الانتخابات والصراع المسلّح والنفط في خضم التنافس على السُ لطة في ليبيا ما بعد القذافي

فرجيني كولومبيه

الملخّص

تتناقش هذه الدراسة أحوال ليبيا بعد خمس سنوات من سقوط نظام العقيد معمر القذافي. ترى الدراسة أنّ ليبيا تقف الآن على حافة الهاوية، بسبب الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية التي أفرزها الوضع السياسي غير المستقر الذي استمر حتى الآن خمس سنوات. فمنذ نهاية عام 2014، اتضح على نحوٍ جليّ أنّ خطة التحول التي تصورها "المجلس الوطني الانتقالي" في ليبيا تفك كت، كما رافق الانسدادَ المؤسساتي الذي تبلور في ظل إخفاق هذه الخطة الكثير من العنف، وعدم الاستقرار، والصدامات المباشرة بين الفرقاء. يضاف إلى ذلك ما أخذ يجري مؤخرًا من تمدد متسارع لنفوذ "تنظيم الدولة الإس مااية في ليبيا." وترى الدراسة أنّ انتخابات 2012 ماايين التي صُ وِّرت بأنها منافسة بين ممثلي "الإس" تنافسا وسباق و"الليبراليين"،  كانت - في الحقيقة -ا على المصالح بين ممثلي مدن وبلدات بعينها، وعشائر وعائلات. وترى الدراسة أنّ الن خب السياسية الليبية في حاجة إلى التشجيع والدعم، لتتمكن من بناء توافقات في ما بينها، ولتفيد من إطار الشرعية الجديد من أجل تقديم إنجازات ملموسة للشعب الليبي، بدلا من الاعتماد على القوة، وتدمير مصادر الثروة الوطنية، والدعم الخارجي، للسيطرة على الخصوم السياسيين والقضاء عليهم.

بعد مرور خمسة أعوام على الثورة الليبية التي أطاحت معمر القذافي ونظامه، في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2011، تبدو ليبيا على حافة الهاوية، بسبب تفاقم التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للوضع السياسي. ففي نهاية عام 2014، اتضح على نحوٍ جليّ أنّ خطة التحول التي تصورها "المجلس الوطني الانتقالي" في ليبيا تفكّكت، ورافق الانسدادَ المؤسساتي الذي تبلور في ظلّ إخفاق هذه الخطة الكثير من العنف، وعدم الاستقرار، والصدامات المباشرة بين الفرقاء، فضلً عن التمدد المتسارع لنفوذ "تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا." استخفّ الليبيون وشركاؤهم الأجانب بهذه التحديات. ولكنّ هذه النهاية ما كانت لتصير محتومةً لو جرى تغليب الحوار والمصالحة على التنافس في المراحل الانتقالية الأولى.

صورة ليبيا القاتمة بعد خمسة

أعوام من الانتقال: التباين في المصالح والتشظي المتزايد في الساحة السياسية

منذ صيف 2014، يتنافس برلمانان وحكومتان في الاعتراف بأنّه الطرف الممثل للسُلطة الليبية، من دون أن تكون لأيّ طرفٍ سلطات حقيقية تمارس على رقعة واسعة من أرض ليبيا، ولا شرعية عابرة للأقاليم والمجتمعات المحلّية، بل إنه لم يعُد لتعريف هذا المعسكر أو ذاك أي معنى، بعد نشوء "فجر ليبيا" الذي يرتبط ببرلمان طرابلس العاصمة، في مقابل "عملية الكرامة" التي ترتبط ببرلمان طبرق. فقد قادت المصالح المصاحبة للمفاوضات السياسية، إلى تشديد حدّة الخلافات السياسية داخل كلّ منهما، ومن ثمّ آل الأمر إلى تشظّي المعسكرين اللذين كانَا غير متجانسين أصلً، وهو ما أثّر في التماسك الاجتماعي داخل المدن والمجتمعات المحلّية التي كانت أظهرت قدرًا مهمًّ من التكاتف في أثناء الثورة. لقد كان من النتائج التي كشف عنها الحوارُ السياسي الذي رعته الأمم المتحدة وجود تباين واضح في المصالح بين النُخب المحلّية، ينعكس على العلاقة ما بين هذه النُخب ومن يتبعها1، علاوةً على الانقسامات السياسية المتزايدة بين نُخب البلاد، في الشرق والغرب، وصعوبة التواصل بين الأفراد والعوائل عبر أطراف البلاد المترامية، وحدّة الخطاب السياسي الذي تبثّه أجهزةُ الإعلام المتحزبة، وهو ما يساهم في تعميق الفجوة بين شطري ليبيا، في الشرق والغرب، ويطرح شكوكًا في إمكان بقاء ليبيا دولةً موحّدة.ً

