مؤتمر "العنف والسياسة في المجتمعات العربية المعاصرة"

كمال طيرشي

عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤتمرَه السنوي الرابع في قضايا التحول الديمقراطي الذي استضافته العاصمة التونسية، وخُصِّص لتناول موضوع "العنف والسياسة في المجتمعات العربية المعاصرة"، في مرحلةٍ تشهد فيها المنطقة العربية عنفًا كبيرًا، جزء كبير منه يمارَس في بلدان ثورات الربيع العربي. عُقد المؤتمر يومَي 12 و 13 أيلول / سبتمبر 2015. وقُدِّمت فيه 45 ورقة بحثية محكّمة، أنجزها أكاديميون وباحثون بارزون، من أصل 170 ورقة قُدّمت للمشاركة. تناولت الأوراق العنف السياسي في السياقات العربية المعاصرة، مقترحةً نماذجَ لتفسير جماعات العنف، على اختلاف مشاربها ومناهجها، وعلاقة العنف بالسياقات الهوياتية، وبعض مظاهر عنف الدولة، من قبيل التعذيب وجرائم الإبادة، كما عرّج المؤتمر على ثقافة العنف، والتسامح في مقابل العنف، وتمظهرات العنف السياسي في اللغة والخطاب، وارتباطه بوسائل التواصل الاجتماعي، مع الوقوف عند عنف الشباب والعنف ضد المرأة، وتمظهرات العنف في الفضاءات الحضرية المتمدنة. وقد حظي المؤتمر بمشاركة واسعة من الضيوف وذوي الاختصاص والاهتمام، أثْرت المناقشات الأكاديمية. افتُتح المؤتمر بكلمتين افتتاحيتين؛ الأولى قدّمها مدير مكتب المركز في تونس، مهدي مبروك، وأكّد فيها أنّ تناول قضية العنف والسياسة يعود بالدرجة الأولى إلى كون الموضوع فرض نفسه على الساحة الفكرية والبحثية والسياسية، نظرًا لما آلت إليه الثورات العربية من عنفٍ لم يسبق له مثيل قطعًا، والأخرى قدّمها رئيس دائرة الأبحاث في المركز، محمد جمال باروت، نيابةً عن المدير العام، عزمي بشارة، وذكّر فيها بالدورات الثلاث التي سبقت هذه الدورة، والتي بحثت في قضايا شتى متعددة المناحي، من قبيل "الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي"، و"المسألة الطائفية وصناعة الأقليات في المشرق العربي الكبير"، مؤكّدًا أنّ المؤتمر هو جزء من تقاليد يعكف المركز على تأسيسها وبنائها وضمان انتظامها، ك "مؤتمر العلوم الاجتماعية والإنسانية" الذي عُقدت منه إلى الآن أربع دورات، وينتظر عقد دورته الخامسة في شهر آذار / مارس المقبل 2016. ويرافق كلّ دورة من هذه الدورات إعلان نتائج جائزة المركز السنوية في العلوم الاجتماعية والإنسانية لتشجيع البحث العلمي. وهناك سلسلة مؤتمرات عن "العرب والعالم"، تبحث في علاقة العرب بالقوى الدولية، وستعقد الدورة المقبلة من هذه السلسلة في شهر أيار / مايو المقبل 2016 تحت عنوان "العرب والصين." وأوضح باروت أنّ هذه المؤتمرات جميعها مؤتمرات علمية محكّمة، ومع ذلك، يحرص المركز على إتاحة الفرصة وتوسيع مساحة المشاركة فيها، لتوسيع فضاء التفاعل بين الباحثين والسياسيين وصنّاع الرأي وقادته. ثم انطلقت أعمال المؤتمر بمحاضرتين افتتاحيتين؛ قدّم الأولى منير الكشو، أستاذ الفلسفة والأكاديمي التونسي، وتناول فيها القيمة الإبستمولوجية والمعرفية والبحثية لموضوع العنف، ولا سيما بعد ما آلت إليه الثورات العربية سنة 2011 من عنفٍ شديد وكارثي عاد بالوبال على بلدان الثورات الساعية إلى الحرية والخروج من ربقة العبودية والاستبداد، هذه الحال هي التي تفضي بنا إلى طرح السؤال عن العلاقة بين العنف والسياسة. أمّا المحاضرة الافتتاحية الأخرى فقد قدّمها فالح عبد الجبار، الباحث العراقي وأستاذ علم الاجتماع السياسي، وعدّ فيها العنفَ أمرًا متصل بطبع الإنسان، وهو وسيلة وُجِدت في سائر المجتمعات والدول، وتجسدت في الحروب والنزاعات، وحتى في عمليات الانتحار. وقد رأى عبد الجبار القولَ بتلاحمية العنف بالدين من أكبر المغالطات، مستعرضًا أنماطًا كثيرة من العنف، من قبيل عنف الفرد ضد الفرد، وعنف الفرد ضد الجماعة، والدولة ضد الفرد، والدولة ضد الجماعة، والأخير هو الأكثر بروزًا. ورأى عبد الجبار أنّ الدولة الحديثة تبني علاقاتها بالمجتمع على ثنائية الإكراه والرضا، وأنّ هيمنة الدولة على الثروة والاقتصاد عمومًا تؤدي إلى الهيمنة على الطبقة المنتجة ورجال الأعمال. أمّا عن الحلول التي تسمح بالقضاء على ظاهرة العنف فتتمثّل، بحسب عبد الجبار، بضرورة إقرار المشاركة السياسية من خلال السماح للمواطنين بالانتخاب وممارسة النشاط السياسي وإبداء الرأي وحرية تكوين الأحزاب والمشاركة في صنع القرار أيضًا، والمشاركة في الأجهزة الإدارية لضمان حسن توزيع الموارد والاستقرار.

العنف والسياسة

بعد المحاضرتين الافتتاحيتين، تفرّع المؤتمر إلى مسارين؛ وخُصّصت لموضوع "العنف والسياسة" جلستان؛ رأس الجلسة الأولى منهما السياسي والأكاديمي التونسي فتحي جرّاي. وقد قدّم أوّل عرض فيها الباحث المغربي محمد العابدة الذي رأى أنّ ظاهرة العنف ليست حديثة، بل هي قديمة، ارتبطت نشأتها بظهور الإنسان، مؤكدّا أن التحول الديمقراطي الحقيقي هو الكابح الأكبر للعنف، وهذا ما حصل في دول المغرب العربي، على الخصوص. وأكّد الباحث أنّ هذا التحوّل لا يتعلق بالنظم السياسية فقط، ولكنّه انعكاس كذلك لبنى

