الدوافع والأهداف والتداعيات" ندوة "التدخل العسكري الروسي في سورية:
تقديم
بعد أن قدّمت روسيا الدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري للنظام السوري، على مدى خمس سنوات، قررت أن تخطو خطوة إضافية وتتدخل مباشرة في الأزمة السوريّة. كانت سفن الإمداد العسكرية الروسية وطائرات النقل العملاقة من طراز إليوشن وأنتونوف قد بدأت تصل إلى الموانئ والمطارات السوريّة، ابتداءً من تموز / يوليو 2015، حاملةً معها الذخائر والتجهيزات والمعدات وغيرها من المستلزمات لإنشاء قاعدة عسكرية روسية كبيرة وتموينها في مطار حميميم الذي يبعد نحو عشرين كيلومترًا إلى الجنوب من مدينة اللاذقية. وباستكمال تجهيز القاعدة، وانتهاء مشاركة الرئيس فلاديمير بوتن في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث التقى الرئيس الأميركي باراك أوباما، باشرت روسيا، في الثلاثين من أيلول/ سبتمبر 2015، تدخّلها العسكري المباشر في الأزمة السوريّة. تشير البيانات الرسمية الروسية إلى أنّ الغارات الجوية والصواريخ العابرة التي انطلقت من أسطول بحر قزوين تستهدف تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في إطار التحالف الذي دعت إلى تشكيله بقيادتها، فّي حين يشير معظم التقارير والمعلومات الواردة من الميدان أن موسكو تستهدف أساسًا قوات المعارضة السوريّة التي تواجه نظام الرئيس بشار الأسد. وقد عزّزت هذا الأمر تصريحات بوتين بأنّ سلاح الجوّ الروسي سوف يقوم بتأمين غطاء جوي لهجمات برية يقوم بها النظام ضد "الجماعات الإرهابية"، وهو تعبير تستخدمه موسكو لوصف جميع معارضة نظام الأسد. مثّل التدخّل العسكري الروسي المباشر في الصراع السوري مفاجأة للكثيرين، إذ جاء على خلفية ازدياد مستوى التواصل الروسي – السعودي في شأن إيجاد حلٍ للمسألة السوريّة، وإعطاء موسكو إشارات متعددة توحي باستعدادها لدعم جهد التوصل إلى تسوية سياسية، الأمر الذي دفع أوباما والرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى التعبير عن اعتقادهما بوجود مرونة روسيّة تجاه قبول خروج الأسد من السلطة في مرحلةٍ ما خلال المرحلة الانتقالية. وكانت موسكو تروّج في الأصل لعقد لقاء جديد يجمع أطراف الصراع السوريّ في موسكو على أن يكون مرحلة أولى قبل الانتقال إلى مؤتمر جنيف 3() الذي طرحه المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا خلال الأشهر الماضية. وانطلاقًا من الحاجة إلى فهم دوافع القرار الروسي وغاياته ومحاولة الإجابة عن التساؤلات الكثيرة، وكذلك تداعياته المحتملة على موازين القوى داخل سورية، وعلى تفاعلات النظاميَن الإقليمي والعربي، عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات يوم السبت 24 تشرين الأول / أكتوبر 2015، ندوة أكاديمية بعنوان: "التدخل العسكري الروسي في سورية: الدوافع والأهداف والتداعيات." وشارك في الندوة نخبةٌ من الباحثين المختصين العرب والروس وكذلك شخصيات سياسية وعسكرية متابِعة للشأن السوري، وفقًا لما يلي: عزمي بشارة، وبرهان غليون، وفيكتور ميزن، وإيمانويل كاراغيانيس، وسيرغاي ستروكان، ومروان قبلان، وحيدر سعيد، وفاتح حسون، وماجد التركي، وحسن سليم أوزرتيم، ورضوان زيادة، ورود ثورنتن، ومحمود محارب. وقد ناقشت أوراق المشاركين ثلاثة محاور رئيسة، هي: دوافع التدخّل العسكري الروسي في سورية وغاياته، وتداعياته السياسية والعسكرية، والمواقف الإقليمية وردات الفعل على هذا التدخّل. واختتمت الندوة أعمالها بجلسة نقاشية حاولت استشراف مآلات التدخّل العسكري والسيناريوهات المستقبلية، ومدى تأثيره في العلاقات العربية الروسية.
الدوافع والغايات
تختصر موسكو الصراع السوري في تنظيم الدولة الإسلامية، وتتّهم لاعبين إقليميين مثل قطر وتركيا والسعودية بمساعدة التنظيم. وتعدّ ذلك تهديدًا مباشرًا نظرًا لوجود آلاف المقاتلين من مواطنيها، أو مواطني الجمهوريات السوفياتية السابقة في صفوف التنظيم. وتدّعي أنّ تدخّلها الراهن هو خطوة استباقية للقضاء على التنظيم الذي يخطط لهجمات إرهابية في أراضيها. من جهة أخرى، ترى موسكو أنّ القضية السورية تعدّت كونها قضية داخلية أو إقليمية وأصبحت قضية دولية، لذلك تخشى أن تعزل دوليًا في آخر مناطق نفوذها في الشرق الأوسط، على غرار ما جرى في أوكرانيا، الأمر الذي يمثّل عائقًا أمام المساعي الروسيّة الرامية إلى القيام بدورٍ أساسي وفاعل في النظام الدولي.
