كتابة وقائع الثورة المتلفزة:

عبد الوهاب الأفندي

خلال الخمس سنوات الماضية.

حضور البصر وغياب البصيرة في قراءة وقائع ثورات الربيع العربي

تلقي هذه المراجعة نظرة عامة على طائفةٍ من أهم الأدبيات التي تناولت الربيع العربي

في عام 1970، أطلق الشاعر ومغنّي الجاز الأميريكي جيل سكوت - هيرون قصيدته الشهيرة: "الثورة لن تكون متلفزة"، والتي أصبحت إحدى أشهر الأغاني السياسية في القرن العشرين. تتناول الأغنية بالسخرية عددًا من البرامج التلفزيونية والشعارات الدعائية في الإعلانات، بوصفها تلهي المناضلين عن مواجهة الواقع وتغييره. وتدعو الأغنية الشعب (والسود في أميركا بخاصة)، إلى ألّ يجلسوا على أرائكهم، يحتسون المشروب، وينتظرون أن ينقل لهم التلفزيون وقائع الثورة. بل لا بد أن يخرجوا إلى الشارع لتغيير واقعهم. وفي أيار / مايو من عام 2011 رحل سكوت - هيرون عن الدار الفانية. ولكن ليس قبل أن يرى الثورة المتلفزة حقيقةً واقعة. فقد كانت أمّ الثورات في الربيع العربي في ميدان التحرير في قلب مصر، ثورة متلفزة بالكامل، بفضل قناة الجزيرة ومن لحق بركبها فيما بعد. وقد طرح هذا سؤالً محوريًا: ماذا يكتب الكتاب فيما بعد بخصوص هذه الثورة التي أصبح الكلّ شاهدًا عليها، بل شارك فيها، على الأقل بحبس الأنفاس، وهو يتابع هذه الدراما المتعددة الأبعاد، حتى انتصر البطل وقهر عدوّه الشرير؟ هل غادر التلفاز من متردّم؟

هذا لم يمنع أطنانًا من الكتابات من التدفّق من المطابع والفضاء الإلكتروني، حتى كاد تسونامي الكتابات عن الربيع العربي يُغرق العالم في الورق والحبر الإلكتروني؛ فالثورة لم تغيّ الواقع العربي فقط، بل ألهمت العالم كلّه، حتى أنّ حركة "احتلوا وول ستريت" استلهمتها مباشرة. وكانت هذه أول مرة في تاريخنا منذ أيام صلاح الدين الأيوبي وعصر الأندلس الذهبي، يصبح فيها الشرق العربي ملهمًالغرب، وليس العكس. وكانت ثورة العرب فوق ذلك إعصارًا من نوعٍ آخر، اجتاح الأبراج العاجية في الصروح الأكاديمية في الشرق والغرب، بعد أن ظلت لعقود، بل لقرون، تروّج لمقولات نسجتها حول ثقافة العرب وسياستهم، وركونهم للاستبداد، ورضاهم بالذل والخنوع والخضوع، وعدم صلاحيتهم للحرية والديمقراطية. وكان من شأن هذا التسونامي الطامح من مطالب الحرية ورفض القمع أن يجعل كثيرًا من تلك المقولات هباء منثورًا. لا عجب إذن أن يعترف أهل تلك الأبراج بأنّ الربيع العربي فاجأهم وأذهلهم، ولم يكن في حسبانهم ولا في أحلامهم (أو كوابيسهم)، وأن يشقوا الجيوب ويلطموا الخدود حسرةً على ما فات، قبل أن يعود كلٌ منهم إلى كراساته يراجع مغالبًا الذهول، فيعتذر أو يبرر، أو يعود إلى نقطة البداية. ويكشف بحثٌ أولّي في محرك "غوغل" عن عبارة "الربيع العربي" أكثر من تسعة ملايين نتيجة، وحوالى أكثر من أربعة آلاف نتيجة إذا حصرنا ذلك في الكتب. وفي محرك "غوغل سكولار"، كانت النتيجة 19.700. أمّا إذا أجرينا بحثًا عامًا، فإنّ النتيجة تكون 976.000، وتهبط إلى 114.000 إذا حصرنا البحث في الكتب. وليست هذه نتيجة علمية، ولكنّها تعطي فكرة عامة عن حجم ما جرى ضخّه من مواد حتى اللحظة تحت هذا العنوان فقط، دون إضافة عناوين أخرى، مثل الثورات العربية، إلخ. كلّ هذا يجعل من العسير إنجاز المهمة التي نتصدى لها هنا. وهي إجراء مسح نقدي لأهمّ ما كتبه الأكاديميون والخبراء عن ربيع العرب خلال الخمسة أعوام الماضية، بخاصة أنّ كثيرًا من الكتابات متضارب. فقد عبّ الأكثرية في صدر الثورات عن الذهول والإعجاب، وعضّ وا أصابع الندم على ما كانوا سادرين فيه من وهم، بينما كابر آخرون وأنكروا. ولكن تعثّ الثورات دفع كثيرين فيما بعد إلى مراجعة مراجعاتهم، والعودة إلى شأنهم القديم في اليأس من حال العرب الذين ما زال بينهم وبين فجر الديمقراطية بعد المشرقين. وهكذا أصبح عصيًا أن يثبت المراجع المقولات لأصحابها، كون الواحد منهم قد يمسي بمقولة ويصبح بأخرى. ولكن ما نسعى إليه هو النظرة العامة على اتجاهات الكتابة حول الربيع العربي وعواقبه. وكيف أثّرت الثورات في الفكر السياسي والتنظير بخصوص حال السياسة العربية ودينامياتها. ولعلّ ما يسهّل الأمر، هو أنّه على الرغم من الحجم الضخم من الكتابات التي صدرت ولا تزال تصدر عن الثورات العربية، فإنّ ما قدَّم منها إضافة حقيقية للمعرفة في هذا المجال، يمكن أن يعدّ على أصابع اليدين. فكثير من الكتابات لم يزد على أن أعاد تدوير بعض مقولات كتّابها، أو سعى إلى الاستدراك عليها، أو قام بوصف الثورات (وهو ما أغنت عنه التلفزة الحيّة كما أشرنا.) كثير من الكتابات العربية أيضًا تكفي قراءة عناوينه؛ من قبيل "المؤامرة الكبرى: فوضى الربيع العربي وحقيقة الحرب على ليبيا"، أو "الربيع العربي ثورات ملغومة"، أو "الفوضى الخلاّقة: الربيع العربي بين الثورة والفوضى"، أو "أوهام الربيع العربي"، أو "ربيع المغفلين"، وقس على ذلك. ما إن أفاق "الخبراء" من حالة الذهول والاندهاش التي واكبت متابعتهم المراحل الأولى في الثورات العربية، حتى ركضوا يلهثون لمواكبتها والتعامل مع حالة الإفلاس المفاجئ لذخيرتهم من "الخبرة" بسبب هذه الأحداث المفاجئة. وقد جسّدت كتاباتهم حالة الارتباك هذه. ولأنّ إعداد الكتب ونشرها يستغرق وقتًا، فإنّ الكتابات في المرحلة اتخذت شكل المدونات والمقالات في الدوريات. وقد

استفادت دورياتٌ مثل "فورين أفيرز" Affairs Foreign، و"فورين بوليسيPolicy" Foreign من موقعيهما المتميزين، والبنية التحتية للنشر الإلكتروني لملاحقة الثورات عبر المدونات، وثنت كلٌ منهما بنشر كتاب إلكتروني، تضمّن في حالة أولى مجموعة مقالات سابقة تناولت الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي، إضافةً إلى "مدونات" أعدّت على عجل، ثم مراجعات واستدراكات لاحقة1.