سوسيولوجية قائمة، ما يستوجب العمل على كلّ المداخل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. وقدّم الباحث المغربي محمد المساوي، البحث الثاني الذي انطلق فيه من السؤال: لماذا طغى العنف على السياسة في العالم العربي؟ مركّزًا على الصراع القديم الجديد، بين تيارين لهما مرجعيات متناقضة كانت أساس التطاحن والمواجهة، وهما: التيار العلماني والتيار الإسلامي. وقد اعتمد الباحث على المفكر الألماني يورغن هابرماس إطارًا نظريًا ومرجعيًا، والذي كان قد تطرّق، بعد أحداث 11 أيلول / سبتمبر 2001، إلى الحوار الذي يجب أن يكون بين عقل المتدين وغير المتدين، لتجاوز الإرهاب والعنف اللذَين بدآ ينتشران باسم الدين في العالم. أمّا البحث الثالث، فقدّمه محمد سعدي، الأكاديمي المغربي، تحت عنوان "العنف البنيوي الماكر للأبوية السياسية." وتطرّق فيه إلى الحراك الديمقراطي العربي منذ 2011 الذي حاول تفكيك السيطرة العنيفة للدولة الأبوية على المجتمع وفكّ ارتباطها وسيطرتها على البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد أطلقت ثورات الشباب ديناميات وتحولات بنيوية في نظم القوى الحاكمة للمجتمعات. وهو ما عدّه البعض تمردًا ومساسًا بهيبة السلطة الأبوية السياسية التي تتماهى مع فكرة تقديس "الأب" وتمجيد الحاكم "الملهم" وصناعة الزعيم المنقذ والمخلّص. ورأى الباحث أنّ احتجاجات الحراك الديمقراطي اشتركت في غياب الأب الرمزي الملهم والقائد أو المرشد، سواء كان شخصًا، أو مؤسسة، أو حزبًا، أو تيارًا سياسيًا، أو مرجعية أيديولوجية فوقية. بينما ركّز بحث عبد الله حنا، من سورية، على موضوع السياسة والعنف ومحرّكهما في سورية القرن العشرين. وأشار الباحث إلى دور العامل التراثي المتمثل برسوخ أقدام الممارسات المملوكية والانكشارية العثمانية وتأثيرها في ترسيخ دعائم الاستبداد واستخدام العنف في التضييق على المنظمات الحرفية ومشاركة التجار أرباحهم وعصر الفلاحين، وإبقاء المجتمع في حالة من الركود والجمود، وعليه، سد الطريق أمام التطور الرأسمالي والثورة الصناعية. أمّا الجلسة الأخرى في موضوع "العنف والسياسة"، فرأسها الأكاديمي التونسي عبد الوهاب حفيظ، وقدّم الباحث المغربي إحسان الحافظي، أوّل بحث فيها تحت عنوان "تشريع العنف: النص في خدمة السلطة"، حاول فيه تفكيك العلاقة بين السياسة الأمنية والسياسة الجنائية في تدبير العنف السياسي، زمن التدافع حول السلطة داخل الأنظمة السياسية العربية. وهو تفكيك يرى الباحث أنّه ينطلق من ثلاثة مداخل أساسية؛ أوّلها يتتبع أثر السياسات الأمنية وسياقاتها، وثانيها يبحث في تقاطعات ثنائية السياسة الجنائية والأمنية في تدبير العنف السياسي، أمّا المدخل الأخير فيتوقف عند ضمانات عدم تكرار ما جرى من توترات ما بعد الربيع العربي، في الدستور ومخرجات العدالة الانتقالية. أمّا محمد فاوبار، الأكاديمي المغربي، فسلّط الضوء، في بحثه "الخطاب العربي المعاصر وص ورررة العنف والسياسة"، على تحليل بعض النتاجات الفكرية التي تبلورت في سياق الثورات العربية المعاصرة ورصدها، محاولًاستقصاء تصوراتها للعلاقة بين العنف والسياسة، فوجد ثمة تعددية في التصورات، وسعيًا إلى تجريب مقاربات مرجعية بهدف إجراء تحليل ملموس للواقع. ومع ذلك، يخلص الباحث إلى أن هذه النتاجات شدّدت على أنّ العنف السياسي هو جزء من العنف الاجتماعي عمومًا، وهو متجذر في الدين والثقافة. قدّم البحث الثالث الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، شمس الدين الكيلاني، تحت عنوان "جدلية التسلط والعنف في سورية." وكشف فيه عن علاقة العنف بالطابع التسلطي للسلطة في عهدي الرئيسين: حافظ وبشار الأسد؛ فقد دأبت السلطة على ممارسة العنف لإخضاع خصومها والمجتمع برمّته، وقد لجأ السوريون - بالمقابل - إلى المقاومة لتحقيق ذاتيتهم وحريتهم وكرامتهم، فتجنَّبت السلطة سلوك الحكم الرشيد في قدرته على "ضبط التنافس والتصارع بين شتى القوى وتكييف بنيته وسلوكه بما يتلاءم وتطور هذه القوى الفاعلة حتى تتمكن دائمًا من لعب دور الحكم بينها." أمّا البحث الأخير في هذه الجلسة، فقدّمه الباحث الأردني وصفي عقيل، تحت عنوان "العلاقة بين مركز الضبط والعنف السياسي لدى عيّنة من طلبة الجامعات الأردنية." وقد حاول فيه بيان أهمية مركز الضبط في السلوك الاجتماعي والسياسي. وسعى إلى فهم العوامل الخارجية التي تسهم في زيادة العنف السياسي للشبان والشابات. ورأى الباحث أنّ مركز الضبط متغير أساسي في الشخصية ويحتل مكانة مهمة في دراسات علم النفس السياسي. وعلى الرغم من أن بعض الأبحاث يشير إلى أهمية مركز الضبط في العنف، تبيّ مراجعة الأدب النظري أنّ الأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسات لتأكيد طبيعة العلاقة والاهتمام بمتغيّ مركز الضبط لدى الطلبة بوصفه ذا صلة أساسية بالعملية الاجتماعية والسياسية. ويعتقد الباحث أنّ أهمية هذا البحث تكمن في كونه يسهم في توجيه الطلبة لأن يكونوا من

ذوي الضبط الداخلي، كأن يحثّوا أنفسهم على بذل جهود مضاعفة ويسعوا إلى تنمية معارفهم ومهاراتهم واتجاهاتهم السياسية، بدل من إلقاء اللوم على الدولة والمجتمع، والالتحاق بالجماعات المتطرفة هربًا من واقعهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