تنطلق روسيا في تدخّلها من فهمٍ كلاسيكي للقانون الدولي يرتكز على مبدأ السيادة الوطنية وسيطرة الدولة على أراضيها دون أيّ تدخّل خارجي لا يمرّ عبر مجلس الأمن، وتدّعي أن تتحمّل مسؤولية أخلاقية في إرساء هذا المبدأ وتأكيده، بوصفه محددًا رئيسًا في العلاقات الدولية لمواجهة الخروقات الغربية. وتسعى، على ما قال بوتين في خطابه أمام مؤتمر الأمن الدولي في ميونيخ 2007، إلى مساعدة جميع الدول التي تقف في وجه الهيمنة الأميركية. وبناءً عليه، يرى خبراء وباحثون روس أنّ التدخّل العسكري الروسي في سورية لن يكون محكومًا بفترة زمنية، بل سوف يزداد ويأخذ أشكالً مختلفة دون أن يصل مرحلة التدخّل البري كما جرى سابقًا في أفغانستان. كما تعتقد موسكو أنّ تدخّلها الراهن سوف يجبر الغرب على إبداء مرونة في حل الأزمة في سورية استنادًا إلى فهمٍ قريب من الرؤية الروسيّة مستندة إلى نقاط قوة عدة، لعلّ أبرزها وجود علاقات جيدة، ووجهات نظر متشابهة مع قوى إقليمية وعربية مؤثّرة مثل إيران، ومصر. ضمن هذا السياق، جاءت دعوة الرئيس الأسد إلى موسكو لتأكيد أنّ روسيا لا تزال تعدّه شريكًا مفضّ لً، ولا تريد منه أن يرحل في الأسابيع أو الأشهر المقبلة. بيد أنّ البحث في الدوافع الحقيقية للتدخل العسكري الروسيّ يتجاوز مسألة حماية النظام ومنع سقوطه دون تجاوز هذا الهدف في المدى المنظور، بل جاء محكومًا بعواملَ ومحددات عدة على أكثر من مستوى؛ دوليًا، وإقليميًا، وداخليًا. دوليًا؛ لم تتبنَّ روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي أيديولوجية عالمية بديلة للشيوعية، ولم تسد فيها ديمقراطية ليبرالية، وتبنّت في مسعاها لاستعادة دور الدولة العظمى فكرة الدولة والسيادة والمجال الحيوي بذاتها، كأنّها أيديولوجية. لقد أصبحت مصالح الدولة في مجالها الحيوي فوق كلّ شيء. وقد صيغت أيديولوجيًا كقومية روسية بنزعات إمبراطورية متجاوزة القومية الروسيّة، وتلاءمت مع طروحات الدولة العظمى هذه عقيدة جيوستراتيجية هي العقيدة الأوراسية التي تجمع بين السلاف ومسلمي آسيا الوسطى على حدود الشرق الأوسط في مواجهة حلف الناتو، وبتحالف مع إيران ودول ذات أيديولوجية قومية مثل سورية وليبيا. وقد نظّر ألكسندر دوغين لذلك بطريقة منهجية في كتابه "أسس الجيوبولتيكا ومستقبل روسيا الجيوبولتيكي"، وتبنّاه بوتين عقيدة إستراتيجية لروسيا بعد وصوله إلى السلطة عام.1999 من هذا المنطلق، لم تهتمّ روسيا كثيرًا بقضايا الشعوب المنتفضة في أوكرانيا وجورجيا وقرغيزيا في العقد الأوّل من هذا القرن، بل رأت فقط دعم الغرب قوى سياسية/ اجتماعية في مناطق نفوذها. لذلك، وعلى الرغم من المشاكل البنيوية؛ المعنوية، والاقتصادية، والديمغرافية التي عاشتها روسيا خلال تلك المرحلة، لم تتأخّر عن التدخّل العسكري المباشر لمواجهة ما تعدّه تهديدًا لأمنها ومصالحها القومية في مجالها الحيوي. وبالعقلية ذاتها قاربت الثورات العربية جميعها سلبيًا؛ فقد اتخذت منها موقفًا معارضًا منذ عام 2011. وفي هذه الحالة اختلط الخوف من تمدد التيار الإسلامي مع الخوف من التأثير الغربي في مركب تلفيقي متناقض. فالغرب خشي دعم هذه الثورات بسبب الخوف من التيارات الإسلامية الذي يشارك فيه روسيا، مع الفرق أن الخوف الأحادي في حالة الدول الغربية جعلها تتردد في دعم الثورة في سورية، في حين أنّ الخوف المزدوج من الغرب والإسلاميين دفع روسيا إلى العمل بقوة مع حليفها. بتدخّلها الأخير في سورية، تكون روسيا قد قامت بعمل غير مسبوق، حتى في تاريخ الاتحاد السوفييتي، وذلك بالتورّط العسكري المباشر خارج منطقة حلف وارسو، باستثناء غزوها لأفغانستان عام.1979 ومع أنّ الهدف القريب للتدخّل العسكري في سورية، كما ذكرنا سابقًا، هو منع انهيار النظام حليف موسكو وسقوطه، فإنّ الأخيرة تراه وسيلة لإثبات الذات، وخطوة أخرى للقيام بدور دولة عظمى عالميًا، وهذه المرة في الشرق الأوسط مستفيدةً من الانكفاء الأميركي، وغياب إستراتيجية عند إدارة أوباما أزمات الشرق الأوسط عامة، والأزمة السوريّة بخاصة. وفي سياقٍ آخر مرتبط بتفاعلات النظام الدولي، يفسّ التدخّل الروسي في سورية على أنّه خطوة انتقامية أقدَم عليها بوتين لردّ "الصفعة" التي تلقّاها في أوكرانيا، وما تلاها من عقوبات اقتصادية أميركية وأوروبية، وعزلٍ دبلوماسي وسياسي. إقليميًا، ترى موسكو أنّ أربع قوى إقليمية تتنافس على سورية، وعلى الفراغ الذي خلفته واشنطن في الشرق الأوسط بصورة عامة، وهي: تركيا، وإيران، والسعودية، وإسرائيل. تعدّ موسكو تركيا منافسًا إقليميًا كبيرًا يمتلك نموذجًا ناجحًا في العلاقة بين الإسلام والديمقراطية. وترى أنّ نجاح الدور التركي في سورية سيترك تهديدًا بالغ الأثر على المصالح الروسية، ويسهم في رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة بصورة مغايرة للتوازنات القائمة. أمّا إيران، فتبدو علاقاتها مع موسكو معقّدة؛ فالأخيرة تعدّها حليفًا وحائط صدٍ في مواجهة القوى السنّية
والإسلام السياسي المدعوم تركيًا، وفي الوقت ذاته تمثّل منافسًا للدور الروسي في الشرق الأوسط ولا سيمّا إذا ما نجحت في تأمين منافذ على البحر المتوسط. وبينما ترى في السعودية خصمً إستراتيجيًا في الشرق الأوسط، ومنافسًا كبيرًا في سوق النفط العالمية، تأخذ إسرائيل، وحدها، صفة الحليف بالنسبة إلى روسيا؛ فعلاقات الجانبين تقوم على مصالح مشتركة، ووجهات نظر متقاربة، من بينها العداء للتيارات الإسلامية، والميل لترسيخ الأنظمة غير الديمقراطيّة في المنطقة، ودعمها. ووفقًا لهذا التقييم، حمل التدخّل الروسي في سورية رسائلَ واضحة للقوى الإقليمية المتنافسة، كلّ على حدة. فمنع سقوط النظام، ومساعدته على استعادة زمام المبادرة عسكريًا كان رسالة مباشرة للسعودية وباقي الدول الداعمة للمعارضة التي زادت من وتيرة دعمها للمعارضة المسلّحة في النصف الأوّل من عام 2015 بهدف تغيير موازين القوى وإجبار النظام على قبول الحل السياسي، أو اللجوء لإسقاطه عسكريًا. من جهةٍ أخرى، قطع التدخّل الروسي الطريق أمام تركيا، أو عقّد حساباتها في ما يتعلق بمساعيها لإنشاء منطقة آمنة شمال سورية. أمّا إيران، وعلى الرغم من التنسيق الظاهر، فإن اندفاع روسيا قلّص دور إيران ليصبح مكملً للدور الروسي، وليس متقدّمًا عليه. وانطلاقًا من فهمها لتوازن القوى في الإقليم، ورغبة في ضبط تفاعلاته بما يوائم توجهاتها، سارعت روسيا إلى إدماج الأسد ضمن محور إقليمي/ دولي يضمّها مع العراق وإيران، ليكون منافسًا للمحور السعودي التركي القطري. لذلك، شرعت في تشكيل مركز تنسيق أمني استخباري، مقرّه في العاصمة بغداد، وأعطت إشارات عن إمكانية توسيع حملتها الجوية لتشمل العراق أيضًا، مستفيدة من انقسام القوى السياسية "الشيعية" إلى تيارين: أوّلهما يمثّله رئيس الوزراء حيدر العبادي، ويتحفظ على إشراك روسيا في قصف داعش في العراق. وثانيهما فصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران، والتي تريد إبعاد الولايات المتحدة عن المعركة مع داعش، وتدعو لانخراط العراق في المحور الذي تدعو إليه روسيا. داخليًا، تعبّ خطوة بوتين في بعض صورها عن رغبته في زيادة شعبيته داخل المجتمع الروسي؛ إذ لطالما انعكس النزوع الاندفاعي للتدخل العسكريّ في الخارج بعناوين "حماية روسيا وأمنها القومي ومصالحها الوطنية"، بنتائج إيجابيّة على النخبة الحاكمة، كونه مرتبطًا بزيادة النشوة القومية للمواطنين الروس، وقناعتهم بأهمية دور روسيا ومحوريته في النظام الدولي، وعودتها قوة عظمى. من جهةٍ أخرى، تقدّم النخبة الحاكمة في روسيا نفسها