عسكرة السياسة وصعود عصابات

الجريمة المنظمة والجماعات الجهادية

ساهمت الانقساماتُ السياسية في تفاقم أزمة الأمن في البلاد. فمن جهة، أذكت هذه الانقساماتُ المواجهاتِ المسلّحة بين الأطراف المتخاصمة. ومن جهة أخرى، أوجدت الفراغ السياسي والقيادي الذي سمح بتكوّن الجماعات المسلّحة التي ترفض الخضوع للسُلطة المركزية (يشمل هذا الأمر جماعات تشكّلت في أثناء ثورة 2011، أو بعد هذه الفترة مباشرةً)، أو التي تهدّد السكّان والسلطات القائمة (من قبيل عصابات الجريمة المنظمة والجماعات الجهادية مثل.) بعد المواجهات العسكرية الواسعة النطاق التي دارت بين ائتلافات من جماعات مسلّحة من مصراتة وزليتن في تموز/ يوليو 2014، ربما هدأت الأجواء قليلً في طرابلس، ولكنّ الوضع لا يزال مضطربًا. فهناك مواجهات مستمرّة بين عصابات المسلّحين المتناحرة، من دون أن يتمكن أيّ طرف من إحكام سيطرته. وفي ما عدا ذلك، أثبت الهجوم الذي تبنّاه تنظيم الدولة الإسلامية على فندق كورنثيا بطرابلس، في كانون الثاني/ يناير 2015، وجود تنظيمات جهادية، قادرة على القيام بهجمات في العاصمة. وليس وضع بنغازي، مدينة ليبيا الثانية، بأفضل حالً؛ إذ يشِيع العنف والتدمير، منذ أواخر عام 2012، من انفجارات، وسيارات مفخخة، واغتيالات لناشطين ورجال أمن، ومسؤولين في الحكومة. ويواصل

  1. Wolfram Lacher, “The UN wants to end Libya's civil war. Here is the big challenge they face,” The Washington Post , 5/11/2015.

سكان هذه المدينة دفع ثمن العنف. ولعلّ إحدى نتائج ما تشهده بنغازي من عنف كان من جرّاء إعلان الجنرال المتقاعد خليفة حفتر عن "عملية الكرامة" في أيار/ مايو 2014. ويستمرّ في بنغازي القتال بين قوات ما يسمى "الجيش الوطني الليبي" وقوات متحالفة مع "مجلس شورى ثوار بنغازي"؛ من بينها "كتيبة أنصار الشريعة" التي تصنفها الولايات المتحدة الأميركية جماعةً إرهابيةً، و"كتيبة درع ليبيا"، و"كتيبة 17 فبراير"، و"كتيبة راف الله السحاتي." بوجهٍ عامّ، يدفع المدنيون، في كلّ أرجاء ليبيا، ثمن نزاعات بين مجموعات مسلّحة تحاول السيطرة على موارد ليبيا ومرافق البنية التحتية فيها، إذ تشهد المدن: سبها، والكفرة، وأوباري الجنوبية، على نحوٍ خاص، مثل هذه النزاعات، وكثيرًا ما يحتدم الصراع بين قبائل الطوارق والتبو في جنوب غرب ليبيا، وبين التبو والزوي في الجنوب الشرقي. وقد أدّت جميع هذه العوامل إلى تدهور الوضع الإنساني، نظرًا إلى قلّة الموارد، وضعف الخدمات الطبية، فضلً عن محدودية الاتصالات عبر البلاد. وارتبط الفراغُ السياسي، على المستوى الوطني، بغياب السلطات المحلّية الشرعية في الكثير من المناطق؛ ما أدَّى إلى صعود المجموعات الجهادية، وفي صدارتها تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا الذي نجح، بعد ظهوره في درنة في تشرين الأول/ أكتوبر 2014، في احتلال حواضر ومساحات شاسعة، ولا سيما مدينة سرت التي عُرفت بولائها للقذافي وبلدات صغيرة حولها. وفي كانون الثاني/ يناير 2016، استطاع التنظيم التقدم شرقًا، فاحتل مدينة بن جواد، وتمكّن من قصف المنشآت النفطية في مرفأي السدرة وراس لانوف.

اقتصاد على حافة الانهيار

نتيجةً لما تقدّم ذِكره، يبدو أنّ الاقتصاد الليبي مُقبل على التراجع، وفي سياق تفكُّك أمني بطريقة متسارعة. فعلى الصعيد المحلّ، قاد التنافس في الموارد الاقتصادية (من بينها حقول النفط والغاز ومنشآت قطاع الطاقة، فضلً عن الموارد المالية الأخرى) إلى تدهور مدخول النفط، ومن ثمّ إلى تدهور مالي حادّ. فصادرات النفط الآن هي تقريبًا ربع ما كانت عليه عام 2011، وعجزُ الميزانية عام 2016 يراوح ب 20 و 30 مليار دينار ليبي 14.4(- 21.6 مليار دولار أميركي تقريبًا)، أيْ ما تراوح نسبته بين 42 % و 68 % من الناتج المحل الإجمالي2، وقد تزامن كلّ ذلك مع ارتفاع الإنفاق الحكومي. ولذلك، انخفض احتياطي المال في ليبيا من 110 مليار دولار عام 2013، إلى 60 مليار حاليًّا، وهو أمرٌ سيمثّل مشكلةً كبرى، لبلد يعتمد كلّيًا على الاستيراد. وانعكس الانقسام بين المؤسستين السياسيتين على المؤسسات المالية أيضًا؛ ذلك أنّ كلتا الحكومتين تطالب ببنك ليبيا المركزي، وبالمؤسسة الوطنية للنفط، والمؤسسة الليبية للاستثمارات (الصندوق السيادي الليبي داخل البلاد وخارجها.) فحكومة البيضاء تحاجّ في أنها تحظى باعتراف دولي، وفي أنّ من حقّها السيطرة على هذه المؤسسات، ولكن ليس لها القدرة على ذلك؛ لأنّ المؤسسات المالية المتنازع فيها تقع في طرابلس، كما أنها لم تنجح في إنشاء مؤسسات موازية بديلة موالية لها. وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض كبار المسؤولين في هذه المؤسسات طالبوا بأن تبقى هذه المؤسسات خارج دائرة الصراع السياسي. وبالفعل، لا يزال البنك المركزي الليبي يدفع رواتب سائر الموظفين في كلتا الحكومتين، فضلً عن أنه يُغطي نفقات الدعم الحكومي في سائر ليبيا.