عربيًا، كان المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات سبّاقًا في محاولات مواكبة الثورات العربية فكريًا، كما ظهر من منشوراته المبكرة، ومن أبرزها كتابَا عزمي بشارة؛ "الثورة والقابلية للثورة"، و"الثورة التونسية المجيدة." ولعلّها مفارقة ذات مغزى أنّ المركز كان قيد التأسيس عند اندلاع الثورات، ومن هنا، تزامن الحراك الفكري الذي ابتدره مع هذا الحراك الثوري الذي أخذ يستصرخ الفكر العربي ويدينه في الوقت نفسه. وعبّت الكتابات عن الثورة التونسية عن تزامن الولادتين بمحاولة من الفكر اللحاق بالفعل، بداية بسؤال عن حقيقة الطبيعة الثورية للفعل. وكان كتاب "الثورة التونسية المجيدة" مزيجًا من التوثيق العلمي للثورة وأحداثها (بما في ذلك إدراج نصوص البيانات والخطابات المفصلية ضمن الملحق)، وطرح السؤال عن المغزى. ويشير الكتاب إلى أنّ الثورة التونسية (ومعها المصرية) نتجت من وضع وصلت فيه الأنظمة "الجمهوكية" إلى طريق مسدود وإفلاس سياسي وأخلاقي أصبح واضحًا للجميع، وانطلقت من شرارة مطلبية قبل أن تتحول إلى شعبية. ونتجت القابلية للثورة من وحدة الشعب من جهة، ومن انضباط الجيش من جهة أخرى. ويبشّ ب "تونسة" بقية العرب. موضوع القابلية للثورة كان محور النص الثاني لعزمي بشارة. وهو معالجة نظرية لمفهوم الثورة وشروطها ومآلاتها. يعرّف الثورة من منطلق التغيير الجذري في النظام المقبل، ومن تعلّقها بالحرية وإصرارها على خلق واقع جديد (ولعلّه من المفيد مراجعة هذا النص في إطار الجدال المحتدم في مصر حول "انقلاب" السيسي أو "ثورته.)" ويطبق هذا الكتاب الصغير الحجم هذه التأملات النظرية (الذي يرفض مع ذلك فكرة طرح نظرية للثورة) للإجابة عن عناصر قابلية الثورة في المجتمعات العربية المعاصرة. ويتحدث عن فرص انتشارها. وقد كانت الأبعاد النظرية ماثلة أيضًا في كتاب "الانفجار العربي الكبير في الأبعاد الثقافية والسياسية"، الذي أصدره المركز في الوقت نفسه (من تحرير كمال عبد اللطيف، ووليد عبد الحي.) ولعلّه لافتًا أنّ الكتاب لم يستخدم مصطلح "الربيع العربي" في عنوانه، كما أنّه ركّز على الأبعاد الثقافية للثورات العربية، سواء في عوامل تفجيرها أو نتائجها. كما تناول قضايا الهويات الثقافية والسياسية والدينية، وتفاعلاتها في الحقبة الثورية وما بعدها. من جانب آخر، سارع مركز دراسات الوحدة العربية بإخراج إصدارات كان معظمها نتاج ندوات؛ مثل كتاب "رياح التغيير في الوطن العربي" (تشرين الثاني/نوفمبر 2011)، وكان فيه مداولات فيها كثير من العمق، وكتابات ذات رؤية ثاقبة، مثل ورقة ميشيل كيلو التي تنبّأ فيها بدقةٍ بمآلات الثورة السورية على ضوء إصرار النظام على دفعها إلى العنف، إذ حذّر من أن استمرار سياسة حافة الهاوية التي يتبعها النظام سيؤدي إلى "خروج قيادة الشارع من يد الذين تغلب عليهم صفة الحداثة" (بمن فيهم من وصفوهم ب "بؤر الإصلاح" داخل النظام) ما سيؤدي إلى التطرف والقتال المذهبي وانهيار الدولة. وهو ما حدث بالفعل. بالمقابل، نجد بعض أوراق الكتّاب تصوّر الثورة المصرية على أنّها ثأر للنظام الناصري ممّن انقلبوا عليه. وهو وهم كبير. وقد أصدر المركز تباعًا بعد ذلك عددًا من الكتب (معظمها نتاج مؤتمرات، ومن تحرير عبد الإله بلقزيز)، يحمد لها أنّها تناولت بصورة بنّاءة بعض القضايا الشائكة، مثل دور الإسلاميين في الثورات وما بعدها. ولكن الملاحظ أنّ أكثر كتابات الأكاديميين العرب عن الثورات كانت باللغة الإنكليزية. وسنعرض بعضًا منها في السياقات التالية.

مرحلة الصدمة: بين الذهول والإنكار

عند التأمل في الكتابات التي تدفقت في الأشهر الأولى بعد الربيع العربي، لم تكن الملاحظة الأولى الذهول والاستغراب فقط، والذي يكشف بدوره الغفلة عن التيارات التي كانت تدفع في ذاك الاتجاه، فقد يعتذر الأكاديميون بأنّهم ليسوا بمنجّمين ولا ضاربي رمل، وأن العلم ليس رجمً بالغيب، ويستعيدون مقولة إخوة يوسف: "ما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين." وإذا عذرناهم في هذا (وهم ليسوا بمعذورين كما سنبيّ)، فمن الصعب إيجاد عذرٍ لحالة الإنكار والمكابرة التي استمرت حتى بعد اندلاع الثورات وتتابعها. على سبيل

  1. Council on Foreign Relations, The New Arab Revolt: What Happened, What It Means, and What Comes Next (New York: Council on Foreign Relations/Foreign Affairs, 2011).

المثال، نجد في كتاب "فورين أفيرز" المشار إليه أعلاه، والذي نشُر على عجل (أيار/مايو 2011)، عددًا من المقالات التي نشرها كتّاب الدورية في السنوات السابقة، إضافةً إلى مدونات ومقالات أخرى بعد الثورة، فكانت المصيبة مصيبتين؛ فالمقالات التي نشُرت قديمًا كانت في بعض الحالات أقرب إلى الفضيحة منها إلى العلم، مثل مقالة برنارد لويس التي تعود إلى عام 2005، وأفتى فيها بأنّ مفهوم الحرية بمعناه الحديث لا وجود له في اللغة العربية، وهكذا يدلّ على أن العرب لم يعرفوا الحرية إلا عبر الأوروبيين. أمّا الإسلاميون، فهم عند لويس يعدّون الديمقراطية من "الوسواس الخناس." تأمل أن ينشر هذا والإسلاميون وقتها في الخطوط الأمامية دفاعًا عن الديمقراطية في أكثر من ساحة. ولكن لم تكن هذه هي نهاية المسألة، لأنّ العديد ممّن كتبوا هنا (وفي كتيب "فورين بوليسي" الذي سبقه في شباط/ فبراير)20112، كانوا في حالة إنكار تجاه ما تراه أعينهم؛ فخلال تلك الأسابيع الحاسمة، كان هناك من أعلن "فشل الثورة المصرية" في مطلع شباط / فبراير. ثم جاء من يعلن فشلها بعد رحيل مبارك. كان هناك من يردد كذلك أنّ سورية لن تشهد ثورة أبدًا.