على أنّها حامية للمسيحيين في الشرق الأوسط، وتستحضر في دعايتها انتهاكات حصلت ضد مواطنين سوريين مسيحيين، وقساوسة، الأمر الذي يبرر لها تدخّلها لدى شرائح محافظة داخل روسيا، وفي أوروبا أيضًا حيث بدأ بعض الأحزاب المسيحية المحافظة في ألمانيا، وإيطاليا، وفرنسا يبدي تفهّمً وتأييدًا للتدخّل الروسي بذريعة أنّه "يحمي" مسيحيّي الشرق. أمّا في الداخل السوري، إذا ما تفحّصنا القائمة الروسيّة للمنظمات الإرهابية، فنجد أنّها تستثني عددًا محدودًا من الفصائل المسلّحة في سورية مثل قوات الحماية الشعبية الكردية، وفصائل الجبهة الجنوبية، وتدرج البقية بما فيها فصائل الجيش الحر التي تتلقّى دعمً أميركيًا، ضمنها. انطلاقًا من هذا الفهم، بدأت موسكو غاراتها، أوّلً: باستهداف مناطق يسيطر عليها الجيش الحر في جبال اللاذقية، وريف حمص الشمالي، وريف حماة الشمالي والغربي. وثانيًا: استهداف مناطق سيطرة جيش الفتح في إدلب. وثالثا: فصائل جيش المجاهدين، وثوار الشام، وتجمع "فاستقم كما أ مرت" في ريف حلب الشمالي والغربي، في حين أن الطائرات الروسيّة لم تقترب من مواقع داعش إلا بعض المرات، وجرى استهداف التنظيم في مواقع بعيدة (الرقة، ودير الزور) عن جبهات القتال الرئيسة. تقودنا التراتبية السابقة إلى استنباط ما ترمي إليه روسيا مرحليًا في سورية؛ فهي تهدف بتركيزها على مواقع المعارضة في جبال اللاذقية إلى إبعاد أيّ أخطار محتملة عن مواقع انتشارها في الساحل، وتحديدًا قاعدتها البرّية في مطار حميميم، ومواقع انتشارها في صلنفة. أمّا معركة ريف حماة الشمالي والغربي، فكان هدفها إيجاد قوس أمن من شأنه أن يعزل ريف حماة وإدلب (خان شيخون، والخزانات) عن سهل الغاب لتتفرغ لاحقًا لإبعاد المعارضة هناك عن قرية جورين ومعسكرها الحصين. وثابرت روسيا على قصف ريف حمص الشمالي وتسخين الجبهة الباردة، لكونه - بحسب ما يرى البعض - النقطة الأخيرة التي تعيق مشروع "سورية المفيدة"، التي تقتصر على دمشق والمنطقة الوسطى والساحل. أمّا في حلب، فبادرت، وعلى مدار أيام متواصلة، إلى ضرب مقارّ فصائل الجيش الحر، بالتزامن مع تقدّم داعش هناك. ولا يخفى على متابعٍ كيف ساهمت الضربات الروسيّة في تشتيت الفصائل المسلّحة وإضعافها؛ فخسرت مواقع إستراتيجية لمصلحة تنظيم الدولة، مثل مدرسة المشاة، والمناطق الحرة؛ بحيث بدا للبعض
أنّ تقدّم تنظيم الدولة وتمدّده في ما تبقّى من ريف حلب الشمالي، هما هدفان روسيان ملحّان، لأنّ القضاء على الجيش الحر، وسيطرة داعش على مناطقه يمنحان - بحسب هذا الفهم - قوات الحماية الكردية المدعومة أميركيًا، والتي تعوّل عليها موسكو أيضًا، الأفضلية لقتاله، بما يؤمّن لاحقًا التواصل الجغرافي بين عفرين، وعين العرب (كوباني)، ويفرض أمر واقع الطريق نهائيًا على المنطقة الآمنة التي تدعو تركيا إلى إقامتها. وفي هذا السياق، جاء تصريح رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو وإعلانه عن استهداف قوات الحماية الكردية في سورية مرّتين رسالة واضحة إلى روسيا، وأميركا أيضًا. بالمحصلة، فإنّ الأهداف الداخلية للضربات الروسيّة لا تهدف فقط إلى تقوية موقع النظام السوري، بل إلى إضعاف المعارضة السوريّة المسلحة أمام النظام وتنظيم الدولة؛ بحيث ينحصر الصراع في ثنائية النظام/ داعش، لإجبار الغرب على تغيير موقفه من الأسد، وربما إعادة تأهيله بوصفه طرفًا وحيدًا في محاربة الإرهاب.
المواقف الدولية والإقليمية
أربك التدخّل الروسي العسكري حسابات الأطراف الدولية والإقليمية المؤثّرة في الأزمة السوريّة؛ إذ فرض متغيراتٍ جديدة، وتباينت ردات الفعل ما بين القبول الضمني بهذا التدخّل كما هي الحال مع الولايات المتحدة، أو الترحيب به والاندفاع لرفع مستوى التنسيق (إسرائيل)، أو العمل على مواجهته.
