المحددات المؤثّرة في توجيه سياسة تركيا الخارجية نحو توطيد علاقاتها بالجزائر

نعيم شلغوم

الملخّص

يُعدّ السياق التاريخي والنسق العقائدي من المحددات المهمّ ة التي ساهمت في إحداث تحولّات جذرية في توجهات السياسة الخارجية التركية؛ إذ أصبحت تصاغ في الآونة الأخيرة وفق مجموعة من المحددات، وهو ما يظهر توجّه صانع القرار في تركيا إلى ضرورة توطيد علاقاتها بدول العالم العربي والإسلامي، ومنها الجزائر التي تعدُّ من بين الدول الفاعلة في منظومتها، وهذا ما يعكسه انتعاش العلاقات التركية - الجزائرية وتطورها الذي يُعبّر عن عمق العلاقات التاريخية والثقافية الموجودة بين الشعبين، إلى جانب إدراك قادة البلدين حقيقة التحديات التي تواجههما. فالمقاربة التي اعتمدتها تركيا في سياستها الخارجية المتمث لة ب "تصفير المشكلات" مع جيرانها وتوسيعها، لتشمل فضاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تقتسم معها مجال ا تاريخيّا وثقافيًّا مهمًّا، عز زت توجهها نحو توطيد علاقاتها بالجزائر بوصفها دولة محورية في هذا الفضاء، كما ساهم في ذلك التقارب في المواقف والرؤى المتعل قة بالعديد من القضايا المركزية، وأبرزها القضية الفلسطينية التي تحمل بالنسبة إليهما رمزية دينية وتاريخية كبيرةّ؛ ذلك أنها تمث ل نقطة التقاء بين مواقف البلدين. وفي هذا الصدد، عرفت الدبلوماسية التركية تحوّل ا في هذا الشأن؛ إذ أصبحت تميل نحو اعتماد توجهات ومواقف عدائية ضدّ الكيان الصهيوني، وهو توجه طالما اعتمدته الجزائر في سياستها الخارجية منذ الاستقلال بوصفها قضية مبدئية مازالت تشغل بال البلدين. وعلى هذا الأساس يتجلى تأثير العوامل الدينية والتاريخية في تحديد التوجهات الجديدة لسياسة تركيا الخارجية نحو تعاونها مع الجزائر وتكثيف جهدها لتوطيد علاقاتها بها. ويمكن إرجاع ذلك إلى أنّ الشعور بالانتماء إلى الأمة الإس مااية والتاريخ المشترك لان منطلقات بالنسبة إلى سياسة الخارجية التركية يمث.

دراسة في المنطلقات والتوجهات

إشكالية الدراسة وأهدافها

تدور هذه الدراسة حول إشكالية مركزية تتمثّل بالسؤالين: ما مدى تأثير الإرث التاريخي والنسق العقائدي في توجيه السياسة الخارجية التركية نحو توطيد علاقاتها بالجزائر؟ وما هي حدود هذا التأثير ومستوياته؟ ويهدف هذا المسعى إلى معرفة طبيعة السياسة الخارجية التركية المنتهَجة تجاه الجزائر، ودور الإرث الثقافي والتاريخي في توجيه سياسة تركيا الخارجية نحو توطيد علاقاتها بالجزائر، وانعكاساته المستقبلية. فعلى الرغم من اختلاف العقيدة السياسية للدولتين الذي يظهره تباين الرؤى والمواقف تجاه ثورات الربيع العربي، تشهد العلاقات بين هذين البلدين تطورات إيجابيةً ملحوظة.ً

أهمّية الدراسة

تنضوي هذه الورقة البحثية إلى إطار دراسة السياسة الخارجية التركية والتحولات الحاصلة فيها، ومن ثمة الإلمام بالتوجهات الجديدة لهذه السياسة من خلال مكانة البعد التاريخي والثقافي وأهميته في السياسة الخارجية، ودوره في توطيد علاقاتها بالعالم العربي والإسلامي. وبما أنّ الجزائر من أهمّ الدول الفعالة في منظومتهما، فإنّ أهمّية هذه الدراسة تحاول التأسيس لعلاقات تركية - جزائرية تحتكم إلى المرجعية التاريخية والثقافية في تجاوز الخلافات؛ لما لها من تأثير في توجيهها، وفي تعميق أواصر الأخوّة والتعاون بين البلدين. لقد كانت العلاقات بين تركيا والجزائر قائمةً على التحالف والتعاون منذ العهد العثماني، وفي هذا البحث سنحاول بناء مقاربة متكاملة تؤدِّي بهذه العلاقات بين البلدين إلى الاستجابة لمصالح البلدين، وفق مبدأ الربح بالنسبة إلى الطرفين. ويحاول البلدان استحضار المنطق الذي كان سائدًا أيام الدولة العثمانية وفق أطرٍ ومقتضيات تستجيب للعصر الحالي المتمثّل، أساسًا، بتشجيع التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري. لهذا، يُعدّ المعطى التاريخي والثقافي مرجعيةً لهذين البلدين، أدّت إلى تعزيز العلاقات بينهما من خلال وضعها أسسًا جديدةً معبّةً عن عمق هذه العلاقات. بناءً على ذلك تندرج فكرة دراسة العلاقات التركية - الجزائرية في إطار المحاولات الهادفة إلى تسليط الضوء على الأهمية التاريخية لهذه العلاقات، وهي تستدعي إعادة قراءتها وفق مقاربة جديدة معتمدة على الموضوعية في الطرح؛ من أجل تأسيس مرحلة جديدة تستجيب لمصالح البلدين وتطلعاتهما، وتكون كذلك في مستوى التحديات التي تواجههما.

فرضيات الدراسة

من أجل محاولة الإحاطة بهذه الدراسة، ينبغي معالجة الفرضيات التالية: يعود نجاح السياسة الخارجية التركية إلى طبيعة المبادئ والأهداف التي ارتكزت عليها في معالجة القضايا والأزمات المحيطة بالعالم العربي. كان توطّد العلاقات التركية - الجزائرية نتيجةً للأهمية والمكانة الجيوسياسية التي تحظى بها الجزائر. يساهم العامل الثقافي والتاريخي دائمًا في تحديد طبيعة العلاقات التركية - الجزائرية.

التصور المفاهيمي وتحديد مؤشراته الرئيسة

هذا البحث هو تصور يحاول بناء مقاربة متكاملة تضمن الموازنة بين العوامل البراغماتية والقيمية للعلاقات المذكورة. فتأثير العامل الثقافي والتاريخي في توجيه السياسة الخارجية التركية نحو توطيد علاقاتها بالجزائر غير كافٍ؛ لذلك فهو يتطلب وجود رؤية جديدة تعبّ عن طموحات البلدين وتطلعاتهما. ومن ثمة، حاولت العلاقات التركية - الجزائرية الموازنة بين هذه العوامل، وفق مبدأ الربح للطرفين، وهذا ما تظهره المؤشرات الاقتصادية والمعاملات التجارية.

الاختيارات المنهجية

نعتمد في هذا البحث على مقاربة منهجية قائمة على توظيف مجموعة من المناهج المتمثّلة باستخدام المنهج التاريخي؛ بالنظر إلى تأثير المعطى التاريخي والثقافي في توجيه السياسة الخارجية التركية، وهو ما ساعد على توطيد علاقاتها بالجزائر؛ بالنظر إلى التحالف التاريخي الموجود بين الجزائر والدولة العثمانية. ومن أجل الإحاطة بهذا الموضوع من كلّ جوانبه، جرى الاعتماد على المنهج الوصفي في ما يتعلّق بالتحولات الحاصلة في السياسة الخارجية التركية وانعكاساتها الإيجابية على علاقاتها بالجزائر. كما جرى الاعتماد، على نحوٍ محدود، على المنهج الإحصائي؛ من أجل تقديم قراء اقتصادية لهذه العلاقات التي تُعدّ ترجمةً لمستوى الإرادة السياسية في تمتين التعاون الاقتصادي، نظرًا إلى ما تضطلع به المصالح الاقتصادية في تحديد طبيعة العلاقات الدولية. إنّ تحليل السياسة الخارجية في الدراسات السياسية المعاصرة، كثيرًا ما يعتمد على المنهج المقارن الذي ظهر في ما عُرف ب "السياسة الخارجية المقارنة." لذا، نجد مضمون هذه الورقة مُعتمدًا على التحليل المقارن بصفة ضمنية، ويتضح ذلك من خلال التطرّق إلى السياسة الخارجية التركية والجزائرية، انطلاقًا من المواقف والرؤى التي تعتمدها كلّ دولة تجاه القضايا والأزمات المحيطة بها. إنّ إدراك القيادة السياسة أو صانع القرار للمتغيرات الداخلية والخارجية أمرٌ لا غنى عنه في فهم السياسة الخارجية لأيّ دولة كانت، ومادامت هذه الدراسة التي تحاول معرفة درجة تأثير النسق العقائدي في تحديد السياسة الخارجية التركية تندرج ضمن هذا الإطار، فإنّ ذلك يستدعي الاستعانة بالمنهج الإدراكي على نحو واسع في تحليلها؛ لأنّ صانع القرار في كلا البلدين يتصرف في حدود فهمه وإدراكه للواقع السياسي المحيط به، وهذا التصرّف يساعد على فهم الكيفية التي يدرك بها الأمورَ صانع القرار في تركيا، وعلى فهم التأثيرات المعرفية الذهنية؛ من عقائد، وإدراكات، وقيم، في تحديد توجهات سياسة تركيا الخارجية وانعكاساتها على علاقاتها بالجزائر. ويتطلب هذا الأمر معرفة مدى تأثير النسق العقائدي الوطني في سلوك صانع السياسة الخارجية للبلدين، وأثره في توطد العلاقات بينهما. ومن هذا المنطلق تسعى هذه الورقة لتحليل هذه العلاقات المعقَّدة والمتطورة من خلال معرفة مستوى تأثير النسق العقائدي والقيمي في النُخبة الحاكمة. لهذا جرى توظيف مقاربة النُخبة السياسية؛ من أجل معرفة طبيعة عقيدة قيادة البلدين السياسية ودورها في تعزيز العلاقات بينهما، ففيها يجرى تحليل مواقف قادة البلدين تجاه القضايا التي تهمّ علاقاتهما البينية أو المتعلّقة بالعالم العربي والإسلامي، وهي قضايا يغلب عليها استحضار الثقافة والتاريخ المشترك، وهو ما يسمح بمعرفة درجة تشبّع القيادة السياسية في تركيا والجزائر بالمعتقدات الدينية، وبالموروث الثقافي الذي تقتسمانه، ومدى اقتناعهما بذلك. ولمعرفة واقع هذه العلاقات ومستقبلها، جرى الاعتماد على مقاربة الثقافة السياسية؛ وذلك لمعرفة درجة تأثير العامل الثقافي الذي كثيرًا ما يتحكّم في تحديد سلوك السياسة الخارجية التركية وتوجهاتها. ويتّضح هذا الأمر من خلال ما يظهر من تأثيرٍ لشخصية الرئيس أردوغان ومعتقداته في معالم السياسة التركية التي أحدثت تحولّات جذريةً في توجهاتها، بالنظر إلى المواقف التي اتخذها تجاه العديد من القضايا الإقليمية والدولية. ونجد إلى جانب ذلك تأثير شخصية الرئيس بوتفليقة في توجيه السياسة الخارجية الجزائرية، وفي هذا الصدد تنعكس قيم الشخصيتين ومعتقداتهما التركية والجزائرية لتؤدِّي دورًا محوريًّا في توطيد هذه العلاقات، مع الأخذ في الحسبان بتأثيرات التاريخ المشترك المعروف في العهد العثماني بالقوة والهيبة. تسمح هذه المقاربة المنهجية بإعادة قراءة العلاقات التركية - الجزائرية قراءةً صحيحةً؛ إذ تتيح تحليل هذه العلاقات من خلال أكثر من منظور (سياسي، واقتصادي، وتاريخي، وثقافي)، وهو ما يجعلها ذات خصوصية تميّزها من العلاقات الدولية الأخرى.

