وسياساتها في المنطقة العربية اتجاهات الرأي العام العربي نحو تركيا

محمد المصري

الملخّص

* باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

مقدمة

لا يزال دور المواطنين والرأي العام في العلاقات الدولية وفي صوغ السياسات الخارجية للدول موضوعًا بحثيًا جديدًا. وينقسم الدارسون لهذا الموضوع إلى طرفين؛ إذ يؤكد الأول على أنّ دور الرأي العام هو دور أساسي ومحوري اعتمادًا على تحليل قرارات وسياسات قد اتخذت أو عُدلت بناءً على اتجاهات الرأي العام ومواقفه نحوها. أما الثاني فيرى محدودية دور الرأي العام في صوغ السياسات الخارجية للدول، ويستند في ذلك إلى أنّ صناعة السياسات لا تزال محصورة في مؤسسات الحكم والسلطة، وأنّ دور الرأي العام ينحصر في التفاعل مع هذه السياسات ومع ما تقوم به مؤسسات الحكم من إجراءات وخطوات للتفاعل مع اتجاهات الرأي العام المنتقدة لهذه السياسات وتداعياتها. يعتمد النقاش حول دور الرأي العام في السياسات الخارجية أساسًا على قرارات ونماذج مستقاة من الدول الديمقراطية؛ إذ إنّ أهمية التفاعل مع الرأي العام والاشتباك معه مشتق من أهميته كعاملٍ محددٍ في نتائج الانتخابات الدورية. وبناء عليه، فإنّ أهمية دور الرأي العام في السياسات الخارجية مرتبط بمدى أهمية آراء المواطنين في السياسات الخارجية لبلدهم كعامل محدد في أنماط تصويتهم الانتخابي. ولا يدّعي أحدٌ بأنّ دراسات الرأي العام وأثرها في العلاقات الدولية بصفة عامة أو دور الرأي العام في السياسات الخارجية لبلدٍ ما هي أحد فروع البحث المكتملة العناصر. ومع ذلك، فقد شهدت الخمسة عشر عامًا الماضية نقاشًا أوسع وأكثر اهتمامًا في مدى دور الرأي العام في صناعة السياسات الخارجية، وكونه أحد العوامل المؤثرة في العلاقات الدولية برمتها. إنّ الثورة التي أحدثتها وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي وسّعت بالضرورة دائرة المهتمين والمناقشين وأصحاب المواقف تجاه الأحداث الدولية والإقليمية والسياسات الخارجية أيضًا. ومن المتوقع أن تتسع دائرة المهتمين من الرأي العام في التأثير في السياسات الخارجية، وتزداد حساسية صانعي السياسات الخارجية للرأي العام ومواقفه. كما أصبحت السياسة الخارجية ومواقف الرأي العام نحوها في كثيرٍ من البلدان النامية أداةً لحشد التأييد لأنظمة الحكم القائمة، وبخاصة تلك الأنظمة التي لا تستند إلى شرعية ديمقراطية. ويعدّ أحد أهداف المؤشر العربي الوقوف على اتجاهات الرأي العام نحو القوى الإقليمية والدولية؛ وذلك مساهمة في تقييم توجهات السياسات الخارجية للدول العربية والتعرّف على المحددات والمنطلقات التي تؤدي دورًا في مواقف الرأي العام العربي تجاه هذه الدول. وبطبيعة الحال، إنّ التصدي لهذا الموضوع في المنطقة العربية يتسم بأهمية كبرى في ظل تعرّض المنطقة لتأثير العديد من القوى الإقليمية والدولية التي تتعدى أدوارها أحيانًا حدود الدور الذي تفترضه العلاقات الدولية لقوى إقليمية