الثورة والصراع على سورية:

مروان قبلان

الملخّص

تنطلق الدراسة من فرضية مؤداها أن التدخلات الخارجية في الأزمة السورية والتي حولت الثورة إلى صراع إقليمي، ثم دولي، لم تأت نتيجة عوامل برزت خلال الثورة، بل كانت في تاا التي بدأت مع الغزو الأميركي للعراق حقيقتها امتدادًا لسلسلة طويلة من التفاع، والذي غيّر بصفة درامية موازين القوى والتحالفات الإقليمية، فانتهى دور المثلث العربي (سورية - مصر - السعودية)، وصعدت الأدوار الإقليمية لأطراف غير عربية، ما وضع سورية بين قطبين إقليميين كبيرين، هما تركيا وإيران، التي غدت تشترك أول مرة مع سورية في حدود برية من خلال سيطرتها على العراق، بعد الانسحاب الأميركي عام 2011. وكان النظام قد عزز علاقاته بتركيا وإيران لتوفير غطاء حماية لنفسه من الضغوط الخارجية، وتعويض ا عن خسارته العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003. لكنّ النظام ونتيجة سوء إدارة أزمته الداخلية، سقط "ضحية" لعبة التوازنات التي اصطنعها بنفسه. فما أن اندلعت الثورة السورية وتحولت إلى العمل المسلح، لمواجهة العنف المفرط الذي استخدمه النظام، حتى تحول التنافس الإيراني - التركي على سورية إلى صراع دموي عليها، وفي محاولة للحد من الأدوار التركية والإيرانية معً ا، اندفع النظام في اتجاه استدعاء مزيد من التدخل لًا بروسيا هذه المرة الخارجي متمث.

تداعيات الفشل في إدارة لعبة التوازنات الإقليمية

مقدمة

بعد خمس سنوات على انطلاق الثورة السورية في آذار / مارس 2011، والتي جاءت في سياق ما أصبح يعرف إعلاميًا باسم ثورات "الربيع العربي"، يبدو المشهد مختلفًا تمامًا اليوم. فالثورة التي انطلقت باحتجاجات سلمية، على غرار ثورتي تونس ومصر، وبمطالب إصلاحية اقتصادية واجتماعية وسياسية مشابهة، لم تلبث أن تحولت إلى صراع مسلح بامتدادات إقليمية ودولية، بعد أن طغت الأبعاد الخارجية للصراع على دينامياته الداخلية. ومن بين كل الدول العربية التي قامت فيها ثورات مطلع العام 2011، بدت سورية البلد الأقل احتمالً للثوران، في رأي الكثيرين1، على الرغم من توافر كل أسباب الثورة فيها - مثلها مثل غيرها من دول الربيع العربي - مثل استشراء الفساد، وعدم التوازن في التنمية، وغياب تكافؤ الفرص، وارتفاع معدلات البطالة، وسيطرة الأجهزة الأمنية على مناحي الحياة، وضعف الخدمات، وتنامي عدد السكان في مقابل محدودية الموارد، وغياب الحريات والشفافية، وعدم وجود نظام حكم تمثيلي حقيقي، واحتكار القلة السلطة والثروة. إلّ أن سورية بدت مختلفة في جانبين مهمين: الأول داخلي مرتبط ببنية النظام الأمنية والعسكرية، إذ يدين الجيش بالولاء للنظام لأسباب مرتبطة إمّا بتركيبته2، وإمّا بسبب نظام الزبائنية والريع المسيطر عليه3، ما جعل من الصعوبة بمكان توقع حصول ثورة شبيهة بثورة تونس أو مصر4. والثاني هو موقع سورية الجيوسياسي وعلاقاتها الإقليمية والدولية المعقدة، والتي لم تكن في رأي الكثيرين تسمح أو تشجع على حصول ثورة، وإذا حصلت فلن تتوافر لها فرص النجاح5. هذا العامل هو ما تعنى هذه الورقة بمحاولة دراسته وفهمه، للإجابة عن سؤال كيف تحولت الثورة التي بدأت باحتجاجات مدنية ضد نظام استبدادي يحتكر السلطة والثروة ويصادر الدولة متخذًا منها أداة للحكم والهيمنة، ومن خلالها يقوم بإعادة توزيع الريع في إطار نظام زبائني، إلى حرب وكالة إقليمية ودولية، ذهب ضحيتها حتى الآن، بحسب إحصاءات عديدة، أكثر من ربع مليون قتيل، وأكثر من مليون مصاب، كما جرى تشريد نحو نصف السكان6.

وتنطلق الدراسة من فرضية مؤداها أنّ التنافس التركي - الإيراني الذي مثّل المحدد الأساس للصراع الذي دار في سورية قبل التدخل العسكري الروسي، بدأ قبل اندلاع الثورة، وقد أذكاه النظام السوري لتعظيم مكاسبه، بعد أن كان عزز علاقاته بتركيا وإيران لتوفير غطاء حماية لنفسه من الضغوط الخارجية، وتعويضًا عن خسارته العراق بعد الغزو الأميركي. لكنّ النظام ونتيجة سوء إدارة أزمته الداخلية، سقط "ضحية" لعبة التوازنات التي اصطنعها بنفسه. فما أن اندلعت الثورة السورية وتحولت إلى العمل المسلح، لمواجهة العنف المفرط الذي استخدمه النظام، حتى تحول التنافس الإيراني - التركي على سورية إلى صراع دموي على أرضها، فقد حاولت كل من أنقرة وطهران الظفر بسورية عبر دعم أحد أطراف الصراع، وتمويله، وتسليحه (حرب وكالة.) وفي محاولة النظام الحد من الأدوار التركية والإيرانية معًا، اندفع في اتجاه استدعاء مزيد من التدخل الخارجي متمثّلً بروسيا هذه المرة. والنتيجة أنّ النظام الذي بدا في مرحلة ما وكأنه صانع سياسات وعراب التحالفات الإقليمية الكبرى، قد تحول إلى ساحة صراع بين القوى عينها التي حاول اللعب على تناقضاتها، بعد أن فقد السيطرة على لعبة التوازنات الإقليمية التي أدارها بعناية فائقة، مستندًا إلى وضع داخلي قوي ومستقر، ظاهريًا على الأقل.

  1. Michael Bröning, “The Sturdy House That Assad Built: Why Damascus Is Not Cairo,” Foreign Affairs , 7/3/2011, at: https://www.foreignaffairs.com/ articles/syria/2011-03-07/sturdy-house-assad-built
  2. بحسب مصادر عديدة، يمثّل الضباط العلويون الغالبية في الجيش السوري، وهو ما يفسر جزئيًا عدم حصول انشقاقات جماعية داخل الجيش على الرغم من مرور خمس سنوات على الثورة.
  3. Kheder Khaddour, “Assad's Officer Ghetto: Why the Syrian Army Remains Loyal”, Carnegie Middle East Center, November 4, 2015, at:http:// carnegie-mec.org/2015/09/30/assad-s-officer-ghetto-why-syrian-army- remains-loyal/iigr
  4. Bröning.
  5. انظر: مروان قبلان، "موقع السياسة والعلاقات الدولية في الصراع على سوريا: تضارب المصالح وتقاطعها في الأزمة السورية"، في: خلفيات الثورة: دراسات سورية، مجموعة مؤلفين (الدوحة - بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص 461 - .500
  6. “' Almost quarter of a million people' dead in Syria war”, Aljazeera , 7/8/2015, at: http://www.aljazeera.com/news/2015/08/quarter- million-people-dead-syria-war-150807093941704.html

