لماذا تحولت الثورة السورية إلى العنف؟

رضوان زيادة

الملخّص

. و تذك تستعرض هذه الدراسة محطات الثورة السورية منذ اندلاعها في 15 آذار/مارس 2011 ر هذه الدراسة بخطابات الرئيس بشار الأسد الأولى القائلة إنّ سورية لن تتعرض لثورة مثلما جرى في البلدان العربية الأخرى، لأنّ السياسة السورية، كما قال: "ترتبط ارتباط ا وثيق ا بمعتقدات الشعب. كما تذك ر الدراسة بمواجهة النظام، بعنف بالغ، للمظاهرات السلمية التي اندلعت، ما اضطر الثوار إلى حمل الس حاا. ويلقي الكاتب اللوم على المجتمع الدولي، والجامعة العربية، والأمم المتحدة لوقوفهم موقف المتفرج طوال الأشهر الأولى للثورة، بعد أن ظهر جليًا أنّ بشار الأسد يقتل شعبه، ب اارحمة. ويرى الكاتب أن قوً ى دولية مختلفةّ ظلت تنف ذ سياسات خارجية متنافرة جوهريًا حول سورية؛ إذ كانت السعودية وقطر وتركيا وإيران وروسيا والصين والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا تتنازع كل ها في مستقبل سورية. ونتيجة لتعقد الوضع في سورية بسبب التدخلات الدولية المتنافرة، يرى الكاتب أنّ عودة سورية إلى الحياة الطبيعية مستحيلة في المدى المنظور. ووفق ا لتعبير الكاتب، "أصبحت إراقة الدماء ممارسة يوميةّ في أنحاء سورية كل ها، ووصل الإعلام الغربي مرحلة الإرهاق في تغطية العنف السوري."

مقدمة

تدخل الثورة السورية، الآن، عامها السادس. وقد دفع الشعب السوري منذ 15 آذار/ مارس 2011 ثمنًا باهظًا في كفاحه من أجل التحرّر من الحكم الاستبدادي للرئيس السوري بشار الأسد. وتُقدر منظمات حقوق الإنسان الدولية بأنه قُتل، حتى الآن، أكثر من 250,000 سوري نتيجةً للصراع. كما تفيد تقارير الأمم المتحدة أنّ أكثر من أربعة ملايين سوري فرّوا من القتال وسُجلوا لاجئين، أو ينتظرون تسجيلهم، في تركيا ولبنان والعراق والأردن ومصر1، وأنّ نحو ستة ملايين ونصف سوري هُجّروا من منازلهم وبقوا داخل البلاد نازحين2. وقد بلغ التدمير في البنية التحتية والملكيات العامّة والخاصة في أنحاء البلاد مستوى مروّعًا، وسُويت بالأرض بلدات بكاملها بسبب قصف النظام المتواصل.

وعلى الرغم من القوة النارية الهائلة للدولة السورية، لا يزال قسم كبير من سورية خارج سيطرة نظام الأسد. وفي الواقع، حرّر الثوار المسلّحون أغلبية شمال البلاد وشرقها. إلا أنّ التقلّص البطيء في مناطق نفوذ النظام السوري جعل دفاعاته صلبةً في مناطق حيوية إستراتيجيًا. وبقيت سورية الغربية بما في ذلك أغلبية العاصمة دمشق تحت سيطرة محكمة ودفاعات جيّدة. وعلى الرغم من استمرار المعارك ضدّ النظام، فإنّ قوى الثورة ستواجه صعوبات جمّةً في محاولتها كسب أراضٍ إضافية. فقد وصل الصراع إلى طريق مسدودة. وربما كُتِب على سورية أن تعاني عنف الصراع سنوات عديدةً مقبلة.ً وفي ضوء الحالة الراهنة للثورة التي باتت تهيمن عليها حاليًّا أخبار الاشتباكات مع المتمرّدين وغارات النظام الجوية، يبدو إغفال بدايات الثورة السلمية سهلً. إلا أنه يُتبيّ حاليًّا، وإن كان ضمن إدراك متأخّر، أنّ الثوار في سورية استنكفوا، مدّة أشهر، عن الانخراط في أيّ نوع من أعمال العنف. واستمرّ الوضع كذلك حتى آب/ أغسطس 2011 (قتل 6,000 سوري على الأقل)، ثمّ بدأ عدد من المسلّحين بمرافقة المحتجين في التظاهرات. ولم يكن الهدف حينئذ، غير الدفاع عن التظاهرات، ولم تشارك قوى المعارضة في عمليات هجومية ضدّ جنود النظام أو ضدّ مواقعهم. وفي كانون الثاني/ يناير 2012 فقط، صار بإمكان المرء القول إنّ الثورة بدأت فعلً بالتحوّل إلى صراع مسلح. فما الذي أدَّى إلى هذا التحول من ثورة سلمية وغير عنيفة إلى صراع مسلّح مفتوح؟ يقع اللوم أوَّلً وأساسًا على النظام السوري الذي شنّ حملةً مدروسة ومتعمّدةً من القمع العنيف ضدّ المتظاهرين بهدف واضح هو القضاء على الطبيعة السلمية لنشاط المعارضة. ففي الأشهر الأولى من الثورة، اعتقلت قوات أمن الأسد القادةَ الشباب البارزين، وعذّبتهم وقتلتهم بهدف واضح هو إزاحة أنصار اللاعنف من صفوف المعارضة. إضافة إلى ما سبق، استهدف الجيش السوري النساء والأطفال بانتظام، ليحثّ الأزواج والإخوة والآباء والأبناء السوريين على القيام بردّة فعل عنيفة. ودفعت وحشيةُ النظام غير المبرّرة، عددًا كبيرًا من السوريين في نهاية المطاف إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم. إلا أنّ اللوم يقع أيضًا على المجتمع الدولي. فلقد وقفت الجامعة العربية والأمم المتحدة طوال أشهر موقفَ المتفرّج، في وقت كان فيه بشار الأسد يقتل شعبه. وفي غضون ذلك، وجد الأسد لنفسه حليفين هما إيران وروسيا. وتزامنت تأكيدات الدعم القوية من هاتين الدولتين وتردّد المجتمع الدولي، ما أقنع الأسد أنّ في إمكانه أن يفعل ما يشاء من دون عقاب. وخلال هذا الوقت، فقد الثوار أيّ أمل متعلّق بمدافعة المجتمع الدولي عن الشعب ضدّ القوات الحكومية السورية. ونتيجةً لذلك التخلي، لجأ بعض الثوار تدريجًا إلى العنف ليدافعوا عن أنفسهم وعن أقرانهم السوريين بعد وصولهم إلى قناعة أنه لن تأتيَ أيّ حكومة أخرى لمساعدتهم.

البداية

بعد أسابيع من إطاحة الدكتاتور التونسي زين العابدين بن علي، وبعد مرور أيام قليلة على اندلاع الاحتجاجات الشعبية في أنحاء مصر كلّهًا، أصرّ الرئيس السوري بشار الأسد في وسائل إعلام غربية على أن

  1. الاستجابة الإقليمية للاجئين السوريين"، بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون عن اللاجئين السوريين، في: http://data.unhcr.org/syrianrefugees/regional.php
  2. “ A full-scale displacement and humanitarian crisis with no solutions in sight,” Displacement Monitoring Center, Internal Displacement Monitoring Centre, 31/7/2012, at: http://bit.ly/1SwU2SJ