أو دولية، حتى أصبحت بعض هذه القوى أقرب إلى لاعبٍ مزدوج الدور؛ أي كقوة إقليمية ومحلية تنغمس في إطار ترتيب القوى المحلية وتتعامل معها كأنها طرف داخلي. إنّ هذا الواقع قد تأسس بشكل ملحوظ بعيد احتلال العراق عام 2003، وما زال يتوسع وبخاصة في ضوء الثورة السورية وتداعياتها. وبناء عليه، فإنّ التعرّف على آراء المواطنين في المنطقة العربية تجاه قوى دولية وإقليمية له أهميته الذاتية المرتبطة في آراء المواطنين في السياسات الخارجية ومنظومة العلاقات الإقليمية والدولية. كما أنّ له أهمية مضافة؛ إذ إنه يقيّم مواقف المواطنين نحو دول إقليمية ودولية تدّخلية وتقوم بإدوار داخلية في شؤون البلدان العربية. في هذا السياق، تأتي أهمية التعرّف على اتجاهات الرأي العام العربي نحو تركيا بوصفها إحدى القوى الإقليمية التي تؤدي دورًا متزايدًا في المنطقة العربية. وتعرض هذه الورقة تقييم السياسة تركيا في المنطقة العربية والعوامل المؤثرة في صوغ مواقف المواطنين تجاه تركيا، وما إن كانت هذه المواقف مشتقة من صور نمطية أو مستندة إلى مواقف ثقافية أو إلى تقييم سياسات تركيا. إنّ تركيا اليوم تعدّ أحد العناصر الأساسية الفاعلة في المنطقة العربية. فقد شهدت تصاعدًا لافتًا في حضورها داخل الشارع العربي لا سيمّا بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدّة الحكم، والذي حمل في طياته رغبة جادة في تأدية دور قوة إقليمية رئيسة في منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة في ظل فشل تركيا المتكرر في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من ناحية، وفي ضوء تطبيق رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو نظريته حول "العمق الإستراتيجي" خلال العقد الماضي؛ وتعني هذه النظرية – ضمن أمور أخرى - "تصفير المشاكل" مع دول الجوار والتقدم بتوازن وحذر في حدود الإقليم، والمحافظة على تنوع في التحالفات يمكّن تركيا من تأدية دور إستراتيجي عميق على الصعيدين الإقليمي والدولي. ولقد ساهم انقسام الدول العربية إلى معسكرين متنافسين، بل متواجهين، خلال العقد الأول من القرن الجديد في تعميق دور تركيا في المنطقة. وترافق هذا الانقسام مع تراجع في دور الدول العربية المحورية على الصعيد الإقليمي وبخاصة مصر. إنّ البيئة الجيوسياسية التي سمحت بدور إقليمي متزايد لتركيا قبيل اندلاع الثورات العربية، سرعان ما تغيّ ت وجعلت تركيا تتحول إلى قوةٍ إقليمية ذات توجهات سياسية محددة وإلى جزء من الانقسامات المتعددة التي سادت في المنطقة العربية بعيد انتصار الثورة المضادة. تتضمن هذه الورقة تحليلً لاتجاهات الرأي العام في المنطقة العربية حيال تركيا من خلال التعرف على وجهات نظر المواطنين نحو تركيا بصفة عامة وتقييم سياستها الخارجية وأهدافها بصفة خاصة. كما تحلل الورقة تقييم الرأي العام لبعض سياسات تركيا نحو قضايا راهنة، وتتعرف على الأسباب والدوافع التي تساهم في صوغ هذه التوجهات.