شبكة علاقات النظام الخارجية عشية الثورة

في السنة الأخيرة التي سبقت قيام الثورة، كان النظام السوري يتمتع بشبكة علاقات إقليمية ودولية واسعة، وكانت دمشق العاصمة الإقليمية الوحيدة التي كان بإمكانها أن تستقبل الأضداد في المنطقة، مثل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، والملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان. كما أنّ علاقات دمشق الدولية كانت قد بدأت تتحسن بسرعة، بعد فترة عصيبة من الحصار والعزلة التي استجلبها الموقف السوري المعارض للغزو الأميركي للعراق عام 2003، ثم اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري عام 2005، والذي جرى فيه توجيه أصابع الاتهام لدمشق وحلفائها في لبنان. وقد استخدم النظام السوري الحرب التي وقعت في تموز 2006، في لبنان بين إسرائيل وحزب الله، عندما قام الأخير بأسر جنديين إسرائيليين على الحدود، والرغبة الدولية في احتواء المواجهة التي استمرت أكثر من شهر وأدت إلى دمار واسع في لبنان، أداةً للخروج من العزلة والحصار. لا بل ذهب النظام أبعد من ذلك، عندما وافق على الدخول في مفاوضات سرية مع إسرائيل، توسطت فيها تركيا، بعد فشل مؤتمر أنابوليس للسلام في الشرق الأوسط الذي دعت إليه إدارة الرئيس جورج دبليو بوش في خريف عام 2007 7. وبناء عليه، تحسنت العلاقة مع فرنسا أيضًا، بعد أن ساءت كثيرًا في عهد رئيسها الأسبق جاك شيراك، فقد دُعي بشار الأسد إلى باريس في شهر تموز / يوليو 2008، لحضور إطلاق قمة الاتحاد من أجل المتوسط إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت إيهود أولمرت، وأدى على أثرها الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي زيارة إلى دمشق في أيلول / سبتمبر 2008، في محاولة منه للمساهمة إلى جانب تركيا في إنجاح مفاوضات السلام بين سورية وإسرائيل8. كما استغل النظام السوري اندفاع إدارة الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما للانسحاب من العراق وميله إلى تثبيت الاستقرار في المنطقة بما يساعده في إخراج قواته منها، لتحسين العلاقة مع واشنطن. وكان أوباما قد قرر فور وصوله إلى الحكم تبني توصيات تقرير لجنة بيكر - هاملتون التي أنشأها الكونغرس، لتقييم الوضع في العراق، بعد أن تدهور الوضع الأمني بشدة إثر تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء في شباط / فبراير 2006. ودعا التقرير إلى الانفتاح على سورية وإيران، للحصول على مساعدتهما في تحقيق الاستقرار في العراق9. كما تحسنت العلاقات مع السعودية، بعد المصالحة التي حصلت في القمة العربية الاقتصادية الأولى بالكويت في شهر كانون الثاني / يناير 2009، بين كل من السعودية ومصر من جهة، وقطر وسورية من جهة أخرى10. وقد جاءت هذه القمة عقب الحرب الإسرائيلية على غزة، والتي نشبت في آخر عام 2008 ومطلع عام 2009 11. وفي تموز / يوليو 2010، أدى الملك عبد الله بن عبد العزيز زيارة إلى دمشق، اصطحب بعدها بشار الأسد إلى بيروت، حيث عقدت قمة ثلاثية مع الرئيس اللبناني ميشيل سليمان، كانت بمنزلة إعلان عن طي لصفحة التوتر التي تسبب فيها اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري12. هكذا، بدت الملامح العامة لعلاقات سورية الإقليمية عشية الثورة. علاقات قوية مع إيران وتركيا وقطر، وتحسن مستمر في العلاقة مع السعودية وفرنسا والولايات المتحدة.

الثورة واستدعاء الخارج

تنحو الثورات، خصوصًا في الدول التي تحظى بمكانة إستراتيجية وموقع جغرافي مميز، إلى اجتذاب التدخلات الخارجية، والتي تتحول في بعض الحالات إلى نزاع إقليمي وأحيانًا دولي، وتستدعي الثورات التدخل الخارجي لأسباب مختلفة منها الدفاعي ومنها الهجومي.

  1. “ Syria, Israel launch peace talks under Turkey's auspices”, Hurriyet , 21/5/2008, at: http://www.hurriyet.com.tr/syria-israel-launch-peace-talks- under-turkeys-auspices-8991018
  2. ساركوزي يصل إلى دمشق"، بي بي سي، 2008/9/3، في: http://bbc.in/1KlcdcS
  3. The Iraq Study Group report, 2006 , Baker institute , pp. 36 – 38, at: https:// bakerinstitute.org/media/files/news/8a41607c/iraqstudygroup_findings.pdf
  4. مصالحة سعودية سورية مصرية قطرية في مقر الملك عبد الله بالكويت"، العربية، 2009/1/19، في: http://www.alarabiya.net/articles/2009/01/19/64501.html
  5. كانت العلاقات السعودية - السورية قد تدهورت بشدة بعد اغتيال الحريري، ووصف الرئيس الأسد للزعماء العرب بأنهم أشباه رجال بعد حرب تموز.2006
  6. قمة تاريخية لاحتواء التوتر في لبنان: الملك عبد الله والأسد يدعوان إلى التمسك بنهج التهدئة والحوار"، أخبار الخليج، 2010/7/31، في: http://www.akhbar-alkhaleej.com/11817/article/396935.html

السلوك الدفاعي الذي تنحو دول الجوار إلى اتباعه ينبع في الجوهر من مخاوف من تأثير الثورة في أوضاعها الأمنية أو الاقتصادية أو السياسية، كأن تنتقل الاضطرابات إليها، خاصة في عصر الصورة والتكنولوجيا الرقمية، أو مخاوف من احتمال تفتت الدولة المعنية وانعكاس ذلك على تماسك دول الجوار في حال وجود أقليات إثنية أو طائفية أو دينية مشابهة لديها، وقد يكون التأثير عن طريق قدوم موجات من المهاجرين واللاجئين فيكون العبء هنا اقتصاديًا وأمنيًّا ومجتمعيًّا وغير ذلك. أمّا السلوك الهجومي فينبع أساسًا من رغبة دول الجوار في استغلال اختلال النظام والأمن في البلد المجاور، لملء الفراغ الناجم عن ضعف السلطة المركزية في هذا البلد، أو ترجمة أطماع ما في أراضيها، أو العمل على تنصيب نظام مؤيد لها، أو الحيلولة دون حصول تحول في السياسة الخارجية لذلك البلد أو تغيير في التحالفات أو موازين القوى القائمة13. ما حصل في سورية، ليس فقط أنّ كل هذه الأسباب مجتمعة كانت قائمة، بل أيضًا أنّ التدخل الخارجي استدعته بصفة صريحة أطراف الصراع، ذلك أنّ فشل النظام في الاستجابة للمطالب الشعبية التي بدأت على صورة دعوات منادية بالإصلاح، دعته منذ البداية إلى استدعاء الخارج من أجل تبرير استخدامه لأقصى درجات العنف لقمع الحركة الاحتجاجية، فجرى التأكيد على أنّ ما يحدث لا يعدو كونه مؤامرة "كونيّة" على سورية بسبب مواقفها الإقليمية وسياساتها الخارجية14، وذلك على الرغم من أنّ معظم الأطراف الإقليمية والدولية كانت تبدي في الشهور الأولى للثورة حرصًا لافتًا على عدم انزلاق سورية إلى الفوضى، أو فقدان السيطرة على الوضع. وكان الفشل الأميركي في تحقيق الاستقرار في العراق، بعد إطاحة نظام الرئيس صدام حسين، عزز القناعة بضرورة عدم هز المركب السوري بطريقة قد تؤدي إلى نتائج مشابهة، خاصة وأنّ سورية مثل بقية دول المشرق العربي كانت غنية بتنوعها الإثني والمذهبي والطائفي15. لذلك يمكن القول إنّ النظام أُعطي وقتًا كافيًا للتعامل مع الحركة الاحتجاجية، اذ لم تصدر مواقف إقليمية قوية إلّ بعد مرور نحو 5 أشهر على بدء الاحتجاجات16. أمّا دوليًّا فلم تطالب واشنطن بتنحّي الأسد إلّ في تمّوز / يوليو من العام نفسه، في حين أنها فعلت ذلك خلال أقل من أسبوعين عند انطلاق الثورة المصرية. أمّا مجلس الأمن، فلم يتحرّك جديًّا لمناقشة الأزمة السوريّة، إلّ بعد مرور أكثر من ستّة أشهر على اندلاع الانتفاضة – أي في تشرين الأوّل / أكتوبر - بخلاف الحالة الليبيّة مثلً، إذ تحرّك مجلس الأمن في غضون أيّام لتشريع استخدام القوّة لحماية المدنييّن. المعارضة من جهتها، وعلى الرغم من أنها كانت تفتقر لأي شكل من أشكال التنظيم، فإنّ بعض الشخصيات والتيارات المعارضة دعت مبكرًا إلى تدخل خارجي لوقف عنف النظام، ثمّ لإسقاطه، تمثّل بالحالة الليبية. كانت المعارضة ضعيفة وتفتقر إلى أي قدرات لمواجهة النظام المدجج بكل أنواع السلاح الناجمة عن سيطرته على الدولة، وامتلاكه لكل وسائل العنف التي في حوزتها. ولم يكن لدى هذه المعارضة أي أمل في تغيير النظام، من دون حصول تدخل خارجي، إمّا مباشر كما حصل في ليبيا، وإمّا عبر دعم عسكري ومالي وسياسي من الخارج. حاول الطرفان إذًا أقْلَمة الأزمة، وتدويلها: النظام لاعتقاده أن هذه هي ساحة لعبه المفضّ ل، وحيث توجد معظم نقاط قوّته؛ أمّا المعارضة، فحاولت الشيء نفسه، لأنّها كانت تدرك أنّها أضعف كثيرًا من إسقاط النظام من دون معونة خارجيّة. لذلك التقى الطرفان على تدويل الأزمة، كلّ منهما من زاوية رؤيته الخاصّة. وبالفعل، وعلى الرغم من أنّ الانتفاضة السوريّة لم تكن مرتبطة بسياسة سورية الخارجية أو مواقفها الإقليميّة والدوليّة، فإنّه ونتيجة الجهد المشترك للنظام والمعارضة بدأت الأزمة، منذ شهرها الخامس، تأخذ طابعًا إقليميًّا ودوليًّا. فظهرت أولً من خلال حرب وكالة انخرطت فيها كل الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة (تركيا – إيران – السعودية –قطر - روسيا – الولايات المتحدة وغيرها)، ثمّ تطور الوضع إلى أن وصل إلى مرحلة التدخل العسكري المباشر، عندما قامت واشنطن بتشكيل تحالف دولي لمواجهة تنظيم الدولة في سورية والعراق في أيلول / سبتمبر 2014، ثمّ التدخل العسكري الروسي لمصلحة النظام في أيلول / سبتمبر من العام التالي. لكنّ التدخلات الخارجية في الأزمة السورية لم تأت نتيجة عوامل برزت خلال الثورة، بل كانت في حقيقتها امتدادًا لسلسلة طويلة من

  1. Lawrence Dennis, “Revolution, Recognition and Intervention,” Foreign Affairs , no. 9 (January 1931), pp. 204 - 221.
  2. Patrick Seal, “Assad Family Values: How the Son Learned to Quash a Rebellion from His Father”, Foreign Affairs , 20/3/2012, at: http://www. foreignaffairs.com/articles/137338/patrick-seale/assad-family-values
  3. Tony Badran, “Obama's Options in Damascus: Why it's Time to Rein in Syria – and Turkey”, Foreign Affairs , 16/8/2011, at: http://www.foreignaffairs. com/articles/68129/tony-badran/obamas-options-in-damascus
  4. السعودية تستدعي سفيرها في دمشق للتشاور: فلتتوقف آلة القتل في سورية"،، 2011/8/8، في http://bit.ly/1PvLuut: الحياة Damla Aras, “Turkish-Syrian Relations Go Downhill”, Middle East Quarterly , Vol. XIX, No. 2 (Spring 2012), pp. 41-50, at: http://www.meforum.org/3206/turkish-syrian-relations

التفاعلات التي بدأت مع الغزو الأميركي للعراق، والذي غيّ بصفة درامية موازين القوى والتحالفات الإقليمية، فانتهى دور المثلث (سورية – مصر  السعودية)، وصعدت الأدوار العربي  -الإقليمية لأطراف غير عربية، ما وضع سورية بين قطبين إقليميين كبيرين، هما تركيا وإيران التي غدت تشترك أول مرة مع سورية في حدود برية من خلال سيطرتها على العراق، بعد الانسحاب الأميركي عام.2011

النظام السوري يهتز على وقع الانسحاب الأميركي

عارض النظام السوري بشدة الغزو الأميركي للعراق، وانطلق من فكرة مؤداها أنه سيكون الهدف التالي على القائمة الأميركية بعد حوادث أيلول / سبتمبر 2001. وكان الاعتقاد السائد في أوساط النظام أنه إن نجح الأميركيون في تحقيق الاستقرار في العراق، وإنشاء حكومة ذات صفة تمثيلية، بديلً من النظام الذي أطاحوه، فانّ ذلك سيكون له تأثير مباشر في سورية. من جهة أخرى، كان الأميركيون يظنون ويتصرفون على أساس أنّ نجاحهم في بناء ديموقراطية فعالة Functioning(Democracy) في العراق، سوف يكون له تأثير الدومينو في بقية المنطقة، وسورية جزء منها. لذلك تمثّلت السياسة السورية في ذلك الوقت بإفشال الاحتلال الأميركي ومنعه من تحقيق أهدافه، من خلال إغراقه في مستنقع العراق وأوحاله17. بناء عليه، قدمت سورية كل الدعم للمقاومة العراقية ضد الاحتلال الأميركي، وعلاوة على ذلك تحولت دمشق إلى محطة ترانزيت رئيسة للجهاديين المتجهين إلى العراق لمقارعة القوة العسكرية الأميركية18. إلى جانب خشية النظام من أن يكون التالي على لائحة الأهداف الأميركية، كان الموقف السوري من الغزو الأميركي للعراق مرتبطًا بجملة من الاعتبارات البراغماتية ذات بعدين جيوسياسي واقتصادي. وقد بدأت هذه العوامل تتبلور مع مجيء اليمين المتطرف بزعامة بنيامين نتنياهو إلى السلطة في إسرائيل عام 1996. إذ وضع ذلك حدًا لمساعي النظام السوري لتوقيع معاهدة سلام تسمح بإنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، وتعيد مرتفعات الجولان المحتلة، بما يساعد في تجديد شرعية النظام السياسية، ويفتح الباب أمام تدفق الاستثمارات والمساعدات الغربية للنهوض بالاقتصاد الذي بدأ يدخل مرحلة حرجة مع نضوب المساعدات المالية العربية التي تدفقت على سورية بسبب مساهمتها في حرب تحرير الكويت عام 1991، ومع تدني أسعار النفط في السوق العالمية في آخر التسعينيات. ونتيجة لذلك، اضطر النظام للبحث عن خيارات أخرى لمواجهة التحديات المتنامية مع ازدياد نمو السكان، ومحدودية الموارد، واستمرار حالة الجفاف لسنوات عديدة. وكان العراق الخيار الوحيد المتوافر. وبناء عليه، وبدءًا من عام 1997، أصبح كل من سورية والعراق يرى في الآخر حليفًا محتملً، إذ بدأ الرئيس السوري السابق حافظ الأسد يعمل بحذر على تطوير العلاقات مع خصمه اللدود صدام حسين، لكن هذا التوجه تعزز وتسارع مع وصول نجله، بشار، إلى سدة الرئاسة عام.200019

حاول بشار تطوير الروابط السياسية والاقتصادية مع العراق، ولكنه كان يحاذر استفزاز الولايات المتحدة. وقد مثّلت هجمات 11 أيلول / سبتمبر 2001 فرصة لكي تتوصل سورية إلى تفاهم مضمر مع واشنطن، اذ فتحت دمشق كنوزها الاستخباراتية التي تمتلكها حول الحركات والتيارات الجهادية أمام الوكالات الاستخباراتية الأميركية، وفي المقابل غضت واشنطن الطرف عن تدفق النفط العراقي عبر سورية خارج إطار العقوبات الأممية المفروضة20. وفي الفترة ما بين تشرين الأول / أكتوبر 2000، وشباط / فبراير 2003، كانت سورية تستلم يوميًا 200000 برميل من النفط العراقي بسعر متدن. سمحت

  1. أكد الأسد أنّ الغزو الأميركي للعراق سوف يفشل في تحقيق غاياته، انظر: بشار الأسد، مقابلة صحفية، السفير اللبنانية،.2003/4/3
  2. “ All aboard the terrorists' bus to Iraq”, The Telegraph , 2/12/ 2004, at: http://www.telegraph.co.uk/news/worldnews/middleeast/iraq/1478057/All- aboard-the-terrorists-bus-to-Iraq.html
  3. Raymond Hinnebusch, “Resisting American Hegemony: the Case of Syria,” University of St. Andrews , at: http://bit.ly/1WWXjeX
  4. “ Syria Stops Cooperating With U.S. Forces and C.I.A.”, The New York Times , 24/5/2005, at: http://www.nytimes.com/2005/05/24/politics/syria-stops-cooperating-with- us-forces-and-cia.html?_r=0