سورية لن تكون التالية. فوفقًا للأسد، كانت السياسة السورية "ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمعتقدات الشعب" وسورية نفسها خالية من "التلوث" و"الجراثيم" التي تراكمت طوال عقود من أنظمة "المياه الراكدة" في أمكنة أخرى في الشرق الأوسط3. وسورية منيعة أمام موجات التغيير التي تجتاح المنطقة في ما سيعرف لاحقًا باسم "الربيع العربي." في البداية، بدا أنّ تنبؤات الرئيس كانت صائبةً. وأخفق احتجاج "يوم الغضب" المستوحى من مصر والمقرر في مطلع شباط/ فبراير 2011، على الرغم من الترويج الكبير له على مواقع التواصل الاجتماعي4. وفي حين كانت شوارع العواصم العربية الأخرى تردّد صدى الدعوات من أجل الحرّية والإصلاح، بقيت دمشق صامتةً تمامًا. وعلى الرغم من ذلك، أخذت السلطات السورية إمكان انتشار الاحتجاجات على نطاق واسع على محمل الجدّ. فأنهت قوات الأمن بسرعة وبعدوانية أيّ تجمّع شعبي في المدن الرئيسة، مهما كان محدود التأثير. وقامت بفضّ وقفة شموع احتجاج في دمشق تأييدًا للذين قتلوا في الثورة المصرية، وذلك مباشرةً بعد ما ناشد شخص على نحوٍ غير مباشر "رياح التغيير" أن "تكنس الظلم والعار"5. وكانت أكبر تظاهرة في شهر شباط/ فبراير هي تجمّع واسع عفوي لنحو 1,500 شخص في ردّة فعل على اعتداء الشرطة على صاحب متجر في سوق الحميدية الشهير، وانتهت عندما وصل وزير الداخلية شخصيًا لمعالجة شكاوى التاجر المعني6. وجرت تظاهرات أصغر للتعبير عن دعم المصريين والليبيين، وكانت المشاركة فيها هزيلةً، وفرّقتها شرطة مكافحة الشغب بقسوة. وعمومًا، بدا أنّ الأغلبية العظمى من السوريين غير مستعدّة للاحتجاج مباشرةً ضدّ حكومتها7، وأنّ وضع نظام الأسد جيّد في مواجهة عاصفة الربيع العربي على نحوٍ مريح، سواء كان ذلك بسبب خوف شعبي من الأجهزة الأمنية أو بسبب إيمان فعليّ بعملية "التطوير والتحديث" التدريجي التي وعد بشار الأسد شعبه بها مرارًا منذ وراثته الحكم من والده عام 2000 8. وبدا في تلك المرحلة، أنه من غير المحتمل اتساع انتشار التظاهرات السلمية، فضلً عن أيّ إمكان لعصيان مسلّح ضدّ السُلطة.

الشرارة

في عُقب اعتقال 15 تلميذًا من مدراس درعا، وهي مدينة صغيرة قريبة من الحدود الأردنية، تحوّلت سورية تحوّلً جوهريًا. فقد تعرّض صبية، ألقت السلطات المحلّية القبض عليهم، للضرب والتعذيب بسبب تقليدهم الثائرين في تونس ومصر ورسمهم على جدران مدرسة محلية شعار "الشعب يريد إسقاط النظام." وعندما توسّل آباء الأطفال من أجل إطلاق سراحهم، أبلغهم أحد المسؤولين المحلّيين بالقول: "انسوا أولادكم. إذا كنتم تريدون أطفالكم حقًا، أنجبوا غيرهم. وإن كنتم لا تعرفون كيف يجري الإنجاب، فسنعلّمكم"9. وكانت تلك إهانةً رفَض شعب درعا تقبّلها. ففي 18 آذار/ مارس تجمّع آلاف من المحتجيّن عند المسجد العمري، وتوجهوا صوب قوى الأمن مطالبين بإطلاق سراح الأطفال وبمزيد من الحرّيات السياسية، وبوضع حدٍّ للفساد الحكومي. وعندما أخفقت شرطة مكافحة الشغب في إيقاف تقدّمهم باستخدام الهراوات وخراطيم المياه، فتح عناصر الأمن النار على المتظاهرين العزل، فقتلوا أربعةً منهم وجرحوا 12 شخصًا10.

  1. مقابلة مع الرئيس السوري بشار الأسد"، انظر: “ Interview With Syrian President Bashar al-Assad,” The Wall Street Journal , 31/1/2011, at: http://on.wsj.com/1nHNndt
  2. Day of Rage' for Syrians Fails to Draw Protesters,” New York Times, 4/2/2011, at: http://nyti.ms/202pWqY
  3. المرجع نفسه.
  4. تظاهرات الغضب السوري"، مقطع فيديو، 2011/2/17، في: http://bit.ly/1UCAGef
  5. Lauren Williams, “Syria clamps down on dissent with beatings and
  6. Cajsa Wikstrom, “ Syria: 'A kingdom of silence',” Aljazeera, 9/2/2011, at: http://bit.ly/1op4leB
  7. Joe Sterling, “Daraa: the Spark that Lit the Syrian Flame,” CNN , 1/3/2012, at: http://cnn.it/1SwVVip " 10 لم نر أبدًا مثل هذا الرعب من قبل: ارتكاب قوات الأمن السورية جرائم ضد الإنسانية في درعا"، هيومان رايتس ووتش، 2011/6/1، في: http://bit.ly/1PLBUj4
  8. arrests,” The Guardian, 24/2/2011, at: http://www.guardian.co.uk/world/2011/feb/24/syria-crackdown-protest- arrests-beatings.

وطالت الاحتجاجات البلدات المجاورة كجاسم، وداعل، والصنمين، وإنخل، في حين جرى إحراق المقرّ الرئيس لحزب البعث في درعا إحراقًا كاملً. واتسعت التظاهرات يوميًّا وسط حملات أمنية أقسى ممّ سبق لفرض النظام. ورغبةً في تهدئة الأوضاع، اتخذ نظام الأسد، خطوات لاسترضاء زعماء العشائر من الأُسر المترابطة ارتباطًا وثيقًا في درعا. فقد وعد وفدٌ حكومي، بقيادة ابن درعا اللواء رستم غزالة الذي كان حينئذ رئيس الاستخبارات العسكرية السورية في لبنان، بمحاكمة الذين أطلقوا النار على المحتجيّن. كما أطلق أمن الدولة سراح أبناء زعماء العشائر المعتقلين وأصدرت الحكومة مرسومًا بخفض الضرائب وزيادة رواتب العاملين في مؤسسات الدولة11. لكن ذلك لم يكن كافيًا. فالصبيان الذين أمضوا أسابيع في السجن عادوا تغطيهم الدماء والكدمات وبعضهم اقتلعت أظافره، ما أغضب مواطني درعا فتوسعت صفوف المتظاهرين. وطالت الاحتجاجات في 26 آذار/ مارس مدينة اللاذقية الساحلية. وعقب الاشتباكات مع شخصًا. وأ قوات الأمن جرى قتل 12 قيمت في دمشق تظاهرة ضخمة ضدّ المحتجيّن، بتخطيط من النظام وتأييده، مع ترديد المتظاهرين هتاف "الله، سورية، بشار وبس"، وكان التوتر في جميع أنحاء البلاد ملموسًا.

الرئيس يتحدث

توجّه الرئيس بشار الأسد في 30 آذار/ مارس في خطاب متلفز إلى الأمة من مجلس الشعب السوري. كان من المتوقع أن تكون لهجة الخطاب استرضائيةً، واعتقد كثيرون أنه لم يعُد أمام الرئيس سوى عرض جدول زمني لإجراء تغييرات كبيرة في سياسة الحكومة، بما في ذلك وضْ ع حدّ لأربعة عقود من قانون الطوارئ الذي يحظر التجمّعات الجماهيرية12. ولكن بدلً من اعتماد تهدئة متأخرة على غرار التهدئة التي أخفقت تمامًا في إسكات الثائرين في تونس ومصر، اختار الأسد التشبث بموقفه مصُرًّا في خطابه على أنّ الإصلاحات ستحدث، ولكن بخطوات متأنّية. وقد حاد الرئيس في ذلك، نظريًا على الأقل، عن تكتيكات أقرانه المستبدين العرب الذين تعهّدوا بالإصلاح، ولو بالحد الأدنى. لكنّ الأسد لم يختلف عن نظرائه في كيفية معالجة مصدر الاضطرابات. ومثل مبارك وبن علي قَبله، وصف الرئيس الانتفاضة، مرّات عديدةً في خطابه، بأنها "مؤامرة" ومكيدة خارجية لزعزعة استقرار البلاد. وأعلن أنّ المحتجيّن في البداية كانوا ذوي "نوايا حسنة" لكن "ضلَّلهم" "متآمرون أجانب" غير مهتميّن إلّ بنشر "الفوضى في البلاد تحت ذريعة الإصلاح"13. أتت ردّة فعل السوريين على تناول شكاواهم المشروعة بهذه "الصفاقة"، ضعيفةً. فالأسد لم يرفض التعهّد بجدول زمني للإصلاح فحسب، بل زاد الطين بلّةً عندما لم يعتذر ولم يتحمل مسؤولية سفك الدماء السورية. ونزل السوريون بعد صلاة الجمعة التي أعقبت الخطاب إلى الشوارع بالآلاف في البلدات والمدن في جميع أنحاء البلاد. فقد جرى كسر حاجز الخوف، وها هو الربيع العربي يصل إلى سورية. لكنّ الحكومة السورية سبق أن واجهت تمردًا شعبيًا من قبل.