اتجاهات مواطني المنطقة العربية نحو تركيا ومواقفهم

يتضمن هذا القسم من الورقة التعرّف على آراء المواطنين العرب نحو تركيا من خلال مؤشراتٍ تكوِّن في مجملها صورةً بانورامية لآرائهم. ويعكس هذا القسم آراء المواطنين نحو تركيا بصفة عامة، ثم تقييم المواطنين للسياسة التركية في المنطقة العربية، ومدى اقتناعهم بدور تركيا في قضايا أساسية في المنطقة، ثم تقييم سياساتها نحو موضوعات راهنة. كما يتضمن هذ القسم آراء المواطنين تجاه الأهداف التي تسعى تركيا لتحقيقها، ومدى فهمهم للدور التركي ودوافعه سواء أكان مبدئيًا أم مصلحيًا. وإجمالً، يعدّ الرأي العربي "إيجابيًا" تجاه شعب تركيا؛ إذ إنّ نسبة %59 من الرأي العام العربي (أي أكثر من النصف) تحمل وجهة نظر "إيجابية" أو "إيجابية إلى حدٍ ما" تجاه الشعب التركي بناءً على سؤال حمل طابعًا عامًا بمعزلٍ عن سياستها الخارجية. وذهب %17 من المواطنين العرب إلى التعبير عن توجه "سلبي" أو "سلبي إلى حدٍ ما" تجاه الشعب التركي إجمالً. وكانت نسبة الذين لم يحددوا موقفهم ب "سلبي" أو "إيجابي" %18، فضلً عن أنّ نحو %5 رفضوا الإجابة عن هذا السؤال. ومن الجدير بالذكر أنّ هنالك تباينات بين آراء المواطنين في البلدان المستطلعة آراؤها؛ إذ إنّ الاتجاهات التي تحمل طابعًا إيجابيًا تركزت في كلٍ من: الأردن والجزائر والسعودية والسودان والعراق وفلسطين والكويت والمغرب وموريتانيا. فيما تركزت وجهة النظر السلبية في كل من: مصر ولبنان، وبنسبة أقل في الجزائر والعراق وموريتانيا. وعلى الرغم من أن صيغة السؤال تطلب من المستجيب أن يحدد نظرته نحو الشعب التركي بغض النظر عن السياسة التركية، فإنّ مجمل الأرقام تشير بشكل جلي إلى أنّ هذه النظرة متسقة مع الموقف السياسي من تركيا كما نعرض لاحقًا؛ إذ إنّ النظرة إلى الشعب التركي متأثرة بمواقف المستجيبين من سياستها الخارجية. ولم يكتفِ المؤشر العربي بسؤالٍ واحدٍ من أجل التعرّف على رؤية المواطنين العرب نحو تركيا، بل استطلع آراء المواطنين نحوها من خلال التعرّف على مدى موافقة المستجيبين على بعض العبارات التي تعكس مدى وجود موقف إيجابي أو سلبي نحوها. فقد سُئل المستجيبون إن كانوا يعتقدون أنّ تركيا دولة متطورة، وإن كانوا يعتقدون أنّها دولة ديمقراطية، ومدى تمتّع جميع المواطنين على اختلاف تنوّعهم في المجتمع التركي بحقوقهم السياسية والمدنية. وتعب نتائج المؤشر في هذا السياق عن أنّ اتجاهات الرأي العام العربي نحو تركيا إيجابية بالمجمل؛ فقد عبّ ما يزيد على ثلثي المستجيبين بأنّ تركيا دولة متطورة %68()، وعبّ أكثر من نصف المستجيبين عن اعتبارهم تركيا دولة ديمقراطية %59(.) أما على