بعد أن تتابعت الثورات، لم يبق هناك مفرٌ من طرح الأسئلة. وكان أوّلها: لماذا كان الفشل في التنبؤ بها؟ وقد أريق حبرٌ كثير في المقالات والكتب. وجاءت الدعوة لمراجعة مسلمّات فروع العلوم السياسية المتخصصة في دراسات الشرق الأوسط، وهو سجال سنعود إليه. ولكن، كما أسلفنا، فإنّ المشكلة لم تكن فشل التنبؤ بالمستقبل، بل صعوبة في قراءة الحاضر. لقد كان هناك ميل مستمر لرؤية الأمور من جانبٍ واحد: الجانب الذي يتوافق مع المصالح والتحيزات والهوى. وهكذا، فإنّ أنظمة القمع الوحشية في مصر وتونس كان يُنظر إليها على أنّها "واحات هدوء" في محيطٍ مضطرب (التعبير نفسه الذي استخدمه الرئيس الأسبق جيمي كارتر عن نظام الشاه في إيران عشية سقوطه المدوّي.) ليست الصورة كلّها قاتمة بالطبع. وهناك بعض الكتّاب في بعض هذه المجموعات قدّم رؤية ثاقبة لبعض الأمور، بخاصة في ما يتعلق بالرواية الميدانية لأحداث الثورات، وبعض الملاحظات المهمة حول أسباب فشل أساليب القمع ضدها. وفي ما يتعلق بمزج الرواية بالتحليل، فإنّ تقرير فورين بوليسي (ونخص بالذكر هنا مارك لينش، أحد محرريه) قدّم مساهمات جيدة، وكذلك تقرير فورين أفيرز. وكان لعدد خاص من تقارير "مشروع الشرق الأوسط للبحث والمعلومات"3 أيضًا مساهمات مهمة في توضيح مسار الثورة، بخاصة مقالة منى غباشي بعنوان "ممارسات الثورة المصرية" التي مزجت بين دقة الوصف وعمق التحليل لعوامل انهيار النظام المباركي، على الرغم من القوة الهائلة التي كانت تحت تصرّفه، لأنّ قوة الشعب كانت أكبر. ويجب أن ندرك في هذا الصدد أيضًا كتاب وائل غنيم، "الثورة 2.0" الذي ركّز على سيرة صاحبه ودوره في إنشاء صفحة "كلنا خالد سعيد"، ثم استخدام أدوات التواصل الاجتماعي في الدعوة إلى تظاهرة 25 كانون الثاني / يناير4. خلال الفترة التي سبقت الثورة، كانت الكتابات حول المنطقة العربية تتحدث باستمرار عن غياب الديمقراطية، وعمّ أصبح يوصف ب "التسلط المستدام"، أو "الاستبداد المطور"، في إشارة إلى ما كان يوصف بنجاح الأنظمة الاستبدادية في البلدان العربية في امتصاص التحديات الشعبية سطوتها عبر اتخاذ تدابير شكلية من انتخابات وغيرها، وشراء قطاعات المعارضة أو تحييدها، وتكريس نظام التوريث والتحالف مع قطاعات الأعمال في إطار الليبرالية الجديدة. وقد طفقت الأدبيات تصف الأوضاع القائمة في تلك الدولة بأنّها مساومة أو تسوية بين النظام والرعايا، يتنازل بموجبها الشعب عن حقوقه السياسية وحرياته، مقابل أن تؤمّن له الدولة بعض الخدمات والضمانات الاجتماعية. ولا شك في أنّ وصف ما كان يحدث في دول مثل العراق وسورية وليبيا وتونس الجزائر وغيرها، بأنّه "صفقة" تنازل فيها الناس عن حقوقهم مقابل خدمات هي واجب الدولة في الأساس يعدّ تعسفًا على اللغة وافتراءً على الواقع. إلا أنّ العديد من البحوث التي نشُرت بعد الثورات اتخذ من هذه النظرية/ الفرية نقطة انطلاق، واصفًا الثورات بأنّها علامة على انهيار هذه "الصفقة." وهذه كانت تحديدًا منطلق كتاب مهران كامرافا وزملائه بعنوان "ما بعد الربيع العربي" 2014() الذي رأى أنّ "الصفقة" استندت من جهة

  1. Marc Lynch & Susan Glasser & Blake Hounshell (eds), Revolution in the
  2. People Power , MERIP 258, Vol 41, (spring 2011). 4  Wael Ghonim, Revolution 2.0: The power of the people is greater than the people in power (New York: Hougthon Milfflin Harcourt, 2012).
  3. Arab World: Tunisia, Egypt, And the Unmaking of an Era (Washington, DC: Foreign Policy eBook, 2011).

على التخويف والقمع، ومن جهة أخرى على الدفاع عن "المصالح الوطنية"، وتقديم الخدمات الاجتماعية؛ من مجانية التعليم والعلاج، والتوظيف في الدولة، ودعم السلع، إلخ. ولكن الأنظمة تخلّت تباعًا عن هذه الالتزامات، وأصبحت تعتمد اعتمادًا متزايدًا على القمع. ولكن الأمر بلغ مرحلة لم يعد القمع مجديًا، ولم تعد السلطة تخيف الناس، فكانت الثورات5. ويتخذ ريكس برينن وزم ؤااه توجّهًا مماثلً (والعنوان نفسه)، فهم يعدّون الاستبداد المتجذر هو الطبيعة الغالبة على المنطقة، ويتناولون الأسباب التي جعلتها تقاوم الضغوط الداخلية والخارجية من أجل التغيير، ويرون أنّ طبيعة الأنظمة هي التي حكمت مسار الثورات6.