لماذا "الثورة السورية"؟

في مقابلة مع الرئيس السوري بشار الأسد أجرتها معه صحيفة " وول ستريت جورنال " الأميركية، رأى أنّ سورية منيعة كليًا، وبعيدة كلّ البعد عمّ تعانيه بلدان أخرى في المنطقة مثل تونس ومصر. وأوضح أنّ "ذلك يعود إلى العلاقة الوثيقة بين الحكومة ومصالح الشعب السوري"14. وفي الواقع، تدّعي أغلبية الأنظمة العربية أنها بعيدة عن إمكان اندلاع تظاهرات كهذه بسبب اختلاف الأوضاع، أو ما يسمّى التفرّد الخاص، أو الخصوصية؛ كما زعم وزير الخارجية المصري أبو الغيط قبل اندلاع الثورة المصرية. غير أنّ هذه الأنظمة متشابهة إلى حدّ كبير، وتشترك في ما بينها أكثر ممّ تختلف. فهي على سبيل المثال تتشابه في هيكلية تفويض الصلاحيات، ولكنْ بمستويات مختلفة. وهي تتشارك أيضًا في إهانة كرامة مواطنيها من خلال التعذيب، والقتل بغير محاكمة، والتمييز خارج نطاق القانون والصلاحيات، وغير ذلك من الممارسات. وهكذا، لم تبقَ سورية بمنأ ى عن اتساع نطاق مفاعيل الثورة التي انطلقت في تونس، ثمّ تقدّمت لتصل إلى مصر، ثمّ اليمن، ونجحت في إسقاط زين العابدين، ومبارك، وصالح، ثمّ توسعت إلى أكثر الأنظمة قمعيةً في العالم العربي "ليبيا" لتتمّ إطاحة نظام القذافي. صحيح أن

  1. Hugh Macleod, “Inside Deraa,” Aljazeera , 19/4/2011, at:
  2. Martin Chulov, “Syrian President Sacks Cabinet in Effort to Quell Protests,” The Guardian , 29/3/2011, at:
  3. http://bit.ly/1IYX2ps
  4. http://bit.ly/1KlfSaK 13  Joshua Landis, “Speech to the Syrian Parliament by President Bashar al-Asad: Wednesday, March 30, 2011,” Syria Comment , 16/9/2012, at: http://bit.ly/1UCBIqt 14 “ Interview With Syrian President..”.

قوات الأمن السورية هي الأكثر قمعيةً مقارنةً بمصر وتونس واليمن، ولكنّ هذا العامل هو عامل إضافي لتفجير الاضطرابات والتظاهرات. وتُعَدّ الحالة السورية حالةً مثاليةً للثورة، إذ يتضافر فيها الإخفاق السياسي والكارثة الاقتصادية ليحولَ دون تحقيق "الخبز أو الحرّية" بحسب تعبير الصحافي البريطاني آلان جورج. وإضافةً إلى ذلك، يروي السوريون قصصًا متنوّعةً عن فساد رامي مخلوف (النسخة السورية للتونسي صخر الماطري) ورجال أعمال آخرين ممن يعتمدون، على نحوٍ رئيسٍ، على التحالف مع الأجهزة الأمنية في بناء ثروتهم، الأمر الذي يظهر فجوةً واسعةً متناميةً بين الطبقة الثرية ومجتمع يتفاقم فقره. وبذلك يُصنّف 30 في المئة من السوريين تحت خط الفقر وفقًا للإحصائيات الرسمية، ما يولّد عوامل الغضب في سورية على نحو مماثل تمامًا للحالة التونسية. امتدّ نجاح شباب مدينة درعا في كسر حاجز الخوف والخروج، ليصل إلى عشرات التظاهرات الداعية إلى الحرية كمطلب وحيدٍ إلى مدن أخرى؛ مثل بانياس ودير الزور وحمص وحماة وإدلب وضواحي دمشق وبلداتها وحلب. وقد دلّ هذا الأمر على قوَّة إرادة الشباب السوري وتصميمهم على مواصلة ثورتهم ليحقّقوا نجاحها. لم يكن بالإمكان سحق هذه الإرادة القويّة وإخماد أمل أولئك الشباب، على الرغم من تمدّد الاعتقالات التعسفية في أكثر من مدينة مع استمرار سقوط الشهداء يوميًّا في درعا وحمص وإدلب وحماة وغيرها. فقد تجاوز عدد الشهداء خمسة آلاف، من بينهم أطفال، بسبب استخدام العنف الوحشي والقوة المفرطة لتفريق المتظاهرين، واستخدام الرصاص الحيّ كما أثبتت منظمات عديدة لحقوق الإنسان ووثقت ذلك. وهكذا، تحوّل الوضع إلى حرب ضروس ضدّ الشعب الأعزل عبر احتلال المدن واستخدام المدفعية الثقيلة والطائرات والبوارج الحربية لقصف المدنيين الأبرياء. ولم يردع استخدام الذخيرة الحية إصرار المحتجيّن كما بدا ذلك جليًا في ثورات مصر وتونس واليمن وليبيا، بل بدلً من ذلك حثّت آخرين وحفّزتهم على كسر جدار الصمت والخوف، ولا سيما أنّ التضحية بالأرواح كانت في سبيل الحرّية. ومن ثمّ لم يَعُد الاعتقال أو التهديد أو غيرهما ذا أهميّة. وكثيرًا ما تتسبب ردّة فعل قوى الأمن والسلطات باتساع التظاهرات. فقد اعتادت السلطات الأمنية التعامل مع التظاهرات والمطالب بما يتفق مع السياسة الأمنية نفسها، مع الاتهامات التي تطلقها من خلال نعتها المتظاهرين بأنهم "عصابات مسلحة" وفقًا للتعبير الرسمي السوري. وتبعًا لذلك، تصاعدت حدّة الغضب بين الثائرين الشباب ضدّ سُلطة دأبت طوال عقود في عدم احترام كرامة الشباب السورية الإنسانية ونقاء روحهم، ولم تُعِر أيّ احترام لهذا الغضب العارم الذي لا يخبو. وبالرجوع إلى المراحل الأولى من الثورة وتحليل الشعارات التي استخدمت في المدن السورية المختلفة، يُتبيّ أنّ الشباب السوري يحظى بمقدرة عظيمة على إدراك طبيعة السُلطة السورية وأثرها السياسي والإعلامي. فقد أفرط النظام في استخدام لغة التخوين ضد جميع معارضيه والثائرين ضدّه، ووصفهم بالعملاء أو الجواسيس لإسرائيل أو للولايات المتحدة الأميركية أو غيرهما. وكان جواب الشباب السوري هو شعار "اللي بيقتل شعبه خاين." ومن المهمّ الإشارة، قبل كلّ شيء، إلى أنّ بدايات التظاهرات الشعبية في درعا حملت أكثر من دلالة، وأظهرت التزامًا ثابتًا لدى الثوار الشباب بتحقيق مطالبهم. فمحافظة درعا، كبقية المحافظات، كانت مهملةً، وكانت تعاني تهميشًا في كامل نظام بنيتها التحتية. وكان أطفالها يعانون ويتلقون مستوى متدنيًا من الرعاية الصحية والتعليم. ومن ثمّ، كان لدى شباب درعا كلّ المقومات الحافزة على التظاهر والثورة لتحقيق أهدافهم من دون أيّ استسلام. إضافةً إلى ما سبق، ولّد المجتمع العشائري في المدينة تضامنًا أكبر، بين المواطنين. فطوال عقود، نجح الديكتاتوريون والأنظمة، في أغلب الأحيان، في تدمير كل وسيلة من شأنها ترسيخ الوحدة بين أبناء شعب البلد الواحد، وأحلّوا محلّ ذلك زرع الشكّ والخوف المتبادل بين المواطنين. وهكّذا فجّر احتجاز أطفال من عشيرة "أبا زيد"، تضامنًا لدى عشائر درعا كلّها، وساهم في وحدة بين جميع المثقفين والشيوخ ورجال الدين والعلماء وسائر الطبقات الاجتماعية، ما أفزع النظام السوري، وجعله يدرك أنّ تعزيز القمع ووقوع الضحايا سيؤدِّيان إلى مزيد من التظاهرات، وسيشّجعان عددًا أكبر من الشباب على المشاركة. وقد تطوّرت الشعارات منذ اليوم الأول لتبيّ أنّ هذه الثورة إنّ ا هي ثورة من أجل الحرّية والكرامة. وردّد المتظاهرون: "بعد اليوم، ما في خوف" و"من حوران هلّت البشاير" (بشارة النصر)، مع إدراك رائع، في الوقت نفسه، لأنهم بدؤوا في إشعال معركة الثورة السورية كلّها.