مقدمة

لقد عرفت السياسة الخارجية التركية في الآونة الأخيرة تحولّات جذريةً في توجهاتها، أساسها قيام صانع القرار التركي بإعادة تأسيس مرحلة جديدة تكون فيها تركيا فاعلً إقليميًّا ودوليًّا. فمنذ عام 2002، عمل القادة الأتراك بقيادة رجب طيب أردوغان على تحقيق ذلك، من خلال إعادة تحديد منطلقات جديدة للسياسة الخارجية لتركيا مغايرة للسياسة التي اعتمدها التيار العلماني المتطرف. وتتمثّل هذه المنطلقات باحترام الجانب العقائدي للمجتمع التركي، والإرث التاريخي والثقافي للدولة العثمانية التي أصبحت حاليًّا بمنزلة مرجعية لهذه السياسة، بناءً على اضطلاعها بدور محوري في السياسة الإقليمية والدولية. وانطلاقًا من هذه المرجعية توجّه صانع القرار التركي نحو اعتماد مقاربة تصالحية مع العالم العربي والإسلامي، من خلال اتخاذ تركيا مواقف تأخذ أبعادًا دينيةً وتاريخيةً، وهذا ما يظهر في الدفاع عن القضية الفلسطينية، بوصفها قضيةً مركزيةً بالنسبة إلى الأمتين العربية والإسلامية. ويمكن تفسير التحولات الحاصلة في سياسة تركيا الخارجية بوصول حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان ذي التوجه الإسلامي إلى الحكم عام 2002. ومن ثمّة، أعيدت هندسة سياسة تركيا الخارجية وفق نظرية العمق الإستراتيجي التي صاغها وزير الخارجية أحمد داود أوغلو، والتي تعتمد أطروحتها على ضرورة توجهها نحو توطيد علاقاتها بدول العالم العربي والإسلامي، بوصفها تمثّل عمقها الإستراتيجي. ومن أجل تحقيق ذلك، لا بدّ من ردّ المكانة إلى ثوابت المجتمع التركي ومقوماته والمصالحة مع تاريخه الذي تمثّله الحضارة العثمانية. وفي هذا الصدد، مثّل تأثير العامل الديني والح مل التاريخي الثقيل للدولة العثمانية مصدر إلهام للقادة الأتراك الجُدد الذين أعادوا تركيا إلى سابق "مجدها"، من خلال عودتها إلى حضنها الطبيعي وهو الأمة الإسلامية، حتى أنها أصبحت من بين الدول الفاعلة في هذه المنظومة، وهذا ما يعكسه انتعاش علاقاتها بالدول العربية والإسلامية وتطورها. من هذا المنطلق يتجلى تأثير العوامل التاريخية والثقافية في تحديد التوجهات الجديدة للسياسة الخارجية التركية نحو توطيد علاقاتها بالجزائر الذي يمكن إرجاعه إلى عوامل الشعور بالانتماء إلى الأمة الإسلامية، والتاريخ المشترك الموجود بينهما الممتد إلى ثلاثة قرون من الوجود العثماني، وقد أدّى ذلك إلى نشوء كتلة تاريخية وثقافية يصعب تجاوزها. ولئن كان تاريخ تأسيس العلاقات العثمانية - الجزائرية يعود إلى عام 1516، فإنّ إعادة بناء هذه العلاقات وفق أسس جديدة تهدف إلى الرفع من مستوى هذا التعاون، ليصل إلى مستوى التحالف التاريخي الذي كان سائدًا بين الدولة العثمانية والجزائر. ويمكن ترجمة هذا التعاون حاليًّا من خلال التعاون الاقتصادي بين البلدين الذي ينطلق من العوامل التاريخية. لهذا نجد أنّ التوجهات التي تتبعها سياسة تركيا الخارجية تجاه الجزائر تبقى منطلقاتها واضحة،ً بالنظر إلى أنّ العمق التاريخي يُعدّ مرجعيةً لهذا التعاون، فكان ذلك معزّزًا لانتعاش العلاقات التركية – الجزائرية وتطورها. في هذا الصدد تحتل الجزائر مكانةً إستراتيجيةً مهمّةً بالنسبة إلى تركيا، بوصفها دولةً مفتاحيةً لشمال أفريقيا، نظرًا إلى تعلّقها بمؤهلات جيوسياسية واقتصادية جذابة جعلت هذه العلاقات ترتقي إلى مستوى الشراكة. ويستلزم العمق التاريخي لهذه العلاقات وجود تقارب بين توجهات السياسة الخارجية للبلدين، وهذا ما يظهر في تطابق المواقف المتعلّقة بالقضية الفلسطينية، بوصفها تحمل، بالنسبة إلى البلدين، دلالات رمزيةً، ودينيةً، وتاريخيةً كبيرةً. وهذا التوجه طالما اعتمدته الجزائر في سياستها الخارجية منذ الاستقلال، وهو يُعدّ من ثوابت عقيدتها السياسية. أمّا بالنسبة إلى تركيا، فنظرًا إلى تقلّص تأثير النفوذ العلماني مع وصول التيار الإسلامي بزعامة رجب طيب أردوغان إلى الحكم، طرأ تحوّل في عقيدتها السياسية، وهذا ما يُظهر عودتها إلى حضن الأمة الإسلامية ومناصرتها لقضايا العالم العربي والإسلامي. ومن هذا المنطلق يستدعي المنطق المنهجي طرح الإشكالية التالية: إلى أيّ مدى تؤثّر المحددات التاريخية والثقافية والأنساق العقائدية في توطيد العلاقات التركية - الجزائرية؟ وما هي حدود هذا التأثير ومستوياته؟

المحور الأول، الثابت والمتغير في توجهات سياسة تركيا الخارجية

لقد عرفت سياسة تركيا الخارجية تحولّات عميقةً، وهذا ما يظهر في اعتمادها مجموعةً من المواقف والتوجهات الجديدة، وفي اعتمادها سياسةً خارجيةً متعدّدة الأبعاد، من شأنها أن تعزّز روابطها بدول العالمين العربي والإسلامي. وفي هذا الصدد، نجد أنّ الشخصية الإستراتيجية لتركيا قد تغيرت إلى حدّ بعيد، نظرًا إلى تغير التوازنات العالمية والإقليمية في عُقب انتهاء الحرب الباردة. فقد تأثرت تركيا بهذا

التغيير، وانعكس ذلك على إستراتيجيتها المهتمة بالمناطق والأحواض البرية والبحرية والقارية القريبة1. لهذا، تمكّن قادة تركيا الجُدد من إعادة هندسة سياساتها الخارجية وفق مجموعة من المحددات الملائمة للحيّز الجغرافي الذي تقع فيه؛ إذ عملوا على التعامل مع دول الجوار، من خلال مبدأ تصفير المشكلات معها، استنادًا إلى حتمية الرجوع إلى المقومات التي تحكُم المجتمع التركي. ويكون هذا الأمر باستعادة الإرث التاريخي للدولة العثمانية الموجود في الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا التي جرى تغييب الحضور التركي فيها، سواء بقدوم الاستعمار إليها أو بقيام الدولة التركية الحديثة بزعامة مصطفى كمال أتاتورك الذي حاول نسف كلّ ما يمتُّ بصلة إلى الحضارة العثمانية. ولهذا نجد أنّ تركيا حاليًّا تتعلّق بنفوذ قوي وعلاقات وطيدة مع العديد من دول العالم العربي والإسلامي، نظرًا إلى اعتمادها على إستراتيجية جديدة، جرى التأسيس لها مع مجيء أردوغان ذي التوجه الإسلامي إلى الحكم عام 2002، وهو الذي عمل على إرجاع تركيا إلى حضن العالم الإسلامي؛ وذلك بتوجيه سياسة تركيا الخارجية نحو تعزيز علاقاتها بهذه الدول، وهو ما يدلّ على أنّ هذه التحولات كانت تشير إلى أنّ السياسة الخارجية التركية تصاغ وفقًا لقيمٍ وأُسسٍ جديدة، وقد اتضح هذا الأمر من خلال العدوان الأميركي على العراق عام 2003؛ وذلك حين ظهرت تركيا بوجه جديد، وبملامح أقلّ رغبةً في التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية في شن العملية العسكرية2. في هذا السياق، اعتمدت تركيا في الآونة الأخيرة توجهات مغايرةً؛ إذ أصبحت لا تعطي تحقيق مصالحة تاريخية مع محيطها العربي والإسلامي والأفريقي أولويةً قصوى فحسب، بل صارت تهدف إلى إقامة شراكة إستراتيجية مع بلدانه أيضًا3، وقد عملت على تحقيق ذلك عبر توطيد علاقاتها بدول هذا المحيط، نظرًا إلى ما يتعلّق به من ثروات مادية وقيمية من شأنها أن تساعدها على الاضطلاع بدور مؤثّر في السياسة الإقليمية والدولية، من خلال تجاوزها "فكرة الجسر" بين الشرق والغرب إلى أن تكون مركزًا إقليميًّا. لقد أدَّى تغير خيارات السياسة الخارجية التركية إلى تغيير أدوات تركيا الإستراتيجية؛ إذ اتجهت نحو إبرام العديد من الاتفاقيات السياسية والاقتصادية داخل محيطها الإقليمي، ومن خلالها حقّقت انفتاحًا على المستوى الخارجي معبِّةً بذلك عن التغير الذي طرأ على سياستها الخارجية4. لهذا السبب، اعتمدت سياسةً خارجية مرنةً تميل نحو توطيد علاقاتها بالدول المحيطة بها، وخصوصًا تلك التي تشاركها المرجعية الدينية والمقومات الثقافية والقيمية نفسها، وهي توجهات جديدة طالما أصبحت مُؤثّرةً في تحديد المعالم السياسة التركية بوجه عام.ّ من هذا المنطلق، انتهجت سياسة تركيا الخارجية مسارات جديدةً؛ من أجل تقوية دورها الإقليمي من جهة، وتحسين صورتها تجاه العالم العربي والإسلامي من جهة أخرى، من خلال اعتماد نهج تصالحي مع إرثها وتاريخها ورصيدها الحضاري، وتجاوز فكرة الجسر، وتوسيع دائرة علاقاتها الخارجية التي تربطها بها روابط جيوسياسية وتاريخية وثقافية5.