بالمقابل، فإنّ مارك لينش اتخذ منحى مختلفًا نوعًا ما في كتابه "الربيع العربي" 2012(، مع طبعة ثانية 2013) الذي لقي الكثير من المدح والترحاب، حتى إنّ أحد المعلقين قال إنّ بإمكان من يقرأه أن يكتفي به عن غيره7. ويتميز لينش أولً بأنّه خبير في شؤون العالم العربي، بخاصة مجال الإعلام، إذ كان من أوائل من كتب بعمق عن دور الإعلام الجديد في إعادة صوغ الفضاء السياسي العربي. وهو مقرّب من الرئيس أوباما وكان أحد أقطاب حملته الانتخابية، كما أنّه كان على الأرض في ميدان التحرير وغيره، على صلة مباشرة بالثوار. إضافة إلى رصد التغييرات، تكمن أهمية مساهمة لينش في أنّه عبّ بدقة عن منظور إدارة أوباما للثورات العربية، بخاصة في ملحقٍ أضافه في طبعة ثانية لكتابه تقوم على التفريق بين الربيع العربي (الذي يرى أنّه امتد من كانون الأول/ديسمبر 2010 إلى آذار/مارس)2011 بوصفه لحظة ثورية نادرة، و"الانتفاضة العربية"، وهي تغيير هيكلي في قدرات القوى السياسية الشعبية في المنطقة العربية وتوقعاتها، خلقتها التغيرات الاجتماعية والمعلوماتية والتقنية التي شكّلت أجيال جديدة من الناشطين. ويؤكد لينش أنّ هذه التغييرات ليست شأنًا أميركيًا، ولم يكن بإمكان أميركا إيقافها لو شاءت. وعليه، لم يكن أمامها سوى التعامل مع الواقع الذي أفرزته لخدمة مصالح أميركا. وكان لينش قد تنبّأ في الطبعة الأولى بأنّ الهبّة الثورية ستكون عابرة، وأن النظام العربي سيستعيد توازنه وقدراته القمعية، ويتعلم من أخطاء الماضي، ولكن التغيرات الهيكلية لن تسمح بعودةٍ إلى الماضي كما كان. ويوجّه لينش بعض الانتقادات لسياسات أوباما تجاه الربيع العربي (لعلّ أبرزها عدم التحرك ضد قمع الثورة البحرينية، أو الاجتهاد بقوة لتحقيق السلام في فلسطين، إضافةً إلى عدم بذل ما يكفي لدعم الإصلاح السياسي والاقتصادي في دول الربيع العربي. وانتقد لينش أيضًا استمرار استخدام الطائرات من دون طيار لتنفيذ اغتيالات، بخاصة في اليمن.) إلا أنّه يحاول إيجاد العذر له في معظم هذه الأمور. على سبيل المثال يعترف لينش بأنّ إدارة أوباما كانت تفضّ ل الأنظمة المستقرة على إشعال الثورات، ويؤيد هذا الموقف، قائلً إنّه ليس بوسع رئيس أميركي مسؤول أن يشجّع تقويض الدول القائمة، أو يرهن سياسات أميركا لمجموعات من الناشطين لا تعرف الإدارة عنها شيئًا. ويمتدح "حكمة" أوباما و"اتزانه" وتقديره الأمور حق قدرها. فهو لم يتسرع في اتخاذ القرار، على الرغم من تعاطفه مع مطالب معارضي الدكتاتورية، كما أنّه لم يجزع عندما صعد الإسلاميون إلى السلطة ويدعم سياسات قمعية كما حدث في الجزائر من قبل، بل قرر مواصلة دعم الديمقراطية، ولم يتبع سياسة بوش الذي تراجع عن شعاراته عندما نجحت "حماس" في انتخابات 2006. ويرى لينش أن الإدارة اتبعت سياسة "النأي بالنفس" في ما يتعلق بدعم قوى سياسية أو مرشحين بعينهم، ولكنّها أصرّت على إتمام الانتقال الديمقراطي. ويعترف لينش بأنّ أوباما ضغط على مبارك للتنحّي، وإن كان هذا لم يكن العامل الحاسم في سقوط نظامه. واكتفت أميركا بالتدخلات عندما بدا الانتقال الديمقراطي في خطر، كما حدث عندما قام النظام العسكري بقمع المتظاهرين في أحداث محمد محمود، أو عندما سعت بعض الجهات للتلاعب بالانتخابات الرئاسية، أو عندما رفض مرسي إدانة الهجمات على السفارة الأميركية عقب أحداث الفلْم المسيء للإسلام8. هناك كتابٌ آخر نال استحسان النقاد الواسع نفسه، وهو كتاب حميد دباشي بعنوان "الربيع العربي: نهاية عصر ما بعد الكولونيالية."

  1. Mehran Kamrava (ed.,), Beyond the Arab Spring: The evolving ruling bargain in the Middle East (Oxford: Oxford University Press, 2014).
  2. Rex Brynen (ed.,), Beyond the Arab Spring: Authoritarianism and Democratization in the Arab World (Boulder, CO: Lynne Rienner, 2012).
  3. Marc Lynch, The Arab Uprising: The Unfinished Revolutions of the New Middle East (New York: Public Affairs, 2012).
  4. لمناقشة أوسع لكتاب لينش، انظر: عبد الوهاب الأفندي، "تفاصيل 'مؤامرة أوباما' على الربيع العربي (بحسب مارك لينش")، 10 شباط/فبراير 2014، في: http://www.alquds.co.uk/?p=132361.

ويجمع هذا الكتاب بين الرصد لأحداث الربيع العربي، والتعليقات الفلسفية العميقة حول مغزاها ومآلاتها، كما أنّه كُتب بلغة أدبية رفيعة. ينطلق دباشي، وهو أستاذ الدراسات الإيرانية في جامعة كولومبيا، كما أنّه حاليًا أستاذ زائر في معهد الدوحة للدراسات العليا، من توصيف الثورات العربية بأنّها حدث عالمي، أكثر من كونه عربيًا. فهو يتجاوز التقسيمات التقليدية إلى غربٍ وشرق، كما أنّه يعني نهاية عصر ما بعد الكولونيالية الذي يرى دباشي أنّه كان بدوره امتدادًا للحقبة الاستعمارية. ويرى دباشي فرادة الثورات العربية في طابعها السلمي، وفي أنّها ألهمت العالم كلّه وأثّرت فيه، كما في حركة احتلال وول ستريت، بل إنّ قطاعات إسرائيلية تأثّرت بها. ويربط بين الثورات العربية والثورة الخضراء في إيران عام 2009، ويرى أن جذورهما واحدة في رفض الاستبداد والانفتاح على الآخر. وبحسب دباشي، فإنّ هذه الثورات أوجدت "جغرافيا تحرير" جديدة، وأنّها تركت وراءها التقوقع الإقليمي والثقافي والإثني، كما أنّها تجاوزت الإسلاميين وتركتهم خلفها.

قضية شكل الأنظمة

انشغل كثير من الكتابات عن اختلاف مسار الثورات باختلاف الأنظمة، واجتهد في تحليل أسباب هذا التفاوت9. وكانت أولى الملاحظات هي تأثّر الأنظمة الملكية الخفيف نسبيًا بالثورات، حتى إنّ أنظمة الخليج العربي لم تتجنب ما تعرّضت له الأنظمة الجمهورية فقط، بل تولّت أدوارًا في قيادة مسار الثورات، بخاصة في اليمن، حيث قادت الحوار الذي توصّل إلى انتقال سلمي للسلطة (قبل أن ينهار التوافق بتدخّل الحوثيين)، وفي ليبيا، حيث ساهمت في بناء الإجماع العربي الذي دعم التدخّل الأممي، وأخيرًا في سورية، حيث لا تزال تقوم بدور محوري. ليس هذا فقط، بل إنّ الملكيات الأفقر في الأردن والمغرب صمدت أيضًا. وقد فسّ ت الكتابات هذا الصمود المدهش بطبيعة المجتمعات الخليجية وما تتمتع به الأنظمة من شرعية تاريخية ودينية وقبلية، وبالثروات النفطية في تلك الدول، إضافةً إلى تعاملها الذكي مع الأوضاع عبر مزيج من الإصلاحات والاستيعاب والتدخّل الحاسم10. نظر البعض بصورةٍ أوسع إلى تركيبة المؤسسات في الأنظمة، بخاصة دور الجيوش. وفي هذا المجال، حازت الأكاديمية الأميركية إيفا بيلين قصب السبق، لأنّها كانت نشرت في عام 2004 دراسةً رفضت فيها الحجج السائدة التي تشترط مقدمات معينة للديمقراطية، وفسرت استدامة الاستبداد في المنطقة بسطوة الأجهزة القمعية وإمكانياتها التي تعتمد بدورها على مصادر اقتصادية قد تكون خارجية في الغالب. وقد ميزت بين المؤسسات الأمنية الزبائنية التي تعتمد على الولاء الشخصي للزعيم، كما في سورية وليبيا، وتلك التي تتمتع بمؤسسية أكثر، كما في مصر وتونس، وتنبّأت بأنّ الأخيرة ستتخلى عن الدكتاتور بسهولة لضمان وحدتها، بينما ستقاتل الأولى بشراسة دفاعًا عنه11. وبالفعل، صدق الربيع العربي توقعاتها كما هو معروف، إذ وردت استشهادات بمقالاتها في معظم الكتب التي صدرت بعد الربيع العربي، بخاصة مقالتها التي نشُرت استدراكًا بعد الثورات12. إلا أنّ بعض المحللين انتقد التركيز على شكل الأنظمة، إذ يراه بهجت قرني ورباب المهدي (في كتابهما "الربيع العربي في مصر)" لبّ الإشكالية في الدراسات السابقة للواقع العربي. ذلك أنّ التركيز على السياسة من أعلى (شخص الحاكم وحاشيته، وطبيعة النظام ووسائله لاستدامة نفسه) بدلً من تأمّل السياسة من أسفل، بحسب الكاتبين، يتحول إلى خلل منهجي ومعرفي حين يغيب بقية الصورة. ولمعالجة هذا القصور، يدعو المؤلفان إلى استخدام منظور "السياسة الصراعية" أساسًا لتحليل