لماذا عُرقل الانتقال في ليبيا؟

سرعة تنظيم الانتخابات التشريعية في ليبيا ساهمت، في تموز/ يوليو 2012، وسلامة إجراءاتها وسهولتها، في رفع سقف توقعات التفاؤل بالتحول في ما بعد الثورة في ليبيا، وبأنّ الدولة مُقْبلة على عصر جديد حافل بالحرِيات الفردية، والرفاهية الاقتصادية، والمشاركة السياسية. وكان السياسيون الغربيون المؤيّدون للثورة الليبية يفترضون أنّ التحول في ليبيا سيكون ناجحًا وباهرًا، وأنّ الانتقال من نظام "الجماهيرية" سيؤدِّي إلى ازدهار ليبيا، وكان يُحسب لهذه البلاد تجانسها شبه المطلق؛ من ذلك تجانسها الديني (أغلبيتها من المسلمين السنّة)، والإثني (على الرغم من وجود مهمٍّ لأقليات إثنية من قبيل الطوارق، والتبو، والأمازيغ)، إضافةً إلى قلّة الكثافة السكانية فيها 6( ملايين نسمة في 18 مليون كيلومتر مربع)، فضلً عن مواردها الطبيعية، وأموالها، وموقعها الجغرافي المميز بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط. وهكذا، كانت تكتمل الصورة المتفائلة لليبيا بالنظر

  1. International Crisis Group, The Prize: Fighting for Libya's Energy Wealth, Middle East and North Africa Report, no. 165, 3/12/2015.

إلى توافر كلّ عامل من عوامل الانتعاش السريع والسليم للبلاد بعد ثورة 2011 3. شكّلت انتخابات "المؤتمر الوطني العامّ"، في 7 تموز/ يوليو 2012، خطوة أساسيةً في المسار الانتقالي، كما خطّط له "المجلس الوطني الانتقالي" وأقرّه الإعلان الدستوري الذي صدر في آب/ أغسطس 2011. وكانت ثمَّة وجهات نظرٍ مختلفةٍ بين النُخب الليبية، متعلّقة بكيفية ضمان استقرار البلاد خلال الفترة الانتقالية، وبعدم المساس بشرعية السلطات الموقّتة في الحكم. وقد غلبت، في النهاية، وجهة نظر "الإخوان المسلمين" والمجموعات الإسلامية الأخرى، بشأن ضرورة إشراف جسم منتخب على المرحلة الانتقالية، وضرورة أن يُنظَر إلى شرعية السلطات الانتقالية بوصفها أكثر أهميةً من أيّ أمرٍ آخر، بما في ذلك الاستقرار4. وقد أيّد المجتمعُ الدولي فكرة إجراء انتخابات مبكرة، تحت هاجس إيجاد شريك حوار ليبي موحّد وذي شرعية، استنادًا إلى أنّ فكرة انتخابات حرَّة ونزيهة هي جوهر الديمقراطية.

كانت انتخابات تموز/ يوليو 2012 بمنزلة نجاح كبير، على مستوى التنظيم والمشاركة التي بلغت نسبتها 61.58 % من الناخبين5. ولكن ما تخفيه هذه النسبة العالية للمشاركة هو أنّ الانتخابات فاقمت الخلافات بين الجماعات المسلّحة والمجتمعات الحاضنة لها. وفي الحصيلة، أدّت الانتخابات - وإن على نحوٍ غير مقصود - إلى زيادة النزاع والتوتر والاستقطاب بين الجماعات السياسية في الساحة السياسية الفتيّة. لم يعرف الليبيون السياسة الحزبية، ولا الإجراءات الانتخابية، ولم تكن لقادة الأحزاب السياسية الناشئة أيّ خبرة في الحوار السياسي أو في بناء التوافقات. ونتيجةً لذلك، صار يبدو أنّ التنافس الانتخابي والفوز في الانتخابات يشكلّان المفتاح الذي يؤدِّي إلى الحصول على دعم أغلبيّة الليبيين لكسب السُلطة، والسيطرة على المؤسسات السياسية الناشئة والتحكم فيها، بما في ذلك "المؤتمر الوطني العامّ"، والحكومة، وسائر مؤسسات الدولة أيضًا. وتجاوز الأمر مدى تكون السُلطة بموجبه وسيلةً لفرض رؤية أيديولوجية محدّدة أو برنامج سياسي ما؛ إذ رأت النُخب السياسية الليبية أنّ المواقع المؤسسية وسيلة للوصول إلى الموارد (الاجتماعية والمالية) والإفادة منها لمجتمعاتها المحلّية. ونتيجةً لذلك، وعلى الرغم من أنّ انتخابات 2012 قُدّمت بأنها منافسة بين ممثلي "الإسلاميين" و"الليبراليين"، فإنها - في الحقيقة - كانت تنافسًا وسباقًا على المصالح، بين ممثلي مدن وبلدات بعينها وعشائر وعائلات6.