صعيد تقييم الرأي العام العربي لمدى تمتّع مواطني تركيا بكامل حقوقهم السياسية والمدنية، فقد توافقت النسبة الأكبر %47() على أنهم يتمتعون بذلك، مقابل %40 قالوا إنهم لا يتمتعون بكامل حقوقهم السياسية والمدنية. وإجمالً، فإنّ الرأي العام العربي لديه صورة إيجابية نحو تركيا سواء أكان ذلك على مستوى نظرتهم إلى الشعب بغض النظر عن السياسية الخارجية التركية أم من حيث اعتبار تركيا بلدًا متقدمًا وديمقراطيًا، وبنسبة أقل نحو اعتبار مواطني تركيا يتمتعون بكامل حقوقهم السياسية والمدنية. وفي الإطار نفسه، سُئل المستجيبون إن كانوا يوافقون على عبارة "أنّ قيم المجتمع التركي قريبة من قيم مجتمعات المستجيبين" أو يعارضونها. وتظهر النتائج أنّ نحو نصف الرأي العام العربي)%48(تعطي "الموافقة" أو "الموافقة إلى حدٍ ما" على هذا التوصيف. وهو ما يشير إلى إمكانية حضور تركيا كنموذجٍ مقبولٍ في المنطقة العربية في ضوء موافقة نحو نصف الرأي العام العربي على وجود قيمي مشترك بين مجتمعه والمجتمع التركي. ولكن عند ذكر تفاصيل اتجاهات العرب تجاه هذه العبارة حسب بلدانهم، نجد أنّ هنالك انقسامًا بين كتلتين: الأولى تتضمن الأكثر تأكيدًا على المشترك القيمي بين مجتمعاتها والمجتمع التركي؛ وذلك بأكثر من نصف المستجيبين في كلٍ من السعودية والأردن وتونس والمغرب والجزائر وفلسطين والكويت. أما الكتلة الثانية فتعارض أكثريتها هذه العبارة، وتركزت في لبنان والعراق ومصر؛ إذ أفاد ثلث المستجيبين فقط بأنّ القيم التركية هي قيم قريبة لقيم مجتمعهم، مقابل %64 من اللبنانيين و%60 من العراقيين و%46 من المصريين الذين قالوا إنّ القيم التركية غير قريبة من قيم مجتمعهم. إنّ هذا الانقسام يظهر بشكل جلي أنّ محدِّد تقييم مدى تقارب القيم بين المجتمع التركي ومجتمعات المستجيبين هو ليس تقييم موضوعيًا لدى بعضهم، بل إنه متأثر بعدة عوامل أهمها مستوى العلاقات السياسية بين بلدان المستجيبين؛ بمعنى أنّ التوافق السياسي بين بلدان المستجيبين وتركيا يترجم إلى رأي بوجود مشترك قيمي أعلى منه عند البلدان التي لا تمر بمرحلة توافق سياسي. كما أنّ مستوى العلاقات السياسية هو عامل محدد، فالانقسامات بين البلدان العربية ومواطنيها تجاه قضايا راهنة مثل الأزمة السورية والأوضاع في العراق واليمن وليبيا هي عوامل تحدّد المواقف تجاه تركيا ومدى المشترك القيمي. ومما لا شك فيه أنّ التوتر الشيعي السني في الإقليم هو عامل محدّد أيضًا في تباين اتجاهات العرب التقييمية لتركيا. بل إن هذه العوامل مجتمعة تؤثر في تحديد اتجاهات الرأي العام نحو تركيا حتى لو كانت الأسئلة الموجهة لا تتعلق بسياسات تركيا الخارجية؛ أي