اتجاه تركيا نحو التموقع وإعادة التعريف بدورها الإقليمي

برزت تركيا بوجه جديد، منذ عام 2002، حين حاول القادة الأتراك الجُدد إظهار أنها ليست جسرًا يربط بين الشرق والغرب، وأنها دولة ذات دور محوري في تحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط ومنطقة القوقاز، وفق معادلة جديدة تسعى من خلالها لضمان مصلحتها الإستراتيجية. فعلى الرغم من العضوية التي تتعلّق بها في

  1. أحمد داود أوغلو، العمق الإستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، محمد جابر ثلجي وطارق عبد الجليل (مترجمان)، ط 2 (الدوحة - بيروت: مركز الجزيرة
  2. محمد نور الدين، '"الدبلوماسية الناعمة' من 'تركيا الجسر..' إلى 'تركيا المركز"'، مجلة شؤون الأوسط، العدد  116 2004()، ص .3
  3. عبد السلام إبراهيم بغدادي، "البعد الأفريقي للسياسة التركية المعاصرة"، مجلة دراسات دولية، العدد 50 2012()، ص .9 4 أوغلو، ص .251
  4. للدراسات/ الدار العربية للعلوم ناشرون، 2011)، ص .247
  5. سعيدي سعيد، "سياسة تركيا الخارجية في ظلّ حزب العدالة والتنمية وانعكاساتها على مجلة المفكر العلاقات التركية العربية"،، العدد  10 2014()، ص .473

الحلف الأطلسي، فإنّ دورها الإقليمي أصبح قويًّا، وهذا ما يظهر في رفضها المشاركة في العدوان على العراق عام 2003. ومنذ هذا التاريخ بدأ الدور الإقليمي لتركيا يتبلور مستمدًّا قوته وفعاليته من الأوضاع الداخلية الجيدة (السياسية والاقتصادية)، إلى جانب تعلّقها بموقع جيوسياسي يؤهلها لأنْ تكون قوَّةً إقليميةً تستمدّ قوتها من المعطيات الجغرافية، والسكانية، والعسكرية، والاقتصادية، والثقافية.. إلخ6. ويعود ذلك إلى انهيار قواعد التأييد لدى قادة تركيا الجُدد تجاه الغرب، فقد كانت السياسة التركية الخارجية تقوم على توجه أ حادي متمثّل بالانفتاح عن الغرب، وهو أمرٌ يعود إلى تأسيس الجمهورية عام 1924 على يد كمال أتاتورك، واعتماده النظام العلماني. بإحداث أتاتورك العداء والقطيعة التامة مع دول الجوار العربي والإسلامي، لم تنكسر هذه السياسة المتّبعة إلّ بعد تفكُّك الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، حين بدأت انفتاحًا بالتدريج عم يسمى العالم التركي في القوقاز وآسيا الوسطى7. وفي هذا الصدد، توجه قادة تركيا الجُدد إلى اعتماد مقاربة جديدة قائمة على "تصفير" المشكلات مع جيرانها؛ ما سمح لها بأداء دور محوري في السياسة الإقليمية، انطلاقًا من قناعة تتمثّل بحقّها في أن تقوم بدور مهم في استقرار منطقة القوقاز، ووسط آسيا، ومنطقة الشرق الأوسط. لهذا، أصبحت سياستها الخارجية مُعتمدةً على فلسفة جديدة تتجاوز مفهوم الدولة - الجسر كثيرًا؛ إذ أصبح دورها الإقليمي أكثر فعالية وذا تأثير في الصعيدين الإقليمي والدولي، فانتهاجها مسارًا جديدًا مكّنها من استعادة مكانتها ضمن فضائها الجيوسياسي. من أجل ذلك، أصبح السلوك السياسي الخارجي لتركيا قائمًا على المبادرة والقدرة على الفعل. جاء هذا الوضع نتيجة التحول الحاصل في المنظومة السياسية التركية الداخلية، تعكسه عملية دمقرطة السياسة الخارجية، وهي تتعلق أساسًا بما تفي به الديمقراطية من روح مبادرةٍ، وكثرة بدائل وتنوعها، وإتاحة الفرصة لاستكشاف أفكار جديدة والحصول على معلومات جديدة أيضًا. ثمّ إنّ النقد والتقويم والتصحيح الذي تسمح به الديمقراطية يُقلّل الأخطاء الدبلوماسية التي قد تهدّد الدولة واستقرارها8. من هذا المنطلق كان توجّه تركيا نحو التعريف بدورها الإقليمي، من خلال الثبات على مبادئ الجمهورية التركية والارتكاز على نقاط قوَّة تتمثّل بالموازنة بين الحريات والأمن والتكامل مع جيرانها، إلى جانب الدفاع عن مبادئ سياستها الخارجية الحاضنة للقيم المحلية والعالمية في ضوء موازين القوى الجديدة. فسمح ذلك بانتهاجها سياسةً خارجيةً فاعلةً تهدف إلى إعادة التموقع، من خلال بناء كيان تركي قوي مؤثّر في السياسة الإقليمية والدولية. لهذا نجد أنّ تركيا تُغيّ إستراتيجياتها في مواجهة التطورات الحاصلة في المنطقة العربية؛ ذلك أنّها تستخدم المبادئ السابقة نفسها، لكنّ هذا الاستخدام بتوجه جديد. ففي وقتٍ كانت فيه تركيا تعترف بتعزيز الديمقراطية فلسفة محوريةً للربيع العربي تهدف إلى قيادة هذا التحول الإقليمي، نجد أنّ ذلك من دون تدميرٍ للاستقرار الإقليمي9؛ وذلك لضمان كسب حليف إقليمي قوي يساعدها على الاضطلاع بدور فعَّال في التأثير في السياسة الإقليمية، وفق التجسيد العملي لنظرية العمق الإستراتيجي.

التحول نحو تحقيق التوازن الحضاري

يبرز اتجاهان أساسيان في السياسة التركية الحديثة؛ أحدهما اتجاه "تقليدي علماني" تمثّله الأحزاب العلمانية التي تجعل إرث أتاتورك مرجعيةً تتجه نحو تقوية علاقاتها بالغرب، والآخر مقابل لهذا الاتجاه، وهو اتجاه "إسلامي" تمثّله الأحزاب الإسلامية التي تعتقد أنه لا بدّ من الانفصال بالتدريج عن الغرب ومؤسساته، والعودة بالكيفية نفسِها إلى الارتباط بالدائرة الحضارية الإسلامية10. وقد أدَّى التغيير السياسي الذي حدث في تركيا، عام 2002، إلى إعادة هندسة سياستها الخارجية وفق منطق الموازنة بين هذين الاتجاهين، فدفعها ذلك نحو توثيق علاقاتها بالدول العربية والإسلامية، نتيجةً لبروز قناعات لدى صانع القرار التركي مفادها ضرورة التوجه نحو الموازنة بين التوجه الأوروبي واستعادة المجد الإسلامي السائد أيام الدولة العثمانية. لم يكن من الممكن تحقيق هذه الموازنة إلا باعتماد توجّه جديد قائم على معادلة الفهم الإيجابي للتاريخ والدين وتكييفه مع العلمانية التركية، وهو ما تطلّب من تركيا اعتماد البعد الحضاري والتاريخي في سياستها الخارجية، نظرًا إلى الآثار السلبية التي خلّفها التوجه العلماني المتطرف من تأثير في سياستها الخارجية. لهذا، عمل قادة تركيا الجُدد على إرجاعها

  1. أوغلو، ص .251
  2. محمد بوبوش، "التوجهات الجديدة للسياسة التركية الخارجية"، مجلة دراسات شرق أوسطية، العدد 55 2011()، على الرابط: http://www.mesj.com/new/ArticleDetails.aspx?id=53
  3. سعيد الصديقي، "السياسة الخارجية والديمقراطية: تعارض أم توافق؟"، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد  15 2007()، ص .147
  4. مراد يشيلطاش وإسماعيل نعمان تيلچي، "السياسة الخارجية التركية في ظل التحولات الإقليمية"، مركز الجزيرة للدراسات، /16 /12 2013، على الرابط: http://studies.aljazeera.net/reports/2013/12/20131216103336330486.htm
  5. خورشيد حسين دلي، تركيا وقضايا السياسة الخارجية (دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1999)، ص 10 - .11