بنية الثورة السورية

تجدر الإشارة إلى أنّ الثورة السورية انتفاضة شعبية غير منظمة تفتقر إلى القائد، ولا تعتنق أيّ أيديولوجية محدّدة، ولا تتلقى أيّ أوامر خاصة. وهي تكاد تكون أكثر مماثلةً لثورة تونس من ثورة مصر. وقد أدّت حركة الشباب دورًا حَفْزيًا في تنظيم التظاهرات، مثل حركة السادس من أبريل في مصر عندما كان لخالد سعيد دور محوري في تحديد يوم بداية التظاهرات ضدّ نظام الرئيس مبارك؛ إذ انطلقت في 25 كانون الثاني/ يناير، يوم عيد الشرطة. وعلى الرغم من ذلك، كان من المستحيل تمامًا في سورية أن تكون التظاهرات منظّمةً أو شبه منظّمة من جهة أيّ حركة؛ نظرًا إلى شدّة قبضة الأجهزة الأمنية. وحتى في حال وجود حركة فاعلة، فهي سرّية. ولذلك، فإنّ التظاهرات كانت عشوائيةً إلى حدّ كبير في أماكن مختلفة من كلّ مدينة سورية، وتقريبًا من دون أيّ إعداد مسبق. وعلى الرغم من أنّ الشعارات اختلفت من مدينة إلى أخرى، فإنّ تركيزها الأكبر كان في الحرّية والعدالة والكرامة، ومن المؤكَّد أنّ العنوان الرئيس للثورة السورية كان ردًّا على قمع قوات الأمن السورية للمواطنين وسوء معاملتهم لهم.

ومع تنامي حجم التظاهرات أسبوعيًا، وزيادة الشعارات واللافتات جرأةً، توحّدت الراية النهائية لتصبح "الشعب يريد إسقاط النظام"؛ ذلك الشعار الشعبي الذي بدأ في تونس، ورُدِّد في مصر، وأطاح اثنين من الأنظمة الأكثر قمعيةً في المنطقة العربية. وكان من الطبيعي بعد ذلك، أن يكون لكلّ مدينة قائد قادر على تنظيم حركات التظاهر وتقرير مضمون الشعارات واللافتات. وقد أدَّى هؤلاء القادة دورًا محوريًا في إدارة الاحتجاجات السلمية وتصعيدها في مرحلة لاحقة. وعلى الرغم من أنّ أنشطتهم اقتصرت على المستوى المحلّ ولم يصبحوا قادةً على مستوى الوطن، فإن طريقتهم في تنظيم التظاهرات تعكس حقيقةَ وجودِ تنسيقٍ جيّد بدأ يجني ثماره، وأنّه إذا جرى تطبيقه لاحقًا، فسيساعد على تنظيم القضايا والأحداث الوطنية مستقبل. من المؤكَّد أنّ الجامع أدَّى دورًا محوريًا في تجميع هذه التظاهرات السلمية ولا سيما في المدن الكبرى. فقد استُخدمت المساجد نقطة انطلاقٍ للتظاهرات أكثر من دورها التوجيهي. وكان قانون الطوارئ المطبق في سورية منذ أكثر من 47 سنةً لا يحظر التظاهرات والتجمّعات فقط، بل إنه دمّر التقاليد الضرورية لتدريب الشباب للخروج والتمثيل والمطالبة بحقوقهم. ويمكن العثور على الحالة نفسها في أميركا اللاتينية؛ إذ أدّت الكنيسة دورًا محوريًا في قيادة الاحتجاجات ضدّ الأنظمة العسكرية، ومن ثمّ، في نشوء وعي يُعرف بلاهوت التحرير. وفي الحقيقة، لا ينتمي قادة التظاهرات إلى أيّ أيديولوجية أو حزب سياسي تقليدي، كما أنهم تجنبوا الانتماء إلى أيّ حزب سياسي أو التواصل مع أيّ قيادات سياسية تتدخل أيديولوجياتها في الدوافع الأصلية لحركاتهم. ولذلك، يمكن تقسيم المعارضة السورية اليوم إلى ثلاثة نماذج رئيسة تؤدِّي دورًا في تصاعد الاحتجاجات الحالية في سورية، هي: المعارضة التقليدية: تضم أحزاب المعارضة التقليدية، وقد كانت أغلبيتهم منفيّةً ومحظورةً عليها عضوية الجبهة الوطنية التقدمية الحاكمة التي شُكّلت عام. ثمّ 1972 التحقت عام 1983 بما يُعرف ب "التجمع الوطني الديمقراطي" الذي ضمّ حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، وحزب الشعب الديمقراطي السوري، وحزب العمال الثوري العربي، وحزب البعث العربي الاشتراكي الديمقراطي. وكانت أغلبية أحزاب التجمع قومية ويساريةً. أمّا أفراد جماعة الإخوان المسلمون، فقد خاضوا صراعًا مسلحًا مع السلطات السورية، في ثمانينيات القرن الماضي، أدّى إلى عشرات الآلاف من القتلى واعتقال أكثر من مئة ألف شخص. وأصدرت السلطات السورية القانون 49 الذي يحكم بالإعدام على كلّ عضو في جماعة الإخوان المسلمين. ومن ثمّ جرى القضاء ي أثر سوى التعاطف على الإخوان واندثروا تمامًا، ولم يتركوا أ، لأنهم أكثر من تحمّلوا القمع والاضطهاد. صحيح أنّ بعضًا منهم كان مسؤولً عن حمل السلاح ويلُام على ذلك، إلا أنّ المسؤولية الحقيقية تقع على عاتق الحكومة، فهي التي يجب أن تحاسب عمّ حدث. وهكذا، فإنّ تأثيرهم في الأحداث الراهنة ضعيف جدًا، وبعضهم قرر تأييد الثورة في سورية.

وأضحت المعارضة السورية بعد عام 2005 قادرةً على مضاعفة الجهد والارتقاء بغية تجميع جهدها تحت مظلّة ما عرف ب "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي" الذي ضم شخصيات مستقلةً وتلقى الدعم من الإخوان المسلمين الذين قرروا الانضمام إليه. قد تكون الخبرة التي راكمها أعضاء من المعارضة السياسية، مفيدةً، إضافةً إلى أنّ المعارضات التقليدية امتلكت الخبرة الضرورية للتفاوض على المرحلة الانتقالية في المستقبل لإدارة تلك المرحلة الموقّتة، لكن – للأسف - اعتقلت الأجهزة الأمنية السورية قادة هذه المعارضة كلّهم. ولم تدرك دورهم الأساسي الإيجابي في الاحتجاجات السلمية، بل منعتهم من تطوير بديل ملائم. ومن الواضح أنّ الأجهزة الأمنية تسيطر على "اللعبة"، فهي تسيطر على النظام سيطرةً كاملةً، وتهدّد دائمًا بأنّ الفوضى هي الخيار الوحيد المطروح كحل. "القادة الميدانيون:" برزوا أثناء التظاهرات كنموذج جديد من القادة. فهم معروفون بأنهم أشخاص محترمون في بلداتهم وأحيائهم، وقد أثبتوا مسؤوليةً في قيادة التظاهرات وتنظيمها وتوجيهها. وكانوا يمتلكون القدرة على تقديم خطاب متماسك على الرغم من الأوضاع الصعبة التي يواجهونها يوميًا. ونتيجة لذلك، كان الشباب يتشجعون على الخروج والتظاهر. وكان هؤلاء القادة الميدانيون ينتمون إلى الطبقة الوسطى وينعمون بثقافة عالية. وجميعهم إمّا في المعتقل أو يتحرك في الخفاء خوفًا من الاعتقال، وهذا ما يجعل تلك المهمّة شبه مستحيلة. ومن ناحية أخرى وكما ذكرنا سابقًا، فإنّ افتقار الثورة إلى القادة الرسميين جعل من الصعب على النظام اعتقال قادتها لأنهم يتبدّلون يوميًّا باستمرار. النموذج الثالث من المعارضة: ظهر في أثناء الثورة السورية، وشمل ناشطين في حقوق الإنسان ومدوّنين ومديري مواقع إلكترونية أدّوا دورًا صغيرًا لكنّه كان عظيمً في الكشف عن انتهاكات حقوق الإنسان، وفضحها وإيصالها إلى منظمات حقوق الإنسان الدولية، ما ساعد على تحديد عدد الجرائم التي ترتكبها القوى الأمنية السورية ورفع حجم انتقاد تلك المنظمات الدولية والمجتمع الدولي. ومن ثمّ، تصاعد الضغط الدولي، وهو ما دفع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى إرسال بعثة دولية إلى سورية لتقصّ الحقائق؛ للتحقيق بشأن انتهاكات حقوق الإنسان التي جرى ارتكابها في الأشهر القليلة الماضية. وفي النهاية، لا بدّ من ذكر دور المعارضة السورية في الخارج، فهي التي سهّلت التواصل مع الجمهور السوري محليًا ونقلت أيضًا أصوات السوريين المحلّيين إلى الخارج من خلال وسائل الإعلام؛ لأنّ وسائل الإعلام الدولية محظورة في المدن السورية كلّها. فاستطاعت هذه المعارضة شرح وجهات نظرها أمام المنظمات الدولية للضغط على النظام الجائر على الرغم من اعتقال هؤلاء القادة أو منعهم من السفر.