الموقف الأميركي
يمكن الوقوف على ردة الفعل الأميركية تجاه التدخّل الروسي الأخير لا في سورية إلّ بالوقوف على آلية اتخاذ القرار في السياسة الخارجية الأميركية، وتحديدًا عدم اهتمام الرئيس باراك أوباما بالقضايا الخارجية والعلاقات الدولية. فالمتتبّع للموقف الأميركي خلال سنوات الأزمة السوريّة يلاحظ إحجامَ إدارة أوباما عن الانخراط الجدّي في سورية، ولجوءَها إلى خيار العقوبات الاقتصادية والعزل الدبلوماسي خيارًا وحيدًا تجاه النظام حتى بعد تجاوزه الخطوط الحمراء، واستخدام السلاح الكيماوي. ومع أنّ إدارة أوباما عدّت صعود تنظيم الدولة نتيجة لأزمة الشرعية في كلٍ من العراق وسورية، فإنّها اتّبعت إستراتيجية مجتزأة تقوم على إضعاف التنظيم وحرمانه من الملاذات الأمنية، وليس معالجة الأسباب الجوهرية التي ساهمت في صعوده. وبناءً عليه، فإنّه من غير الوراد أن يتّخذ الرئيس أوباما قرارًا بالتدخّل العسكري في سورية لمواجهة التدخّل الروسي أو موازنته، وستبقى اهتماماته منصبّة على كيفية مواجهة تنظيم الدولة، والعمل الدبلوماسي مع روسيا في محاولة لحثّها على إيجاد حلٍ سياسي للصراع.
الموقف الإسرائيلي
تُولي إسرائيل التدخّل العسكري الروسي المباشر في سورية اهتمامًا كبيرًا. وتعتقد أنّه يمثّل نقطة تحوّل في الحرب في سورية التي سيكون لها نتائج على ميزان القوى بين أطراف الصراع في الحرب الدائرة في سورية، وعلى ميزان القوى الإقليمي، وعلى الصراع بين روسيا وأميركا على بسط النفوذ في الشرق الأوسط ومناطق أخرى في العالم. رأت إسرائيل أنّ التدخّل العسكري المباشر في سورية أمر مهمّ يمكن أن يخدم أهداف إسرائيل وسياساتها تجاه الحرب في سورية، شريطة أن تتمكّن إسرائيل من الاستمرار في التحرّك العسكري في سورية وفقًا للخطوط الحمراء التي بلورتها منذ اندلاع الثورة في سورية، وهي: عدم نقل أسلحة من سورية إلى حزب الله ومنظمات أخرى في لبنان، وعدم وجود قوات تابعة لحزب الله وإيران في المنطقة المتاخمة لحدود الجولان السوري الذي تحتلّه إسرائيل. ما عدا ذلك، ترى إسرائيل أنّ التدخّل الروسي يحقّق جملةً من الأهداف التي تصب في مصلحتها، وهي: إطالة عمر الحرب وعدم إسقاط الأسد، بما يسمح بتدمير المقدرات السورية ويخرج سورية نهائيًا من دائرة الصراع مع إسرائيل، ويخفف بدرجة كبيرة الصدام مع محور إيران - حزب الله في سورية. يجعل من منطقة الساحل التي يطلق عليها الإسرائيليون "سورية الصغرى" منطقة نفوذ روسيّة تحت حكم بشار الأسد، ما يزيد من تعميق تشظّي سورية وتقسيمها عمليًا إلى عدة مناطق ذات سلطات ومناطق نفوذ مختلفة. لقد حرصت روسيا على إطلْاع إسرائيل على عزمها زيادة قواتها العسكرية في سورية. وعلى إثر ذلك، زار رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو موسكو في الحادي والعشرين من أيلول / سبتمبر الماضي، يرافقه وفدٌ عسكري رفيع المستوى، بغرض التفاهم بين
إسرائيل وروسيا بشأن سياسة الطرفين تجاه سورية وتعزيز التنسيق بين الجيشين الروسي والإسرائيلي، في ما يخص نشاطاتهما في سورية، وذلك قبل الإعلان عن لجنة تنسيق لمنع أيّ سوء تفاهم بين الجانبين.