هذه الكمية من النفط لسورية بأن تزيد حصتها في السوق النفطية، وأن تحصل سنويًّا على ملياري دولار من العملة الصعبة التي كانت بأمس الحاجة إليها21. لكنّ هذا التفاهم الضمني السوري - الأميركي لم يدم طويلً، إذ تهاوى نظام طالبان بسرعة، وأصبح العراق محور التركيز الأميركي، وبناء عليه، بدأت الولايات المتحدة بانتقاد التعاملات النفطية بين سورية والعراق. وصلت العلاقات بين البلدين إلى أدنى مستوياتها، عندما قاومت سورية التي كانت تحتل مقعدًا غير دائم في مجلس الأمن جهد واشنطن لاستصدار القرار رقم 1441. وعلى الرغم من أنّ سورية عادت تحت الضغط وصوتت لمصلحة القرار، والذي لم يعط واشنطن حق اللجوء إلى استخدام القوة ضد العراق، إذا لم يمتثل لطلبات المفتشين الدوليين عن أسلحة دمار شامل مزعومة لديه، فإنّ العلاقات مع واشنطن استمرت في التدهور. كان النظام السوري يعتقد من منظور جيو - سياسي أنّ الحرب على العراق سوف تخلّ بشدة بموازين القوى الإقليمية الدقيقة، وأنّ قيام إدارة عسكرية مدعومة أميركيًّا في بغداد سوف تضعه بالتأكيد بين قوتين معاديتين: إسرائيل وعراق موال للولايات المتحدة. فضلً عن ذلك، كانت سورية تخشى إمكانية تفتت العراق، وما سيكون لذلك من تأثير محتمل يطال الأقلية الكردية لديها22. ويمكن القول إنّ رهان النظام السوري على الفشل الأميركي في العراق قد نجح، ذلك أنّ إدارة الرئيس جورج بوش الإبن التي تعثرت في العراق، وضعف موقفها السياسي بشدة بعد أن فشلت في العثور على أي أثر لأسلحة دمار شامل مزعومة، مثّلت أرضية قيامها بالغزو، تخلّت خلال ولايتها الثانية تمامًا عن أي محاولة لتغيير النظام السوري، على افتراض أنها كانت تسعى لذلك أصلً. فقد غرق العراق في مستنقع الفوضى والاحتراب الأهلي الذي تفاقم بعد تفجير مرقد الإمامين العسكريين في شباط / فبراير 2006، ما تطلب إعادة أعداد كبيرة من القوات الأميركية إلى العراق، لضبط الوضع فيه في ما أصبح.23يعرف ب)The Surge(ولم تتمكن إدارة الرئيس بوش من تحقيق استقرار نسبي في العراق بحلول العام 2008، حتى تفجرت أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة، لتطلق أزمة مالية عالمية تركت آثارًا بالغة السوء في الاقتصاد الأميركي. وقد ساهمت هذه الأزمة مع التكاليف الكبيرة للحرب في أفغانستان والعراق في شلّ الاقتصاد الأميركي، ومن ثمّ بدأت واشنطن تعدّ للانسحاب من المنطقة. وقد ازداد الزخم مع وصول الرئيس أوباما إلى البيت الأبيض، وهو الذي كان عارض أصلًالحرب في العراق، وعدّها حربًا غير ضرورية. لم يكن النظام السوري قد أدرك بعد أنّ الانسحاب الأميركي من العراق، وليس استمراره، هو الذي سيؤدي إلى تقويضه وهز أركانه. فقد أدى احتلال العراق إلى اختلال كبير في بنية النظام الإقليمي وموازين القوى التي تحكمت بالعلاقات بين دوله، منذ نشأته بعد الحرب العالمية الأولى. إذ قامت الولايات المتحدة ليس فقط بإطاحة نظام الرئيس صدام حسين، بل أيضًا حلت مؤسسات الدولة العراقية، وعلى رأسها الجيش الذي شكّل عماد الدولة العراقية الحديثة منذ تأسيسها عام 1921، ومثّل أيضًا ركنًا أساسيًا في ميزان القوى العربي - الإيراني. كما أدى رفض الجزء الأكبر من "سنّة" العراق للاحتلال الأميركي، وما ترتب عليه من نتائج، إلى وضعهم في مواجهة مباشرة مع القوة العسكرية الأميركية التي سددت لهم ضربات قاصمة، فتهمش دورهم وضعفت قدرتهم على التأثير. في الأثناء تمكنت إيران والقوى الموالية لها من أحزب وميليشيات، خلال الفترة التي احتلت فيها الولايات المتحدة العراق 2003( - 2011)، من السيطرة على مفاصل الدولة العراقية الجديدة التي عمد الأميركيون إلى إعادة بنائها على أساس المحاصصة الطائفية. وعندما كانت الولايات المتحدة تستعد للخروج من العراق، كانت إيران تستعد لملء الفراغ، وتوصيل مناطق نفوذها في المشرق العربي بين العراق ولبنان24.

الدخول في لعبة التنافس الإيراني - التركي

لم يكن بشار الأسد، عند وصوله إلى السلطة، مهتمً بأي علاقة متميزة مع إيران، وكان اهتمام والده من قبله قد تناقص بالتحالف مع إيران بعد أن اختارت سورية تحسين علاقاتها مع الغرب والولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، فشاركت في حرب تحرير الكويت وقبلت الدخول في مفاوضات سلام مع إسرائيل، وتشكيل تحالف ثلاثي مع دول "الاعتدال" العربي (مصر والسعودية.) وبناء عليه، عندما جاء بشار إلى السلطة كان جل اهتمامه منصرفًا إلى تمتين العلاقة مع الغرب

  1. UPI, Report: Syria, Iraq crude arrangement , UPI , 23/1/2001, at: http:// bit.ly/1R0G8si
  2. See Marwan Kabalan, “Syrian Foreign Policy between Domestic Needs and the External Environment”, in Syrian Foreign Policy and the United States, from Bush to Obama, St Andrews Papers on Contemporary Syria (St. Andrews, Scotland, 2009).
  3. See “The Iraq Study Group report, 2006”.
  4. George Freidman, “From the Mediterranean to the Hindu Kush: Rethinking the Region”, Stratfor , 18/10/2011, at: http://www.stratfor.com/weekly/20111017-mediterranean-hindu-kush- rethinking-region

الذي ساعده على وراثة والده، فقد شاركت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت في مراسم دفن الأسد الأب، واجتمعت مع وريثه في دمشق في إشارة إلى مباركة واشنطن الانتقال "السلس" في سورية. كما كان الرئيس الفرنسي جاك شيراك الزعيم الأوروبي الوحيد الذي شارك في مراسم دفن الأسد الأب، بعد أن كان أيضًا أول زعيم غربي يستقبل بشار الأسد في قصر الإليزيه في عام 1998 بصفته "وريثًا" لوالده. فقد كانت عواصم الغرب محطات بشار الخارجية الأولى، بعد أن تولى الرئاسة في تموز / يوليو 2000، فزار باريس ولندن وبرلين. وتمسك بعلاقات والده بالضلعين الآخرين في المثلث العربي الذي هيمن على المشرق خلال التسعينيات (مع السعودية ومصر)25. لكن حوادث أيلول / سبتمبر غيرت الأمور بصفة كبيرة، إذ قامت الولايات المتحدة بغزو العراق، لتزيل بذلك ومن غير قصد العقبة الكأداء التي كانت تقف حجر عثرة في طريق تمدد إيران نحو المتوسط. وبعكس الموقف الإيراني، قاوم بشار الأسد بشدة الغزو الأميركي للعراق. ومنذ مجيئه إلى السلطة عام 2000 طور بشار علاقات جيدة مع نظام الرئيس صدام حسين، فتدفق النفط العراقي عبر سورية أول مرة، منذ وقف خط الأنابيب عام 1981، إبّان دعم سورية لإيران في حربها ضد العراق، كما ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين واستؤنفت العلاقات الدبلوماسية26. وبالنسبة إلى سورية ظلت إيران حليفًا موثوقًا، طالما كان العراق منطقة عازلة معها Zone(Buffer.) أمّا وقد انهار العراق، وأصبحت إيران جارة مباشرة لسورية، من خلال حلفائها الذين جاؤوا إلى السلطة بعد إطاحة نظام الرئيس صدام حسين، فقد بدأت تظهر في دمشق بعض المخاوف من السياسات الإيرانية. والواقع أنّ سورية وإيران انتهجتا سياسات متعارضة إلى حد كبير في العراق أثناء الاحتلال الأميركي، إذ وقفت سورية إلى جانب قوى النظام السابق واحتضنت بعض قادتها ودعمت مقاومتها للأميركيين، ما شكل تعارضًا كبيرًا مع السياسات الإيرانية التي رحبت بالغزو الأميركي للعراق، ودعمت الأحزاب الدينية الشيعية التي أحلها الأميركيون في السلطة. وقد شكلت سورية ممرًا ومقرًا للقوى السنية التي تقاتل الوجود الأميركي في العراق، مع أنّ الدعم كان يقل أو يزداد، بحسب الضغوط التي كان يمارسها الأميركيون عليها. زادت حاجة سورية إلى إيران بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في شباط / فبراير 2005، وإجبار الأسد على سحب قواته من لبنان في نيسان/ أبريل من العام نفسه، واشتداد الضغط عليه لتغيير سياساته في العراق. وقد تزامنت هذه الضغوط مع صعود التيار القومي الأصولي إلى الحكم في إيران، فقد وصل الرئيس محمود أحمدي نجاد ببرنامج هدفه الرئيس الاستفادة من التحول الإستراتيجي الذي طرأ على المنطقة، بعد أن أطاح الأميركيون نظام الرئيس صدام حسين. في هذه الفترة، أخذ المشروع الإيراني يتبلور بوضوح (الوصول إلى المتوسط من خلال إخراج الأميركيين من العراق، وربط مناطق النفوذ الإيراني في العراق ولبنان عبر سورية.) وكان خروج سورية من لبنان قد أدى إلى اضعافها وزيادة اعتمادها على إيران، في الوقت الذي غدت تملك فيه إيران الكلمة الفصل في لبنان عن طريق حزب الله بعد مغادرة سورية. وقد قامت سورية، نتيجة الضغوط الغربية، بتوقيع معاهدة دفاع مشترك مع إيران عام 2006، كانت الأولى بين البلدين منذ نشوء التحالف بينهما عام 1979 27.