تكتيكات مجرّبة وصحيحة

خضع المعارضون في سورية لحملة منظمة من الاعتقالات السياسية منذ اللحظة الأولى التي استولى فيها حافظ الأسد والد بشار الأسد على السُلطة عام 1970. صحيح أنّ الذين جرى استهدافهم في البداية كانوا، أساسًا، خصومًا سياسيين داخل حزب البعث الذي سيطر على البلاد من خلال انقلاب عسكري عام 1963، إلّ أنّ حملة حافظ الأسد على المعارضين سرعان ما اتسعت لتشمل جميع أطياف المعارضة السياسية. وهذا الاستيلاء، بحسب باتريك سيل، "قلب البنى الاجتماعية والسياسية في سورية رأسًا على عقب"15. فقد منح زعيم سورية الجديد جميع مناصب السُ لطة في الحكومة السورية لأقرانه العلويين، وهي طائفة إسلامية شيعية تضم 12 في المئة من الشعب السوري فقط. أمّا الإخوان المسلمون السنّة الذين كانوا قوَّة المعارضة الرئيسة في سورية، والذين سبق أن كان لهم صراع مع حزب البعث السوري منذ تبوّئه زمام السُلطة قبل عقدٍ من الزمن، فكان ردّهم متمثّلً بالاحتجاج الذي يكون أحيانًا عنيفًا. وردّ نظام الأسد بالدرجة نفسها من الحزم، مستخدمًا القوى الأمنية لشنّ حملات وحشية ضدّ أيّ نشاط للإخوان. تصاعدت الاعتقالات، على نحوٍ كبير، بعد عام 1979 حين أصبح الصراع مع جماعة الإخوان المسلمين أكثر دمويةً. ونُفذت حملة

  1. Patrick Seale, “Hafez al-Asad – Obituary,” The Guardian , 14/6/2000, at: http://bit.ly/1VBRyls

واسعة من الاعتقالات ضدّ أعضاء هذه جماعة، وأصدر القانون 49 الذي شرّع عقوبة الإعدام تجاه أيّ عضو من جماعة الإخوان لا يقدّم دليلً على انسحابه من التنظيم خلال شهر واحد. وشملت الاعتقالات أيضًا أعضاءً من النقابات المستقلة (محامين، وأطباء، ومهندسين) بعد أن أعلنوا الإضراب العامّ سنة 1981 ودعوا إلى الديمقراطية، والحرّية، وحكم القانون، واحترام حقوق الإنسان. وحُلّت هذه النقابات بالقوة وسجن الكثير من أعضائها. وجرى أيضًا اعتقال أغلبية الناشطين من التجمّع الوطني الديمقراطي، وهو تحالف لمجموعات معارضة معتدلة اتخذ مسارًا وسطيًا بين النظام والمعارضة المسلحة العنيفة16. وتلاشى نشاط المعارضة السورية، خصوصًا بعد مواجهة الأسد لجماعة الإخوان المسلمين التي نجمت عنها مذبحة حماة. ففي شباط/ فبراير 1982، أحكم الجيش حصاره لحماة، معقل الإخوان، بعد أن أماط حافظ الأسد اللثام عن أدلّة على انقلاب وشيكٍ يدعمه الإخوان المسلمون. وما تلَ ذلك لا يمكن وصفه إلا بالكابوس. فقد طوّقت قوات الأسد المدينة وقصفتها بالمدفعية طوال شهر، وسُويّت بالأرض أحياء بكاملها، وقُتل - وفق بعض التقديرات - أكثر من 15,000 مدني. وسرعان ما تبعت ذلك حملة اعتقالات عشوائية طالت نحو 100,000 ناشط ومعارض، بينهم مؤيّدون للنظام. وتقدّر منظمات حقوق الإنسان أنّ نحو 17,000 شخص لا يزالون في عداد المفقودين حتى اليوم17. وسيظل كلّ النشاط السياسي للمعارضة ضربًا من الخيال طوال الفترة الباقية من حكم حافظ الأسد. بعد وفاة حافظ الأسد عام 2000 ونقل السُلطة لابنه بشار، بدا أن آفاق الإصلاح السياسي هي الأفضل منذ عقود. وفي الحقيقة، ذكر بشار الأسد في خطابه الافتتاحي "الحاجة الماسة للنقد البناء" وضرورة احترام الرأي "الآخر"18. وما تلا ذلك أصبح يعرف باسم "ربيع دمشق" حين بدأ مثقفون سوريون بارزون، بعد تفسيرهم خطاب الرئيس بأنه موافقة ضمنية على حرّية التعبير، بالتجمع لمناقشة ضرورة إعادة تنشيط المجتمع المدني السوري والدفع في اتجاه إصلاح ديمقراطي. وبحلول أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، صدر "بيان ال 99" الذي وقّعه 99 مثقفًا بارزًا، حثّوا فيه حكومة الأسد على وضع حد قاا سراح السجناء السياسيين لقانون الطوارئ في سورية وإط، وحماية الحرّيات النقابية والصحافية، والتعبير عن الرأي19. وبدا أنّ السلطات استجابت عندما أطلقت سراح 600 سجين سياسي (لم يُعترف بوجودهم من قبلُ.) وعقد الناشطون المتقاربون في طريقة التفكير عددًا كبيرًا من المنتديات لمناقشة إصلاحات أخرى والتخطيط لتحسين الحكم والاقتصاد والمجتمع في سورية. ولكنّ هذه الفترة من الحرّيات لم تدُم طويلً. وتبيّ بعد فوات الأوان أنّ بشار الأسد استخدم الأشهر الستة الأولى من حكمه لتعزيز سلطته، وأنّ الدعم الخارجي سيساهم في إحكام قبضته في الداخل. ومع إحكام الزعيم الشاب قبضته على الحكومة، أصبحت دعوات الناشطين السوريين إلى الإصلاح عائقًا. وهكذا، جرى اعتقال أغلبية الرموز البارزة للمعارضين في سورية بحلول نهاية عام 2001 20. وفي عام 2005، بدا مرةً أخرى أنّ بشار الأسد بات جاهزًا لفتح مجال لحوار وطني بشأن الإصلاح السياسي. ففي مؤتمر حزب البعث في حزيران/ يونيو، أشار الرئيس إلى أنّ النظام بصدد إعادة النظر في قانون الطوارئ المطبّق منذ عام 1963، وإصدار قانون أحزاب جديد، والانتقال من الاقتصاد الاشتراكي إلى اقتصاد "السوق الاجتماعية." وألهم الالتزام الخطابي بالإصلاح الحكومي المعارضة السورية المنقسمة إصدار بيان وحدة. وتضمّن البيان الذي عُرِف ب "إعلان دمشق" نقدًا صريحًا للنظام، فطالب برفع حالة الطوارئ، وبانتخابات حرَّة وحرّيات مدنية وسياسية، وبحلّ المشكلة الكردية. لكن كما حدث سابقًا، حظر النظام إشاعة الحرّيات السياسية وضايق قادة المعارضة وسجنهم21.