الاستخفاف بانقسامات المجتمع الليبي وضرورة المصالحة

تأثر المجتمع الليبي، على نحوٍ عميق، بسياسات التحكم والسيطرة التي مارسها نظام القذافي أكثر من 40 عامًا، وأدّى ذلك إلى شروخ مجتمعية عميقة، اتّخذ بعضها طابعًا عنفيًا بين المجتمعات المحلّية. وخلافًا لثورتي مصر وتونس، سرعان ما تحولت الثورة الليبية إلى ثورة مسلّحة، أدّت إلى تدخل عسكري مباشر لقوى أجنبية. ومن ثم،ّ انتهت إلى حرب أهلية واجهت بعض المجتمعات المحلّية الليبية فيها بعضها الآخر؛ إمّا في إطار الثورة وإمّا في إطار الدفاع عن النظام، بدعم من قوى أجنبية في كلتا الحالتين. وهكذا، كان إعلان "المجلس الوطني الانتقالي" تحريرَ البلاد بمنزلة إعلان نصر من مجموعة ليبيين على مجموعة أخرى، وأصبحت البلاد - في إثر ثورة 17 فبراير - منقسمةً بين غالب ومغلوب، وسرعان ما طفت إلى السطح النزاعاتُ القديمة بين المجتمعات المحلّية. ومن ثمّ، ازدادت المخاطر الحافّة بإعادة بناء النظام السياسي.

  1. يبلغ احتياطي ليبيا المؤكد من النفط الخام 48 مليار برميل؛ أي نحو 38 % من إجمالي الاحتياطي في القارة الأفريقية، و 2.9 % من الإجمالي الاحتياط العالمي. أمّا بالنسبة إلى الغاز الطبيعي، فيبلغ الاحتياطي الليبي نحو 55 تريليون قدم مكعب.
  2. Peter Bartu, “The corridor of uncertainty,” in Peter Cole & Brian McQuinn, The Libyan Revolution and its Aftermath , (London: C. Hurst & Co Publishers Ltd, 2015).
  3. في هذه الانتخابات، حازت قائمة "تحالف القوى الوطنية"، بقيادة محمود جبريل 39 مقعدًا، يليها "حزب العدالة والبناء"، المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين الذي حاز 17 مقعدًا،
  4. إلا أنّ المنافسة في مقاعد "المستقلين" أدّت إلى هيمنة مرشّحي الإخوان والسلفيين على المرشحين القريبين من "تحالف القوى الوطنية." 6  Wolfram Lacher, “Fault Lines of the Revolution: Political Actors, Camps and Conflicts in the New Libya,” SWP Research Paper (Berlin: SWP, 2013).

أمّا الجماعات المسلّحة ومجتمعاتها الحاضنة، فكانت المرحلة الانتقالية التي ابتدأت بانتخابات "المؤتمر الوطني العامّ"، وكانت ذات أهمية مفصلية بالنسبة إليها، فهي يمكن أن تنتهي إلى توزيع جديد للسُلطة بين المجتمعات المحلّية. ويُعدّ هذا التوزيع أمرًا حاسم في تشكيل النظام السياسي الجديد. وهنا تحديدًا، بلغت المنافسة بين المجتمعات المحلّية ذروتها، مدعومةً بالقادة السياسيين الجدد والجماعات المسلّحة الجديدة.