في المقابل، كانت تركيا، مثل سورية، قد عارضت بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ورفضت بناء عليه، السماح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها للهجوم على العراق، وكان موقفها في ذلك أقرب إلى سورية من الموقف الإيراني الداعم لغزو العراق. وقد قام بشار الأسد بزيارته الأولى لتركيا في كانون الثاني / يناير 2004، أي بعد أقل من شهر من قيام الكونغرس الأميركي بإقرار "قانون محاسبة سورية"، بهدف معاقبة دمشق على معارضتها للحرب على العراق، وعلى دعمها حركة حماس وحزب الله بصفتهما منظمتين "إرهابيتين." وبعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في شباط / فبراير 2005، انضمت فرنسا إلى الولايات المتحدة في جهدها لعزل النظام في دمشق. أُخضعت سورية لسيل من قرارات مجلس الأمن الدولي التي وضعتها

  1. Raymond Hinnebusch, “Resisting American Hegemony: the Case of Syria”, University of St. Andrews , p. 3, at: https://www.st-andrews.ac.uk/ media/school-of-international-relations/css/publications/Defying %20 the %20Hegemon %20Syria.pdf
  2. “ How Saddam Diverts Millions Meant For Food Aid to Reap Illegal
  3. Oil Profit”, The Wall Street Journal , 2/5/2002, at: http://www.wsj.com/articles/ SB1020286368734744120 27 “ Iran, Syria Sign Defence Agreement”, YNewtNews , 16/6/2006, at: http://www.ynetnews.com/articles/0,7340,L-3263739,00.html

في عزلة تامة تقريبًا. وجمّد الاتحاد الأوروبي اتفاقية الشراكة التي بدأ العمل بها في تشرين الأول / أكتوبر 2004، بعد ست سنوات من المفاوضات الشاقة. وباستثناء شركة ماراتون بتروليوم، أحجمت شركات النفط الغربية عن الاستثمار في قطاع النفط السوري، فيما قام بعضها الآخر، خشية عقوبات محتملة، ببيع ما يملكه من أصول في صناعة النفط السورية وغادر البلاد. في الفترة ما بين 2004 و 2005، غادرت سورية كونوكو فيلبس وديفون إنرجي، وفي كانون الثاني / يناير 2006 باعت بترو كندا حصتها البالغة 37 بالمئة في حقول النفط والغاز السورية لشركة البترول الوطنية الصينية وشركة الهند للنفط والغاز الطبيعي28. دفعت هذه الضغوط سورية إلى التفكير في تركيا شريكًا اقتصاديًا إستراتيجيًا، فبدأ الانفتاح عليها. وفي كانون الأول / ديسمبر 2004، وقع البلدان بالأحرف الأولى على اتفاقية تجارة حرة في دمشق، أثناء زيارة قام بها رئيس الوزراء التركي أردوغان29. وقد استمرت العلاقات في التطور حتى غدت تركيا شريك سورية التجاري الأول30، كما ألغى البلدان تأشيرات الدخول، وقاما بإنشاء مجلس التعاون الإستراتيجي عالي المستوى، عقد أول اجتماعاته في شهر تشرين الأول / أكتوبر 2009 31. كان الميل في اتجاه تركيا جزءًا من مساعي النظام السوري لكسر عزلته والتخلص بالتدريج من تأثير العقوبات، لذلك وأثناء زيارته الأولى إلى أنقرة في كانون الثاني / يناير 2004، طلب الأسد من تركيا القيام بدور لاستئناف مفاوضات السلام مع إسرائيل. أظهر طلب الأسد تنامي الرغبة لديه في استقطاب تركيا ودفعها إلى أن يكون لها دور أكبر في سياسات المنطقة، لكن واشنطن وتل أبيب رفضتا دعواته المتكررة لاستئناف محادثات السلام، لكونها مجرد مناورة غايتها إخراج سورية من عزلتها الناتجة عن اتهامها باغتيال الحريري. ولم تبدِ إسرائيل اهتمامًا باستئناف محادثات السلام مع سورية، إلّ بعد حرب "تموز 2006" في لبنان. وأثناء زيارة إلى أنقرة في شباط / فبراير 2007، أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت عن اهتمام بلاده بوساطة تركية. وبعد ضمان موافقة كل من سورية وإسرائيل، بدأت تركيا مساعي مكوكية سرية بين الجانبين توجت بالإعلان عن مفاوضات غير مباشرة في 21 أيار / مايو 2008. وعلى الرغم من إحراز تقدم كبير، فقد انتهت خمس جولات من محادثات السلام برعاية تركيا من دون التوصل إلى اتفاقية. توقفت العملية بسبب الحرب على غزة وعودة اليمين إلى الحكم في إسرائيل في انتخابات عام 2009، ما أدى إلى تعليق كل المساعي الدبلوماسية. ومع ذلك، فإنّ استئناف محادثات السلام قد خدم سورية بطريقة أساسية، مؤديًا إلى إنهاء عزلتها. وهكذا فقد كان للوساطة التركية دور أساسي في إخراج سورية من حالة العزلة والحصار32.

لكنّ بشار الأسد الذي بدأت ثقته بنفسه وبقدراته تزداد، بعد أن تجاوز الحصار والضغط الأميركي – الفرنسي – السعودي، كان يسعى إلى غايات أبعد من مجرد الخروج من العزلة والاستفادة من الروابط الاقتصادية مع تركيا، اذ كان يحاول الاستفادة إلى أقصى حد من موقع بلاده الجيوسياسي المهم وإدارة لعبة توازنات إقليمية ودولية كبرى، ففي الوقت الذي وطد فيه علاقاته الأمنية والعسكرية مع إيران، خاصة بعد حرب تموز 2006، اختار الأسد تركيا التي تحولت إلى شريكه التجاري الأكبر لتكون وسيطًا في مفاوضات السلام مع إسرائيل في العام 2008 33. في البداية، كان الأسد ينظر إلى تطوير علاقاته مع تركيا بصفته تعويضًا عن الخسارة الجيوسياسية والاقتصادية التي أصيب بها نتيجة احتلال

  1. Zha Daojiong, “Sino-Indian Interaction in Energy in the 2000s: A Chinses Perspective”, in China-India Relations: Co-operation and Conflict , Kanti Bajpai & Jing Huang & Kishore Mahbubani (eds.) (New York: Routledge, 2016) pp. 136 - 137.
  2. Bulant Aras, “Turkish-Syrian Relations: Implications for Regional Cooperation”, Paper Presented at the Syrian Studies Center Conference of Saint Andrews, Damascus, 7/11/2008.
  3. Ozlem Tur, The Political Economy of Turkish-Syrian Relations in the 2000s: The Rise and Fall of Trade, Investment and Integration, in Raymond Hinnebusch & Ozlem Tur (eds.), Syrian-Turkish Relations between Enmity and Amity (Burlington: Surrey/Ashgate, 2013). P 165.
  4. سورية وتركيا تعلنان عن تأسيس شراكة استراتيجية لتعزيز تعاونهما المشترك"، وكالة الأنباء الكويتية كونا، 2009/10/14، في: http://www.kuna.net.kw/ArticlePrintPage.aspx?id=2031912&language=ar
  5. Marwan Kabalan, “Syrian-Turkish Relations: Geopolitical Explanations for the Move from Conflict to Co-operation”, in Raymond Hinnebusch & Ozlem Tur (eds.), Syrian-Turkish Relations between Enmity and Amity (Burlington: Surrey/Ashgate, 2013). P 35.
  6. “ US Tries to Tempt Syria away from Iran with regional Power Incentives”, Qantara.de , 27/8/2010, at: https://en.qantara.de/content/middle- east-us-tries-to-tempt-syria-away-from-iran-with-regional-power-incentives

العراق. ومن المؤكد أنّ تقوية الروابط العسكرية مع إيران كان يجري استخدامه للتخفيف من معضلة سورية الأمنية، لكنّ الأسد كان بحاجة إلى أدوار أخرى لم يكن بمقدور إيران القيام بها، إذ كان يحتاج إلى قناة خلفية مع الغرب وإلى حليف يستطيع ممارسة قدر من النفوذ في واشنطن. وقد نهضت تركيا في الواقع بدور أساسي في نقل الرسائل بين دمشق وواشنطن، ونجحت أحيانًا في تخفيف التوتر بينهما. وإضافة إلى ذلك، فإنّ العلاقات مع تركيا، بوصفها دولة سنّية كبيرة، كانت بالغة الأهمية لجهة تفادي الانتقاد الداخلي القائل إن نظام دمشق قد أصبح جزءًا من "القوس الشيعي" الممتد من طهران إلى جنوب لبنان34. ونظرًا للتنافس التاريخي بين طهران وأنقرة على النفوذ الإقليمي، فإنّ تمتين العلاقات مع تركيا كان أيضًا أداة مهمة في محاولة سورية تحقيق توازن بين قوتين إقليميتين صاعدتين، هما إيران التي بدأت تمسك بزمام الأمور في العراق عبر حلفائها وتسعى إلى وصل مناطق نفوذها في الإقليم، وتركيا التي بدأت تنهج سياسة شرق أوسطية أكثر فعالية بسبب تنامي مصالحها في المنطقة، وتبدي قلقًا متزايدًا جراء تنامي نفوذ طهران الإقليمي إثر الحرب على العراق35.