مكرهون على الدفاع

في ضوء تاريخ عائلة الأسد المعروفة بلجوئها إلى حملات الاعتقال المنتظمة واستعمالها العنف ضدّ المعارضين، لم تأتِ ردّة فعل الحكومة الربيع السوري مفاجئةً. ففي نهاية نيسان/ أبريل على  2011 (أي بعد شهر واحد فقط من انطلاق الاحتجاجات في سورية)، نفد صبر بشار الأسد تجاه التظاهرات. صحيح أنه عالج الاحتجاجات

  1. Radwan Ziadeh, Power and Policy in Syria: Intelligence Services, Foreign Relations and Democracy in the Modern Middle East (London and new York: I.B.Tauris Academic Studies, 2011), p. 28.
  2. Ibid. , p. 29.
  3. President Bashar al-Assad: inaugural address,” al-bab , 18/6/2009, at: http://bit.ly/1nzjHOW
  4. Ziadeh, p. 63.
  5. Gary C. Gambill, “The Myth of Syria's Old Guard,” Middle East Intelligence Bulletin, vol. 6, no. 2 / 3 (Feb/Mar 2004), p. 9 - 13.
  6. Radwan Ziadeh, “A Multifaceted Response to Syria's Brutality,” Project on Middle East Democracy , Policy Brief, 5/5/2011, at: http://pomed.org/pomed-publications/a-multifaceted-response-to-syrias- brutality/

في البداية بمزيج من القمع العنيف ووعود الإصلاح (إلغاء قانون الطوارئ، ومنح المواطنة للأكراد الذين عُدُّوا سابقًا "أجانب"، وخفْض الضرائب)، غير أنّ الأصوات المتشدّدة ضمن النظام هي التي فازت عندما ردّ المحتجّون بمزيد من التصعيد والتعبئة. ومثلما فعل والده تمامًا في حماة، نشر الأسد القوات المسلحة السورية وأعطى الأمر بإطلاق النار قصد القتل، أوَّلً في درعا22، مهْد الثورة، وسرعان ما شمل ذلك بقيّة أنحاء البلاد. ولكن مع ارتفاع وتيرة العنف الوحشي ضدّ من يسمّيهم النظام "المسلحين الإرهابيين"، كان عدد المتظاهرين السلميين يتنامى، ويتسّع معه حجم الاحتجاجات المناهضة للحكومة، إذ تظاهر مئات الآلاف في دمشق وحلب وحماة23. منذ اليوم الأول، أصرّ نظام الأسد على أنه يخوض معركةً ضدّ جماعات مسلحة. وفي الواقع، حاول جهاز استخباراته أن يكون للمحتجين سلاح بهدف إسباغ صدقية لادعاءاته المضلّلة. إلا أنّ محاولات التوريط تلك سرعان ما أخفقت، إذ لا تزال ذكرى حماة في ثمانينيات القرن الماضي حاضرةً بما يكفي لتذكير ناشطي المعارضة بتجنب اللعب مباشرةً في ملعب الأسد. وجرى تفادي الأسلحة بأيّ ثمن، ومن المؤكَّد أنه لم يجر حملها في ساحات الاحتجاج. لكن حملات القمع تواصلت. فحاصرت الدبابات السورية المدن التي شهدت الاضطرابات؛ وهي درعا وبانياس وحمص وتلكلخ واللاذقية والرستن وتلبيسة وحماة. ونشرت قوات الأمن قناصةً على أبنية قريبة من التظاهرات واستخدمت ميليشيات الشبيحة العلوية ذات السمعة السيئة لترهيب المحتجيّن وتعذيبهم وقتلهم. وعلى الرغم من تورط القوات المسلحة في القتل، فقد بقي السوريون يحاولون دعوتها إلى الوقوف إلى جانب الشعب. وأمل كثير منهم أن يتبع الجيش في النهاية المسار الذي سلكته القوات المسلحة في تونس ومصر ويرفض إطلاق النار على المحتجيّن. وقدّم ناشطون أبطال مثل غياث مطر الذي يعرفه الناشطون ب "غاندي الصغير"، الماءَ والأزهار للجنود عند الحواجز في محاولة منه لإثبات أنّ المتظاهرين لا يكنّون العداوة للجيش السوري. لكن للأسف، بقيت الأغلبية العظمى من الجيش مخلصةً للأسد، ولا سيما في صفوف النُخبة العليا. أمّا أولئك الذين سعوا للتخلي عن هذا الولاء، فقد استهدفهم النظام فعليًّا. واعتقلت الاستخبارات الجوية لاحقًا غياث مطر وعُذّب حتى الموت بسبب نشاطه. وتعرّض آخرون لقمع النظام، مثل أنس الشغري ويحيى شربجي وهما من الناشطين السلمييّن الشباب، وكان كلاهما في الأيام الأولى للثورة قائدًا بارزًا للتظاهرات؛ الأول في بانياس والثاني في داريا. وبحلول نهاية أيار/ مايو 2011، اعتقلهما جهاز استخبارات النظام، ولم يطلق سراحهما حتى الآن. وإضافةً إلى اعتقال المتظاهرين، كانت قوات الأمن يوميًا تطلق النار على جنائز المتظاهرين وسيارات الإسعاف التي تقدّم الرعاية الطبية للمصابين. ولم تؤدِّ تلك الأعمال الشنيعة التي تنتهك جميع المعايير الدولية إلا إلى تعزيز عزيمة المتظاهرين. ولم يكن جميع الجنود السوريين سعداء بقتل المدنيين العزّل بدمٍ باردٍ. فعلى الرغم من أوامر الحكومة بإعدام أيّ جندي يرفض إطلاق النار على المتظاهرين، انتشرت الأخبار عن انشقاق الجنود من الجيش24. وفي 29 تموز/ يوليو 2011، أعلن العقيد في القوى الجوية رياض الأسعد انشقاقه برفقة ضباط آخرين وتشكيل الجيش السوري الحر25 في شريط فيديو نشُر على موقع يوتيوب. ودعا الأسعد أفراد القوات الحكومية إلى "ترك وحداتهم العسكرية" والانضمام إليه لتشكيل "جيش وطني قادر على حماية الثورة وجميع قطاعات الشعب السوري بجميع طوائفه." صحيح أنّ كيانًا مسلحًا رسميًّا للمعارضة قد شُكّل للدفاع عن المتظاهرين، إلا أنّ الصراع المسلح على سورية لم يبدأ فعليًّا. فتردُّد المجتمع الدولي وازدواجيته هما اللذان أقنعا الثوار السوريين بأنه لم يبقَ لديهم سوى خيار حمل السلاح.

والعالم يتفرج

أتت ردّة الفعل الدولية على الأزمة السورية المتنامية متأخّرةً ومخيّبة للآمال في أحسن الأحوال. صحيح أنّ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى دانت العنف بسرعة نسبية، وطالبت بفرض العقوبات، وبحظر السفر إلى سورية، وبتجميد الأصول في حقّ الأشخاص الأكثر شهرةً بسوء السمعة في نظام الأسد، إلّ أنّ المجتمع الدولي كان في آخر لدعم الثوار في سورية. وفي الأمم المتحدة إمكانه تقديم شيء، أخفق مجلس الأمن مرارًا في استصدار قرارات تنتقد العنف السوري على الرغم من النقاشات المتتالية. أمّا الجامعة العربية، فلم تصدر

  1. Cal Perry, “No Humanity Left in Syria,” AlJazeera, 24/4/2011, at: http://blogs.aljazeera.com/blog/middle-east/no-humanity-left-syria
  2. “' Hundreds of Thousands' Join anti-Asad Protests,” BBC , 1/7/2011, at: http://www.bbc.co.uk/news/world-middle-east-13988701
  3. “ Defected Security Agent Speaks Out,” AlJazeera , 8/6/2011, at: http://bit.ly/1P96jZ5
  4. “ Syrian Army Colonel Defects Forms Free Syrian Army,” Asharq al- Awsat, 1/8/2011, at: http://bit.ly/202rXU2

بيانًا ينتقد نظام الأسد قبل آب/ أغسطس 2011، ولكنها عادت وفرضت لاحقًا في تشرين الثاني/ نوفمبر عقوبات على سورية وعلّقت عضويتها في الجامعة. ولكن لم يؤدّ أيّ إجراء من الإجراءين إلى وقف هجمات النظام ضدّ المحتجيّن السلميين. وبعد إخفاق متكرر لخطط "سلام" أدّت فيها الجامعة العربية دور الوسيط في تشرين الثاني/ نوفمبر وكانون الأول/ ديسمبر، قرّرت الجامعة أن تطلب من الأمم المتحدة تشكيل قوة حفظ سلام مشتركة لإيقاف العنف26.

