة، ما أدى إلى وقوع أكثر من مئة قتيل و 250 جريحًا. وأصيبت تركيا بالذهول بسبب هذه المأساة التي كانت أكثر الهجمات دموية في تاريخها، ولا سيما أنها حدثت في وقت يشهد تدهور الوضع الدولي بعد مواصلة روسيا تدخّلها وتعزيز وجودها في المنطقة. فتضافر هذا التردّي المتواصل مقرونًا بالوضع المحلي والإقليمي، ليزيدا من حدّة الشعور بالاستياء من حكومة حزب العدالة والتنمية. فقد بات الرأي العام التركي يخشى أن ينجرّ مرغمً إلى اضطرابات متواصلة ناجمة عن الصراعات المحتدمة على حدوده34 بسبب الإستراتيجية المتهوّرة التي يعتمدها حكامه في سورية.
تركيا، الضحية الأساسية للأزمة السورية
تمامًا كما هيمنت مسألة طرح النظام الرئاسي على الانتخابات التركية في حزيران / يونيو 2015، والتي قد تكون السبب الرئيس للانتكاسة التي مني بها حزب العدالة والتنمية حينها، باتت السياسة التي تنتهجها الحكومة التركية في تركيا والمسألة الكردية محورَ قضايا السياسة المحلية في تركيا. وقد أشارت العناصر الأولى للتحقيق في شأن تفجيريْ محطة القطارات في أنقرة، إلى أنّ تنظيم داعش هو الذي يقف وراءه، اا إذ أنّ هناك تشابهًا في طريقة تنفيذهما مقارنة بتفجيري سروج 20( تموز / يوليو 2015) وديار بكر 5( حزيران / يونيو 2015)، وتبيّ أنّ هناك صلات أكيدة بين المشتبه بهم في ارتكاب هذه التفجيرات كلها. وقد وضعت هذه المستجدّات حزب العدالة والتنمية في موقع لا يحسد عليه، لأنها تعزّز الجدل في شأن العلاقات الملتبسة التي أقامتها الحكومة بالحركات الجهادية في سورية. ومع ذلك، فإنّه من اللافت أنّه بغض النظر عن الجهة التي نفّذت التفجير، وجدت الحكومة التركية نفسها في موقع المتهّم. فالرأي العام يميل بالفعل إلى رؤية المخاطر التي تكبّدها الحكام الأتراك عندما انخرطوا بحماس شديد في تعقيدات الصراع السوري، ولا يرى غيرها ضمن المشهد السوري المأساوي. ويضاف إلى عتب الأتراك على الحكومة، القلقُ من خيار النظام الرئاسي، إذ أنّ سياسة تركيا المتهوّرة في سورية تُعدّ نتاج سعي رئيس طموح ومسيطر. وسيكون من الصعب على رئيس الدولة وحزبه التخلّص من مجموعة التهم التي يوجّهها إليهما الرأي العام، والتي باتت تشوّش صورتهما. ولم تغيّ عملية إعادة التموضع الإستراتيجي الحذر التي أتاحت لتركيا الانضمام إلى التحالف الدولي وفتحها لقاعدتها أنجرليك أيًا من تلك المعطيات. إذ أنّ الحكومة التركية عندما قصفت مواقع لتنظيم داعش إنما أكّدت انخراطها في الصراع السوري، ما أذكى - على الأرجح -عداء الجهاديين ضدّها، فقرّروا توجيه ضربات إليها مرّات عدّة منذ بداية فصل الصيف.