العنف السياسي في السياقات العربية المعاصرة

تناول المؤتمر محور "العنف السياسي في السياقات العربية المعاصرة" الذي انتظم في جلستين؛ رأس الأولى منهما حيدر سعيد، الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، والتي كانت مخصصة تقريبًا لدراسة ظاهرة العنف السياسي في السودان. تضمنت هذه الجلسة أربعة بحوث؛ كان أوّلها للباحث المصري جمال محمد ضلع، تحت عنوان "ظاهرة العنف السياسي في الدول العربية وآليات مواجهتها"، تناول فيه الباحث ظاهرة العنف السياسي في السودان، وليبيا، والصومال. ورأى أنّ الدول العربية موبوءة بهذه الظاهرة الخطيرة جدًا، والتي تتباين وتتفاوت درجة مخاطرها والتداعيات الناجمة عنها على حسب مجموعة من الظروف والمتغيرات والمستجدات، الثابتة منها والمتحركة، وعلى حسب منظومة الأهداف والمصالح للأطراف وللقوى الفاعلة على المستويات الداخلية (الوطنية/ المحلية)، والخارجية (الإقليمية والدولية.) وقد أسهم بعض تلك المدخلات والمعطيات أو كلّها، في صناعة هذه الظاهرة، وفي التأثير في مسبباتها وأطرافها وتفاعلاتها ومساراتها ومآلاتها وتداعياتها على الأنظمة السياسية المقترنة بها. وخلص الباحث إلى أنّ صنّاع تلك الظاهرة هم الجديرون بإيجاد التسويات الملائمة لها، وإن كان التركيز في مثل هذه الأمور ينصبّ على سياسات الأنظمة الحاكمة في الدول العربية بالدرجة الرئيسة وممارساتها، للتعامل معها، والمبادرة باقتراح مثل تلك التسويات وبوضعها وتنفيذها ورعايتها ومتابعتها للوقاية وللحيلولة دون تنامي أعمال العنف السياسي من جديد. وفي حين عرض الأكاديمي السوداني عبد الله علي إبراهيم، في بحث عنوانه "في محنة محمود محمد طه وجغرافيا الاستعمار المانوية"، طريقة تعامل الأنظمة العربية مع النخب المفكّرة، درس الباحث السوداني قيصر موسى الزين، في بحثه "العنف السياسي في السودان: المظاهر والمسبّبات واتجاهات المستقبل" العنف السياسي المتصاعد في السودان في شكل الحرب الأهلية، ولا سيما بعد انفصال جنوب السودان أواسط 2011. وتناول الباحث، في البداية، الأسس النظرية والمنهجية التي قام عليها البحث، ومن بينها عملٌ ميداني موجز هدف إلى تقديم معطيات ومؤشرات تدعم اتجاه التحليل النظري. وقد تركّز العمل في مناطق النزاع، وبخاصة جبال النوبة وفي جنوب النيل الأزرق، كما شمل العاصمة (الخرطوم الكبرى.) وقدّم الباحث خلفية عن مسار العنف السياسي ووقائعه، ولا سيما ذلك المرتبط بقمع الدولة. قدّم الأكاديمي والسياسي التونسي سالم لبيض البحث الأخير في الجلسة، تحت عنوان "دور الاغتيالات في اللامعيارية السياسية وإعادة تنظيم السلطة في تونس." ورأى فيه أنّ ظاهرة الاغتيالات السياسية ليست طارئة على تونس، على نحو ما يعتقد الكثيرون الذين صُدموا بعد تصفية المحامي والسياسي الماركسي التونسي شكري بلعيد، مطلع 2013. وافترض لبيض أنّ التأريخ لتلك الظاهرة والكشف عمّ هو مخفيّ فيها يمثّل مدخلً لمعرفة رهاناتٍ وارتباطات ومصالحَ سياسية وولاءاتٍ وتحالفاتٍ تسوَّق باسم النوايا الحسنة. وهذا الأمر، بحسب الباحث، يجعل من أغلب الاغتيالات ظواهر مبهمة وغامضة، بما في ذلك تلك التي جرَت في دولٍ تمتلك أجهزة استخباراتية عملاقة ومتطورة. ولهذا السبب، انتظرت جريمة اغتيال الزعيم النقابي فرحات حشاد، سنة 1952، ستيّن سنة لتعترف الدولة الفرنسية بمسؤوليتها فيها. وما كان لقتلة الزعيم الوطني صالح بن يوسف، سنة 1961، أن يكونوا معلومين لولا اعتراف الرئيس بورقيبة بتلك الجريمة وتكريم منفذيها. أمّا جريمتا اغتيال بلعيد والسياسي محمد البراهمي، أواسط 2013، اللتان تناولهما هذا البحث بالتحليل والنقد والتفسير، فتحيلان على عمق الصراع على السلطة في تونس الجديدة، وما يرتبط به من جريمة سياسية منظمة وتداخل بين الحقول الرمزية لمختلف الفاعلين وتبادل للأدوار، ومن هيمنةٍ على وسائل الإعلام والدعاية بما يخدم "الحقيقة" التي يرغب كلّ طرف من أطراف اللعبة في أن يقبلها الناس. أمّا الجلسة الأخرى في هذا المحور، فقد رأسها الأكاديمي التونسي سليم المصمودي. وقُدِّمت فيها أربعة بحوث؛ أوّلها بحث للباحث الجزائري، زين الدين خرشي، تحت عنوان "عنف الريع في المجتمعات العربية المعاصرة: التأسيس على الحالة الجزائرية." عرّج في البداية على بعض الدول العربية المشابهة للجزائر في بنيتها الريعية، من قبيل ليبيا والعراق. ثم سعى الباحث إلى تحليل آليات إنتاج العنف وإعادة إنتاجه في مختلف حقول المجتمع، الاقتصادية والسياسية

والاجتماعية، وكذا تفسير معاني مختلف تجلّيات هذا الشكل من العنف ودلالاته في سلوكيات الأفراد والجماعات وتمثلاتهم. في حين رأى الأكاديمي المغربي عبد العالي حور، في بحثه "الوظيفة التوزيعية للأنظمة السياسية العربية: مدخل لفهم ظاهرة العنف السياسي"، أنّ ما شهدته بعض الدول العربية وتشهده من مظاهر للعنف السياسي هو نتيجة طبيعية لفشل الأنظمة السياسية في أداء وظائفها عامة ووظيفتها التوزيعية على وجه الخصوص؛ وذلك راجع - بحسب الباحث - للخيارات الاقتصادية والسياسية التي تبنّتها هذه النظم، على الرغم ممّ رافقها من شعارات طنّانة، لم يكن الهدف من ورائها سوى التغطية على ضعف هذه الأنظمة وضمان استمرار استفادتها - إلى جانب النخب والفئات المحيطة بها - من إمكانات الوطن ومقدراته مع بقاء معظم الفئات الشعبية مستبعدة ومهمّشة. قدّم الباحث المصري محمد أحمد العدوي، بحثًا بعنوان "العنف والعشوائيات في مصر"، انتقد فيه الدراسات التي تبحث في العلاقة بين العنف والسياسة، في عجزها عن متابعة الانتشار الواضح للعنف في المجتمعات العربية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، فضلً عن التوظيف السياسي للعنف في تبرير سياسات النظم الحاكمة، أو الجماعات التي تتبنّى العنف خيارًا في مواجهة تلك السلطات، أو وسيلة للتعبير عن المطالب السياسية. ورأى الباحث أن هذه الدراسات ازدادت أهميتها في ظل الانتشار العالمي والإقليمي للسياسات التي تدّعي مواجهة العنف والإرهاب، سواء في داخل الدول أو إقليميًا في مواجهة تنظيمات تنتشر في المنطقة العربية. وخلص الباحث إلى أنّ هذه الدراسات هي نتاج لتصوّرٍ خاطئ، يتمثّل بالاقتصار على سياسات تتبنّى التوجهات الأمنية والسياسية فقط في مواجهة ظاهرةٍ متعددة المصادر والأبعاد. واختُتمت الجلسة ببحثٍ قدّمه الباحث الجزائري نوري دريس، تحت عنوان "العنف السياسي في الجزائر المعاصرة، من الأيديولوجيا الشعبوية إلى اليوتوبيا الإسلاموية: عناصر تحليلية في سياقات تأريخية غير معلمنة."