الموقف السعودي
يحكم الموقف السعودي تجاه الأزمة السورية بصورة عامة، مجموعة من المحددات؛ منها ما هو ثابت دأبت الخارجية السعودية على تأكيده؛ لا دور للأسد في مستقبل سورية، والاستمرار في دعم المعارضة السوريّة المعتدلة، ووحدة الأراضي السورية. أمّا الجانب المتغير في الموقف السعودي، فهو التعاطي مع الوقائع على الأرض والتعامل معها بما يخدم المحددات السابقة. وبناءً عليه، جاء الموقف السعودي من التدخّل الروسي واضحًا في إدانته، وتزامنت الإدانة مع زيادة الدعم للمعارضة المعتدلة في محاولةٍ لمنع قوات النظام من تحقيق اختراق ميداني كبير يُحدث خللً في موازين القوى القائمة، وفي الوقت ذاته واصلت السعودية جهودها لنقل الأزمة السوريّة من المسار العسكري إلى المسار السياسي التفاوضي، والسعي لتشكيل حكومة انتقالية تمهّد الطريق لإنهاء الأزمة، وإعادة الاستقرار، ومكافحة الإرهاب. وضع التدخّل الروسيّ في سورية صانع القرار السعودي أمام مروحة من الخيارات أقلّها دعم المعارضة السوريّة، والبحث عن تحالفات إقليمية جديدة لتثبط مفاعيل التدخّل الروسي عسكريًا وسياسيًا، وأصعبها التدخّل العسكري المباشر لمواجهة ما تراه المملكة "احتلال إيرانيًا" لسورية. أيًا يكن، فإنّ عملية المفاضلة بين الخيارات السابقة تبدو صعبة بالنسبة إلى صانع القرار السياسي، وقد تدفعه لاختيار أقلّها تكلفة، أو البدء بأقلّها وانتظار توافر أوضاع مغايرة تسمح له بالانتقال إلى البدائل المتاحة. أمّا حاليًا، فترتسم أمام صانع القرار السعودي جملة من التحديات؛ محلية وإقليمية ودولية من شأنها أن تدفع المملكة للتفكير مليًا قبل تبنّي خيار التصعيد والمواجهة في سورية، وفقًا لما يلي: محليًا، نجحت السعودية في تجاوز تداعيات الربيع العربي؛ فهي تعيش حالة استقرار في محيط مضطرب. لكن في المقابل، نجد أن المملكة، وبسبب ما أصاب الاقتصاد العالمي وتراجع أسعار النفط، تواجه تحدّيًا اقتصاديًا حقيقيًا؛ إذ قدّر صندوق النقد الدولي العجز المتوقَّع في ميزانية العام الحالي بما يصل إلى %20 وأثره في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها التنموية الكبيرة. كما تشمل البيئة المحلية التي لا بدّ من مراعاتها في عملية المفاضلة بين البدائل، موضوع الحرب في اليمن، والتي على الرغم ممّ يحقّقه التحالف والمقاومة الشعبية من انتصارات ضد ميليشيات الحوثي والرئيس السابق، فإنّه لا يمكن الجزم بنهايتها، وتقتضي الموضوعية طرح احتمال استمرارها. وهو ما يعني استمرار حالة عدم الاستقرار في اليمن لفترة طويلة. لذلك لا بد لصانع القرار أن يراعي هذه المسألة عند تحديد شكل التحرّك الملائم تجاه الصراع في سورية. إقليميًا، توجد تحولّات كبيرة في البيئة الإقليمية لا تخدم تحرّكًا عربيًا مؤثّرًا تجاه أيّ قضية. وهو ما يظهر جليًا في الموقف من أحداث العراق منذ 2003 والموقف حاليًا من الصراع في سورية وليبيا؛ فمن جهة، نجحت إيران في تعزيز مكاسبها وأصبحت تعيش نشوة انتصارات جعلتها تتحرك بأسلوب استفزازي والتركيز تحديدًا على المملكة، ودفعها لتحرّكٍ غير مدروس يورّطها في أزمات إقليمية تنعكس سلبيًا على مكاسبها السياسية والتنموية التي حققتها خلال عقود من التحرّك الرشيد. إضافةً إلى انشغال الدول العربية بترتيب أوضاعها الداخلية وتغيّ أولوياتها إلى درجة نلحظ فيها غيابًا تامًا لعددٍ من الدول العربية في التفاعل مع القضايا المشتركة؛ فمصر وهي ركيزة أساسية لأيّ تحرّك جماعي اتخذت موقفًا مناقضًا للموقف السعودي ورحّبت صراحةً بالتدخّل العسكري الروسي، إضافةً إلى أنّ بعض دول الخليج التي تعدّ الحليف الرئيس للمملكة لها رؤية مختلفة بشأن الأوضاع في سورية، إذ تعطي أولوية لمكافحة الحركات المتطرفة حتى لو استدعى ذلك بقاء الأسد خلال الفترة الانتقالية. دوليًا، لا يخفى على متابع التردد الأميركي الواضح في سورية، والذي أصبح سمة ثابتة في الصراع الأميركي، والذي يزداد تدريجيًا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.