ولكن حتى قبل بدء الحديث عن بعثات المراقبة الدولية، كان من الواضح أنّ قوى دوليةً مختلفةً تنفّذ سياسات خارجيةً متنافرة جوهريًا في سورية؛ إذ كانت السعودية وقطر وتركيا وإيران وروسيا والصين والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا تتنازع كلّها في مستقبل سورية. شعرت روسيا بالظلم نتيجة التدخل العسكري بقيادة الحلف الأطلسي في ليبيا، وباتت ترفض التعاون مع أيّ مبادرات غربية أخرى في الشرق الأوسط. فبعد عقود من حروب غربية وربيع عربي وجدت روسيا نفسها تفتقر إلى الحلفاء في المنطقة، ومن ثمّ فإنّها لن تسمح بسقوط سورية، موطن قاعدتها البحرية الوحيدة في الشرق الأوسط. وتُبيّ صفقات السلاح المربحة (كانت تعمل روسيا على إصلاح طائرات الهليكوبتر الهجومية السورية وتحديثها حتى عندما كانت تستعملها القوات الجوية السورية لقصف المدنيين)، إضافةً إلى موقع سورية بالنظر إلى أنّها المعقل الأخير لنفوذها في شرق أوسط متغيّ بسرعة، أنّ تصلّب روسيا في الأمم المتحدة كان ضروريًا بالنسبة إلى القادة الروس. فمع انشغالها بالوضع المضطرب في الشيشان، دعمت روسيا حكومة بشار الأسد غير آبهة بالثمن. وعلى الرغم من أنّ المدى الكامل لتدخلها لا يزال مجهولً، فإنّ التقارير تشير إلى أنّ الحكومة الروسية تواصل تزويد نظام الأسد بالمال والعتاد العسكري، فضلً عن الدعم الدبلوماسي27. في حين ساهمت الصين بغطاء دبلوماسي لسورية، والأسباب لا تزال مجهولةً. فربما أخاف الربيع العربي الصين، مثلما أخاف فعليًّا كل دولة لديها عدد كبير من السكان الفقراء والمحرومين. لكنّ ممارسة الصين لحقّ النقض ضدّ قرارات مجلس الأمن (والامتناع عن التصويت في حالة ليبيا) يعزى في المقام الأول إلى أيديولوجية عدم التدخل المتبعة منذ وقت طويل. وقد رأى قادة الصين باستمرار أنّ الصراع السوري شأن داخلي تعالجه الحكومة التي تنعم بالسيادة، وأنّ دعم أيّ شكل من التدخل من شأنه أن يشكّل انتهاكًا لميثاق الأمم المتحدة (عدم منح الدول - ولا الهيئات الدولية - حقّ استخدام القوة في حلّ النزاعات الدولية)، بل إنّ ذلك يرسّخ أيضًا قاعدةً خطرةً تتيح للولايات المتحدة أو لدول أخرى استخدام الهيئات الدولية لتحقيق أجندات جيوسياسية28. ومن دون أدنى شكّ، ستدفع الصين لاحقًا ثمن تجاهلها للربيع العربي. بيد أنّ صانعي السياسة الخارجية الصينية، يرون أنه جرى تعويض التكلفة سلفًا من خلال تنامٍ ملحوظ في النفوذ في مجلس الأمن وتعزيز العلاقة الصينية - الروسية. أمّا بالنسبة إلى القوى الغربية، فقد بدت الثورة السورية مصدر إزعاج دولي أكثر من كونها أولويةً في السياسة الخارجية. وعلى الرغم من أنّ الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وعدّة دول أخرى واصلت التزامها بإرسال مساعدات إنسانية لدعم أكثر من مليوني لاجئ سوري مسجل يعيشون في مخيمات في الأردن والعراق وتركيا ولبنان، فإن الدول الغربية لم تلتزم بنهج ثابت وحاسم لإنهاء الصراع29. فقد أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما منذ آب/ أغسطس 2011 أنه "آن الأوان أن يتنحّى الرئيس الأسد جانبًا." وحتى الآن، وبعد مرور أكثر من سنتين ونصف، لا يزال النظام متماسكًا بوجهٍ عامٍّ، وإن كان قد تعرّض لضربات متلاحقة، ولا تستطيع الدول الغربية أن تدّعي مسؤوليتها عن أيّ تفكُّك تدريجي أصاب الدولة السورية30. غير أنّ الصقور

  1. 30  Scott Wilson & Joby Warrick, “Syria's Assad Must Go, Obama Says,” The Washington Post , 18/8/2011, at: http://wapo.st/1nbkbsA
  2. “ Flight Records Say Russia Sent Syria Tons of Cash,” ProPublica , 26/11/2012, at: http://www.propublica.org/article/flight-records-list-russia-sending-tons-of- cash-to-syria
  3. Michael D. Swaine, “Chinese Views of the Syrian Conflict,” China Leadership Monitor , no. 39, p. 9.
  4. Rick Gladstone & Neil MacFarquhar, “In One Day, 11,000 Flee Syria as War and Hardship Worsen,” The New York Times , 9/11/2012, at: http://nyti.ms/202saqh
  5. 26 " European Union backs joint Arab-U.N. Peacekeeping Mission in Syria,” Al-Arabiya, 13/2/2012, at: http://bit.ly/1Q6Ir8j

الجمهوريين في الولايات المتحدة، استلهموا طوال استعار الصراع، نجاح تجربة التدخل العسكري في ليبيا بقيادة الحلف الأطلسي، فدعوا إلى فرض منطقة حظْر جوّي فوق سورية أو فوق جزء منها لحماية المدنيين من القصف العشوائي وحثّ المتمرّدين على التقدم. في حين بقيت إدارة أوباما تعارض بعناد أيّ إجراء من هذا النوع. فسورية، بالنسبة إلى المسؤولين الأميركيين، بأقلياتها العرقية ومراكزها السكانية الكثيفة وريفها المحافظ، لا تزال تُعدّ في السياسة الخارجية كارثةً وشيكةً قد تنفجر في أيّ لحظة، ولا سيما في ضوء التجربة المروّعة للولايات المتحدة في كلّ من العراق وأفغانستان. وشمل التدخل الرسمي الغربي حتى الآن، إضافةً إلى المساعدات الإنسانية، تدريب الناشطين الرقميين على استخدام معدات اتصالات آمنة (وتوافرها) وتأمين بعض المساعدات غير الفتاكة للمعارضة المسلحة (كوجبات الطعام الجاهزة والسترات الواقية.) وفي عُقب هجمات الأسلحة الكيماوية في الغوطة الشرقية في آب/ أغسطس 2013، وأكثر من أيّ لحظة مضت، لاح في الأفق أن الولايات المتحدة باتت على وشك التدخل عسكريًّا في سورية. وعلى الرغم من ذلك، كان الأميركيون على استعداد لاغتنام أيّ فرصة لتفادي مثل هذا الاستثمار، ووافقوا في نهاية المطاف على اتفاق بوساطة روسية قضي تسليم سورية لأسلحتها الكيماوية31.

منذ بداية الربيع العربي، سعت تركيا والسعودية وقطر لتقرير الدور الذي سيؤدِّيه كلّ منها في الانتفاضات المتعدّدة عام.2011 ولكن في سورية، التزمت تركيا والسعودية وقطر جميعها بدعم قوى الثورة. فطوال الصراع، شكّلت تركيا التي تتشارك مع سورية بحدود طولها 560 ميلً، إضافةً إلى دول الخليج، قاعدة تنطلق منها عمليات المعارضة السورية، إلى جانب العبء الإنساني الذي تحمّلته هذه البلدان في ما يتعلّق بسلامة اللاجئين السوريين ومساعدتهم. لكنّ النظام في دمشق لا يفتقر إلى الحلفاء الإقليميين. فإيران صديقة لسورية منذ عقود، إلى جانب ميليشيا حزب الله اللبناني. وقد أيّد كلاهما الأسد فعليًّا في هجماته ضدّ المعارضة. وزودته إيران بأطنان من المعدات العسكرية (عبر المجال الجوي العراقي)، وبمئات من نخبة الحرس الثوري "مستشارين عسكريين"32، ومساعدة تكنولوجية شاملة للحكومة السورية في جهدها لتعقب ناشطي المعارضة على الإنترنت33. وبالمثل، أرسل حزب الله آلافًا من المقاتلين مباشرةً إلى سورية لمساعدة النظام34.