في جماعات العنف: نماذج وحالات

كان المحور الثالث من المؤتمر بعنوان "في جماعات العنف نماذج وحالات"، في جلستين كذلك؛ رأس الأولى منهما منير الكشو، وتضمّنت ثلاثة بحوث؛ الأوّل للأكاديمي السوري أحمد جاسم الحسين، بعنوان "عنف السلطة في الدولة الإسلامية في العراق والشام/ داعش: دراسة ميدانية في منطقة الفرات السورية." والثاني قدّمه الباحث الأردني، حسن أبو هنية، تحت عنوان "جاذبية العنف الجهادي الجديد: الولايات الخارجية للدولة الإسلامية"، وهو عرض لنتائج مشروع بحثي يعمل عليه الباحث بدعمٍ من المركز العربي للأبحاث. بيّ أبو هنية أنّ تنظيم الدولة الإسلامية بات نموذجًا يحتذى لدى العديد من الجماعات الجهادية المحلية. وأصبحت أيديولوجيته الفقهية ونهجه القتالي ودعايته الإعلامية تتمتع بجاذبية تتفوق على تنظيم القاعدة، وهو بانتظار بيعات جديدة وتأسيس ولايات بعيدة، فالتنظيم يعمل على التواصل وتنسيق البيعات بحسب أهميتها وتوافر الشروط اللازمة لقبول العضوية. وأشار الباحث إلى أنّ التنظيم صرّح، من خلال مجلة "دابق" التي يصدرها باللغة الإنكليزية، بأنّه سيكشف عن مبايعات مقبلة، في عددٍ من المناطق في القوقاز وإندونيسيا والفلبين وغيرها، كانت قد أعلنت ولاءَها لتنظيم الدولة الإسلامية وقبولها بيعة البغدادي خليفة للمسلمين. وقدّم الباحث في المركز العربي للأبحاث، حمزة المصطفى، البحث الأخير في هذه الجلسة تحت عنوان "الجهادية السوريّة: أسئلة عن ممكنات التحوّل من العنف إلى التسويات"، وعدّ فيه العنف الجهادي سابقًا للثورة السوريّة، لكنّه لم يؤدّ إلى ثورة شعبية في الماضي، كما أنّه لم يوجد في بدايتها، إذ تميّزت الثورة السوريّة بوصفها ثورة شعبية مدنية بمطالبها الديمقراطية عن هذا النوع من العنف المسلّح الديني واختلفت عنه تمامًا. ورأى الباحث أنّ العنف الجهادي أ قحم عنوةً في صيرورة الثورة السوريّة، بعد تحوّلها إلى مرحلة الكفاح المسلّح أواخر عام 2011، ومنذ ذلك، تأسست فصائل جهادية كثيرة، وشاركت في قتال النظام إلى جانب فصائل الجيش الحر، وهو ما أحدث خلطًا بين العنف الجهادي والسياسي (الثوري)، ولا سيما أنّ بعض هذه الحركات عدّت نفسها جزءًا من الثورة. وقد تناول الباحث حالتين من التجربة الجهادية في الثورة السورية، وهما "حركة أحرار الشام الإسلامية"، و"جبهة النصرة لأهل الشام." أمّا الجلسة الأخرى في هذا المحور، فرأسها المؤرخ التونسي لطفي عيسى، وتضمنت كذلك ثلاثة بحوث، قدّم الأوّل منها حيدر سعيد، بعنوان "مجموعات العنف ومنطق السياسة: دراسة في مصدر نشأة مجموعات العنف وعلاقتها بالتنظيمات السياسية، ومصيرها." وقد عرّف الباحث - في البداية - بمصطلح "مجموعات العنف" الذي يستعمله، وذكر أنّه يقصد به المجموعات التي تستعملها المؤسسات

السياسية (الدولة، والأحزاب،)... بوصفها أدوات عنفية، أو تنشأ في سياقات سياسية محددة، لتمارس العنف السياسي، من دون أن تكون تحت رعاية تنظيم سياسي مؤسسي، وأنّ هذا البحث يهدف إلى بيان مكانة مجموعات العنف والأدوات العنفية، في المجال السياسي العربي، سواء قبلنا بالمقاربة الأنثروبولوجية عن أنّ العنف هو مكوّن ثقافي، أو قبلنا المقاربة السياسوية التي تتحدث عن أنّ العنف أصبح تدريجيًا، من تقاليد المجال السياسي العربي، على حدّ تعبيره. ثم انتقل البحث إلى تناول طبيعة العلاقة التقليدية بين هذه المجموعات والمؤسسات السياسية، والنسيج السوسيو سياسي الذي تكتسبه هذه المجموعات، حين تنشأ من دون مظلة سياسية، والمصير السياسي لهذه المجموعات ومن يتحكّم فيه. قدّمت الباحثة المصرية مروة يوسف محمد عرابي، البحث الثاني في هذه الجلسة، وعنوانه "أثر عنف الدولة في المجتمع بمصر ما بعد 3 يوليو 2013: جماعة أجناد مصر نموذجًا." درست فيه الباحثة كيف تنوّعت أنماط العنف وتطوّرت، وكيف أدخل النظام أنماطًا لم يكن من الممكن قبولها، والإشكاليات التي أنتجتها داخل المجالات المختلفة سواء سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، وأثر تلك الإشكاليات في منطق العنف في المجتمع المصري وتأثير ذلك في المجتمع. ثم استعرضت الباحثة مستويات العنف المختلفة وتحولّات عنف الدولة بين الأنواع الثلاثة: العنف الهيكلي، والعنف الأداتي، والعنف الإستراتيجي. ثم تناولت الباحثة تأثير ذلك العنف في إحدى جماعات العنف الناشئة بعد مشهد 3 يوليو، وهي جماعة "أجناد مصر"، وكيف يعكس عنف تلك الجماعة الإشكاليات التي يطرحها عنف الدولة، ومن ثم تأثير ذلك في المجتمع، على صعيد المواطنة، والمجال العام، والتفاعل بين المواطنين على الصعيد الاجتماعي. أمّا البحث الأخير في هذه الجلسة، فقدّمه الباحث اليمني عبد الرحمن المعمري، تحت عنوان "دوافع العنف المعاصر في اليمن: الظاهرة الحوثية نموذجًا." تناول فيه الحالة اليمنية بوصفها من تجليات الصراع والعنف الذي ميّز مجتمعات دول الربيع العربي التي شهدت تغيرات واسعة، على الصعيد الداخلي المحلي لكلّ بلد، ويظهر في ارتخاء قبضة الدولة المركزية وسيطرتها على أوضاع البلاد، تملؤه التشكيلات المحلية (قبلية لتستبدل بحالة فراغ، جزئي أو كلّ، وحزبية،.)... ورأى الباحث أنّ من المظاهر الاجتماعية والسياسية لهذه المرحلة التاريخية هو تواري الهوية الوطنية الجامعة التي بالإمكان أن توحّد "المواطنين" خلف "هويات" أخرى قسّمتهم إلى مجاميع مختلفة بعيدًا عن القاسم الوطني المشترك.