إلى بيئتها الطبيعية، من خلال المزاوجة بين إرث التاريخ ومتطلبات الحاضر. وبما أنّ تركيا تشّكل نقطة التقاء بين الحضارة الشرقية والحضارة الغربية، فإنّ ذلك يقتضي التعامل بإيجابية مع عدّة معطيات تاريخية وحضارية لا يمكن تجاهلها، وهذا ما يظهر جليًّا في انتهاجها سياسة خارجيةً أصبحت تصاغ في إطار "التصور العثماني الجديد" المستند إلى نظرية "العمق الإستراتيجي" لأحمد داود أوغلو الذي بدأ تجسيدها منذ عام 2005 11. من ثمّة، برزت توجهات جديدة تتمثّل بتأثير البعد الحضاري في السياسة الخارجية التركية الذي أدَّى إلى توطيد علاقاتها بالعالم العربي والإسلامي. فحين ظهر مصطلح "العثمانيون الجُدد" الذي يُعبّ عن مَيْل صانع السياسة الخارجية التركية إلى توثيق علاقاته بدول العالم العربي والإسلامي، وفق منظور حضاري قائمٍ على نسج علاقات جديدة مع مناطق التأثير التاريخي، من خلال تفعيل دورها في منظمة المؤتمر الإسلامي التي استطاعت تركيا من خلالها إقامة علاقات مع العمق الأسيوي والأفريقي. وهكذا، كان لا بدّ لتركيا أن تتجه نحو الشرق والجنوب وتعيد النظر في سياساتها وروابطها بالمناطق القريبة منها جيوستراتيجيًّا12. كان استحضار الأسس والمقومات العقائدية والمصير المشترك الذي تقتسمه تركيا مع الدول المحيطة بها من أجل الحدّ من العداء الذي كانت تكنّه الدول العربية نحو الجمهورية التركية؛ بسبب انتهاجها توجهًا علمانيًّا متطرفًا ينظر إلى الإسلام نظرةً دونيةً وعنصريةً. فسرعان ما عمل قادة تركيا الجُدد على العدول عن هذا التوجه، من خلال اعتمادهم سياسةً خارجيةً أصبحت توجهاتها تميل إلى العودة إلى الحضارة العثمانية وماضيها؛ وذلك من أجل تحسين صورة تركيا لدى جيرانها وتصفير المشكلات، إلى جانب احترام مزاج الشارع التركي الذي يشهد انزياحًا شديدًا إلى مشرقيته وتراثه التاريخي. لهذا، نجد تركيا تعتمد مواقف مساندة للقضية الفلسطينية، وتضطلع بأدوار مؤثّرة في الدفاع عنها في المحافل الدولية، كما يظهر تأثير البعد الحضاري في سياسة تركيا الخارجية من خلال تحمّلها تبعات الدولة العثمانية؛ إذ أ جبرت تركيا الحديثة على تحمّل ديون الإمبراطورية العثمانية المنهارة وتسديدها، وهو أمرٌ يعرقل عملية الفصل التاريخي والسياسي والحضاري التي حرص أتاتورك على تدشينها، بتمييز الجمهورية التركية الحديثة من الدولة العثمانية13.

المحور الثاني، المحددات المعتمدة في تطوير سياسة تركيا الخارجية وانعكاساتها على العلاقات التركية - الجزائرية

اعتمدت تركيا سياسةً خارجيةً مبنيةً على التوفيق بين ماضيها التاريخي والمقتضيات البراغماتية، ويظهر ذلك في سعيها لاستعادة "مجد الدولة العثمانية" في الدول العربية، من خلال استحضار التاريخ العثماني في المنطقة، وفق إطار تعاوني تحكمه أ سس حديثة مبينة على قواعد التكامل الاقتصادي والتبادل التجاري الحر. ومنذ تولّ حكومة رجب طيب أردوغان الحكم، نجد أنّ تركيا أصبحت تحظى بنفوذ إقليمي متنامٍ. ومن العوامل المساهمة في تعزيز هذا النفوذ الروابط التاريخية، والإمكانات الطبيعية والاقتصادية والعسكرية القوية. ولعل إدراك الحكومة التركية صعوبة الانخراط في الاتحاد الأوروبي جعلها تتحول شرقًا؛ وذلك بتوثيق علاقاتها بالدول العربية، نظرًا إلى أوجه التشابه والتقارب التي تجمعها بهذه الدول، ولا سيما أنّ غياب تركيا عن الساحة العربية والإسلامية شكّل فراغًا كبيرًا واستدعى ضرورة عودتها إلى بيئتها الطبيعية (العالم الإسلامي)، وقد كانت تمارس، في ما سبق، سُلطةً ووصايةً تجاه العديد من الأقطار العربية، تحت مظلة الدولة العثمانية، من بينها الجزائر التي كانت تربطها بها علاقات صداقة وتعاون امتدت على مدار ثلاثة قرون من الزمن. ومن ثمة يأتي توثيق العلاقات بين تركيا والجزائر ضرورةً ملحّةً، نظرًا إلى عمق العلاقات التاريخية التي تجمعهما وإلى كثرة المصالح الموجودة بينهما. تعرف السياسة الخارجية التركية تجاه الجزائر في الآونة الأخيرة انتعاشًا كبيرًا، على الرغم من فترة الجفاء الذي ميّزها في الماضي، نظرًا إلى المواقف التركية السلبية تجاه القضية الجزائرية إبّان الثورة التحريرية، على الرغم ممّ يجمعهما من علاقات تاريخية. لكن مع مطلع الألفية الثالثة، انتهج هذا المسار نهجًا مغايرًا، وعرف تحولّات جذريةً؛ بسبب اعتماد قادة تركيا الجُدد مسارًا جديدًا يتمثّل بالتوجه نحو استعادة "المجد التاريخي" لهذه العلاقات التي تعود جذورها إلى الدولة العثمانية، والتي أصبحت حاليًّا تعبّ عن عمق العلاقات التي سسٍ ومقاربات جديدة تستجيب لمعطيات الحاضر تجمعهما، وفق أ. لقد اعتمدت تركيا مقاربةً جديدةً في سياستها الخارجية، وهي تتمثّل بتحقيق تكامل بين عمقها التاريخي والجغرافي، مع تخطيط إستراتيجي موائمٍ لواقعها الذي أتاح لها فرصةً لتكون قوَّة ذات قدرة على تحقيق

  1. علوان سطام حسين، "توجهات السياسة الخارجية لحكومة حزب العدالة والتنمية دراسات دولية حيال العراق"، مجلة، العدد  51 2012()، ص .65
  2. أوغلو، ص.249
  3. بشير عبد الفتاح، "السياسة الخارجية التركية: منطلقات وآفاق جديدة"، الأهرام الرقمي، /1 /7 2009، على الرابط: http://digital.ahram.org.eg/articaldetails.aspx?Serial=95995&part=2

نقلة نوعية في دورها الإقليمي14. وفي هذا السياق، تظهر قوَّة الوجود التركي في شمال أفريقيا من خلال اهتمامها بالجزائر بوصفها دولة مفتاحيةً لهذه المنطقة؛ نظرًا لِمَ لَها من مؤهلات تجعلها دولةً محورية في فضائها الجيوسياسي، وهو أمرٌ يفرض على قادة تركيا التعامل معها سسٍ وقواعد جديدة تسمح بتعزيز العلاقات بينهما وتطويرها وفق أ. وعلى الرغم من اختلاف العقيدة السياسية بين الدولتين، فإنّه ثمّة تقارب في رؤى بينهما تميل نحو ضرورة حلّ المشكلات وأزمات الأمة العربية والإسلامية بطرائق سلمية عبر فتح قنوات الحوار ودرء التدخل الأجنبي. وبما أنّه توجد علاقة ارتباطيه بين العامل الجغرافي والفعل الإقليمي، فإنّ إبراز نقاط التلاقي والافتراق بين طرفي العلاقة يتطلب تأسيس علاقات مبنية على الانسجام والتوافق15. الجزائرية على أُبناءً على ذلك، تقوم العلاقات التركية -سسٍ توافقية يجرى توظيفها لمصلحة إعادة بناء العلاقات البينية، على نحوٍ يحقّق مصلحتهما القُطرية، في ظلّ انتعاش دور إقليمي للدولتين واتساعه سس تحقيق الأمن والاستقرار وقواعدهما على نحوٍ قائمٍ على أ، بطرائق تضمن الحفاظ على وزنهما الإقليمي والدولي.