  1. Jason Brownlee, et. al. , The Arab Spring: Pathways of Repression and Reform (Oxford: Oxford University Press, 2015).
  2. انظر: غريغوري غوس، "ملوكٌ لجميع الفصول: كيف اجتازت الأنظمة الملكية في الشرق الأوسط عاصفة الربيع العربي"، مركز بروكنجز، 24 أيلول/سبتمبر 2013، في: http://www.brookings.edu/ar/research/papers/2013/09/24-resilience-arab- monarchies-gause. انظر أيضًا: مارينا أوتاوي ومروان المعشر، "الأنظمة الملكية: فرصة للإصلاح لمّا تتحقق بعد"، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، كانون الأول/ديسمبر 2011، في: http://carnegieendowment.org/files/monarchiesAR.full_and_ final17-12-2011.pdf وانظر أيضًا: Zoltan Barany, “The Arab Spring in the Kingdoms”, Arab Centre for Research and Policy Studies , (Sept 2012).
  3. Eva Bellin, “The Robustness of Authoritarianism in the Middle East: Exceptionalism in Comparative Perspective”, Comparative Politics , Vol. 36, No. 2 (Jan., 2004), pp. 139 - 157.
  4. Eva Bellin, "The Robustness of Authoritarianism Reconsidered: Lessons of the Arab Spring", Comparative Politics 44. 2 (2012), pp. 127 - 149.

السياسة العربية، وذلك بعد تطويره وإثرائه نظريًا، من أجل إيجاد مقاربة نظرية أفضل لفهم الأوضاع على حقيقتها13.

الإسلاميون والربيع العربي

كانت القضية الأخرى التي ملأت الدنيا وشغلت الناس هي دور الإسلاميين ومصيرهم بعد الربيع العربي، وهو دور شغل الناس أكثر قبله، خصوصًا لأنّ كلّ جبار عنيد من المستبدين العرب كان يسوّق نفسه على أنّه البديل الوحيد للإسلاميين "المتطرفين." ومع أول شرارة من الثورات، تصايح الحكام من بن علي إلى مبارك فالقذافي فصالح فالأسد بصوت واحد: هذه الثورات من صنيع الإسلاميين. وقد كانت هذه بالطبع مبالغة، بخاصة أنّ كلً من هؤلاء كان يزعم أنّه أباد الإسلاميين واستأصلهم وقلّص حجمهم. ولعلّه تناقض مدهش مع الذات أن يتوسل الزعيم الإبقاء عليه لأنّه خط الدفاع الأخير ضد الإسلاميين، ثم يصرخ في الوقت نفسه بأنّ الإسلاميين، على الرغم من اجتهاده في استئصالهم لعقود، ما زالوا القوة الوحيدة القادرة على إطاحته. مهما يكن، فإنّ الكتابات عن الإسلاميين تدفقت كالسيل العارم بعد الربيع العربي، وكلٌ يغنّي فيها على ليلاه. وقد تركّز الحوار في المراحل الأولى على مشاركة الإسلاميين في الثورات (كان الحكم بأنّ المشاركة إما معدومة أو ضعيفة)، ثم قيل إنّ الثورات مثّلت صفعة للقاعدة والإسلاميين المتشددين، لأنّ المتظاهرين لم يؤيدوا العنف ولم يكونوا مشغولين بلعن الغرب. أكد كثير من الكتابات أنّ الإسلاميين شاركوا بفعالية في الثورة في مصر وبلدان أخرى، وإن كانت المشاركة جاءت متأخرة، وبضغط من فئة الشباب في الحركة، ولكنّهم لم يصبغوها بشعاراتهم14. ورأى كثيرون أنّ هذه الحالة ينطبق عليها مفهوم "ما بعد الإسلامية" الذي اشتقّه آصف بيات (وهو رأي أيّده بيات نفسه)، بمعنى أنّ هناك تيارات إسلامية أصبحت ذات توجهات ديمقراطية تعددية، على الرغم من تمسّكها بمنطلقاتها الإسلامية15. ولكن بعد أن بدأ تقدّم الإسلاميين في الانتخابات وهيمنتهم على الشارع، تغيرت النغمة، فأصبح الإسلاميون هم الخطر، كما جاء في كتاب الصحفي البريطاني جون برادلي: "كيف اختطف الإسلاميون الربيع العربي" 2012(.) جاء في الكتاب أنّ العرب لم يثوروا من أجل الديمقراطية، إنما من أجل مطالبَ اقتصادية وضد الفساد، وأنّهم لا يفهمون الديمقراطية ولا يريدونها. وعنون برادلي الفصل الأول من كتابه "موت العلمانية في تونس"، واصفًا فوز الإسلاميين بأنّه فشل للانتقال الديمقراطي في تونس، ومتنبئًا بأنّ الأمر نفسه سيتكرر في مصر وسورية وليبيا، وهاجم كلّ من تفاءل بالثورات العربية، قائل إنّ الأوضاع في عهد مبارك وبن علي كانت أفضل من حيث الأمن والحريات والرخاء الاقتصادي16. ويؤيد شادي حامد في كتابه "إغواءات السلطة" 2014()، وإن كان بحماسٍ أقل، هذه المقولة باستحالة التعايش بين الإسلاميين والديمقراطية الليبرالية، حتى في بلاد مثل تونس وتركيا. وبحسب حامد، فإنّ الإخوان في مصر يؤيدون الديمقراطية، وهم صادقون في ذلك، لأنّهم على ثقة بأنّ الغالبية ستنتخبهم، ولكنّهم لا يريدونها ديمقراطية ليبرالية. وعليه، يعلن حامد بصراحة تراجعه عن اعتقاده السابق "الساذج" بأنّ الديمقراطية ستكون خيرًا كلّها، ويقبل على مضض بأنّ الشعوب العربية ليست جاهزة للديمقراطية17. ولا يذكر حامد شيئًا عن المخرج من هذه المعضلة، علمً بأنّ الحركات الإسلامية نشأت وازدهرت في ظل أنظمة تؤمن تمامًا برأيه في أنّ الدكتاتورية هي صمّ م الأمان ضد مثل هذه الحركات، كما أسلفنا. بالمقابل، فإنّ جون اسبوزيتو وزملاءه يرفضون في كتابهم (الإسلام والديمقراطية بعد الربيع العربي) مثل هذه التحليلات التي ترى في صعود الإسلاميين تهديدًا للديمقراطية. ففي هذا الكتاب، الذي بنى على كتاب سابق لإسبوزيتو بعنوان "الإسلام والديمقراطية"، يؤكد المؤلفون أنّ موجة الحراك الديمقراطي في العالم الإسلامي بدأت قبل الربيع العربي بعقود، وأنّ الإسلاميين كانوا دائمًا مشاركين فيها. وضربوا مثلً بدولٍ مثل السنغال وتركيا وماليزيا وتونس، وهي دول إسلامية تقدمت على طريق الديمقراطية، وكانت للإسلاميين فيها مساهمات في هذا المجال. ويرفض المؤلفون كذلك مقولات هنتنغتون ومدارس "نظرية التحديث" التي ترى العلمانية ضرورية للديمقراطية (وفي حالة هنتنغتون، تحكم بالتعارض بين الإسلام والديمقراطية)، داعمين هذا الرأي بالأرقام ودراسات سابقة، إضافةً إلى دراسات حالات