العنف والهوية والدولة

خصّص المحور الرابع في المؤتمر لتناول "العنف والهوية"، في جلسة ترأ سها الأكاديمي التونسي فرج معتوق، وقُدِّمت فيها ثلاثة بحوث؛ كان أوّلها للباحث السوداني أشرف عثمان الحسن، بعنوان "الدولة المتصدعة والمواطنة غير الأكيدة: بحث في التأطير الإثنوثقافي للنزاعات في السودان"، حاول فيه الباحث أن يقدّم عدة أسئلة، تلتقي جميعها حول الانبعاث الإثني في علاقته بحالة النزاعات التي يعانيها السودان، دولةً ومجتمعًا. ورأى الباحث أنّه في ما كان يبدو من تصدّع في العلاقة بين الدولة وما جرى تصويره في مرحلة البناء الوطني على أنّه الأمة، أثار انفصال جنوب السودان والنزاعات في دارفور جبال النوبة والنيل الأزرق، أسئلة حرجة حول إذا ما كانت تلك النزاعات هي احتجاج مجموعات المحيط على مجموعة المركز المهيمنة وعلى أيديولوجيا إثنوقومية سعت/ تسعى لاجتثاث الاختلاف، وإلى أي مدى يمكن فهمها بوصفها مطالبة بإعادة التفاوض على النموذج القومي، وهل سوء تأويل النموذج القومي هو الذي قاد إلى هذا الانفجار، فيمكن استنتاج أنّ حالة الانبعاث الإثني الراهنة تؤشّ إلى إعطاب نسخة سودانية لقومية بلا حداثة، أم إنّ الاختلالات هي على مستوى النص القومي نفسه - في ارتباطه البنيوي بالعنف - لا على مستوى تأويلاته. وخلص الباحث إلى أنّه إذا كانت فكرة الأمة، في لحظة ولادتها من رحم الأنوار، تشير بدلالتها إلى فكرة المواطنة المشتركة والمتساوية، وإذا كانت فكرة المواطنة تعمل على تحديد مجتمع الأفراد بوصفه كيانًا سياسيًا للمواطنين لا يمكنه أن يتولّد إل عبر المشاركة في المؤسسات الديمقراطية، فإنّ المهمّ في هذه الحالة هو الحقوق السياسية للمواطنين لا هوياتهم الثقافية. قدّم الباحث المغربي عبد الحميد بنخطاب، البحث الثاني في هذه الجلسة تحت عنوان "إشكالية العنف الهوياتي على ضوء الحراك الاجتماعي في المنطقة العربية: نموذج المغرب." وتطرَّق فيه إلى مسألة العنف الهوياتي والمطالب السياسية المرتبطة بها. وهي مسألة ذات إشكالات متعددة الأبعاد في المنطقة العربية منذ اندلاع ما يصطلح عليه "الربيع العربي"؛ إذ يفترض بدول المنطقة الاستجابة الفورية لزخم هائل ومتصاعد من المطالب المادية والاجتماعية للمواطنين، هذا فضلً عن المطالب السياسية والرمزية المتعلقة بالاعتراف بالهويات الجماعية والفردية المتصلة باحترام الحقوق الأساسية الفردية والجماعية، بما يترتب عن ذلك من مخاطر أمنية وسياسية تقوّض حتمًاستقرار الأنظمة وتوازنها.

وقدّم الباحث السوري عزام أمين، البحث الأخير في هذه الجلسة بعنوان "التكيف الاجتماعي والهوية العرقية لدى الشباب من أصول عربية مغاربية في فرنسا." تطرّق الباحث فيه إلى إشكالية الهوية والانتماء لدى الشبان الفرنسيين من أصول عربية وإسلامية، والإحاطة، قدر الإمكان، بالعوامل النفسية - الاجتماعية التي تدفع قسمً منهم إلى "رفض" الهوية الفرنسية، والإصرار على إظهار هويتهم العرقية والدخول في علاقة صدامية مع المجتمع الفرنسي. أمّا المحور الخامس في المؤتمر، فهو "بعض مظاهر عنف الدولة والمجتمع." وقد رأس الجلسة الخاصة به الباحث التونسي عادل العياري، وقُدِّمت فيها ثلاثة بحوث، لثلاث باحثات؛ البحث الأوّل منها للباحثة والناشطة التونسية رحمة بن سليمان، بعنوان "القيمي والرمزي في عمليات تعذيب المساجين السياسيين داخل السجون التونسية: قراءة سوسيولوجية في شهادات بعض الضحايا." قرأت الباحثة شهادات بعض المساجين السياسيين التونسيين الذين اعتقلهم النظام الاستبدادي السابق وعذّبهم وسجنهم. وقد أخذت مداخلتها مسافة من المقاربات القانونية والحقوقية، عبر تحليل آليات التعذيب المستعملة وطرقه، خلال الاعتقال والسجن، والتي اتّضح أنّه لا يمكن فصلها عن القيم والمعايير والرموز الثقافية المشتركة بين المعذّب والضحية. وحاولت الباحثة توضيح كيف أنّ عمليات التعذيب لا تكون مؤلمة لأنّها تلحق الضرر بالجسم فحسب، بل لأنّها تشتغل أيضًا على المرجعيات والمعتقدات والقيم الاجتماعية التي تصنع هوية الضحايا وانتماءاتهم وتمثلّاتهم لذواتهم ولمكانتهم في المجتمع. ولذلك، قسّمت الباحثة البحث إلى قسمين أساسيين: قسم يشمل الدراسة النظرية، وقسم يشمل الدراسة الميدانية. وينقسم هذا الأخير بدوره إلى ثلاثة مباحث كبرى: الأوّل عن "أقبية التعذيب: الجلّد وأدواته"، والثاني عن "تعذيب الآخر وتفاعلاته: معركة الرموز والقيم"، أمّا الثالث فتناول "شرف الضحايا: تأثير التعذيب على السجناء السياسيين داخل السجن وخارجه." وقدّمت الباحثة الجزائرية فوزية هباشي، البحث الثاني في الجلسة تحت عنوان "ضحايا العنف السياسي في الجزائر: ماذا بعد العشرية السوداء؟"، فدرست ضحايا العنف السياسي في جزائر التسعينيات، بوصفها حالة "سوسيو سياسية" خاصة، تتميز بطبيعة معقدة في ظل تداخل السياسي مع الاجتماعي، في نسقٍ متشبّع بالعنف وأنواعه، يشكّل فيه الصراع على المصالح أحد أهمّ صفاته القديمة المتجددة. تقول الباحثة: "إنّ غايتنا هي فهم آليات سير العنف السياسي في الجزائر من خلال دراسة وضعية ضحايا عنف التسعينيات بمختلف فئاته التي كانت نتيجة للصراع السياسي المسلّح الذي حدث بين الجهات الرسمية التابعة للسلطة والجماعات الإسلاموية، مؤسسين هذا الطرح على فكرة مفادها أنّ فهم هذه الظاهرة وبالتالي القدرة على تحليلها لن تستوفى إلا في حالة تبنّي مقاربة عابرة للتخصصات تستمد مفاهيمها وتحليلاتها من اتجاهات معرفية متنوعة في حقل العلوم الاجتماعية." أمّا البحث الأخير في هذه الجلسة فقدّمته الباحثة الفلسطينية، دلال باجس، تحت عنوان "العنف ضد المرأة معيقًا للتغيير في العالم العربي."