الشكل 1() بغض النظر عن السياسة الخارجية التركية، فإنّ رأيي تجاه الشعب التركي هو:

الشكل 2() هل توافق على كلٍ من العبارات التالية حول تركيا أم تعارضها؟

حين تكون هذه المؤشرات تقيس اتجاهات المواطنين نحو تركيا وقيم مجتمعها بصفة عامة. إنّ آثار هذه العوامل المختلفة هي التي تفسر أنّ المواطنين السعوديين جاءوا في مقدمة الشعوب التي تنظر بإيجابية إلى تركيا بغض النظر عن المتغيرات التي تتضمنها الأسئلة، فقد وافق %63 منهم على أنّ قيم المجتمع التركي قريبة من قيم مجتمعهم. في المقابل، يعبر الرأي العام المصري عن موقف ينطلق من العلاقات السياسية بين مصر وتركيا حاليًا.

تقييم سياسة تركيا الخارجية في المنطقة العربية

وبهدف قياس توجهات المواطنين العرب تجاه السياسة الخارجية لتركيا، استطلع المؤشر آراءهم تجاه السياسة الخارجية بشكل عام، ثم تجاه المواقف التركية من ملفات راهنة بشكل خاص مثل: سورية وفلسطين واليمن والعراق وليبيا. كما قام بعرض عبارات محددّة لتقييم توجهات المواطنين؛ فذهب المؤشر لفحص قضايا تفصيلية تتجاوز فكرة القضايا الراهنة، مثل: كيف يرى المواطنون العرب علاقة تركيا بالحركات الإسلامية السلمية أو الجهادية، وإن كانت سياسات تركيا الخارجية تجاه بعض الملفات تمتاز بالمصلحية أو المبدئية، ومدى فائدتها، ومدى تأثير هذه السياسات في إذكاء الصراعات الطائفية في المنطقة. بالنسبة إلى تقييم الرأي العام العربي لسياسات تركيا الخارجية، فإن لديه موقفًا إيجابيًا بصفة عامة نحوها؛ إذ يجد %58 من المواطنين العرب السياسة الخارجية التركية "إيجابية" أو "إيجابية إلى حدٍ ما"، فيما ذهب %33 منهم إلى أنها "سلبية" أو "سلبية إلى حدٍ ما." إنّ نسبة الذين قيّموا السياسة الخارجية التركية بالإيجابية هو شبه متطابق مع أولئك الذين أفادوا أنّ نظرتهم إيجابية إلى الشعب التركي بصرف النظر عن السياسة الخارجية التركية؛ ما يؤكد مرة أخرى أنّ الموقف من تركيا كبلد أو شعب مرتبط بالموقف من سياساتها في المنطقة العربية. إن أغلبية المستجيبين في البلدان المستطلعة آراؤها تحمل تقييمً إيجابيًا للسياسات التركية في المنطقة العربية وتصل إلى %83 في السعودية وأكثر من %75 في كلٍ من المغرب وفلسطين والأردن وتونس وموريتانيا. ويتركز الاستثناء في ثلاثة بلدان، وهي مصر ولبنان والعراق؛ إذ عب %30 فقط من المصريين عن أنّ السياسة التركية إيجابية وإيجابية إلى حدٍّ ما، مقابل %49 أفادوا أنها سلبية أو سلبية إلى حدٍّ ما. وفي العراق توافق %63 على أنّ السياسة التركية هي إما سلبية أو سلبية إلى حدٍّ ما. أما أكثر المستجيبين انتقادًا للسياسات التركية فكانوا في لبنان؛ إذ وصف %75 منهم أنّ السياسة التركية سلبية أو سلبية إلى حدٍّ ما. على الرغم من التباينات بين مواقف المستجيبين في البلدان العربية نحو السياسات التركية، يبقى المعدّل العام للرأي العام العربي منحازًا إلى تقييم إيجابي للسياسات التركية في المنطقة. ولعله من المهم الإشارة إلى أنّ تقييم السياسة التركية هو الأكثر إيجابية عند مقارنتها بتقييم سياسات خارجية لدول كبرى وإقليمية أخرى. ويلي تركيا من ناحية التقييم الإيجابي الصين؛ إذ قيّم %51 من الرأي العام العربي سياسة الصين بالإيجابية أو الإيجابية إلى حدٍّ ما، مقابل %34 أفادوا أنها سلبية أو سلبية إلى حدٍّ ما. وينقسم الرأي العام العربي في تقييم السياسة الخارجية الفرنسية، فيما ترى أغلبية الرأي العام أنّ السياسات الخارجية الأميركية والإيرانية والروسية هي سياسات سلبية. وفي السياق نفسه، سُ ئل المستجيبون عن تقييمهم لسياسات تركيا نحو مجموعة من الموضوعات الرئيسة والراهنة في المنطقة العربية، مثل القضية الفلسطينية، والثورة السورية، والعراق، واليمن، وتجاه بلدان المستجيبين. إنّ تقييم الرأي العام العربي تجاه هذه القضايا متباين؛ فعلى الرغم من أنّ الرأي العام العربي كان أكثر إيجابية في تقييم سياسات تركيا نحو القضية الفلسطينية والثورة السورية والأحزاب السياسية الإسلامية، فإنه كان شبه منقسم عندما يكون السؤال حول العراق واليمن وليبيا، مع أنّ نسبة تقييم سياسات تركيا نحو هذه القضايا بإيجابية أكبر من نسبة تقييمها بالسلبية. والأمر الآخر اللافت للانتباه هو أنّ الرأي العام العربي قيّم سياسات تركيا نحو الإرهاب والجماعات المتطرفة بسلبية %43()، أكثر من تقييمها بإيجابية.)%39(

خاتمة

ترتبط اتجاهات الرأي العام العربي في المنطقة العربية نحو تركيا بصفة عامة، وبمعزل عن سياساتها الخارجية إلى حدٍ ما، بعوامل ذات طبيعة سياسية في جوهرها؛ إذ إنّ النظر بصورة إيجابية إلى الشعب التركي أو تقييم تركيا بوصفها دولةً ديمقراطية أو متقدمة يتأثر بموقف المواطنين العرب من سياساتها الخارجية ودورها في المنطقة العربية. ومما لا شك فيه أنّ مدى قوة العلاقات بين تركيا ودول المستجيبين تؤدي دورًا مؤثرًا في صوغ مواقف الرأي العام العربي في تلك الدول نحو تركيا، وهذا ما يتجلى في مواقف المجتمع المصري تجاه تركيا بصفة عامة أو تقييم سياساتها. بطبيعة الحال، لا يمكن الافتراض أنّ هذا هو العامل الوحيد؛ إذ إنّ هنالك ثلث الرأي العام المصري قيّم المجتمع التركي وسياسات تركيا بالإيجابية. كما أن الانقسام الذي تشهده المنطقة العربية حول ملفات مثل سورية والعراق، أو التوتر الشيعي السني، هي من العوامل التي تفسِّ وجهة النظر السلبية نحو تركيا بصفة عامة.