  1. Bahgat Korany & Rabab El-Mahdi (eds.), Arab Spring in Egypt. Revolution and Beyond (Cairo/ New York: The American University in Cairo Press, 2012).
  2. انظر الفصل السابع من كتاب دان تشيرغي وزملائه: Dan Tschirgi et. al. (eds.) , Egypt's Tahrir Revolution (Boulder, CO: Lynne Rienner, 2013).
  3. Olivier Roy, “The Transformation of the Arab World”, Journal of Democracy, 23: 3, (July 2012), pp. 5-18; Asef Bayat, “The Arab Spring and its Surprises”, Development and Change , 44 (3), pp. 587–601; Asef Bayat, (ed.),
  4. John R. Bradley, After the Arab Spring: How Islamists Hijacked The Middle East Revolts (London: Palgrave Macmillan, 2012). 17  Shadi Hamid, Temptations of Power: Islamists and Illiberal Democracy in a New Middle East (Oxfrod: Oxford University Press, 2014).
  5. Post-Islamism: The Many Faces of Political Islam (Oxford: Oxford University Press, 2013).

في كتابهم شملت تركيا وماليزيا والسنغال وإندونيسيا وباكستان وتونس ومصر18. عربيًا، كان هناك أيضًا طوفان من الكتابات التي تناولت واقع الإسلاميين بعد الربيع العربي، لعلّ أبرزها الكتاب الذي أصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2013 بعنوان "الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي: اتجاهات وتجارب"19. يمكن عدّ هذا الكتاب (وكان حصيلة مؤتمر عقده المركز في عام 2012) بمنزلة حوار بين آراء مختلفة حول دور الإسلاميين في التحول الديمقراطي؛ إذ شاركت في المؤتمر قيادات إسلامية من معظم البلدان العربية. وتناول الكتاب تجارب الإسلاميين السياسية في عدة دول عربية، من أبرزها مصر والسودان والعراق ولبنان وتونس والمغرب. وراوح التناول بين معالجات نظرية لمواقف الإسلاميين من قضايا، مثل المرأة والتعايش الديمقراطي والدولة، والتمييز بين التيارات الإسلامية، وتقييم تجارب الإسلاميين في العمل السياسي والحكم قبل الربيع العربي وبعده. وغلب على التناول التفاؤل بدور إيجابي للإسلاميين والقوى السياسية الأخرى في إنجاح الانتقال الديمقراطي، مع اعتراف بوجود مشاكل في الممارسة والتنظير معًا. وفي حقيقة الأمر، نجد أنّ السجال حول الظاهرة الإسلامية يجسد أزمة المنهج، وهي بدورها امتداد للأزمات السياسية وتجسيد لها. وكنت قد اختلفت مع بيات (على الرغم من أنّني من المساهمين في كتابه المذكور) ومَن سار على نهجه في إطلاق وصف "ما بعد الإسلامية" على الحالة الثورية، وفضّ لت بالمقابل وصفها بالثورة "العابرة للإسلاميات"؛ وذلك استنادًا على أنّ معظم شعارات الإسلاميين ومطالبهم تجاوزها الزمن ليس لأنّها تغيرت أو جرى التخلّ عنها، بل لأنّها أصبحت واقعًا جسّ ده حال ميدان التحرير الذي كان غالب من فيه ينخرط في صلاة الجماعة. بالمقابل، فإنّ الأزمة السياسية المتعلقة بدور الإسلاميين هي أزمة مزدوجة، تتعلق بالأداء السياسي للجماعات الإسلامية من جهة، وبالضعف البيّ في التيارات الليبرالية التي مالت إلى تعويض عجزها عن التمدد الجماهيري بالاستعانة إما بالخارج أو بالدكتاتوريات، وغالبًا بالطرفين معًا20.

المجالات الإقليمية والدولية

تحيل قضية الاستقطاب بين الإسلاميين وخصومهم إلى استقطاب آخر تعزَّز مع انفجار الربيع العربي، وهو الاستقطاب الطائفي. فإذا كان الكثيرون ينسبون إلى الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 كونها قاطرة ما سمّي بالصحوة الإسلامية، فإنّ الملاحظ أنّ تلك الثورة تجاوزت في أول أمرها الاستقطاب الطائفي. فقد هللت الحركات الإسلامية السنّية لتلك الثورة، وعدّتها فتحًا مبينًا، ودحضًا قاطعًا لحجج من زعموا أنّ الإسلام السياسي لا يصلح لحكم الدولة الحديثة. ولكن هذا التقارب تعرّض لهزة مع تفاقم الحرب العراقية - الإيرانية، والتشدد الإيراني ضد من طالبوا بوقفها، ومنهم الحركات الإسلامية ذات النفوذ. وتزايد الاستقطاب الطائفي مع غزو أميركا العراق عام 2003، وانحياز إيران وقطاعات من التيارات الشيعية، بخاصة "حزب الله" في لبنان، إلى الحكومات ذات القيادة "الشيعية" في العراق. وقد تعزز هذا الاستقطاب مع عملية اغتيال الحريري في لبنان، واستمرار انحياز "حزب الله" هناك إلى النظام السوري المنهزم، من لبنان. وفي كتابه بعنوان "الخليج الطائفي" (وهو لعب على التعبير الإنكليزي الذي يعني "الخليج" و"الفجوة" في الوقت نفسه)، يشرح توبي ماتيسون كيف عرقل الاستقطاب الطائفي الانتفاضة في البحرين، وإلى حدٍ ما في الكويت، وربما منعها في بقية دول الخليج. ولكن ماتيسون يذكّرنا كذلك بأنّ جذور الاستقطاب تعود إلى الحرب الأهلية في العراق، بحيث يحكي كيف أنّ الشعور الطائفي تفجّر في إصفهان حيث كان يدرس، عقب الهجوم على ضريح الإمام العسكري في.2006 وقد تبع هذا استقطاب إقليمي بين السعودية وحلفائها من جهة، وبين إيران والجهات الدائرة في فلكها من جهة أخرى. ويتكون كتاب ماتيسون في مجمله من انطباعات الكاتب (وهو صحفي بريطاني) وملاحظاته خلال زياراته للبحرين والكويت والسعودية وإيران قبل أحداث الربيع العربي وبعدها. وتعبير "انطباعات" يصدق على معظم الكتاب، لأنّه لا يخفي ميول الكاتب وهواه وتحيزاته الشخصية21. ولا شك في أنّ الاستقطاب الإقليمي لم يبدأ مع الربيع العربي، وإنما سبقه كما يبين روبرت ميسون في كتابه: "السياسة الدولية للربيع العربي"22. فبحسب ميسون، يمكن النظر إلى مجريات الربيع بدءًا من تدخلات واشنطن وحلفائها في المنطقة، بخاصة بعد غزو العراق، وحملة بوش ل "نشر الديمقراطية" في المنطقة، والتي يتهمها البعض