العنف بوصفه ثقافة

شهد اليوم الثاني من المؤتمر أربع جلسات، فضلً عن الطاولة المستديرة في ختامه، محورها الجوانب الثقافية للعنف. عُقدت الجلسة الأولى تحت عنوان "في ثقافة العنف"، وترأ سها الأكاديمي التونسي مجدي فارح، وقُدِّمت فيها ثلاثة بحوث؛ الأوّل منها قدّمه الباحث التونسي علي الصالح مولى، تحت عنوان "ثقافة رفة قطع الرؤوس.. أيّة معقوليّة؟"، طرح فيه سؤالً مركزيًّا النحر وح، هو: "كيف يمكن فهم "ثقافة النحر" وحرفة قطع الرؤوس لدى بعض الجماعات المقاتلة؟." وحاول الباحث دراسة مسألة العنف عمومًا، وقطع الرؤوس تخصيصًا، في إطار مقاربة تحليلية نقدية تحدد السياقات والمسارات التي تتحرّك فيها الظاهرة من جهة، وتتيح إمكانًا تفسيريًا لها من جهة ثانية، وتشتقّ أفقًا لصوغ قراءة نقدية بنائية من جهة ثالثة. وقد اعتمد الباحث مقاربةً متداخلة تأريخية، وأنثروبولوجية، ودينية، وسياسية، سعت إلى إنجاز ما سمّ ه "قراءة حفرية"، ترتدّ بالعنف إلى بداياته أوّلً، ومراقبة مَجراه في التاريخ ثانيًا. وقد سمّى الباحث المحور الأول "جينيالوجيا العنف: مقاربة أنتروبولوجية تأريخية"، وسمّى المحور الثاني: "قطع الرؤوس: بحث في السند والوظيفة." وقد اقتضى ذلك منه، بحسب ما يقول، استدعاء نماذج مُنتخَبة من ثقافات متنوّعة، قديمة وحديثة ومعاصرة، لربط المقدّمات النظرية بالممارسة. وكانت فتوى "إسعاد الأخيار بإحياء سنّة نحر الكفّار" مركز هذا التطبيق. وقد حرص البحث، في هذا المستوى، على تفكيك منطق الفتوى الداخلي والعمل على الظفر بالمعقوليات التي تتحكّم فيها والمرجعيات التي تُسنِدها. وأقام الباحث المحور الثالث: "ثقافة النحر: فساد في التأويل وجناية على الإنسان" على استصفاء النتائج الكبرى التي شَفَّ عنها المحوران السابقان لبناء رؤية نقدية حاول عدم حصرها في العنف فكرًا وسلوكًا، فقد وسّع أفق