ومثلما أخذت إيران ترى أن العراق يمثّل منطقة نفوذ حيوي لها، بدأت تركيا ترقب سورية من المنظار نفسه، ومن ثمّ كانت سورية بالنسبة إلى تركيا أهم من أن تترك للنفوذ الإيراني الساعي إلى ضمها لقوس النفوذ المتشكل. ومن جهة أخرى، أدت علاقات تركيا السياسية والتجارية والثقافية المتنامية مع سورية إلى نشوء دوائر مصالح مرتبطة بها، سواء داخل مؤسسات الدولة السورية أو في المجتمع السوري خاصة في حلب شمالً. كما ظهرت دوائر مصالح مرتبطة بإيران داخل مؤسسات الأمن والجيش السوري الذي أخذ يتحول إلى نمط قتالي وتكتيكات خفيفة شبيهة بما يتبناه حزب الله36. وهكذا في الوقت الذي كان فيه الإيرانيون يحاولون تنمية نفوذهم في سورية، كان الأتراك يفعلون الشيء نفسه تقريبًا. لذلك فإنّ التنافس التركي - الإيراني كان قائمًا بالفعل في سورية قبل اندلاع الثورة السورية، وغذاه بشار الأسد في محاولة منه للخروج من عزلته، ولتعزيز دوره الإقليمي، وتنويع مروحة الخيارات أمام بلاده. وعلاوة على ذلك، كان بشار يتطلع إلى مرحلة ما بعد الخروج الأميركي من العراق، واستعداد تركيا وإيران (التي أصبح لها هي الأخرى حدود مع سورية) على ملء الفراغ، وكان من ثمّ يحاول أن يلعب لعبة النفوذ التركي ضد النفوذ الإيراني، حتى لا يتمكن أحد الطرفين من الاستفراد به.

السقوط في شرك لعبة خطرة

أدى غزو العراق إلى خروج دولة عربية كبرى من موازين القوى الإقليمية، في حين تراجعت أدوار الفاعلين العرب الآخرين (مصر والسعودية بعد أن انفرط عقد تحالفهما مع سورية.) كما أدى الحصار الذي تعرضت له سورية بسبب موقفها من غزو العراق، وإخراجها من لبنان إلى زيادة اعتمادها على إيران، حتى تحولت إلى شريك أصغر في علاقة ظلت تحمل في مجملها طابع الندية لنحو ربع قرن 1979(- 2005.) أدت هذه التغييرات إلى صعود دور الفاعلين الإقليميين (تركيا – إيران)، في مقابل تراجع الأدوار العربية وانكفائها. تنامي النفوذ الإيراني في سورية بعد السيطرة على العراق كان مصدر قلق للأطراف الأخرى في المنطقة، وهما السعودية وتركيا. وقد حاولت السعودية، بعد غياب عن المشهد تلا غزو العراق ومقاطعتها لنظام الأسد بسبب اغتيال الحريري، الدخول على خط التنافس التركي - الإيراني على سورية منذ مطلع العام 2009، عندما أطلق الملك عبد الله بن عبد العزيز دعوة إلى المصالحة في القمة العربية الاقتصادية الأولى بالكويت في كانون الثاني / يناير 2009 37. ونتيجة لهذه المصالحة غدا لدى النظام السوري لاعب جديد، دخل حساباته في لعبة التوازنات الإقليمية، وأصبح يستغل التناقض التركي - الإيراني – السعودي، وتنافسهم في كسبه إلى جانب كل منهم. وقد استفاد النظام من هذا المناخ، لإطلاق ما أصبح يعرف بمشروع ربط البحار

  1. International Crisis Group, Reshuffling the Cards? (I) Syria's Evolving Strategy, Middle East Report No. 92, 14/12/2009, p. 5 - 7, at: http://bit.
  2. George Friedman, “Syria, Iran and the Balance of Power in the Middle
  3. ly/1QbxBxK
  4. East”, Stratfor , 22/11/2011, http://www.stratfor.com/weekly/20111121-syria-iran-and-balance-power- middle-east 36 مروان قبلان، "إيران في حسابات موسكو السورية"، العربي الجديد، 2015/4/11، في: http://bit.ly/1S2cjZw مصالحة سعودية سورية مصرية قطرية في مقر الملك عبد الله بالكويت 37 ""، العربية، 2009/1/19، في: http://www.alarabiya.net/articles/2009/01/19/64501.html

الخمس عبر سورية (بحر قزوين – البحر الأسود – الخليج العربي – البحر الأحمر- البحر المتوسط)38.، بلغ التنافس ع في العام 2010 ىى سورية داخل المثلث التركي – السعودي - الإيراني ذروته، حتى أنّ دمشق كانت العاصمة الإقليمية الوحيدة التي كان يمكن أن تستقبل زعماء الدول الثلاث في الأسبوع نفسه. وقد أدرك النظام حينها معنى قدرته على جمع هذه التناقضات وأهميته بالنسبة إلى هذه الأطراف، فجعل يستغلها إلى أبعد الحدود39. لكن هذه اللعبة كان لها شروطها وسياقاتها التي ما إن تغيرت، حتى بدأت تؤدي نتائج عكسية وخطيرة. كان النظام قادرًا على إدارة علاقاته الإقليمية بطريقة معقولة ومتوازنة، في ظل وجود قوة أميركية، كانت تفرض قواعد اللعبة من منطلق كونها قوة عظمى أولً، وقوة شرق أوسطية مقيمة في العراق ثانيًا، وتشكل حائط صد أمام طموحات الدول الإقليمية. لم يدرك النظام أنّ الخروج الأميركي من المنطقة سوف يكون له تأثير عميق في استقراره واستمراره، فقد حرك انسحاب الأميركيين مكامن الطموح الموجودة لدى الأتراك والإيرانيين لوراثة النفوذ الأميركي في المنطقة، وملء الفراغ الناجم عن رحيله. وأصبحت سورية الواقعة على خط الاندفاع الإيراني القادم من الشرق نحو المتوسط أفقيًا (محور شرق - غرب)، وعلى خط الاعتراض التركي القادم في اتجاه شبه الجزيرة العربية عموديًا (محور شمال جنوب)، نقطة التقاء المتنافسين الإيراني والتركي لملء فراغ الانكفاء الأميركي، فتحولت ساحة صراع بينهما، بعد أن كانت بيضة القبان التي يحاول كل طرف استمالتها. لذلك، ومع الخروج الأم كيرر من العراق، واستلام إيران المواقع الأميركية فيه، ثمّ انصرافها إلى محاولة ربط مناطق نفوذها في لبنان عبر سورية، كان لا بد من توقع ردة فعل إقليمي من جيران سورية الآخرين (العرب والأتراك)، إذ بدا وكأن المنطقة مقدمة على تحول إستراتيجي غير مسبوق فيما لو تُركت إيران تستأثر بالنفوذ في العراق وسورية ولبنان، لأنّ هذا سوف يفصل تركيا عن العالم العربي والأخير عن أوروبا. ومن ثمّ فإنّ ما لم تتمكن الولايات المتحدة من فعله بعد غزوها العراق، وهو تقويض أركان النظام في سورية، تكفل به انسحابها كنتيجة جانبية Damage()Collateral40. تحفز القوى الإقليمية المترقبة خروج القوة الأميركية للتنافس على وراثتها، تزامن مع اختمار عوامل التفجر داخل بنية المجتمع السوري الذي كان يمر هو الآخر بحالة من تغير موازين القوى ظلت سائدة بين النظام وقوى المجتمع لأكثر من أربعة عقود. وهكذا، فإنّ لعبة إدارة التوازنات التي استعملها النظام بمهارة للتعامل مع تداعيات سقوط العراق عام 2004، انهارت مع الخروج الأميركي وتفجر الوضع الداخلي، وذلك في سياق ثورات "الربيع العربي"، وانطلقت حرب وكالة إقليمية كانت أطرافها الرئيسة هي إيران وتركيا، قبل أن تنضم اليها السعودية التي قررت عدم تكرار خطأ ترك العراق يقع في يد إيران بعد أن سقط بالغزو الأميركي.

احتدام الصراع على سورية

مع اق اررب موعد الانسحاب الأم كيرر من العراق، حاولت تركيا بالتعاون مع سورية وقطر الحد من النفوذ الإيراني في العراق. فدعمت الدول الثلاثة القائمة العراقية، وكان يقودها إياد علاوي، في الوصول إلى السلطة، بعد أن فازت في الانتخابات العامة التي جرت مطلع العام 2010. لكنّ الأميركيين اتفقوا مع إيران على دعم المالكي، وغيرت سورية موقفها للتلاؤم مع التطور الجديد، وذلك بعد أن حصلت على وعد أميركي بإعادة السفير إليها إذا ساعدت في تحقيق الهدوء في العراق تمهيدًا للانسحاب41. ورأى الأميركيون أنّ الهدوء المطلوب لسحب قواتهم من العراق يتحقق من خلال التفاهم مع إيران، وليس من خلال العمل ضد رغباتها، وهكذا جرى دعم المالكي وليس علاوي.