في البداية، كان ثمَّة تصدّع كبير في العلاقة بين المدنيين الذين قاتلوا ضمن ألوية الثورة عام 2011 من جهة، والمنشقيّن عن نظام القذافي الذين التحقوا بالثورة من جهة أخرى. وتدريجيًّا، نمَا تصدّع ثانٍ بين الائتلافات الثورية نفسها، ولا سيما بين المنتصرين. وهكذا، كانت صيانة ثورة 17 فبراير على المحكّ، بالنسبة إلى قوى الثورة التي تمثّلت أولويتها الأولى بمنع أفراد النظام السابق من المشاركة في الشأن السياسي الليبي، وبأن يكون قادة ليبيا الجديدة "ثوارًا مخلصين"، وهو ما يكشف عن ضغينة تجاه أفراد النظام القديم وعدم الثقة بهم. ولذلك انتهزت قوى الثورة فرصة الانتخابات التشريعية الأولى لتثبت قوّتها ونفوذها عبر سائر مؤسسات الدولة، ولتحدّ من نفوذ أتباع النظام السابق. وهذا الأسلوب متأثّر بخبرة عناصر قوى الثورة التي تشكّلت في ليبيا أثناء حكم القذافي؛ إذ كان الشكّ المتبادل يسيطر بين فئات المجتمع على الحياة العامّة، وكانت الفئات المجتمعية تتنافس في ما بينها للحصول على المزايا من الحكومة المركزية. وعلى الرغم من نجاح الانتخابات الأولى، فإنّ المؤتمر الوطني العام سرعان ما انقسم إلى كتلتين رئيستين، واحدة يقودها "الإخوان المسلمون"، والأخرى يتزعمها "تحالف القوى الوطنية." وهاتان الكتلتان تختلفان في ما بينهما على التعامل مع مسؤولي النظام السابق وإرث الحرب الأهلية، ولم تكونَا قادرتين على بناء توافق بينهما في أمور كانت حاسمةً لضمان شرعية المؤسسات الجديدة. وقد أدَّى هذا الانقسام إلى شلل المؤتمر الذي اعتمد لاحقًا، في 13 أيار/ مايو 2013، "قانون العزل السياسي"، بعد أن مارس مؤيّدو القانون ضغوطًا مسلّحة لإقراره. وفي الخلاصة، كانت انتخابات 2012 التشريعية ضربةً قاسيةً لمسيرة الانتقال الديمقراطي في ليبيا، بدلً من أن تكون حجر الأساس لضمان استمرارية المؤسسات السياسية وشرعيتها. ومن المؤكّد أنّ تنظيم هذه الانتخابات، بعد فترة زمنية قصيرة جدًّا من الثورة، يُعدّ تحديًا كبيرًا، ولا سيما أنّ البلاد تعدم تجربةًانتخابيةً أو حياةً حزبيةً. غير أن الأكيد أنّ إخفاق العملية لم يكن، بالدرجة الأولى، بسبب افتقاد هذه الخبرة، بل بسبب أنّ الانتخابات نُظِّمت بعد فترة قصيرة من سقوط نظام القذافي وحرب أهلية استمرت ثمانية أشهر، من دون معالجةٍ لِم ترتّب على هذين الأمرين. لقد كشف اعتماد "قانون العزل السياسي" بالقوة عن حدود قدرات السلطات الانتقالية على معالجة مسائل الحوار الوطني، والمصالحة الوطنية، والعدالة الانتقالية. فمن جهة، لم تكن توجد إلا أ طر قانونية قليلة جدًّا متعلّقة بتلك المسائل. ومن جهة أخرى، كان الجهاز العدلي يُعاني اختلالات عميقةً، ولا سيما ما كان منه في بيئة أمنية قلقة (بنغازي وشرق ليبيا.) وهكذا، لم تفلح مبادرتان كبيرتان في القيام بحوار وطني؛ سها محمد الحراري إحداهما سُمّيت "لجنة الحوار الوطني"، ورأ، في شباط/ فبراير 2013، والأخرى سُمّيت "الهيئة التحضيرية للحوار سها فضل الأمين، في كانون الثاني/ يناير الوطني"، ورأ 2014، بعد أن تبيّ للشعب الليبي أنّ كلتا المبادرتين محزّبة ومنحازة سياسيًّا إلى طرف أو آخر داخل المؤتمر الوطني العامّ، على الرغم من أنهما انطلقتَا بقوَّة7.

  1. Abdallah Hadeed, “Dialogue in Libya: challenges and conditions for success,” NOREF , 21/1/2015, at: http://www.peacebuilding.no/Themes/Peace-processes-and-mediation/ publications/Dialogue-in-Libya-challenges-and-conditions-of-success; Mustafa Fetouri, “Libya's absent national dialogue,” NOREF , 13/2/2015, at: http://www.peacebuilding.no/Regions/Middle-East-and-North-Africa/ Publications/Libya-s-absent-national-dialogue/(language)/eng-US; Jamal Bennor, “A model for dialogue and national reconciliation in Libya,” NOREF , 12/2/2015, at: http://www.peacebuilding.no/Regions/Middle-East-and-North-Africa/ Publications/A-model-for-dialogue-and-national-reconciliation-in-Libya/ (language)/eng-US

وإذا كان ثمَّة اعتقاد مفاده أنّ الانتخابات هي الخطوة الأساسية لبناء ليبيا الجديدة، فإنّ الطريقة التي أ عطيت فيها الأولوية للانتخابات على حساب المصالحة الوطنية كانت خاطئةً، ذلك أنها غضّ ت النظر عن الكسور العميقة في المجتمع الليبي، بل إنّ الانتخابات، في ظل التنافس في الحصول على الموارد، فاقمت الخلافات المجتمعية. وكما ذكرنا من قبل، كانت الانتخابات تعني، بالنسبة إلى الأطراف المتخاصمة في ليبيا، سباقًا على مناصب النفوذ، في إطار مؤسسّي جديد يضمن للفائز أمرين أساسيين: السيطرة على استعمال العنف (ومن ثمّ السلاح)، والسيطرة على ثروات الطاقة.