محدد الأهمية السياسية والإستراتيجية

بما أنّ تركيا "لاعب إقليمي" مهمّ يمر بمرحلة تحوّل حاسمة في تاريخ علاقته بالمنطقة العربية، فإنّ ذلك يستدعي التعريف بنفسها، وبمصلحتها وبإعادة هندسة دورها الإقليمي؛ لهذا نجد أنّ النُخبة السياسية الجديدة عملت على تأهيل تركيا لأنْ تكون قوَّةً دولية عبر بوابة القيادة الإقليمية، من خلال توظيف إمكاناتها الذاتية والموضوعية لتحقيق هذا الهدف16. وعلى هذا الأساس أيضًا، أصبحت السياسة الخارجية التركية تصاغ وفق أسس واقعية وإستراتيجية، معتمدةً على قاعدة تكثيف التعاون وتوطيد علاقاتها بالدول التي تحظى باحترام على الصعيد الإقليمي، وبأهمية جيوسياسية. في هذا الصدد، نجد أنّ دول شمال أفريقيا تمثّل بالنسبة إلى تركيا ضرورةً إستراتيجية تتطلب تعميق علاقاتها بها، نظرًا إلى الخصوصية التي تتميز بها هذه الدول. لهذا اتجهت تركيا إلى تفعيل دبلوماسيتها من أجل نسْج علاقات التعاون مع الدول التي لها وزن إقليمي وذات استقرار سياسي يضمن استمرارية هذه العلاقات وتطورها. من هذا المنطلق، تسعى تركيا لتوطيد علاقاتها بالجزائر، بالنظر إلى دورها المحوري والفعال في الساحتين المغاربية والأفريقية. فالموقع الإستراتيجي للجزائر، يسمح لها بالتأثير في السياسة الإقليمية للمنطقة. لهذا، فهي تُعدُّ الوجهة المفضلة بالنسبة إلى تركيا، نظرًا إلى المزايا والمؤهلات السياسية والجيوسياسية التي تحظى بها، بوصفها دولة مفتاحيةً لشمال أفريقيا، كما أنها تعُدّ جزءًا من الفضاء المتوسطي الذي يحظى هو نفسُه بأهمية تاريخية وحضارية، وبحيوية سياسية وإستراتيجية، جعل الجزائر من بين الدوائر ذات الأفضلية في التعامل معها لدى صناع السياسة الخارجية التركية، وهذا ما يترجمه توقيع معاهدة الصداقة عام .2006 لقد أدت موجة التغيير في المنطقة العربية إلى طرح جملة من المعطيات والتحديات الجديدة، فرضت على تركيا ضرورة تكثيف تعاونها مع الجزائر، بالنظر إلى أنّ الدولتين تعانيان الاضطرابات الداخلية والمواجهات العسكرية الحاصلة في كلّ من سورية وليبيا اللتين أصبحتا مصدرًا لتهديدات أمنية تجاه محيطهما الإقليمي. لهذا عملت تركيا على التموقع إستراتيجيًّا عبر إعادة هندسة سياستها الخارجية في ضوء التطورات الحاصلة في المنطقة العربية، من خلال مساندتها للشعوب المطالبة بالديمقراطية. وفي هذا السياق تأثّرت سياستها الخارجية بموجة التحولات التي مسّت عديد الدول العربية، وهو ما تسبب بإحداث تطورات بنيوية أدّت إلى إعادة صَوْغ أهداف سياستها الخارجية؛ إذ كشفت هذه البيئة السياسية الجديدة عن الحاجة الملحّة إلى قيام تركيا وأطراف إقليمية أخرى بتخفيف مواقفها تجاه الصراعات الحاصلة في المنطقة العربية17. في المقابل، يعرف تعامل تركيا مع الوضع في الجزائر ثباتًا واستقرارًا في توجهاتها الخارجية، نظرًا إلى الاستقرار السياسي الذي تحظى به الجزائر، بخاصة أنّ الموقف التركي يعدّ الجزائر دولةً مستقرةً ويثمّن فيها الإصلاحات التي جرى إجراؤها تثمينًا إيجابيًّا، على الرّغم من أنها محاطة ببيئة إقليمية مضطربة، وفي هذا الصدد نجد أنّ مواقف الجزائر كانت مخالفةً للمواقف التركية تجاه الثورات العربية، ويعود ذلك إلى اختلاف عقيدة السياسة الخارجية للجزائر المبنية على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول إلا في ما يتعلق بالتشجيع على

  1. أوغلو، ص .28
  2. صايل فلاح مقداد السرحان، "أثر المحددات الجيوسياسية على العلاقات التركية المجلة الأردنية للعلوم لاجتماعية العربية: 2011 - "2012،، العدد  6 2013()، ص.223
  3. سرمد عبد الستار أمين، "الولايات المتحدة وتركيا إعادة تفعيل الشراكة الإستراتيجية في
  4. دراسات دولية منطقة الشرق الأوسط"، مجلة، العدد 49 2013()، ص .51 17 يشيلطاش وتيلچي.

الحوار وحلّ المشكلات الداخلية سلميًّا، وهذا ما يظهر في مساعيها في حلّ الأزمة في ليبيا ومالي، على خلاف موقفها الذي يميل نحو التدخل، في الحالتين السورية والمصرية بعد الانقلاب العسكري. بناءً على ذلك، تعدُّ تركيا فاعلً رئيسًا في السياسة الإقليمية للمنطقة العربية، وهو ما سمح لها بكسب مصالح ومناطق ذات نفوذ جديدة. لهذا نجدها تعتمد منهجيةً مرنةً تسمح لها بالتوسع نحو دول شمال أفريقيا، والجزائر تحديدًا. فعلى الرغم من الاختلاف في العقيدة السياسية لقادة البلدين، فقد فرضت المعطيات الجيوسياسية نفسها، إلى جانب ازدياد أهمية المصالح الإستراتيجية، في ضرورة توجهها نحو التعاون مع الجزائر من دون الخوض في المسائل الحسّاسة التي قد تربك مسار هذا التعاون، ونعني بذلك القضايا المتعلّقة بتداعيات الربيع العربي؛ فقد رفضت الجزائر بشدّة التدخل فيها عادّةً إيّاها شأنًا داخليًّا. في المقابل، عملت تركيا على التدخل في تلك القضايا، وكانت لها مواقف صريحة فيها، وفي هذا الشأن نجد أنّ الموقف التركي كان سلبيًّا إزاء قضية الصحراء الغربية؛ إذ ذكّر أردوغان بموقف بلاده المتمثّل بعدم الاعتراف بجبهة البوليساريو، وذهب إلى اقتراح وساطة تركية بين المغرب والجزائر لتسوية النزاع وفتح الحدود بينهما، إلّ أنّ ذلك لم يُرضِ المغرب وأغضب الجزائر التي تعُدّ النزاع في الصحراء الغربية مسألةً ثنائيةً بين المغرب والبوليساريو وترفض أيّ وساطة بشأن مسألة إعادة فتح الحدود مع المغرب18. تعزّزت العلاقات التركية  الجزائرية وفق قاعدة لقد  -الأهمية السياسية والإستراتيجية بالنسبة إلى تركيا، فالجزائر مكسب مهم بالنسبة إليها؛ لأنها من أقوى الأقطاب الإقليمية في شمال أفريقيا. وتظهر القيمة الجيوسياسية للجزائر من خلال قدرتها على إدارة النظام الإقليمي لشمال أفريقيا عبر الأدوات الدبلوماسية. لهذا، أ عيد بناء العلاقات بين البلدين على أ سس جديدة. وعلى الرغم من أصالة هذه العلاقات وعمقها التاريخي، فإنّ التأثيرات الجيوسياسية الجديدة فرضت على الدولتين انتهاج سياسة خارجية ملائمة لخصوصية البيئة الجغرافية والإقليمية. ويُعَدُّ التعاون مع الجزائر بالنسبة إلى سياسة تركيا الخارجية من بين الفضاءات الجيوسياسية التي تفرضها دوائر السياسة الخارجية التركية، والتي تتجه بالتدريج نحو تحقيق "الاستقلالية الإستراتيجية لتركيا بفضل تنويع أنشطة سياستها الخارجية مع مختلف المناطق19. انعكس هذا التوجه الذي اعتمده صانع القرار التركي إيجابيًّا على علاقاتها بالجزائر التي تعتمد في سياستها الخارجية على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهي قاعدة ثابتة لديها، جعلتها تضطلع بدور مهمّ على الصعيد الإقليمي؛ هو تشجيع الحوار وحلّ الأزمات بالطرائق السلمية، من خلال التقريب بين الأطراف المتخاصمة، في ظلّ التحولات السياسية والجيوسياسية التي أفرزتها ثورات الربيع العربي وأثّرت في توجهات السياسة الخارجية التركية حين طرأت عليها تحولّات جوهرية تتمثّل بنهاية سياسة تصفير المشكلات مع الجيران، وهذا ما يظهر في توجّهها نحو دعم الشعوب العربية المطالبة بالديمقراطية والتغيير، وقد أصبح هذا الدعم يخلق لها مشكلات مع دول مجاورة لها. وفي هذا السياق نجد أنّ تركيا والجزائر تضرّرتا من غياب الاستقرار السياسي والأمني في كلّ من سورية وليبيا؛ وذلك من خلال عسكرة الحراك الشعبي فيهما، وهو ما جعل تركيا تحاول إيجاد شريك قوي تجسده الجزائر، بوصفها دولةً فاعلةً ومؤثّرةً في السياسة الإقليمية لشمال أفريقيا. لهذا السبب، لا تزال تركيا تعتمد سياسة تصفير المشكلات تجاه الجزائر من أجل كسب ودّ صديق قديم وإزالة الحواجز معه، ويكون ذلك بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر، وباحترام إرادة الشعب الجزائري. وفي هذا الصدد أوضح أردوغان أنّ تركيا لا ترغب في التدخل في شؤون الدول الداخلية، وأنها ليست لها أطماع في أيّ دولة؛ فكانت لهذا الأمر آثار إيجابية في زيادة قيمة تجارة تركيا الخارجية20. في هذا السياق، يرى العديد من الخبراء بخصوص التحولات الحاصلة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي هي امتداد لما يسمّى "المسألة الشرقية" Question Eastern؛ وهي صراع البلدان الأوروبية على إرث الدولة العثمانية في عُقب ضعفها، من خلال الحوار الذي دار في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وفي مطلع القرن العشرين في أوروبا حول مصير الأقاليم العثمانية وأرض الإسلام عمومًا. فالثورات التي هزّت بعض البلدان العربية منذ عام 2011، نتج من أوضاعها

  1. عبد النور بن عنتر، "زيارة أردوغان للمغرب العربي: تعاون اقتصادي وأهداف سياسية"،
  2. Bulent Aras, "Turkey's Rise in the Greater Middle East: Peace-building in the Periphery," Journal of Balkans and Near East Studies, vol. 11, no. 1 (March 2009), pp. 24 – 29. 20 علاء عبد الحفيظ محمد، "النسق السياسي العقيدي لرجب طيب أردوغان"، مجلة رؤى إستراتيجية، العدد  3 2013()، ص .2
  3. مركز الجزيرة للدراسات، 22 / 6 / 2013، على الرابط: http://bit.ly/1JLSWxB

ضغط كبير على الجزائر وتركيا، ويبدو أنّ الضغط الذي يعيشه كلا البلدين هو السبب الذي دفعهما إلى هذا التقارب، على الرغم من تناقض الموقف الجزائري مع الموقف التركي تجاه الثورات العربية وتداعياتها. فتركيا تعيش عزلةً إقليميةً، وهذا ما جعلها تبحث عن متنفس لها في الجزائر. أمّا النظام الجزائري، فقد قبل بهذا التقارب من جرّاء تفكُّك تحالفه الرئاسي وفشله في كسب تأييد المعارضين21. لهذا، تعتمد تركيا سياسة خارجيةً متعدّدة الأبعاد، وهو ما انعكس إيجابيًّا على علاقاتها بالجزائر التي تعرف انتعاشًا في الآونة الأخيرة، في ظلّ تباين المواقف المتعلّقة بالثورات العربية وأزمات العالم العربي، ويعود ذلك إلى الخصوصية التاريخية لهذه العلاقات والأهمية الجغرافية التي تحتلها الجزائر بالنسبة إلى تركيا التي لا يسمح لها بالتدخل فيها، أو بتجاوزها، أو بحصرها في نطاق جيوسياسي ضيق، بل بإدراجها ضمن فضاء جيوسياسي واسع ملائم للموقع الإستراتيجي الذي تحتله الجزائر والأدوار التي تضطلع بها في المحافل الإقليمية والدولية. وممّ زاد من أهمية الجزائر بالنسبة إلى تركيا عدّة معطيات جديدة أفرزتها الأوضاع السياسية والأمنية تعيشها المنطقة العربية، وتؤهل الجزائر لأن تكون طرفًا محايدًا؛ فتؤدّي دورًا مهمًّ في حلّ مشكلات المنطقة العربية، وهذا الأمر يفسر تنامي العلاقات البينية التي تأتي منسجمةً مع التوجهات الجديدة التي تعتمدها تركيا، والتي تنطلق من قاعدة التفضيل السياسي والإستراتيجي لموقع الدول. وفي هذا السياق تبرز الجزائر قوَّةً إقليميةً ذات سمعة جيّدة، وذات مواقف تلقى ترحيبًا لدى صانع السياسة الخارجية التركية، وخصوصًا في ما يتعلق بالكيان الصهيوني؛ فالجزائر من بين الدول العربية القليلة التي ترفض التطبيع مع هذا الكيان.