الموقف التركي
يمثّل التدخّل الروسي في سورية أوّل عملية عابرة لحدود الاتحاد السوفييتي السابق منذ انهياره مطلع التسعينيات من القرن الماضي، الأمر الذي مثّل مفاجأة لمختلف القوى الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها تركيا كونها تتأثر مباشرة بما يجري في سورية. في السنوات الماضية، اتخذت تركيا مجموعة من التدابير على حدودها الجنوبية لمنع انتقال الصراع السوري إليها، أو احتواء آثاره وتداعياته؛ فعلى
سبيل المثال، نشرت أنظمة دفاع جوي وبطاريات الباتريوت من أجل درء أيّ تهديد جوّي أو صاروخي من جانب النظام السوري. لكن ما فاجأ صانع القرار في تركيا، أنّ الطائرات الروسيّة ومنذ الأيام الأولى على بدء غاراتها في سورية، انتهكت المجال الجوي التركي أكثر من مرة، الأمر الذي دفع الخارجية التركية إلى استدعاء السفير الروسي في أنقره أندريه كارلوف لتجنّب أيّ تصعيد عسكري من شأنه أن يضر بالعلاقات الثنائية، والتبادل التجاري، والتعاون الاقتصادي، بخاصة في قطاع الطاقة، وبناء المحطات النووية. من جهة أخرى، رفعت تركيا الخروقات الروسيّة إلى حلف شمال الأطلسي، والذي أعلن أمينه العام ينس شتولتنبرج عن جاهزية الحلف وقدرته على الدفاع عن الحلفاء، بمن فيهم تركيا. المفارقة هنا، أنّ تصريحات الأطلسي تزامنت مع قيام ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية بسحب بطاريات الباتريوت، وهو ما جعل الحكومة التركية التي كانت تمرّ بأزمة قبل الانتخابات في موقف حرج دفعها إلى إعادة حساباتها في سورية، وإبداء بعض المرونة في ما يتعلق بمصير الأسد، والاستعداد لقبول بقائه خلال فترة انتقالية محدودة. أضف إلى ذلك عقد التدخّل الروسي حسابات تركيا ومساعيها الرامية إلى إنشاء منطقة آمنة ومنطقة حظر طيران شمال سورية، وزاد من مخاوفها بشأن احتمال تقسيم سورية لا سيما وأنّ موسكو تدعم حزب الاتحاد الديمقراطي في سورية، والذي بات يسيطر على مساحات واسعة على طول الحدود السورية التركيّة. أيًا يكن، تسعى تركيا حاليًا لضبط النفس ومعالجة أيّ إشكالات مع روسيا في سورية عبر القنوات الدبلوماسية، من جهة أخرى تدعم المعارضة السوريّة لمواجهة التدخّل الروسي، وإجبار النظام السوري على الركون إلى المفاوضات بهدف تحقيق الانتقال. ضمن هذا السياق، يستبعد أن تقدم تركيا في المدى المنظور على خطوات في سورية يمكن أن تفضي إلى صدام بين موسكو وأنقرة، بخاصة وأن الولايات المتحدة بدت أكثر تفهّمً وقبولً بالتدخّل الروسي في سورية.
التداعيات
بتدخّلها في سورية، تكون روسيا قد فرضت وأعطت لنفسها أداة للتحكّم والعمل على أرض الميدان، وهي تحظى بما يشبه التفويض الدولي لقيادة عملية التسوية السياسية، من دون أن يعني ذلك التفاهم المسبق على شروط هذه التسوية وماهيتها. إذ لن يتردد الغرب والمجتمع الدولي عمومًا في دعم أيّ مبادرة تحظى ببعض النصيب من النجاح، بعد إخفاق الأمم المتحدة ومجلس الأمن والغرب في الخروج من حالة انعدام شروط الحلّ السياسي وغياب الحسم العسكري، والاستمرار في القتل والدمار المجانييَن. وهذا ما تدلّ عليه إشارات التراجع التي يبديها عدد من العواصم الغربية بل والعربية عن مواقف سابقة متشددة تجاه الأسد، والحذر من التشويش على الروس في عملهم للدفع نحو تسوية سياسية على الرغم من تركيزهم على ضرب الجيش الحر لإضعافه ودفعه لتغيير مواقعه. ثم إنّها تملك أوراقًا مهمة تعزّز من قدرتها على المناورة السياسية والتعامل مع أطراف الأزمة، فهي الوحيدة التي تملك القدرة على التواصل مع جميع الأطراف السورية والإقليمية والدولية، وعلاقات مع الخصوم الإقليميين الرئيسين، إيران والمملكة العربية السعودية وتركيا، وكذلك مع بعض أطراف المعارضة السوريّة. وهي الوحيدة التي قد تملك إمكانية التأثير في الموقف الإيراني من منطلق التحالف والصداقة، مع ضمان مصالحها في سورية بخاصة في ما يتعلق بطبيعة النظام المقبل. كما أنّها الوحيدة التي تستطيع، إذا ما أرادت، أن تعزل المشكلة السياسية والجيوسياسية المتعلقة بالتسوية السورية عن الصراعات المذهبية والطائفية السنية الشيعية، وتخفّف من الرهانات الوجودية التي لا حلَّ لها، والتي تهدد بتوسيع