مستقبل الأجهزة الأمنية في خضم التنافس السياسي

باتت مسألة إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية الليبية شأنًا سياسيًّا محضًا، منذ بداية الفترة الانتقالية، لا مسألةً فنّيةً. ومع التدهور التدريجي في الوضع الأمني، بات ملحوظًا أنّ بناء جهاز أمني موحّد وفعّال، من دون توافق ومصالحة سياسية واسعين، أمرٌ مستحيل. وبسبب غلبة التنافس السياسي على بناء التوافقات بين النُخب السياسية الجديدة والجماعات المسلّحة المرتبطة بها، كانت ليبيا أمام خريطة طريق عاقت جزئيًا هذا التوافق. يُضاف إلى ذلك أنّ السلطات الانتقالية لم تقدّم رؤيةً لإصلاح قطاع الأمن، على الرغم من التحديات الكبيرة التي واجهتها البلاد. وكان ثمَّة تصوّر مفاده أنّ الأمن سيستتبّ، في سائر أنحاء البلاد، بعد توقف الحرب. ولكنْ في واقع الحال، لم تكن ثمَّة قوات موحّدة تسيطر عليها السلطات الانتقالية وتستجيب لها. أفضت الحرب إلى تفكيك قطاع الأمن في ليبيا، فحدث انقسام واضح بين القوات المسلّحة التي شُكِّلت إبّان حُكم القذافي من جهة، والقادة الميدانيين الذين تولّوا معظم القتال في الحرب من جهة أخرى. وكان ولاء العديد من الجماعات المسلّحة التي هي الطرف المسيطِر فعليًّا على الأرض، مرتبطًا بالمجتمعات المحلّية والقادة المحلّيين. وقد يكون سبب ذلك هو الطابع المحلّ والمجزّأ للثورة، فضلً عن الدعم الذي تلقّته جماعات مُحدّدة، وعلى نحوٍ منفرد، من جهات أجنبية. ومن ثمّ، كان التنسيق بين هذه الجماعات عبر سائر ليبيا مرتبكًا جدًّا. وبسبب الحاجة إلى معالجة المسألة الأمنية، في المدى القصير، قرّر المجلس الوطني الانتقالي والحكومة الانتقالية الأولى الاعتماد على الألوية الثورية والجماعات المسلّحة وإيكال المسؤولية الأمنية إليها، على الرغم من أنّ هذه المسؤولية تتحملها الدولة عادةً. وقد أفضى هذا الأمر إلى ترتيبات أمنيّة هجينة، وقلقة، وغير متوازنة أو متناسقة، بين جماعات مسلّحة ترعاها الدولة؛ ذات طابع محلّ جهوي من ناحية، وأجهزة الشرطة والجيش التي كانت سابقًا هي المسؤولة عن قطاع الأمن من ناحية أخرى، وليس العكس8.

وبعد أن أخفقت القيادات السياسية في الاتفاق في ما بينها في المؤتمر الوطني العامّ، وقد سبّب ذلك شللً سريعًا للمؤسسة التشريعية، بدأت الجماعات المسلّحة المنتمية إلى مجتمعات محلّية بعينها (المدن والبلدات؛ مثل مصراتة والزنتان، أو مثل قوى مسلّحة تنتمي إلى مناطق محدّدة، أو قبائل من المنطقة الشرقية، أو مجموعات أيديولوجية متضامنة، من قبيل الأعضاء السابقين في "الجماعة الليبية المقاتلة" التي نشطت في التسعينيات، أو أعضاء في الأحزاب الإسلامية الأخرى، وما إلى ذلك) تأخذ دور الفاعل الرئيس في تصعيد حدّة النزاعات السياسية. ولم تكن هذه النزاعات الحادّة تستهدف السيطرة على المؤسسات السياسية فحسب، بل كانت تستهدف مستقبل قطاع الأمن أيضًا. فتح اغتيال اللواء عبد الفتاح يونس، في مرحلة مبكرة من الحرب الأهلية في تموز/ يوليو 2011، الباب على موجة من الاغتيالات، طالت شخصيات أمنيةً وعسكريةً عديدةً، ولا سيما في شرقيّ البلاد، وتحديدًا

  1. Frederic Wehrey, “Ending Libya's civil war. Reconciling Politics, Rebuilding Security,” Carnegie Endowment for International Peace , 24/9/2014, at: http://ceip.org/11aHElc; Wolfram Lacher & Peter Cole, “Politics by Other Means: Conflicting Interests in Libya's Security Sector,” Small Arms Survey , Working Paper 20, October 2014, at: http://bit.ly/243kEAd