المعركة من أجل سورية

في البداية اقتصر دور الجيش السوري الحر على الدفاع عن الثورة السورية. فدأبت مجموعات صغيرة من المقاتلين المحلّيين، تتّخذ أسلحةًاقتنها من السوق السوداء أو عبر الانشقاق عن الجيش في الحضور إلى جانب المتظاهرين المدنيين لحمايتهم. ودائمًا، كان هؤلاء المدافعون المسلحون عن الاحتجاجات أقليةً في التجمعات، في حين كانت جميع العمليات الهجومية بمنزلة هجمات محدودة على حواجز التفتيش أو مكاتب الأمن المحلّية. وجرى التعامل مع حالات التمرّد في البلدات البعيدة والمعزولة مثل جسر الشغور في محافظة إدلب، كما جرى التعامل تمامًا مع التظاهرات السلمية، أيْ بحملات قمع وحشية نفّذتها قوات الأمن. كانت قوات الجيش السوري متفوقةً على الدوام على المجموعات المتمرّدة من ناحية التدريب، ونوعية الأسلحة، والعدد أيضًا. ويمكن للمرء وصف الصراع المسلّح بين الطرفين، طوال عام تقريبًا بعد إعلان تشكيل الجيش الحر، بأنه نوع من حرب العصابات من دون أيّ تقدّم يُذكر لأحد الطرفين؛ إذ تشنّ ميليشيات صغيرة محلّية هجمات خاطفة على مواقع النظام في بلدات وضواحي ريفية، وتسيطر موقّتا على الأرض قبل أن تُجبر على الفرار أمام المدرعات والتعزيزات العسكرية السورية. كان هذا النوع من القتال هو السائد في كانون الثاني/ يناير

  1. Andrea Mitchell & Erin Mcclam, “World powers reach deal on removal of Syrian chemical weapons,” NBC NEWS , 26/9/2013, at: http://nbcnews.to/1WX31gI
  2. Con Coughlin, “Iran sends elite troops to aid Bashar al-Assad regime in Syria,” The Telegraph, 6/9/2012, at: http://bit.ly/1nHRzKn
  3. Ellen Nakashima, “Iran aids Syria in tracking opposition via electronic surveillance, U.S. Officials say,” The Washington Post, 9/10/2012, at: http://wapo.st/23DznBF
  4. Josh Wood, “Hezbollah Offering Direct Help to Syrian Army, Rebels Say,” The New York Times, 18/10/2012, at: http://nyti.ms/20BxwLh

2012 في الزبداني، وهي بلدة تبعد 30 كيلومترًا عن دمشق. وقد تمكّن الثوار هناك من تدمير عدد من الدبابات، بل إنهم استطاعوا السيطرة على البلدة عدّة أسابيع قبل أن تطردهم القوات السورية. وقد عزّز هذا الهجوم للثوار على الزبداني، إضافةً إلى هجمات أخرى مماثلة، فكرة مفادها أنّ الثورة السورية صراع مسلح. وفي وقت كانت فيه ألوية الجيش السوري الحر تنمو في الحجم والقدرات، بدأت قوات أمن الأسد في تغيير تكتيكاتها. فبدلً من التعرض لمخاطر الوقوع في كمائن حرب عصابات في المدن، استخدم الجيش السوري المدفعية ليحاصر المناطق التي تشهد اضطرابات ويقصفها. ففي حمص، أطبقت المدفعية السورية حصارًا على حيّ "بابا عمرو" مدّة أسابيع، مسبّبةً أزمةً إنسانيةً يُعدّ القتلى والجرحى فيها بالآلاف، قبل أن يتيح الهجوم الأرضي النهائي للجنود السوريين استعادة السيطرة على المنطقة في بداية آذار/ مارس35. واستمرّ الصراع المسلح، وأدَّى التحول في تكتيكات النظام إلى مزيد من الإصابات في صفوف المدنيين، وعلى الأخص في مذبحة الحولة في أيار/ مايو 2012. وبدأت أصوات من داخل سورية وخارجها تطالب علنًا بالتدخل، أو على الأقل بتسليح أكثر شمولً للمعارضة بغية إنهاء الصراع بسرعة. لكنّ آخرين حذّروا من أنّ الأسلحة إنْ جرى إرسالها إلى منطقة الحرب، قد تصل خطأ إلى أيادٍ أخرى؛ كالجماعات الإسلامية المتطرفة، ما يسبب ضررًا أكبر من أيّ فائدة من النهاية. ولكن في جميع الأحوال، بات واضحًا عند هذا الحدّ أنّ الثورة السورية، على خلاف ثورتي تونس ومصر، ستُحسم بقوَّة السلاح والقتال. واندفع آلاف المدنيين والجنود المنشقين، في محاولة لمنع مزيد من المذابح، من قبيل تلك التي جرى ارتكابها في الحولة وحمص، لتشكيل ميليشيات مسلحة متنوعة والانضمام إليها. ورأى هؤلاء أنّ المجتمع الدولي عاجز عن منْع حدوث مثل هذه المذابح، وأنه لا بدّ لهم من تولّ مسؤولية سرهم بأنفسهم الدفاع عن أ.

لا حل في الأفق

بعد مرور خمس سنوات على الانتفاضة السورية، بات من السهل أن ننسى النشيد "سلمية.. سلمية" الذي تردّد صداه في شوارع سورية عدّة أشهر عام 2011 قبل أن تُخلى الساحة لصوت الانفجارات وإطلاق الرصاص. ولم تتحول الثورة فعليًّا إلى صراع مسلح إلا في كانون الثاني/ يناير 2012. ومن المتوقع أيضًا نسيان التظاهرات السلمية الضخمة التي لم يحمل فيها المحتجّون إلا اللافتات وأغصان الزيتون. وفي إدراك متأخّر، ربما كان من المنطقي الادعاء أنّ الصراع المسلح كان حتميًا في سورية. ويرى بعض الناشطين أنّ الصورة الحالية للصراع في عام 2015 فرضتها إستراتيجية الحكومة السورية منذ البداية. فلقد عاد بشار الأسد إلى تعاليم والده واعتمد التكتيكات نفسها التي استخدمها أبوه قبل عام 2000؛ أي سحْق الاحتجاجات بوحشية مفرطة، ووضع حدّ للأصوات السلمية في المعارضة، وفرض وضع يفوز فيه المدافعون عن المواجهة المسلحة. علاوةً على ذلك، لا بدّ من توجيه اللوم إلى الجميع، نظرًا إلى قصور المجتمع الدولي عن تقديم مشروع موحّد لحماية المدنيين السوريين وقد تزامن ذلك مع خراب هائل أصاب المدن السورية ومقتل ربع مليون شخص حتى الآن، ومعاناة مفتوحة لنصف السكان بين لاجئين ونازحين، وإن كان لا بدّ من توجيه هذا اللوم بصورة خاصة، إلى المجتمع الدولي بسبب عدم تدخله لحماية المدنيين على الأقل. فقد أصبحت إراقة الدماء ممارسةً يوميةً في أنحاء سورية كلّها، ووصل الإعلام الغربي إلى مرحلة الإرهاق في تغطية العنف السوري. وتظلّ عودة سورية إلى الحياة الطبيعية مستحيلةً في المدى المنظور. وهكذا، تمّت رؤية جيل حماة عام 1982 وهو يشْهد محنةً مشابهةً في صفوف أبنائه وبناته عام 2015 وما بعده. قد يظن محتجون شباب عاطفيون أنهم بلغوا درجةً من القوّة تكفي لتحمّل عناء مأساوية حرب أهلية ظالمة. وقد يواصلون تعلّقهم بحلمهم، بسورية ديمقراطية في المستقبل مثل الحالمين العرب الآخرين بفجر جديد. لكنّ المسألة ليست بهذه البساطة. وما يحمل على الرعب هو استمرار الصراع، والنظر في الحدّ الذي يستطيع المرء فيه قبول الخسائر المستمرة في الأرواح وتبريرها.