محدد الأهمية الاقتصادية والتجارية

بما أنّ للقوة الاقتصادية أهميةً كبيرةً في تحديد المكانة السياسية والإستراتيجية لأيّ بلد، فإنّ تطوير السياسة الخارجية لتركيا تطلب إجراء تعديلات بارزة في نهجها من أجل تحقيق التطور الاقتصادي. فمع استلام حزب العدالة والتنمية السُلطة عام 2002، أعلنت الحكومة التركية عن إستراتيجيها الجديدة لتنمية تعاونها الاقتصادي وتطويره. وفي هذا السياق، تزوّد الجزائر تركيا بالغاز الطبيعي بما قيمته 3 مليارات دولار، وبذلك تعدُّ الجزائر شريكًا إستراتيجيًّا لتركيا؛ إذ تحتل المرتبة الرابعة في هذا الشأن بعد الاتحاد الأوروبي، والولايات والمتحدة، والسعودية.

ومن هذا المنطلق، تقوم العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الجزائر وتركيا على قاعدة الربح للطرفين. وبما أنّ الجزائر من الدول الغنية بالنفط، فإنّ توجه تركيا نحوها كان بسياسة خارجية ذات بعد اقتصادي، تهدف إلى إبرام العديد من الاتفاقيات معها والاستفادة من عقود الشراكة والاستثمار التي تبرمها. ويمكن أن نشير إلى الإقلاع التنموي الذي تشهده الجزائر مؤخرًا، والذي كان محل استقطاب للاستثمارات الأجنبية، وإلى أنّ حصة الشريك التركي تُعدُّ ذات أهمية، مقارنةً بالاتفاقيات والعقود التي جرى إبرامها في قطاع الطاقة خصوصًا، وإلى أنه من المنتظر أن تقدّر قيمة هذا البرنامج الاستثماري، خلال الفترة 2013 – 2017، بنحو 10 مليارات دولار، بالنظر إلى اعتماد تركيا على الاستيراد للوفاء بأكثر من %90 من حاجاتها من النفط والغاز. وفي المقابل، بلغت قيمة الاستثمارات في القطاعات الأخرى نحو ملياريْ دولار. أمّا حجم التبادل التجاري، فقد وصل في نهاية عام 2013 إلى 5 مليارات دولار22. من خلال هذه القراءة الاقتصادية، تعدُّ الجزائر بالنسبة إلى تركيا البوابة الرئيسة لأفريقيا، ومن ثمة لا يمكن الاستغناء عنها بوصفها الدولة المفتاحية لهذه القارة، وفي هذا الشأن أعلنت تركيا عام 2005 عن خطة اقتصادية تتضمن تكثيف سياسات الاعتماد الاقتصادي المتبادل مع دول الجوار الإقليمي، وجرى التعبير عن ذلك ب "مبدأ الكسب للجميع" الذي يمكن تحقيقه عبر إقامة شراكة اقتصادية

  1. سعيد هادف، "تركيا تعيش عزلةً إقليميةً وهذا ما جعلها تبحث عن متنفس لها في الجزائر"، التحرير، /27 11 / 2014، على الرابط: http://www.altahrironline.com/ara/?p=112824
  2. Leila Boukli, "Grandes opportunités d'affaires et facilitations pour fructifier les investissements," EL –JAZAIR (2013), at: http://www.eldjazaircom.dz/index.php?id_rubrique=213&id_article=3267

إستراتيجية23. وعلى هذا الأساس نجد أنّ إعادة التأسيس للعلاقات التركية - الجزائرية ينطلق من الجانب الاقتصادي الذي يُعدّ محددًا رئيسًا في قياس تطور العلاقات بين البلدين، بخاصة أنّ السياسة الخارجية التركية اعتمدت على القوة الناعمة في سبيل تقوية دورها وتوثيق علاقاتها الخارجية بالدول العربية، نظرًا إلى الماضي التاريخي الذي خلّفته الدولة العثمانية في المنطقة العربية. وفي هذا الصدد، نجد أن قطاع السياحة في تركيا قد انتعش كثيرًا مقارنةً بما كان عليه في العقود السابقة، وقد قام رئيس الوزراء التركي طيب أردوغان بإلغاء فرض التأشيرة على السيّاح الجزائريين، فبلغ عدد السياح الجزائريين المتوجهين إلى تركيا عام 2013 نحو 130.000 سائح. من ثمة، أدّت الشراكة الاقتصادية بين تركيا والجزائر إلى تفعيل علاقاتهما البينية؛ إذ قامت قيادة البلدين على إعادة تأسيس هذه العلاقات وفق رؤية جديدة تستجيب للمتطلبات الحالية، وأخذت هذه العلاقات بعدًا اقتصاديًّا ساهم في توطيدها. فعلى الرغم من الاختلاف في العديد من المواقف والتوجهات السياسية على الصعيدين المحلي والخارجي، فإنّ المصالح الاقتصادية جمعت بينهما. فقد ساهمت الحركية الاقتصادية في التأثير في توجّه تركيا نحو توثيق التعاون مع الجزائر. وفي هذا السياق نجد أنّ السياسة الخارجية التركية تواصل استخدام القوة الناعمة التي أصبحت تؤثّر في تغليب كفّة المصالح الاقتصادية والشراكات مع الدول وتجعلها مدخلً لإنهاء الخلافات معها. وبالنظر إلى وجود إرادة قوية في تطوير العلاقات بين البلدين لدى قادتهما، فإنّ قيمة المبادلات التجارية التي بلغت 5 مليارات دولار ترجمت تلك الإرادة. فتركيا من بين المستثمرين الأساسيين في الجزائر، وقد أكّد السفير التركي أنّ الجزائر من البلدان التي تحظى بأهمية اقتصادية كبيرة لدى تركيا، وأنها تستثمر وفق رؤية قائمة على الإنتاج في الجزائر، مستندة إلى قاعدة (رابح - رابح)، موجّهة للإنتاج نحو التصدير إلى أفريقيا وأوروبا. وفي هذا السياق، زادت تركيا قيمة استثماراتها الضخمة التي تتمثّل بإنجاز مصنع للحديد والصلب وآخر للنسيج. وللرفع من قيمة المبادلات التجارية، جرى خفْض الرسوم الجمركية في ما يتعلّق بدخول المنتوج الخام ونصف المصنّع. ومن أجل رفع قيمة التبادل التجاري بين البلدين وتطوير هذا التعاون، من المنتظر أن يبدأ التفاوض بين البلدين بشأن توقيع اتفاقية للتجارة الحرَّة24. بما أنّ النجاح الاقتصادي الذي حقّقته تركيا قد أدَّى دورًا كبيرًا في تفعيل أداء سياستها الخارجية، فإنّ قوَّة الدور الإقليمي كانت نتيجة لما حقّقته هذه التجربة من مكاسب في توطيد تجربتها الديمقراطية في الداخل، وقد انعكس ذلك على سلوكها السياسي الخارجي. ثمّ إن ازدهار الاقتصاد التركي جعلها من أكبر القوى الاقتصادية في العالم، محتلةً بذلك المرتبة 16 عالميًّا، وهذا ما يدل عليه ارتفاع معدل الصادرات التركية بنسبة %8.1، طبقًا لما أعلنه اتحاد المصدرين الأتراك عام 2011؛ إذ وصلت قيمتها إلى 12.6 مليار دولار بارتفاع قدره %10.5، كما أنّ عضويتها البارزة في مجموعة العشرين، بوصفها أفضل 20 اقتصادًا عالميًّا، كان نتيجةً لضخامة الناتج المحلي الإجمالي الذي بلغ 735 مليار دولار، بمعدل نمو يبلغ نحو ٨.٦٪.25 انطلاقًا من هذه المعطيات، نجد أنّ التجربة الاقتصادية التركية تجربة ناجحة بكلّ المقاييس وأنّها كانت سببًا في توسع مجال التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري الذي أدَّى إلى تمتين علاقاتها الاقتصادية بالجزائر. فهذه النسب أثّرت في توجيه السياسة الخارجية لتركيا نحو ضرورة إيجاد شريك اقتصادي قوي يضمن مصلحتها وحاجاتها الاقتصادية. وفي هذا الصدد نجد أنّ الجزائر تضمن لتركيا حاجاتها الطاقوية. وإلى جانب ذلك، كان لكثرة الاستثمارات التركية وغزو المنتوجات التركية للسوق الجزائرية أثرٌ إيجابي في ميزانها التجاري الذي وجد سوقًا واعدةً لتسويق منتوجاتها. وفي هذا السياق نجد أنه من مصلحة تركيا منافسة فرنسا في السوق الجزائرية وتجاوز حالة الاختناق بسبب تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية فيها، والتأثيرات السلبية لعدم الاستقرار في سورية، وتداعيات الحرب على "داعش" في العراق، وعلى حدودها أيضًا. لقد ثقل تأثير البعد الاقتصادي في تحديد توجهات سياسة تركيا الخارجية تجاه الجزائر، وتؤكِّد هذا الأمر عدّة معطيات اقتصادية؛ إذ نجد أنّ الجزائر هي البلد المغاربي الوحيد الذي يعرف ميزانه التجاري فائضًا، شأنه في ذلك شأنَ تركيا، وذلك بفضل المحروقات. وقد بلغ حجم المبادلات بين البلدين نحو 5.2 مليار دولار عام 2012، وبذلك تعُدّ تركيا ثامن زبون للجزائر بنحو 3.4 مليار دولار، وسابع ممول

  1. أبو طالب حسن، "الصعود التركي طريق مفروش بالدم أحيانًا، مجلة المغرب الموحد، العدد 8 2010()، ص.40
  2. حسن، ص.41
  3. Smail Rouha. "La Turquie voit en l'Algérie un partenaire d'investissement," EL –JAZAIR, at: http://www.eldjazaircom.dz/index.php?id_rubrique=213&id_article=3816

لها بنحو 1.8 مليار دولار. وفي المقابل تحتل الاستثمارات التركية في الجزائر نسبًا ذات أهمية26. لهذا نجد أنّ تمتين التعاون الاقتصادي بين تركيا والجزائر كان نتيجةً حتميةً لأسباب براغماتية، وهذا ما يعكسه الجانب الاقتصادي لهذه العلاقات الذي أحدثَ قوَّة التقارب بين البلدين، بغضّ النظر عن العمق التاريخي الذي يجمعهما.