في مدينتي درنة وبنغازي. وقد أبرزت هذه الموجة عُمق الخلاف في إعادة بناء الأجهزة الأمنية، بين الجماعات الإسلامية المسلّحة وكبار الضباط في النظام السابق. ولم يكن هذا الخلافُ خلافًا بين "إسلاميين" و"ليبراليين"، على نحو ما يوصف. فقد شكّك الثوار في جدوى إبقاء الجيش والشرطة على حالهما، وطالبوا بعملية إصلاح جذرية لقطاع الأمن. وبما أنّ التوافق في هذا الموضوع لم يتحقّق، ولم يستطع أحد الأطراف فرْض رؤيته على الآخرين، تفتَّتت المؤسسات السياسية والأمنية أكثر فأكثر، إلى أن انفجرت المواجهة المسلّحة بين المعسكرين عام.2014 في هذا السياق، بدت "عملية الكرامة" التي قادها حفتر في أيار/ مايو 2014، ردّةَ فعلٍ على العنف المتصاعد والاغتيالات، في بنغازي وغيرها. وقد بدأ، في الوقت نفسه، حملةً على مختلف الجماعات ذات المَيْل الإسلامي كلّها، ومن بينها "أنصار الشريعة"، واصفًا إيّاها جميعها بأنها "جماعات إرهابية." وهكذا، وُلدت "عملية الكرامة" من استياء منتشر بين ضباط الجيش السابق، ولا سيما الذين ينحدرون من المنطقة الشرقية، انطلاقًا مم يصفونه بأنه "تواطؤ" المؤتمر الوطني العامّ في التعامل مع الإسلاميين وعدم مساندته الجيش في محاولته إحكام الأمن في بنغازي. وسرعان ما انضمّ إليهم مسلّحون من غربيّ ليبيا، وعلى نحوٍ خاص من مدينة الزنتان.

في حزيران/ يونيو 2014، جرت انتخابات مجلس النواب التي نجم عنها المؤتمر الوطني العامّ، وهي انتخابات زادت النزاعات السياسية خطورةً، ولا سيما في طرابلس العاصمة؛ إذ أوشك الخلاف السياسي بين مناصري كلّ من مصراتة والزنتان أن يتحول إلى صراع مسلّح. وقد أصبح، بالفعل، صراعًا مسلّحًا، بعد أن فقدت مصراتة والجماعات الإسلامية المسلّحة السيطرةَ على مجلس النواب المنتخب. وتحول الموقف بسرعة على الأرض، فأطلقت "غرفة عمليات ثوار ليبيا" عمليةً لطرد مسلّحي الزنتان من مطار طرابلس ومواقع إستراتيجية أخرى في العاصمة. وتوسّعت رقعة القتال، فجذبت قوى مسلّحة من أصقاع ليبيا كلّها، واستمر الاقتتال بين جميع المجموعات طَوال شهر آب/ أغسطس 2014. ومع حلول أيلول/ سبتمبر، استطاع تحالف "فجر ليبيا" الذي يقوده إسلاميون من مصراتة السيطرة على طرابلس، فقررت القوات المؤيّدة لمجلس النواب الجديد التمركز في مدينة طبرق حيث اتخذ حفتر مقرًا له. وبذلك، انقسمت البلاد إلى معسكرين متحاربين، لكلّ منهما داعموه من القوى الإقليمية؛ أحدهما يقوده إسلاميون ويتمركز في طرابلس ويُعرف بمعسكر "فجر ليبيا"، والآخر يتمركز في شرق ليبيا، ويقوده حفتر، ويُعرف بمعسكر "حملة الكرامة." بذل مندوب الأمم المتحدة إلى ليبيا جهدًا، طوال سنة كاملة، للتوفيق بين الطرفين، ولكن من دون جدوى. وعلى الرغم من أنّ الحوار الذي رعاه مندوب الأمم المتحدة قد انطلق بهدف معالجة المأزق المؤسسّي الذي نتج من قيام برلمانين وحكومتين على نحو متوازٍ، فإنّه سرعان ما بدا أنّ وضع ترتيبات أمنية جديدة هو إحدى القضايا الرئيسة التي ينبغي معالجتها، وأنه أهمّ عائق يحول دون الوصول إلى اتفاق سياسي مستدام9.

انهيار العملية السياسية والطمع في ثروات ليبيا

اتضح على نحوٍ جليّ، منذ عام 2012، أنّ التمكّن من ثروات ليبيا النفطية سيكون تحديًا حاسمً، وتهديدًا محتملً للعملية الانتقالية أيضًا. فالأطراف المتصارعة كانت كلّها تدرك أنّ السيطرة على ثروات البلاد ستتيح إمكانات كبيرةً للتنمية، فضلً عن أنها مصدر للسُلطة. وخلال أوّل سنتين من المرحلة الانتقالية، كان يوجد فهمٌ عامّ بين الأطراف الليبية مضمونه أنّ التمكّن من منشآت ليبيا النفطية يُ كن أن يُستخدم ورقةَ ضغطٍ في المفاوضات مع السلطات المركزية في طرابلس؛ من أجل رفع الرواتب، أو الحصول على حصة أكبر في توزيع العوائد، وما إلى ذلك10. ولذلك، لم تكن لأيّ طرف مصلحة

  1. Virginie Collombier, “Libya's Political Dialogue Needs More Security Content,” Arab Reform Initiative , September 2015, at: http://bit.ly/1PWUR3G
  2. The Prize: Fighting for Libya's Energy.