  1. John L. Esposito & Tamara Sonn & John O. Voll, Islam and Democracy after the Arab Spring (Oxford: Oxford University Press, 2015).
  2. مجموعة من المؤلفين 19 ، الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي: اتجاهات وتجارب (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2013
  3. Abdelwahab El-Affendi, “A Trans-Islamic Revolution?” Critical Muslim, 1: 1 (2012), pp. 61 - 84.
  4. Sectarian Gulf: Bahrain, Saudi Arabia, and the Arab Spring That Wasn't (Stanford: Stanford University Press, 2013).
  5. Robert Mason, The International Politics of the Arab Spring: Popular Unrest and Foreign Policy (London: Palgrave Macmillan, 2014).

بأنّها كانت أحد أهمّ أسباب انفجار الثورات. ويشير الكاتب إلى زيادة نفوذ دول الخليج العربي بعد الثورات، بخاصة في التأثير في المواقف الدولية تجاه ليبيا وسورية واليمن، ولكنّه يلاحظ أيضًا ظهور الصين وروسيا (ومعهما دول "البريكس)" قطبًا جديدًا في الساحة الدولية، وتدخّلهما بصورة حاسمة لأول مرة باستخدام الفيتو ضد عدد من القرارات التي تعلقت بسورية. وقد خلق هذا حلفًا موضوعيًا بين هذه الدول وإيران. تناول ميسون أيضًا دور تركيا التي بدت في أول الأمر بوصفها النموذج الذي تسعى ثورات الربيع العربي (بخاصة مركباتها الإسلامية) لمضاهاته. ولكن دور تركيا في الربيع العربي تغيّ بسرعة، بخاصة بعد اندلاع الأزمة السورية، وهو ما يركّز عليه غراهام فولر في كتابه: "تركيا والربيع العربي: القيادة في الشرق الأوسط"23. فقد كانت تركيا في الحقبة الأولى من عهد رجب طيب أردوغان، أقرب إلى "دول الضد" منها إلى الغرب، على الرغم من علاقاتها الوثيقة مع الغرب، وحتى مع إسرائيل. هكذا، نجدها سعت إلى التقارب مع دول البريكس، وروسيا وإيران، وكانت علاقاتها وثيقة حتى مع نظام الأسد في سورية. ولكنّها بعد تفاقم الأزمة في سورية، ابتعدت نوعًا ما عن إيران والأقطاب الأخرى التي عارضت التدخّل الحاسم في سورية. وعلى الرغم من أنّ تركيا عانت الأزمة والاستقطاب اللذيْن دارا حولها، ففولر يرى أن دورها القيادي لا يزال محوريًا في الشرق الأوسط ما بعد الربيع العربي. بنية "الشرق الأوسط الجديد" هي أيضًا محور كتاب بول داناهار بالعنوان نفسه24. وبحسب داناهار، فإنّ الشرق الأوسط الجديد ظل يتشكّل في غفلةٍ من الكثيرين في الغرب، بمن فيهم الولايات المتحدة التي بدأت تكتشف ضعفها وهامشيتها مع تفجّر الثورات، لأنّها لم تدرك أنّ الأنظمة التي كانت تعتمد عليها قد فقدت صلاحيتها منذ فترة طويلة. ويرى الكاتب أنّ ملامح الاستقطاب بين أميركا وحلفائها من جهة، وروسيا وإيران وحلفائهما من جهة أخرى، قد كشفت محدودية إمكانيات الولايات المتحدة بوصفها لاعبًا، بخاصة مع ظهور القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية. فقد وضعت هذه التطورات أميركا في حرجٍ كبير، بسبب ضيق خياراتها. ولا ينسى داناهار إسرائيل التي قال إنّها كانت أوّل من عادى الربيع العربي وأشدّ من فعل، على الرغم من أنّها كانت تفخر بأنّها الديمقراطية الأوحد في المنطقة. وقد أدّى هذا الموقف المعادي للديمقراطية إلى خلق فجوة بين إسرائيل وإدارة أوباما التي أيّدت الثورات، ما أدّى بأوباما إلى أن يصرّح بأنّ إسرائيل لا تعرف مصلحتها. ولكن، يرى القادة الإسرائيليون بالمقابل أنّ "صوت الشارع العربي" هو صوتٌ معادٍ لإسرائيل وكاره لها، وأنّهم يفضّ لون الدكتاتورية على الديمقراطية عربيًا، على الأقل على المدى القصير. ولكن الكاتب يخلص إلى أنّ الديمقراطية حتمية في المنطقة، وأنّ على الآخرين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، السعي إلى تفهّم المنطقة وشعوبها بصورة أفضل.

التحديات المنهجية

لعلّ الإشكالية المحورية التي واجهت الكتابات حول ثورات الربيع العربي كانت التحدي المنهجي، بدايةً من الصدمة والمفاجأة أمام الحدث كما أشرنا أعلاه، مرورًا بطرح الأسئلة حول مصدر الخلل. وكان غريغوري غوس من أوائل من طرح هذه المعضلة في مقالة نشرت في دورية "فورين أفيرز"، مفسّ في تموز / يوليو 2011ًا لها بانشغال الخبراء بتعليل ظاهرة "الاستبداد المستدام"، وعدم الالتفات إلى التطورات في الشارع العربي، ودور المؤسسات مثل الجيش. وقد تناول هذه المسألة آخرون، ركّزوا على صعوبة التنبؤ بالثورات على كلّ حال. وقد اتخذ عدد من المؤلفات هذه المعضلة نقطة انطلاق لمراجعة مقولات العلوم السياسية حول الأوضاع العربية. وهكذا نجد مهران كامرافا وزملاءه يرون أنّ مصدر هذه الأزمة كان تركيز الباحثين على مصادر قوة الأنظمة العربية، وقدرتها على الصمود في وجه التحديات، وإهمال العوامل التي كانت تنخر في هذه البنية السياسية بعيدًا عن أعين الخبراء. وقد رأينا كيف طرح كامرافا ومجموعته محورية ما سمّي باهتزاز "الصفقة الاستبدادية"، ذلك التوافق المتخيَّل بين الرعية والحكام، يتنازل الأوائل بموجبه عن حقوقهم مقابل بعض الرفاه. ويمثّل هذا موقفًا وسطًا بين التركيز على السياسة من أعلى وقدرات الأنظمة، والسياسة من أسفل، أي دور الشعوب ومنظماتها. فهو يتحدث عن "صفقةٍ" لها طرفان. بالمقابل، نجد براونلي وزملاءه ينتقدون تركيز التناول لأوضاع ما بعد الربيع العربي على العوامل القصيرة الأمد، مثل دور الشباب والإعلام الجديد وحماس الثوار، ويدعون بالمقابل إلى التدقيق في التطورات الطويلة الأمد، مثل التوجهات الثقافية، وتأثير التقنيات، وبنية الاقتصاد وقدرة الأنظمة القمعية25. من منطلقٍ مقارب، نجد دوناتيلا ديلا بورتا ركّزت بدورها على البعد البنيوي في الثورات، فقد أجرت دراسة مقارنة بين ثورات الربيع العربي وثورات أوروبا

  1. Graham E. Fuller, Turkey and the Arab Spring: Leadership in the Middle East (Lexington, KY: Bozorg Press, 2014).
  2. Paul Danahar, The New Middle East: The World After the Arab Spring (New York: Bloomsbury, 2013).
  3. Jason Brownlee et. al. , The Arab Spring: Pathways of Repression and Reform (Oxford: Oxford University Press, 2015).