النتائج لتشمل السياقات المساعدة على انتشاره. وأنهى الباحث كل ذلك بمحاولةٍ للتفكير في مقدّمات قد تصلح للمساعدة على صوغ ملامح إستراتيجيا ثقافية ذات نزوع كوني نحو أنسنة القيم وتعميمها والعدل في توزيعها. وقدّم الباحث التونسي مرشد القبي، البحث الثاني في هذه الجلسة، وهو بعنوان "إحراق الجسد: الصورة والرمز والمعنى." تطرّق فيه الباحث إلى أنّ العنف والقتل والانتحار والانتقام وغيرها أحداث متواترة الوقوع في حياة المجتمعات، لها أسباب ونتائج، وتنشأ إزاءها المواقف والأحكام، وتعمل الأبحاث والدراسات المختصّة في سائر حقول المعرفة على دراستها ومحاولة تفهّمها، بوصفها من الظواهر اللصيقة بالاجتماع الإنساني بصرف النظر عن المستوى المادي أو الثقافي أو الفكري أو الحضاري للمجتمعات التي تجري فيها. ثمّ قدّم الباحث المغربي رشيد شريت، البحث الثالث في هذه الجلسة وعنوانه "إواليات ثقافة العنف الناعم وتجذّرها: الحالة المغربية نموذجًا"، ورأى فيه أنّ الحالة المغربية فريدة من نوعها على مستوى العالم العربي في كيفية ممارستها وتدبيرها للعنف السياسي الناعم، فهي لا تعتمد على أساليب وطرق فحسب، بل تزخر بمنظومة متكاملة للعنف السياسي الناعم، منه ما هو موجَّه للخصوم المعارضين، والأكبر ما هو موجَّه للمجتمع ترويضًا واحتواء وتدجينًا، بحسب ما يرى الباحث الذي يضيف أنّ حنكة ما يُسمّى في الأدبيات المغربية "المخزن" لم تكن وحدها السبب والعامل الفعّال لولا تضافر عوامل الزمن والجغرافيا والإنسان المغربي الذي تجاوز مرحلة التعايش مع المخزن وعنفه الناعم إلى مرحلةٍ أعلى، وهي مرحلة التماهي. أمّا الجلسة الثانية فكانت تحت عنوان "التسامح مقابل العنف"، ورأسها الأكاديمي والمؤرخ التونسي عبد اللطيف الحناشي، وقُدِّمت فيها أربعة بحوث؛ كان أوّلها للباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات/ فرع بيروت، أحمد مفلح، بعنوان "التسامح بديل عن العنف في المجتمعات العربية المعاصرة: مقاربة نظرية عامة"، رأى فيه أنّ التسامح في التراث الثقافي العربي موجود وأساسي، وكان من "المفكر فيه" (على عكس ما يرى المفكر الجزائري محمد أركون)، ولا حاجة إلى تأصيله أو البحث عنه (على نحو ما يرى المفكران المغربيان محمد عابد الجابري وعلي أومليل)، واضح في النص الثقافي وفي سلوك الناس وتعامل بعضهم مع بعض أو مع الآخرين. واستدرك الباحث فقال: "إنّ مشكلة التسامح التاريخية في الثقافة العربية هي الانقطاع، ففي مراحل كثيرة، عندما كانت تضعف ثقافة العقل والمنطق أمام التفسيرات اللاهوتية والشخصانية للدين كان ينطوي التسامح وأهله أمام المتعصبين والطائفيين والمنغلقين، وهذا واضح ولا حاجة إلى تأكيده في التاريخ العربي منذ صراع علي ومعاوية ومحنة ابن رشد مع الفكر الأصولي إلى سلفيي العصر الحديث والمتنورين من أئمة اليوم." وقدّم الباحث العراقي حميد الهاشمي، البحث الثاني بعنوان "حركات اللاعنف في العالم العربي." رأى فيه الباحث أنّ منهج اللاعنف في الاحتجاج والتغيير السياسي وَرَدّ الاعتداء، هي أنماط سلوكية، يمكن تطبيقها على صعيد الفرد أو الجماعة، وهي ذات جذور عميقة في ثقافتنا العربية والإسلامية، وإن لم تكن مهيمنة، لكن كان الحث والتثقيف عليها على أعلى المستويات من خلال ما شهدناه من أمثلة، في الآيات القرآنية، وفي سيرة النبي وأحاديثه وبعض من صحبه وآل بيته، بحسب ما يرى الباحث الذي أضاف أنّ الأنماط السلوكية اللاعنفية هذه، يمكن أن تكون جزءًا من الثقافة العامة وتشيع فيها، ولكن هناك محددات لهذا الشيوع تتعلق بالضرورة بشيوع العدالة الاجتماعية والمساواة بقدرٍ كبير، بما في ذلك تشريع القوانين وتطبيقها بمهنية وموضوعية، وأن يتمّ إشباع الحاجات الأساسية للفرد والمجتمع بما يحفظ كرامتهم الإنسانية. وخلص الباحث إلى أنّ شيوع ثقافة اللاعنف يتطلب أن تتضافر من أجله مؤسسات المجتمع بصورة عامة، ابتداءً من الأسرة إلى وسائل الإعلام مرورًا بالمدرسة والمؤسسة الدينية وغيرهما. ثم قدّم الباحث المغربي إدريس لكريني، البحث الثالث في هذه الجلسة تحت عنوان "التنشئة والحوار في مواجهة الإرهاب." ورأى فيه الباحث أنّ الإرهاب يحيل إلى استعمالٍ منظّم للعنف بشتى مظاهره المادية والمعنوية، بما يثير الرعب والخوف ويخلف خسائر جسيمة في الفئات والمنشآت المستهدفة بغية تحقيق أهداف سياسية أو شخصية، وبصورة تتنافى وقواعد القانون المحلي والدولي، وهو من الجرائم الدولية الموجّهة ضد النظام العام الدولي؛ وهو نوع من الحرب المدمّرة والوحشية غير المعلنة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين الفرد والدولة يهدّد السلام ويقوّض دعائمه. أمّا البحث الأخير في هذه الجلسة فقدّمه الباحث والحقوقي السوري نزار أيوب، وعنوانه "التدخل الدولي الإنساني في سورية ومساءلة مرتكبي الجرائم." تطرّق فيه الباحث إلى أنّ العنف ظاهرة مستشرية في سورية، إذ يشهد التاريخ السوري المعاصر على مستويات متفاوتة من العنف لازمت أداء النظم السياسية المتعاقبة التي استولت على مقاليد السلطة وتفردت بها؛ نتيجة الانقلابات العسكرية. وأضاف الباحث أنّ ظاهرة العنف السلطوي تفاقمت، وتعددت أنماطها،