المحدد التاريخي والثقافي

يعدّ العامل التاريخي والثقافي أبرز المحددات الجديدة التي تؤثّر في السياسة الخارجية التركية، والتي أدّت إلى إحداث تحولّات في مسارها وتوجهاتها، وقد ساعدها ذلك على تفعيل دورها الإقليمي. فمع وصول أردوغان إلى الحكم عام 2002، برز خطاب إسلامي أثّر في الرأي العامّ في تركيا في اتجاه اعتناق فكرة "عالم مسلم" موحّد سياسيًّا. وفي هذا السياق لقيت السياسة الخارجية التركية ترحيبًا على الصعيدين الداخلي والخارجي27. وانعكس ذلك إيجابيًّا على انتعاش العلاقات التركية – الجزائرية، بمساهمة الحس الجزائري؛ الشعبي والرسمي، في تعزيز العلاقات مع تركيا، ولا سيما أنّ الوجود العثماني بالجزائر الممتد عبر ثلاثة قرون خلّف إرثًا تاريخيًّا وثقافيًّا كبيرًا يصعب تجاوزه أو نكرانه، وهو أمرٌ يجعله يلقي بظلاله على العلاقات التركية - الجزائرية في وقتنا الحالي. بناءً عل ذلك، تتجه العلاقات التي تربط بين البلدين نحو استحضار الماضي والإرث التاريخي والثقافي الذي يجمعهما، كما أنّ العلاقة التي كانت تربط العثمانيين بالجزائريين مخالفة ومتناقضة مع طبيعة العلاقة التي تربطهم بالمشارقة. فالجزائر، ظلّت إلى جانب الخلافة العثمانية ضدّ اعتداءات الأوروبيين عليها، وكان آخرها في معركة نافارين عام 1827. ومن ثمة، فإنّ تراكم العوامل التاريخية مازال مؤثّرًا جدًّا في قادة البلدين، على الرغم من الاختلاف في توجهاتهم السياسية؛ ذلك أنّ القادة الأتراك يعُدّون أنفسهم العثمانيين الجُدد. ومن جهة أخرى لا تزال القيادة السياسية في الجزائر تكنّ الاحترام للتاريخ العثماني في الجزائر وتحرص على المحافظة عليه. من هذا المنطلق يظهر تأثير الأبعاد التاريخية والثقافية في توجّه البلدين نحو توثيق العلاقات بينهما، على الرغم من الاختلاف في التوجهات الإقليمية والدولية بينهما، وهذا ما يستلزم إعادة قراءة العلاقات التركية - الجزائرية من منظور تاريخي وثقافي. فالإرث الذي خلّفه الوجود العثماني في الجزائر أفرز قواسم مشتركةً تجمع أكثر مم تفرق. وعلى الرغم من التباعد الجغرافي، فإنّ التقارب الثقافي والمصير المشترك أدَّى إلى تمتين العلاقات بينهما. وعلى هذا الأساس، اعتمدت تركيا سياسةً خارجيةً مبنيةً على مقاربة تصالحية مع الدول العربية والإسلامية؛ منها الجزائر، بإعادة المنزلة إلى موروثها التاريخي والثقافي في المنطقة. وفي هذا الصدد نجدها تسعى لتطوير علاقاتها بهذه الدول وفقًا للمحدد التاريخي والثقافي الذي بُنيت عليه نظرية العمق الإستراتيجي التي صاغ أطروحتها وزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو؛ من أجل تأسيس عهد جديد يتمثّل بعودة تركيا إلى حضن الأمة الإسلامية بعد غياب دام عقودًا من الزمن، ويجرى تحقيق ذلك عبر التوغل في عمقها الإستراتيجي. ومن هذا المنطلق، تقوم العلاقات التركية - الجزائرية على هذا الأساس، خصوصا أنّ البلدين يستعدان لإحياء الذكرى 500 لتأسيس العلاقات التركية – الجزائرية، مع حلول عام 2016، من خلال الفهم الإيجابي للتاريخ الذي على أساسه تُعاد هذه العلاقات وتوسّع لتمس مختلف الأصعدة، بناءً على العمق التاريخي والإرث الحضاري الذي يجمع الشعبين. وفي هذا الشأن نجد أنّ العلاقات الجزائرية - التركية لا تُشبه أيّ نوع من العلاقات الدولية الأخرى، نظرًا إلى الروابط التاريخية والثقافية المعروفة في البلدين28. وفي هذا الصدد ساهم التقارب المذهبي والديني الذي يتميز بهما البلدان بسبب انتمائهما إلى المذهب السنّي ممثّلً بالمذهبين المالكي والحنفي اللذين عاشَا جنبًا إلى جنب مدة ثلاثة قرون في توافق وانسجام. فقد ساهم ذلك التقارب في بناء تحالف صلب بين الدولة العثمانية والجزائر، وهو يعدّ الأرضية الصلبة التي بُنيت عليها علاقات إستراتيجية ذات عمق تاريخي. وإنّ إدراك النُخب الحاكمة في تركيا والجزائر التقارب بينهما بوصفه قيمةً ومنطلقًا تاريخيًّا، يجعل العلاقات بينهما تحمل خصوصيةً متميزةً، استنادًا إلى أنّ الجزائر ذات قيمة تاريخية بالنسبة إلى تركيا ومن خلالها أصبحت تكتسب أهميةً خاصة.ً وبما أنّ التوجهات الجديدة للسياسة الخارجية التركية مبنية على تأثيرات الإرث التاريخي والثقافي للدولة العثمانية، فإنّ استعادة

  1. بن عنتر.
  2. Steven A. Cook, "Erdogan's Middle Eastern Victory Lap: Turkish
  3. Domestic Politics After the Uprisings". FOREIGN AFFAIRS, 15/ 9/ 2011, at: https://www.foreignaffairs.com/articles/turkey/2011-09-15/erdogans- middle-eastern-victory-lap 28 عبد المالك سراي، "تعزيز العلاقات التركية الجزائرية.. بين التفاؤل والتشاؤم"، المقام، /5 /6 2013، على الرابط: http://www.elmakam.com/?p=2076