نطاق الحرب على الإقليم كلّه. وهي أخيرًا الدولة التي تستطيع أن تُطَمئن أكثر بكثير من حكومة طهران وميليشياتها الشيعية المتعصبة، العلويين وتضمن مصالحهم في التسوية وتجرّهم إليها، سواء على مستوى النخب العسكرية والأمنية أو الجمهور الواسع الخائف على وجوده من انقلاب التوازنات السياسية. لكن هذا الموقع المتفوق الذي تحتله موسكو في مسار التسوية السياسية المحتملة، لا يعني بالضرورة نجاح بوتين في استخدام المفاتيح والأوراق التي في حوزته بصورة صحيحة، ولا نجاحه في تحقيق التسوية المنشودة. ومما يدفع إلى الشك في هذا، أوّلً، التصوّر المسبق الذي يحمله الروس عن طبيعة الحرب ورفضهم منذ البداية الاعتراف بشرعية مطالب السوريين وعرقلتهم السابقة مفاوضات تركّزت على مسألة الانتقال السياسي، ونظرتهم إلى طبيعة النظام الجديد الذي لا يبدو أنّهم يريدون منه أكثر من ترميم النظام القائم وسدّ ثغراته الكبيرة، بدمج بعض شخصيات المعارضة فيه في حكومة وحدة وطنية. وهذا ما ينسجم مع مفاهيمهم السياسية الخاصة
بهم، ونزوعهم للربط بين النظم الديمقراطية والهيمنة الغربية. ومن المؤكد أنّه لن يخلق استبدال النظام الأمني المتطرف الراهن بنظام أمني أقلّ توحّشًا، حافزًا للعودة إلى السلام، ولن يشكّل نتيجة مرضية ومقنعة لملايين السوريين الذين فقدوا أبناءهم وأزواجهم وأقاربهم وأرزاقهم ودمّر بلدهم بسبب الدفاع عن نظام ديكتاتوري دموي استثمرت فيه العديد من القوى والدول الأجنبية على حساب الشعب السوري. ثانيا، تمييز الروس الدائم داخل صفوف المعارضة بين الرشيدة والمتطرفة منها، وتبنّيهم وجهة نظر النظام في معاملة جميع المعارضين بوصفهم إرهابيين أو مؤيدين للإرهاب أو متطرفين ومتآمرين مع الغرب، وقصرهم التفاوض على الحلّ على من يقبل بتصوراتهم ويصطف إلى جانب خياراتهم والقبول بأدنى حدٍ من التغييرات السياسية. ثالثًا، تشتّت المعارضة وغيابُ القطب الجامع والمسيطر فيها يضعفان موقعها ويساعدان على تهميشها، ويهدّدان بخطر أن تتحقق التسوية على حسابها وضد مصالح الشعب السوري وضمان حقوقه الأساسية، ولحساب إرضاء المصالح الإقليمية والدولية. ولتجاوز التفرّد الروسي بعملية التسوية، وتقليل الخسائر ما أمكن، فإنّ المعارضة السوريّة في حاجة إلى إرساء قيادة وطنية تضمّ تحت جناحها جميع الفصائل المسلحة، وغير المسلحة، تتكلم باسم الشعب السوري لا جماعاته المذهبية، أو القومية، أو الدينية، وتمثّله في المشاورات والنقاشات المتعلقة بإطلاق مفاوضات التسوية. قيادة تحظى بدعم عربيّ وإقليمي، ودولي يحرم موسكو من تفرّدها، ويضغط عليها لتغيير قناعاتها الراهنة بما يدفع باتجاه تسوية عادلة تنهي فعلً أسباب النزاع، وتمنع إعادة إطلاق الحرب، وتسمح للشعب السوري بأن يعبّ عن إرادته بحرية. لقد أوضحت التطورات الميدانية بعد أكثر من شهر على انطلاق الحملة الروسية، عجز موسكو عن إحداث تغيير فارق في موازين القوى على الأرض، وهو ما قد يدخلها في حرب استنزاف طويلة، لا تستطيع تحمّل تكلفتها على المدى الطويل، لا سيما أنّ الوقائع الميدانية بيّنت قصور رهانها على الجيش السوري قوة برية في مواجهة المعارضة، لا سيما بعد فشله في التقدّم في الجبهات (ريف حماة الشمالي، وريف حلب الجنوبي، وسهل الغاب، وجبال اللاذقية)، على الرغم من الغطاء الجوي الذي أمّنته روسيا. وهو نقطة يمكن استغلالها والعمل عليها لدفع موسكو لتبنّي مقاربات أخرى مختلفة من شأنها أن تدفع عملية التسوية قدمًا. أخيرًا، وفي ظلّ الاستنزاف المتواصل لقوات النظام والمعارضة، يبدو تنظيم الدولة المستفيد الأكبر من العمليات العسكرية الروسيّة حتى الآن؛ إذ نجح خلال الشهر الماضي في توسيع مناطق نفوذه في ريف حمص الشرقي ليهدد الطريق الدولية دمشق - حمص، كما اقتطع مساحات واسعة من مناطق سيطرة المعارضة في ريف حلب الشمالي والغربي. وبناءً عليه، فإنّ إستراتيجية موسكو لن تقدّم نتائج أفضل من إستراتيجية التحالف في مواجهة داعش، والتي أثبتت المعطيات الميدانية قصورها، ودفعت الإدارة الأميركية للقيام بخطوات جديدة كانت ترفضها، كإرسال قوات برية إلى سورية، في محاولةٍ لمواجهة تمدّد التنظيم ومنْعه من توسيع مناطق سيطرته.