  1. جانبلات شكاي، "الديبلوماسية السورية... ورؤية الربط بين البحار الخمسة"، الراي، 2010/12/29، في: http://www.alraimedia.com/ar/article/last/2010/12/29/234331/nr/nc
  2. “ Reshuffling the Cards? (I): Syria's New Hand”, International Crisis Group , Middle East Report No. 93, 16/12/2009, at: http://bit.ly/1o8U73R
  3. انظر: قبلان، "موقع السياسة"...، ص 461 - .500
  4. مروان قبلان، "عودة أميركا وظروف نشأة التحالف ضد داعش.. قراءة جديدة"، العربي الجديد، 2015/3/2، في: http://bit.ly/202qP2C

مع عودة المالكي إلى السلطة في العراق، بدت تركيا مستسلمة إلى فكرة هيمنة إيران على معظم العراق نتيجة حجم المكون الشيعي وثقله هناك، لكن الأمر بدا مختلفًا مع سورية. إذ رأت تركيا أنّ هيمنة إيران على القرار في سورية سوف يعني قطعها كليًّا عن محيطها العربي والشرق أوسطي، وخاصة منطقة الخليج، ويلحق بالغ الضرر بمصالحها التجارية والجيوسياسية. لذلك عندما اندلعت الثورة، لاحت لتركيا فرصة ذهبيّة لتصحيح موازين القوى لمصلحتها عبر محاولة إنشاء نظامٍ بديل في دمشق يكون قريبًا منها، ويشكّل حليفًا إستراتيجيًّا لها42. بادرت تركيا، أوّل الأمر، إلى استغلال حالة الارتباك التي يعيشها النظام السوري للدّفع باتّجاه تشكيل حكومة وحدة وطنيّة تشمل ممثّلين عن الإخوان المسلمين، ما يضمن لها نفوذًا واسعًا داخلها، على أساس أنّ هؤلاء حلفاؤها. لكنّ المحاولة فشلت. ومع استمرار النظام في رفض أي حل غير أمني للأزمة، اضطرت أنقرة إلى إشهار عدائها له، عبر احتضان معارضاته السياسية ثمّ العسكرية، عندما بدأ الصراع يأخذ منحى أكثر عنفًا43. ما حصل مع تركيا ينطبق كذلك على دول الخليج العربيّة التي ساءها تفرّد إيران بالسيطرة على القرار في العراق، وتمدّد نفوذها ليشمل الهلال الممتدّ من حدود أفغانستان إلى البحر المتوسّط. كانت المملكة العربيّة السعوديّة على وجه الخصوص، الأكثر حساسيّة تجاه هلال شيعيّ يمتدّ شمال حدودها مع العراق وبلاد الشام44. هذا، فضل عن مخاوفَ من تصاعد النفوذ الإيرانيّ في اليمن حيث التمرّد الحوثي،ّ ومحاولات طهران التدخّل في الشؤون الداخليّة لدول خليجيّة عدّة حيث توجد أقلّيات شيعيّة مهمّة، وهو ما كشفت عنه تصريحات عددٍ من المسؤولين الإيرانييّن. قاومت إيران بشدة محاولات خصومها الإقليميين إسقاط نظام الأسد، ووفرت له كل أسباب الصمود، بما في ذلك تقديم مساعدات مالية كبيرة على شكل قروض، كما قامت بإرسال متطوعين من دول مختلفة للقتال إلى جانبه، وصولً إلى إرسال قوات من الحرس الثوري لمساعدته في مواجهة تقدم قوات المعارضة. وكلما ازداد الدعم الإيراني للنظام السوري، كان يزداد معه حجم النفوذ الإيراني، حتى غدت إيران صاحبة القرار الأول على الأرض في المناطق التي يسيطر عليها النظام. وقد تسبب حجم النفوذ الإيراني وتدخل إيران في كل التفاصيل حالة ضيق شديدة في دوائر النظام، دعته إلى استدعاء لاعب أكبر إلى الساحة، في محاولة منه للحد من النفوذ الإيراني من جهة، وقطع الطريق على محاولات تركيا المتنامية لإسقاطه من جهة أخرى.

استدعاء روسيا

في إطار لعبة التوازنات التي كان بشار الأسد يحاول إنشاءها حول سورية، ولتغطية ضعفه المتزايد بعد انهيار العراق وخروجه من لبنان، بدأ بمحاولة تطوير علاقاته مع روسيا، فقام في آخر عام 2004، بزيارة روسيا التي لم تكن تعير اهتمامًا كبيرًا لسورية في ذلك الوقت. خلال الزيارة التي قام بها متشجعًا بموقف روسيا المعارض لغزو العراق، حاول بشار الأسد إحياء التحالف القديم واستدعاء أجواء الحرب الباردة، لكنّ روسيا لم تكن مهتمة كثيرًا بهذا العرض، لأنها كانت في ذلك الوقت ما تزال تحاول استعادة توازنها الذي فقدته بسقوط الاتحاد السوفياتي، ولم تكن مهتمة بأي صراع مع الغرب. كما أنها آخذت بشار الأسد على أنه لم يطرق أبوابها، إلّ عندما أغلقت في وجهه أبواب الغرب45. وقد عبّ الروس عن امتعاضهم من هذا السلوك، عندما سمحوا بتمرير جميع قرارات مجلس الأمن المتصلة بسورية بما فيها القرار رقم 1559 الذي صدر في أيلول / سبتمبر 2004، ودعا إلى إنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان، والقرار 1595 الذي صدر في نيسان / أبريل 2005 ونص على تشكيل لجنة تحقيق دولية في اغتيال الحريري46.

  1. Bulent Aliriza & Stephen Flanagan, “The End of Zero Problems? Turkey and Shifting Regional Dynamics”, Center for Strategic and International Studies (CSIS) , 12/4/2012, at: http://csis.org/files/publication/120413_gf_ aliriza_flanagan.pdf
  2. Aras, “Turkish-Syrian …”.
  3. Freidman, 18/10/2011...
  4. Marwan Kabalan, “Is Syria's Eastward Drift Viable”, Gulf news , 2/6/2006.
  5. Andrej Kreutz, Russia in the Middle East: Friend or Foe? (Westport: Greenwood Publication Group 2007), pp. 37 - 38.

لكن بشار تمكّن مع ذلك خلال زيارته الأولى إلى موسكو من إبرام اتفاق يلغي أكثر من 70 % من ديون روسيا المستحقة على بلاده خلال فترة الحرب الباردة، وتسديد الباقي على شكل بضائع، أو استثمارات داخل سورية. وقد سنحت الفرصة أمام بشار من جديد لتوطيد العلاقة مع الكرملين، عندما قامت روسيا بغزو جورجيا في آب / أغسطس 2008، فقد أدّى زيارة أخرى إلى موسكو أعرب فيها عن تأييده الكامل للموقف الروسي، وهو أمر لقي استحسانًا في موسكو التي أخذت تبدو أكثر استعدادًا لمواجهة الغرب، بسبب توسع الأطلسي وموضوع الدرع الصاروخية والثورات الملونة التي رأت روسيا أنها مؤامرة غربية تستهدف الوصول إليها وإطاحة نظامها أو على الأقل إحاطتها بأنظمة معادية. لذلك، عندما اندلعت الثورة السورية، اتخذت روسيا موقفًا مؤيدًا للأسد، وحالت دون صدور أي قرار عن مجلس الأمن يدين العنف الذي استخدمه نظامه ضد المتظاهرين، كما تبنت رواية النظام لجهة وجود عصابات مسلحة تنشر الرعب والإرهاب في طول سورية وعرضها47. وقد مثّل ارتياب موسكو من صعود تيارات الإسلام السياسي في العالم العربي، ووصولها إلى السلطة أحد المحددات المهمة للموقف الروسي من الأزمة السورية، إذ لم تخف موسكو قلقها من تصاعد هذا المد في أقاليمها الإسلامية، خاصة في ضوء تجاربها في أفغانستان والشيشان. فضلً عن ذلك، تتوجس روسيا خوفًا من تنامي النفوذ الإقليمي التركي بفعل النجاح الاقتصادي والسياسي الذي حققه النموذج الإسلامي لحزب العدالة والتنمية. وبما أنّ تركيا هي وريث الدولة العثمانية، خصم روسيا التاريخي، مع ملاحظة ما لها من نفوذ وامتدادات في جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية أثّر بوضوح في الحسابات الروسية48. وقد ساهم النظام السوري في تغذية مخاوف روسيا من تعاظم النفوذ التركي من جهة، وارتباطه بتيارات دينية من جهة أخرى، عبر تصوير الاحتجاجات على أنها حركة إسلامية سنّية تسعى إلى إطاحته، وإحلال نظام قريب من أنقرة في دمشق. لذلك رأت موسكو أنّ وصول نظام سنّي إلى الحكم في سورية مبعث قلق رئيس لروسيا، كما جاء على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف، بما أنه يهدد توازنات القوى في الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز وآسيا الوسطى، وهي مناطق تحظى باهتمام كبير في الكرملين49. من جهة أخرى، مثّلت إيران خلال العقد الماضي مشكلة حقيقية بالنسبة إلى روسيا، فهي من جهة تخشى من تزايد نفوذ إيران الإقليمي على حساب الدور الروسي، وكذلك من منافستها لها في قطاعي النفط والغاز، لكن من جهة أخرى ترى موسكو في إيران خطًا دفاعيًا أساسيًا عنها عندما يتعلق الأمر بسعي الغرب إلى مد نفوذه إلى التخوم الجنوبية لروسيا. وبناء عليه، ترى روسيا أنّ وجود إيران معادية للغرب أمر حيوي لأمنها القومي50، وقد انعكست هذه الرؤية على طريقة إدارة موسكو للازمة السورية. فالصراع الدائر في سورية – من وجهة نظر موسكو - إنّ ا هو حرب تخوضها واشنطن وحلفاؤها الإقليميون (دول الخليج وتركيا)، لإضعاف إيران وإخراجها من سورية، تمهيدًا للقضاء على نفوذها وفرض شروط "الاستسلام" عليها، ما يخلُّ بموازين القوى الإقليمية القائمة51. ومن المصالح الروسية البارزة في الأزمة السورية أن تسعى موسكو إلى التمسك بمكانتها بصفتها عملاقًا في حقل الطاقة، وتعمل على منع المنافسين الكبار من مزاحمتها اقتصاديًّا وإستراتيجيًّا، فموسكو تعتقد أنه مع تناقص عدد سكانها واضمحلال دورها وانتقالها من قوة عالمية إلى قوة إقليمية، فإنّ قطاع الطاقة قد يكون الخيار الأمثل وربّ ا الوحيد لتحقيق مكانة عالمية، في ظروف تشهد تحولات عميقة في بنية النظام الدولي52. لذلك تجد أنّ علاقاتها بالمنافسين الكبار في حقل الطاقة تراوح بين الفتور والتوتر، بما في ذلك مع إيران53. إنّ التنافس الدولي والإقليمي على خطوط نقل الغاز والنفط سواء من بحر قزوين أو من الدول المطلة على الخليج العربي مثّل من ثم