الشكل 3() تقييم الرأي العام للسياسة الخارجية التركية في المنطقة العربية

الشكل 4() تقييم الرأي العام للسياسات الخارجية لبعض الدول الكبرى والإقليمية في المنطقة العربية

ﻻ أﻋﺮف / رﻓﺾ اﻹﺟﺎﺑﺔ

ﺳﻠﺒﻴﺔ إﱃ ﺣﺪٍ ﻣﺎ إﻳﺠﺎﺑﻴﺔ إﱃ ﺣﺪٍ ﻣﺎ إﻳﺠﺎﺑﻴﺔ

اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ اﻟﺨﺎرﺟﻴﺔ اﻷﻣ ﻛﻴﺔ اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ اﻟﺨﺎرﺟﻴﺔ اﻹﻳﺮاﻧﻴﺔ اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ اﻟﺨﺎرﺟﻴﺔ اﻟﺼﻴﻨﻴﺔ اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ اﻟﺨﺎرﺟﻴﺔ اﻟﺮوﺳﻴﺔ اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ اﻟﺨﺎرﺟﻴﺔ اﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ اﻟﺨﺎرﺟﻴﺔ اﻟﱰﻛﻴﺔ

إنّ تقييم السياسة الخارجية التركية في المنطقة هو تقييم إيجابي إجمالً، بل إنه أفضل من تقييم الرأي العام العربي للسياسات الخارجية لقوى دولية وإقليمية أخرى. ويرى المواطنون العرب بأنّ تركيا تتعامل مع الشعوب العربية بكرامة واحترام. ولكن من المهم أيضًا التأكيد أنّ هذا التقييم الإيجابي يقلّ بدرجة ملحوظة عندما تكون الأسئلة تفصيلية حول سياسات محدّدة وقضايا راهنة في المنطقة العربية. ويظهر هذا الأمر عندما تسعى الأسئلة للتعرف على دوافع تركيا في المنطقة وما إن كانت لاعبًا مبدئيًا أو تسعى لتحقيق مصالحها فحسب. وبناء عليه، فإنّ الرأي العام العربي ينظر بإيجابية إلى تركيا وسياساتها في المنطقة، ولكنه في الوقت نفسه واعٍ بأنّ تركيا تطمح إلى تحقيق مصالحها عبر هذه السياسات. ولا يميل الرأي العام العربي إلى القبول بفرضية أنّ تركيا تعمل على تقويض الاستقرار في المنطقة أو في بلدان عربية من خلال إذكاء الروح الانفصالية أو دعم الحركات الانفصالية.

الشكل 5() اتجاهات الرأي العام نحو مجموعة من مواقف/ سياسات الحكومة التركية خلال السنة الماضية تجاه:

ومن الخطأ القول بأنّ هذا التحليل يحكم منطق إجابات المواطنين العرب بشكل صارم؛ بل يعبّ عن توجّه موجود في ظل حالة تشظٍ عربية وعدم وجود قوى عربية إقليمية فاعلة موازنة في المنطقة تدافع عن مصالح العرب. لذلك، وفي ظل الظروف الحالية، فإنّ النظرة الإيجابية إلى تركيا مرشحة للارتفاع في حال بقاء مواقفها تجاه ملفات محددة غير متغيرة؛ مثل الملفين الفلسطيني والسوري بخاصة، والملف العراقي إلى حدٍ ما. من المهم التأكيد على أنّ الرأي العام العربي غير ساذجٍ، بل هو واعٍ تمامًا بأن تقاطع سياسات تركيا اليوم مع مصالحه أو تطلعاته تجاه قضايا محددة في المنطقة لا يعني على الإطلاق أنّ تركيا لا تسعى لتحقيق مصالحها الوطنية أو توسيع دورها ونفوذها في المنطقة؛ فهو لا يرى أنّ هذه السياسات الإيجابية تنطلق فحسب من مواقف مبدئية أو تقاطعٍ قيمي أو ثقافي معه.