مكانتها يتطلب استحضار التاريخ وإرثها الثقافي، وعلى هذا الأساس أن العلاقات التركية تحدّدها هذه نجد  -العوامل  الجزائرية. فالتوجهات السياسة الخارجية التركية تتجه نحو توثيق تعاونها مع الجزائر، وهو ما سهّل مدّ جسور التواصل بينهما، على الرغم من التباعد الجغرافي بينهما؛ وذلك في ظلّ تأثيرات القوة الناعمة التي تعتمدها السياسة الخارجية التركية المبينة على استحضار آثار الماضي التاريخي وتكييفه مع متطلبات الحاضر. وهذا ما يظهر في قيام تركيا بترميم عدّة معالم وآثار عثمانية - في الجزائر العاصمة خاصة - مازالت تحظى برمزية شعبية واجتماعية لدى الجزائريين؛ مثل حيّ القصبة العتيق، وجامع كتشاوة الذي يحمل دلالة دينيةً وتاريخيةً، والذي تحملت تركيا مسؤولية ترميمه، بوصفه أشهر المعالم التاريخية التي تعود إلى العهد العثماني29. إلى جانب ذلك، يجري الترويج للثقافة العثمانية وفق قوالب جديدة تواكب العصر، وهذا ما يظهر في تنامي القوة التركية الناعمة المتمثّلة برواج الألبسة والدراما التركية والتشهير لإمكاناتها السياحية، وهي عوامل زادت المجتمع الجزائري ترحيبًا بالتقارب التركي - الجزائري. لقد أثر تقليص الطابع العلماني في توجهات الجمهورية التركية، على المستويين الداخلي والخارجي، تأثيرًا إيجابيًّا انعكس على انتعاش علاقاتها بالجزائر. وفي هذا الصدد نجد أنّ النسق العقائدي لرجب طيب أردوغان أدَّى إلى إحداث تأثير مهمّ في صَوْغ توجهات السياسة الخارجية التركية. فعقيدة أردوغان التي تقوم على التعليم الديني، والتاريخ التركي، والتاريخ الإنساني العامّ، أنتجت عنده قناعة تتمثّل بأن الصراع ليس سمةً أساسيةً للسياسة في كلّ مستوياتها، وأنّ الاختلافات الثقافية والتاريخية والدينية يجب ألّ تكون سببًا في إذكاء الصراع30. ومن هذا المنطلق كانت انعكاسات قناعات قادة البلدين على واقع العلاقات التركية - الجزائرية التي تتطلع إلى إضفاء "بعد إستراتيجي" على العلاقات التاريخية الموجودة بينهما. في هذا السياق، أكّد الوزير الأول، عبد المالك سلال، استعداد الجزائر ل "الارتقاء بالتشاور والحوار السياسي مع تركيا)...(إلى المستوى الذي تصبو إليه البلدان في فائدة الشعبين وازدهارهما" بإضفاء "بعد إستراتيجي" للعلاقات التاريخية التي تربطهما؛ إذ يقول في هذا الصدد "إنّ الزيارة التي يقوم بها أردوغان إلى الجزائر هي بلا شكّ دليل على نوعية العلاقات التاريخية التي تقيمها الجزائر مع تركيا وحتى البعد الإستراتيجي الذي نطمح إلى إضفائه عليها، بالنظر إلى الإرث التاريخي المشترك"، كما عبّ عن مدى ارتياحه وارتياح الحكومة الجزائرية لاستقبال "قائد كبير لبلد صديق."31 وفي سياق متصل أبرز رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، بمناسبة زيارته الجزائر، بسالة المقاومة التي قدمها الجنود الجزائريون للانتفاضة التركية بمدينة مراج التركية، وقال إنّ التاريخ بين البلدين كبير ويُ لي على البلدين مواصلة المسيرة عبر مضاعفة التعاون الاقتصادي بين تركيا والجزائر وترجمة جميع الطاقات الموجودة32. ومن هذا المنطلق، تتجه توجهات النُخب الحاكمة في البلدين نحو توثيق العلاقات بينهما، من خلال اعتماد الإرث التاريخي للدولة العثمانية مدخلً لتطوير أداء سياسة تركيا الخارجية. من ثمة يمكن رؤية التوجهات الجديدة للسياسة الخارجية التركية فعالةً وصائبةً، بوصفها عاكسةً للقوة الثقافية والتراكم التاريخي للدولة العثمانية التي تشكّل المنطلق الفكري والعقائدي للقادة الأتراك الحاليين، وفي صدارتهم رجب طيب أردوغان الذي اعتمد على مصادر قوّته في استحضار التاريخ الحضاري والثقافي للدولة العثمانية. فهذا التاريخ تعدُّه تركيا حاليًّا الأداة المثلى لتحسين صورتها أمام العالم العربي والإسلامي. لهذا، تنطلق مسارات السياسة الخارجية التركية من إرث الماضي وتاريخ الدولة العثمانية من خلال تحمّل الدولة التركية الحديثة مسؤوليةً تاريخيةً تجاه العديد من القضايا بكامل إيجابياتها وسلبياتها. وفي هذا الشأن، يمثّل موقع الجزائر في بوصلة التاريخ بالنسبة إلى تركيا الشريك الذي تحكمه قيم التعاون والتضامن. وبالنظر إلى أنّ أردوغان، بوصفه رئيسًا لتركيا، استطاع صوغ تركيا بحسب التوجه الذي يؤمن به تمامًا، كما استطاع أتاتورك أن يصوغها علمانيًا وغربيًّا، فقد كان تحقيق الانسجام بين التوجهات المتعدّدة لسياسة تركيا نحو أوروبا ونحو الشرق أولويةً بالنسبة إلى عملية تكييف هندسة سياستها الخارجية وإعادتها، وفق رؤية جديدة قائمة على ضرورة تعدّد أبعاد السياسة الخارجية التركية، على نحوٍ يتفق مع طبيعة تركيا بوصفها دولةً "ذات عمق إستراتيجي"، من خلال تعدّد الدوائر الإقليمية التي تنتمي إليها؛ وذلك بالجمع بين المعيارين الجغرافي - الإستراتيجي، والتاريخي – الثقافي33.

  1. الرئيس التركي يزور ورشة ترميم مسجد كتشاوة بالعاصمة"، /20 11 / 2014،
  2. 33 عبد الفتاح.
  3. الجزائر وتركيا تطمحان لإضفاء بعد إستراتيجي للعلاقات التاريخية التي تربطهما"، الأحرار، 2013/6/4، انظر: http://www.sawt-alahrar.net/ara/permalink/10918.html " 32 الفجر تصريحات أردوغان بالمغرب ترهن نتائج زيارته إلى الجزائر"،، على الرابط: http://www.al-fadjr.com/ar/national/246482.html
  4. جزايرس، على الرابط: http://www.djazairess.com/aps/409762
  5. 30 محمد، ص .8

إنّ اعتماد العثمانية الجديدة لا يعني بعث السياسات التوسعية للدولة العثمانية، ولا العودة إلى الماضي الغابر، بل إنّه يقوم على تصالح تركيا مع ذاتها الحضارية الإسلامية بسلام، واعتزازها بماضيها العثماني المتعدّد الثقافات والأعراق، وتوسّع الحريات في الداخل، وحفظ الأمن في الخارج، إضافةً إلى استبطان حسّ العظمة والكبرياء العثماني، والثقة بالنفس عند التصرف في السياسية الخارجية، فضل عن مواصلة الانفتاح عن الغرب، مع تحقيق التوازن مع الشرق الإسلامي، أو بمعنى آخر علمانية أقل تشددًا في الداخل، ودبلوماسية نشطة في الخارج، بخاصة في المجال الحيوي لتركيا34. وإنّ تحليل سياسة تركيا الخارجية تجاه الجزائر يستلزم عدم إغفال الأبعاد التاريخية والثقافية المؤثّرة في رسم توجهاتها. فتوطيد العلاقات بين البلدين ليس أمرًا طارئًا، ولم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تأثير كتلة تاريخية لا تقبل النسيان. لهذا، تمتدّ هذه العلاقات إلى ترسيخ انطباع لدى الجزائريين والأتراك بأنّ عمق العلاقات والقواسم المشتركة لا يمكن أن تتزعزع. فعلى الرغم من الانقطاع الطويل بينهما، نظرًا إلى الأوضاع الاستثنائية بالنسبة إلى كلا البلدين، فإنّ عودة العلاقات إلى طبيعتها الأولى كانت أقوى، ولكنها في شكل جديد، وبحسب المقتضيات التي تتطلبها العلاقات الدولية المعاصرة. يمكن القول إنّ الفهم الجيد للعلاقات الجزائرية - العثمانية التركية يتطلب العودة إلى الإرث التاريخي والثقافي الذي يُعدّ مرجعيةً لهذه العلاقات، ويعود ذلك إلى أنّ أهداف سياسة تركيا الخارجية ومبادئها تسعى لتكريس هذا التوجه، نظرًا إلى تشبّع صانع القرار التركي بالقيم والعوامل التاريخية والثقافية العثمانية التي أصبحت بالنسبة إليه مرجعيةً للسياسة الخارجية التركية تستمد منها إستراتيجيتها وعقيدتها السياسية. لهذا السبب يتعذّر إلغاء تأثير المعطى التاريخي والثقافي في العلاقات التركية – الجزائرية، استنادًا إلى العمق التاريخي الذي يميّز هذه العلاقات، وهو أمرٌ يستلزم التوجه نحو تحديث هذه العلاقات؛ وذلك بتعميق التعاون على نحوٍ يليق بمستوى العمق التاريخي الذي يُعدُّ أيقونة هذه العلاقات.

خاتمة

لقد كان ازدهار العلاقات التركية – الجزائرية، نتيجةً لشعور تركيا بالحنين إلى ماضيها "المجيد"، إلى جانب الشعور بالمسؤولية تجاه القضايا العادلة للأمة الإسلامية، وهو ما فرض على قادة تركيا الجُدد توطيد علاقاتها بالجزائر؛ لأنها تعتمد سياسةً خارجيةً مبنيةً على ثوابت ومبادئ تتمثّل بدعم القضايا العادلة وفي صدارتها القضية الفلسطينية. فقد ساهم تقارب الرؤى تجاهها في تمتين العلاقات بين البلدين، بخاصة مع التحولات التي طرأت على توجهات السياسة الخارجية التركية، والتي أصبحت تميل نحو تحمّل مسؤولية تاريخية إزاء ما يحصل في العالم العربي والإسلامي، وقد عزّزت ذلك القوة الاقتصادية التي تحظى بها تركيا حاليًّا، إلى جانب القوة التاريخية التي اكتسبتها من خلال إرث الدولة العثمانية على مدى عدّة قرون، وهو ما أكسب هذه العلاقات أهميةً تاريخية تستند إلى كتلة تاريخية وثقافية لا يمكن الاستغناء عنها. وانطلاقًا من هذه المعطيات، يتطلب الاتجاه نحو تحقيق الاستمرارية والديمومة لهذه العلاقات تفهّم الجانب البراغماتي فيها؛ لجعل العلاقات التركية - الجزائرية ذات جدوى اقتصادية. ويتطلّب هذا الأمر أن يرتبط هذا التعاون بوجه جديد قائم على ميزان اقتصادي يضمن مصالح الطرفين من خلال قاعدة (رابح – رابح)؛ وذلك من منطلق أنّ العلاقات الجزائرية - التركية خلال الفترة العثمانية كانت مبنيةً على تعاون وطيد جدًّا، وأنها ساهمت، على نحوٍ كبير، في مواجهة كثير من التحديات الأمنية والعسكرية والحضارية التي فرضتها التكتلات الدولية، والتي تتطلب توجّه البلدين نحو تكثيف التعاون الاقتصادي المبنيّ على قواعد وآليات تضمن نجاعة اقتصادية للبلدين من شأنها أن تحافظ على هيبتهما الإقليمية والدولية، على غرار ما كان سائدًا أيام الدولة العثمانية، من خلال الحفاظ على وتيرة هذا التعاون، على أن يكون بوجه جديد يساير متطلبات الحاضر ويضمن التفوق. إنّ العلاقات التركية - الجزائرية متأثرة بالإرث التاريخي والثقافي الذي يُعدّ نقطة الانطلاق لهذه العلاقات، ولا يمكن الارتقاء بها إل من خلال فهم تاريخيّ جيّد، والتعرف على نقاط القوة والضعف فيها، ومن ثمّة توضع العلاقات التركية - الجزائرية ضمن سياقها التاريخي الذي يسمح بتطويرها، وبتعميق التعاون بين البلدين، في كافة المستويات. ومن هذا المنطلق يظهر تأثير الكتلة التاريخية والثقافية التي تشكلت نتيجة الوجود العثماني بالجزائر الذي دام أكثر من ثلاثة قرون، والذي يحول دون حدوث قطيعة بين البلدين، بل يسمح للعلاقات بينهما بالاستمرار، نظرًا لعمقها التاريخي، وحاضرها المزدهر، ومستقبلها المشرق.