  1. انظر: "لافروف: الغرب يتعامل بازدواجية مع الإرهاب"، روسيا اليوم، 2012/12/22، في: http://bit.ly/1Kn2BOE
  2. Leon Hadar, “Understanding Moscow's Mideast Policy,” The National Interest , 21/6/2012, at: http://nationalinterest.org/commentary/ understanding-moscows-mideast-policy-7092
  3. لافروف: إذا سقط النظام السوري بعض بلدان المنطقة ستمارس ضغوط هائلة لإقامة الشرق الأوسط نظام سني"، صحيفة، عدد 12168، 2012/3/22؛ وأيضًا: "تصريحات لافروف الشرق الأوسط عن "حكم السنة" في سوريا تثير إدانات موسعة"، صحيفة، عدد 12169،
  4. للدلالة على أهمية إيران بالنسبة إلى الأمن القومي الروسي، انظر مثلا كتاب أهم منظري الإستراتيجية الروسية في فترة ما بعد الحرب الباردة، ألكسندر دوغ، أسس الجيوبوليتكيا ومستقبل روسيا الجيوبوليتكي، عماد حاتم (مترجم)، ط 1 (بيروت: دار الكتب الجديدة المتحدة، 2004)، ص 286 - .294
  5. لافروف: ان ما يجري في الغرب حول سورية تمليه المصالح الجيوسياسية"، روسيا اليوم، 2012/10/22، في: http://arabic.rt.com/news_all_news/analytics/69112/
  6. Keith C. Smith, “Russia and the European Energy Security: Divide and Dominate”, Center for Strategic and International Studies (CSIS) (October,
  7. Vladimir A. Orlov & Miriam Fugfugosh, “The G-8 Strelna Summit and Russia's National Power”, Center for Strategic and International Studies and the Massachusetts Institute of Technology, The Washington Quarterly , vol. 29, no. 3 (Summer, 2006), pp. 35 - 48.

أحد المحددات المهمة للموقف الروسي من الأزمة السورية. إذ تخشى موسكو من أن يؤدي سقوط النظام السوري إلى زعزعة مكانة روسيا التي تهيمن على سوق الغاز الأوروبية، نتيجة مد الغاز القطري عبر السعودية وسورية إلى تركيا وأوروبا، ما من شأنه أن يحرم الكرملين ورقة رابحة إستراتيجيًّا واقتصاديًّا54. كما دخلت الاكتشافات الجديدة للغاز في شرق المتوسط في الحسابات الروسية المتصلة بالأزمة السورية، بما ينبئ بإعادة رسم خارطة التحالفات الإستراتيجية في المنطقة55. إذ تتنامى باطراد العلاقات الإسرائيلية – اليونانية – القبرصية على أرضية تعاون هذه الأطراف في استثمار حقول الغاز المكتشفة حديثًا في المنطقة. وتقوم روسيا بدور الراعي لهذه العلاقة، مستفيدة من روابطها التاريخية مع اليونان عبر الكنيسة الأرثوذكسية من جهة، ومن وجود نحو مليون مهاجر يهودي من أصول روسية في إسرائيل من جهة أخرى. وللدلالة على أهمية القضية بالنسبة إلى موسكو، قام بوتين بزيارة إسرائيل وقبرص، مباشرة عقب عودته لسدة الرئاسة في شهر حزيران / يونيو 2012، إذ عرض عليهما تقديم الدعم الروسي التقني وإنشاء مشاريع مشتركة56. في الوقت نفسه، تبدي موسكو قلقها من إمكانية قيام تركيا، بعد الاكتشافات الجديدة، بتحقيق نوع من الاستقلال الطاقوي عنها. لذلك، تبنت روسيا موقف قبرص واليونان في النزاع الدائر مع تركيا حول حدود الملكية البحرية لهذه الحقول، وإمكانية استثمارها57. وقد زاد اندلاع الأزمة الأوكرانية، في شتاء العام 2014، من إصرار روسيا على أداء دور مؤيد لنظام بشار الأسد في سورية، إذ لم يوجه الغرب ضربة قوية لروسيا عبر إسقاطه النظام الحليف لها في كييف فحسب، بل فرض عليها عقوبات قاسية أيضًا، وذلك ردًا على قيامها بضم شبه جزيرة القرم في آذار / مارس 2014، وكأنه يتعامل مع دولة عالمثالثية. لذلك، عندما تلقى الرئيس بوتين دعوة من النظام السوري للتدخل عسكريًا إلى جانبه، بعد أن بدأت قواته تتداعى أمام تقدم المعارضة خاصة في مناطق الشمال الغربي بداية من ربيع 2015، بدا أنّ لدى بوتين من الأسباب ما يكفي لتلبية الدعوة58. وكان من أهم نتائج التدخل العسكري الروسي في سورية أنه أدى إلى تراجع أدوار القوتين الإقليميتين إيران وتركيا في الصراع الدائر في سورية، لكنه أفقد من جهة أخرى النظام السوري استقلالية القرار، بعد أن أصبحت إرادته مرتبطة كليًا بالإرادة الروسية59.

خاتمة

ترك سقوط العراق بيد الاحتلال الأميركي النظام السوري مكشوفًا، أمام الضغوط التي تنامت بسبب معارضته غزو العراق عام 2003، واتهامه باغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري عام.2005 الضعف البنيوي الذي ألمّ بالنظام، دفعه إلى الالتصاق أكثر بإيران، فتحولت إلى شريكه الأمني والعسكري الأول، كما ذهب في اتجاه الانفتاح على تركيا التي تحولت إلى شريكه التجاري الأكبر. وفيما حاول النظام استخدام علاقاته الوثيقة مع القوتين الإقليميتين الكبريين لتوفير غطاء حماية له من الضغوط الخارجية، حاول في الوقت نفسه تحقيق نوع من التوازن بينهما، فقد نجح في أن تحوّل إلى حاجة إستراتيجية لكليهما Asset(Strategic)، وأذكى حدة التنافس بينهما على كسبه. أعطى هذا الأمر النظام هامش مناورة واسعًا، وموقعًا فريدًا في الإقليم لجهة قدرته على الجمع بين الأقطاب الإقليمية المتنافسة، بصفته حلقة الربط والتوازن بينها، خاصة بعد الانفتاح على السعودية بدءًا من عام 2009، ومحاولة التقارب مع روسيا في محاولة لاستعادة اهتمامها بالمنطقة. وقد استغرق النظام في قدرته على إدارة لعبة التوازنات الإقليمية هذه، طالما ظل وضعه الداخلي مستقرًا، لكن ما أن اندلعت الثورة، واختل ميزان القوى الداخلي القائم بين النظام وقوى المجتمع الذي يحكمه، حتى تحوّل التنافس الإقليمي على سورية إلى صراع دموي. هنا، فقد النظام قدرته على إدارة التوازنات الإقليمية، وتحوّلت سورية إلى ساحة صراع بين القوى عينها التي حاول الاحتماء بها.