وفي نهاية الأمر، لم يعد الانعطاف في الموقف الإستراتيجي الذي أجراه المسؤولون الأتراك بكبير فائدة عليهم، فلقد حال هاجسهم في احتواء تطوّر الحضور الكردي في المنطقة، دون انخراطهم الفعلي في العمليات التي شنّتها قوات التحالف الدولي، فخيّبوا آمال حلفائهم الغربيين بعض الشيء. ومن المؤسف استمرار هذه العلاقة الملتبسة بين تركيا والغرب، ولا سيما في إثر دخول عامل جديد على الصراع السوري ألا وهو التدخل الروسي، إذ باتت تركيا في حاجة ماسة إلى دعم الغرب، أكثر من أي وقت مضى. إلّ أنّ التطورات الأخيرة التي طرأت على
الصراع السوري لم ترجع الثقة فعلً إلى العلاقات التركية - الأوروبية، بل إنّها أساءت إليها لأسباب أخرى. نتيجة تطوّرات الصراع الأخيرة في صيف عام 2015، شهدت الدول الرئيسة الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تدفّقًا للاجئين السوريين ما جعلها تزيد ضغوطها على تركيا، لأنها رأت أنّ مسؤولية أنقرة تكمن في التزامها تنظيم الهجرة وفق معاهدات جرى توقيعها بين تركيا والاتحاد الأوروبي35. ولا شك في أنّ هذا الموقف الأوروبي مجحف لأنّ المشكلة المطروحة لم تعد تتعلّق بمهاجرين فقط وإنما، وبصورة خاصة، بلاجئين هربوا من مناطق الصراع والاضطهاد. ويبقى أنّ هذا الخلاف قد شوّش مرة أخرى العلاقات التركية الأوروبية، في الوقت الذي كان فيه الاتحاد الأوروبي يقدّم تقريره السنوي عن وضع ترشيح تركيا للانضمام إليه، وتضمّن انتقادات لها، وخاصة فيما يتعلق باحترام الحقوق والحريات، ما أدى - إضافة إلى المساومات الشاقة - إلى إثارة الضغينة المتبادلة الناجمة عن الجمود في مفاوضات الانضمام. وقد أبرم المسؤولون الأوروبيون (دونالد تاسك رئيس المجلس الأوروبي والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل التي زارت تركيا في 18 تشرين الأول / أكتوبر 2015) وعودًا لتركيا بتنازلات مهمة، في حال استطاعت الاحتفاظ بالمهاجرين على أراضيها، كإعفاء الأتراك من الحصول على تأشيرة لدخول أوروبا وتسريع المفاوضات في شأن عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي. وكان شعور الإحباط حادًا لدى الطرف التركي، إذ أدّى هذا الموقف الأوروبي إلى الإدانة بالإجماع لهذه النزعة الأوروبية التي تريد أن تجعل من تركيا بوابة تشرف على تنظيم تدفّق المهاجرين ليس إل36. في الدورة الثانية عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية مكافحة التصحر للأمم المتحدة الذي عقد في أنقرة، شجب أردوغان افتقاد الأوروبيين للضمير، في خطاب مناهض للغرب37، في حين أنّ زعيم المعارضة الكمالية كمال كيليتجدار أوغلو اتهم الحكومة بأنها خضعت لرشوة الاتحاد الأوروبي في أثناء المفاوضات المضنية38.ّحتى أن جمعية الصناعيين ورجال الأعمال الأتراك (توسياد التي تضم أكبر الشركات التركية وأقواها)، والتي تتبنى توجّهات غربية وتمثّل مجموعات ضاغطة من أجل عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، لم تنمّق كلماتها حينما أعربت عن دهشتها من الاتحاد الأوروبي الذي لا يبدي اهتمامًا بتركيا إلّ في الأوضاع الطارئة وعندما يكون في حاجة ماسة إليها39. كيرر يؤدي هذا الجدل ال - الأوروبي الناجم عن الأزمة السورية إلى مفارقة. في الواقع، لا بد من العودة إلى بداية الحوادث التي هزّت سورية في عام 2011، والتي فرضت على تركيا مشكلة إدارة حدودها الجنوبية، ما جعلها على تماس مع الأطراف الفاعلة المتعدّدة ذات المصالح المتضاربة. وها هي الأزمة السورية اليوم تدفع بأنقرة إلى إعادة النظر في إدارتها ساحل بحر إيجه وحدودها الشمالية، للاحتفاظ باللاجئين على أراضيها والحفاظ على علاقاتها الجيدة بالاتحاد الأوروبي. وبالتأكيد، لم يصل الكابوس السوري إلى خواتيمه بعد.