في تعطيل عملية إنتاج النفط وتصديره مدةً طويلةً أو الإضرار بهذه العملية. إلا أنّ الرؤية تغيرت عندما انهارت العملية السياسية، وأ كليًّا، في نهاية عام 2014 وقف الضعف والشلل المؤسّسيان العمليةَ الانتقالية. ألقى قرار تأسيس مجلس النواب الليبي في طبرق، على الرغم من معارضة عدد كبير من الأعضاء المنتخبين، ظلالً من الشك في شرعية المجلس. ومنذ ذلك الحين، أصبح واضحًا بالنسبة إلى جميع الفصائل المتنافسة أنّ المؤسسات السياسية الرسمية لم تكن أكثر من مكان يُصمّم فيه الإطار الجديد لاقتسام السُلطة، وأنّ المعركة الحقيقية على السُلطة نزلت إلى الأرض. في هذا السياق، كانت عملية "شروق ليبيا" التي شنّتها قوات مصراتة بدعم من المؤتمر الوطني العامّ، في كانون الأول/ ديسمبر 2014، نقطة فاصلةً. فقد نتجت من هذا الهجوم مواجهات عسكرية مباشرة بين قوات مصراتة من جهة، والقوات الموالية لمجلس النواب من جهة أخرى. واستمرت المواجهات على منشآت النفط، حتى بعد أن أنهى مقاتلو مصراتة حصارهم للسدرة، وتقهقروا في آذار/ مارس11. وفي السياق نفسه أيضًا، بدأت مجتمعات التبو والطوارق المحلّية، في جنوب البلاد، في تأطير صراعاتها، القائمة أصلً، في إطار الانقسام الوطني، ودخلت في مواجهات عسكرية مباشرة للسيطرة على حقول النفط، ولا سيما الحقلان العملاقان شرارة والفيل في حوض مرزق.

وكلمّا أدرك الليبيون أنّ العملية السياسية ماتت وأنّ البلاد باتت على حافة الهاوية، كان ذلك حافزًا للأطراف المتحاربة لتغيير موازين القوى على الأرض. وكلمّا اتضح أنه لا يمكن لطرف ما أن يسود معارضيه، بدأ كلّ طرف، بل كلّ فصيلة أيضًا، في العمل أكثر فأكثر للحصول على كل ما يمكن الحصول عليه، بالعنف والفساد، لتعزيز الموقع التنافسي في السُلطة والثروة، خارج إطار المؤسسات الرسمية.

خاتمة

يقوم مبعوث الأمم المتحدة الخاص بليبيا بالتوسط بين الأطراف المتصارعة طوال أكثر من سنة؛ وذلك لمساعدة ليبيا على استعادة وحدة المؤسسات السياسية، والخروج من الانسداد الذي شلّ البلاد منذ صيف 2014. ومع ذلك، وعلى الرغم من اعتماد اتفاق سياسي في مدينة الصخيرات المغربية وقّعته عدد من الأطراف الليبية، في كانون الأول/ ديسمبر 2015، ينص على "حكومة وفاق وطني"، تكون قادرةً على بسط نفوذها وفاعليتها على سائر الأراضي الليبية، فإن هذه الحكومة لم ترَ النور بعدُ، ولا شكّ في أنّ التحديات التي ستواجه الحكومة الجديدة، في حال تشكيلها، ستكون كبيرة.ً وبخصوص ما اكتنف العملية الانتقالية في ليبيا، منذ عام 2011، تحتاج النُخب السياسية الليبية إلى التشجيع والدعم، لتتمكن من بناء توافقات في ما بينها، ولتفيد من إطار الشرعية الجديد من أجل تقديم إنجازات ملموسة للشعب الليبي، بدلً من الاعتماد على القوة، وتدمير مصادر الثروة الوطنية، والدعم الخارجي للسيطرة والقضاء على الخصوم السياسيين. وكلّ هذا يتطلب حوارًا وطنيًا حقيقيًا، ترعاه رموز وشخصيات مستقلة، تحظى باحترام جميع الأطراف المعنيّة. ويقتضي ذلك، أيضًا، مشاركةً لجميع الليبيين، بمن فيهم الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم في إثر ثورة.2011 ينبغي أن يتضمن تشكيل حكومة الوفاق الوطني سيطرة هذه الحكومة على سائر المؤسسات الوطنية، بما في ذلك المؤسسات الاقتصادية والمالية، المتنازع فيها. وإذا كان هذا الأمر يبدو، في الوقت الراهن، صعبَ التنفيذ، فإنّه في حاجة إلى دعم من شركاء ليبيا الأجانب. وسوف تحتاج حكومة الوفاق الوطني ترتيبات أمنية موقّتةً، تضمن الأمن لعمل الحكومة وسائر مؤسسات الدولة في طرابلس، وتُولي عنايةً لبنية الأجهزة الأمنية وقيادتها خلال المرحلة الانتقالية الجديدة. ومن المؤكّد أنّ بناء التوافق سيكون صعبًا جدًّا، في حال وجود جماعة مسلّحة، أو فصيلة غير مستعدة لإلقاء السلاح طوعًا، خصوصًا أن السلاح هو الذي كان يمنحها السُلطة والقوّة. ويبقى بعد ذلك كلّه أن نترقب آثار توسّع تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا وهجماته على منشآت الهلال النفطي على الأطراف المتنافسة. فهل سيؤدِّي ذلك إلى التوافق في اتفاق جديد لاقتسام النفط؟ إنّ هذا الأمر يتطلب سيطرة الحكومة المركزية على عوائد النفط، وتوزيعها على سائر المناطق والمجتمعات المحلّية بطريقة تبدو للجميع أنها منصفة وعادلة.