إبّان نظام الاستبداد والفساد الذي استحدثه حافظ الأسد ورعاه طيلة ثلاثة عقود، تميزت باضطهاد المعارضين والتنكيل بهم من خلال انتهاج سياسة تمثّلت باستهدافهم بالقتل والاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري. تناولت الجلسة الثالثة محور "العنف السياسي في اللغة والخطاب"، ورأسها الأكاديمي التونسي الطاهر يحيى. وقد تضمنت أربعة بحوث؛ قدّم أوّلها الأكاديمي السوداني عباس الحاج الأمين، وعنوانه "عنف اللغة ولغة العنف في المشهد السياسي في السودان." وهو بحث يركّز على الحقبة السياسية الحالية، منذ مجيء "نظام الإنقاذ" سنة 1989، إلى هذه اللحظة. رأى الباحث أنّ القصد من مقاربة العنف السياسي في الساحة السودانية على المستوييَن الرمزي والمادي، هو قصد منهجي وإجرائي محض، الهدف منه في المقام الأول تسليط الضوء على مظانِّ العنف وبؤره على هذين المستوييَن فقط. وشدّد الباحث على ضرورة نقد ظاهرة العنف والتنبُّه إلى تداعياتها السلبية، والتنبّؤ بمآلاتها الوخيمة التي ستكون أشدَّ وبالً وأوقع إيلامًا على المجتمع السوداني، فتهزّ كيانه هزًا أكثر ممَّ هو حاصل الآن. وقدّم الباحث المغربي محمد الفتحي، البحث الثاني في هذه الجلسة بعنوان "ثيمة العنف في الخطاب الحزبي بالمغرب." وتناول فيه بعض ملامح الخطاب السياسي في المغرب وتجلياته، وتحديدًا الحزبي، من زاوية نظر محددة تتعلق بثيمة العنف ودلالاتها الرمزية والإيحائية وتفاعل أبعادها الدلالية والسيميولوجية، من حيث هي حساسية جديدة تجسد هواجس أساسية لانشغالات الفاعل السياسي. واعتمد الباحث على عيّنات تتمثل بالأوراق والأرضيات السياسية لمؤتمرات وطنية خلال السنوات الخمس الأخ ةرر، لمجموعة من الأحزاب السياسية، متباينة المرجعيات الأيديولوجية. ثمّ قدّم الباحث المغربي، محمد همام، بحثًا تحت عنوان "العنف اللغوي في الخطاب السياسي المغربي: دراسة في أيديولوجيا الشتم السياسي من خلال نظرية أفعال الكلام." استند فيه الباحث إلى نموذج نظري، ظهر وتطوّر في اللسانيات وفلسفة اللغة في العقود الأربعة الأخيرة، وهو نموذج يستنبط تصورًا جديدًا للّغة ويحوّلها من أداة لنقل معلومات من المتكلم إلى المستمع/ من القائد السياسي إلى الجمهور، إلى وسيلة للتأثير في مواقف المخاطب واعتقاداته، ودفعه إلى اتخاذ أنماط سلوكية معيّنة تقتضيها صيغ التخاطب المستعملة وفقًا لمجموعةٍ من المبادئ والقواعد المتعارف عليها في بيئة المخاطبين ومجالهم التداولي. وهكذا، بحسب الباحث، تصبح عملية التخاطب اللغوي في الخطاب السياسي المغربي في حقيقتها، إنجازًا لأفعال لا عملية تكلّم، أو نقل للواقع أو التصورات عبر الجمل أو الملفوظات اللغوية، يقول "ظهر لنا من خلال دراسة 'لغة العنف' في الخطاب السياسي المغربي أنّها تتمحور حول 'قصدية المتكلم' القائد السياسي، بما يلغي مشاركة المستمع في تكوين هذه القصدية. وتصبح القيمة الحجاجية والتوجيهية لهذا النموذج التخاطبي موجّهة من جانب الزعيم وحسب، ولا تصل إلى مستوى التخاطب الحجاجي الحيّ ذي البنية التداولية والتفاعلية. وهذا ما يجعل المستمع/ الجمهور تحت إكراه أفعال الزعيم الكلامية، يسعى إلى تحويلها إلى إنجاز عملي، مما ينذر بإنتاج حالات من العنف المادي في الواقع مستقبلً، بما يجْهز على كلّ فرص التدافع السلمي والمدني في المجتمع." وفي البحث الأخير في هذه الجلسة، والذي قدّمه الأكاديمي المصري هاني عبده، بعنوان "التحليل السوسيولوجي لخطاب العنف في المجتمع المصري في مرحلة ما بعد ثورتي 25 يناير و 30 يونيو"، رأى الباحث أنّ خطورة العنف داخل المجتمع المصري تكمن في ارتفاع معدلاته، وتزايد خطورته، وتأثيراته السلبية في المجتمع من خلال تقويض النظام السياسي والاقتصادي بصورة تجعله يعجز عن تحقيق طموحات الشعب المصري وآماله التي تمثّلت بشعارات الثوار، وهي العيش، والحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية. أمّا الجلسة الأخيرة في المؤتمر، فهي بعنوان "العنف في وسائل الاتصال الاجتماعي"، ورأسها أشرف عثمان الحسن، وقُدِّمت فيها ثلاثة بحوث؛ أوّلها للباحث اللبناني نديم منصوري، تحت عنوان "مشهدية العنف عبر وسائط الاتصال الحديثة"، تطرّق فيه الباحث إلى مسألة العلاقة بين العنف الحقيقي القائم في المجتمع الواقعي والعنف الإلكتروني المنتج في المجتمع الافتراضي. وتتمثل هذه العلاقة بالمخاوف الأخلاقية التي تنتجها وسائل الإعلام بشكلَيها التقليدي والحديث. إلا أن مخاطر انتشار مشهدية العنف مع وسائط الاتصال الحديثة زادت، بحسب ما رأى الباحث، من المخاطر التي دأب الباحثون في دراستها مطلع القرن العشرين لفهم نتائج العنف الإعلامي، ما يجعل دراسة العنف الإلكتروني حاجة اجتماعية ومؤسساتية ضرورية للحدّ من تأثيرات انتشار العنف ولرسم آليات ضابطة تردع المستهترين بحياة المستخدمين في الفضاء السيبراني الذين باتت حياتهم الخاصة عرضة لجميع أشكال العنف الإلكتروني. وقدّم الباحث الجزائري عبد الله ملوكي، البحث الثاني وعنوانه "مضامين العنف عبر أيكولوجيا الفضاء الافتراضي الرمزي وتأثيرها في صناعة العنف"، حاول فيه الباحث دراسة أثر مواقع شبكات التواصل الاجتماعي في نشر التطرف الافتراضي وانعكاسه في الواقع المعيش،

بهدف تسليط الضوء على أهمّ آثار المضامين المنتشرة عبر هذه الشبكات، والتي تسهم في تعزيز انتشار العنصرية والعنف السياسي. وأضاف الباحث أنّ بحثه يسعى إلى رصد أهمّ صور التطرف والعنف الموجودة في بيئة شبكات التواصل الاجتماعي، وآثارها النفسية، والبيولوجية، والسلوكية في المتلقّي وآليات انتقالها إلى الواقع المعيش في ظل النظريات المفسّة للسلوك العنيف، فضلً عن محاولة الكشف عن أهمّ المعايير المهنية والأخلاقية الواجب مراعاتها بغية تفادي هذه الظاهرة أو التقليل منها. أمّا البحث الأخير فقدّمه الباحث العراقي روذهات ويسي خالد، تحت عنوان "وسائل الاتصال والعنف الجندري في العراق: الموبايل نموذجًا"، تناول فيه الباحث الظهور التاريخي للهاتف المحمول وتاريخ الاتصالات في العراق وكردستان، حتى وصول تكنولوجيا الموبايل إليه، كما تناول الإطار المنهجي الذي يتكون من مشكلة البحث وأهدافه وأهميته وفروضه وعينته ومنهجيته، فضلً عن أدوات جمع المعلومات (الاستبيان، والمقابلة)، وعرض بيانات الاستبيان والمقابلات، وتحليلها.

ختام المؤتمر: العنف يعيق التحول الديمقراطي في المجتمعات العربية

مثّلت مسألة إعاقة العنف للتحول الديمقراطي أبرز محطات النقاش التي شهدتها الجلسة الختامية للمؤتمر، والتي أدارها مهدي مبروك، ووردت تحت عنوان "السياسة والعنف والتحول الديمقراطي: قضايا وأسئلة وإشكاليات راهنة." في البدء، قدّم مبروك حزمةً من الأسئلة لتتناولها الجلسة؛ منها كيف يتمّ تجاوز موجة العنف التي سادت بعض المجتمعات العربية في الفترة الأخيرة؟ وما هي شروط ذلك؟ وهل من حاجة إلى عنف الدولة وضرورة قيام دولة عنيفة نسبيا لتحقيق ما يمكن تسميته بحدٍ أدنى من الاستقرار المجتمعي؟ ركّزت المداخلات التي شهدتها الجلسة على استخدام الأنظمة العربية العنف لقمع توق المجتمعات العربية للتغيير نحو الأفضل والأرقى. وأجمع المعلقون على ضرورة توافق القوى السياسية والتيارات المختلفة على آليات لإبقاء التنافس السياسي في نطاق سلمي. وأكّد الكثير منهم أنّ ثمة نوعًا من التطرف في الحديث عن العنف في المجتمعات العربية، ويبقى منسوب العنف وأشكاله في مستويات عادية، باستثناء ذلك العنف الذي ارتبط بالجماعات الإرهابية وجماعات العنف السياسي.