الشرقية عام 1989، ساعيةً لدمج نظريات التحول الديمقراطي مع نظريات الحركات الاجتماعية من أجل إيجاد إطار نظري جديد يفسّ التغيرات26. بلغ التركيز على الإشكالية المنهجية مداه في العدد الخاص من دورية Democratization الذي صدر في ربيع 2015 27، بخاصة في مقالتَي رايموند هينيبوش ومورتن فالبيورن. هنا طرح السجال حول الربيع العربي بين المنظّرين على أنّه صدام بين فئتين؛ واحدة كانت ترى في التطورات السابقة للربيع العربي بصيص ضوء ديمقراطي (أو كانت بحسب خصومها "مهووسة" بآيات تطور ديمقراطي متوهَّم ترى أثرها في كلّ خطوة أو تحرّك(، والأخرى كانت بدورها مهووسة عند خصومها باستجلاء آيات نموذج استبدادي محسن، لا يبدو أنّه إلى زوال قريب، بل يزداد ترسّخًا وهيمنة. وبحسب فالبيورن، فإنّ الفئة الأولى احتفلت بالربيع العربي، ورأت فيه نصرًا مبينًا لأطروحاتها، إلا أنّ الفريق الآخر ما لبث أن هلّل وكبّ بعد أن رأى في انهيار الثورات وعودة الاستبداد انتصارًا لأطروحته. ويختم فالبيورن بأن هذا الاستقطاب ينبغي تجاوزه نحو نظرة نقدية تعيد الاعتبار للعلوم السياسية بوصفها "علمً للسياسة." ويلفت النظر إلى تيارٍ ثالث بين التيارين المتنافسين، مثّلته في السابق ليزا أندرسون وأمثالها، إذ نادت بتجاوز التركيز الضيّق على موضوعة الديمقراطية والمركزية الغربية باتجاه تفهّمٍ متعمق لتعقيدات السياسة العربية. وقد سعى بقية المشاركين في العدد الخاص إلى إعادة البحث في الجوانب البنيوية والهيكلية للمجتمعات العربية، بخاصة النواحي المؤسسية ومركبات الاقتصاد السياسي والتوازن والتنازع بين مركبات المجتمع.

خاتمة: إحياء السياسة وعلمها

ينطلق معظم المعالجات الجادة لظاهرة الربيع العربي من اعتراف مسبق بأنّ انفجار الثورات العربية قد كشف عن أزمةٍ عميقة في مساق العلوم السياسية، بخاصة الأقسام التي انشغلت منها بالمنطقة وقضاياها وأزماتها. وقد دار سجال مماثل في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر، ولكنّه كان سجالً أيديولوجيًا أكثر منه علميًا، حاولت فيه قطاعات من المدرسة الاستشراقية المندحرة كسب ما فقدته عبر تشويه سمعة منتقدي الاستشراق. ولكن في هذه المرة، كان هناك إدراك بأنّ المسألة ليست جزئية، تتصل بهذه المدرسة أو تلك، وإنما هناك خلل منهجي ومعرفي بيّ في العلوم السياسية بوصفها إطارًا معرفيًا. إلا أنّ هذا الاعتراف لم يتجاوز في معظم الأحوال حدّ "إعلان مبادئ"، ودعوة إلى مراجعات تبقى في مجال الأماني والتطلعات. فالأزمة تمثّل "تحديًا للعلوم السياسية (ميسون ومجموعته)، أو هي "فرص جديدة" للعلوم السياسية، بحسب لينش وشركائه، وهكذا28. وفي الأحيان القليلة التي جرت فيها محاولات عملية لمعالجة المسألة، إما باستخدام المنهج المقارن والجمع بين إطارين نظريين (ديلا بورتا)، أو باستخدام المنهج التاريخي (أحمد وكابوشيا)29، أو عبر أيٍ من الإستراتيجيات التي أشرنا إليها أعلاه، فإنّ الأمر لم يأت بفتحٍ مبين، وإنما إضافات متواضعة في هذا المجال. وبحسب نظرنا، فإنّ الكتابات لم تتناول جذور المشكلة التي تتجاوز الغفلة المنهجية إلى ما هو أعمق. على سبيل المثال، يعترف غوس في مقالته التي طرحت سؤال الفشل في التنبؤ بأنّه كتب في عام 2005 يحذر إدارة بوش من تشجيع الديمقراطية في العالم العربي، لأنّ الدكتاتورية الحليفة في المنطقة هي ضمان لاستقرار المنطقة ومصالح أميركا. وهو يعترف بخطئه فقط لأنّ الأنظمة الدكتاتورية لم تضمن الاستقرار (وهو تحديدًا السبب الذي أوردته كوندوليزا رايس في تبريرها دعم الديمقراطية.) فالدعوة إلى استدامة الدكتاتوريات (وليس فقط البحث "ال يررء" في أسباب استدامتها)، هي دعوة لاستمرار المجازر، وإذلال البشر، وملء السجون وإغلاق فضاء الحوار، وعمومًا تحويل حياة البشر إلى جحيم مستدام. فالأمر هو غفلة عن إنسانية الإنسان العربي، وهو ما أشارت إليه واحدة من الدراسات

  1. Donatella della Porta, Mobilizing for Democracy: Comparing 1989 and
  2. Democratization , Vol. 22: No. 2 (2015): 1131 - 1153. 28 “ Arab Uprisings: New Opportunities for Political Science”, Middle East Political Science , (June 12, 2012), at: http://pomeps.org/2012/06/12/arab-uprisings-new-opportunities-for- political-science/
  3. 2011 (Oxford: Oxford University Press, 2015); انظر كذلك: Abdelwahab El-Affendi, “Constituting Liberty, Healing the Nation: revolutionary identity creation in the Arab world's delayed 1989”, Third World Quarterly, Vol 32, Issue 7, (August 2011), pp. 1255 - 1271.
  4. Amel Ahmed & Giovanni Capoccia, “The Study of Democratization and the Arab Spring”, Middle East Law and Governance , 6, (2014), pp. 1 - 31.

التي تناولناها أعلاه، حين قال كاتبها: "لقد اكتشفنا بعد الربيع العربي أنّ العرب هم بشر مثلنا." وياله من اكتشاف عظيم لمن يسمّون أنفسهم "علماء سياسة!" تراجع عنه بعضهم سريعًا، ولم يبلغه كثير منهم كما رأينا في بعض الدراسات أعلاه. فالأمر له جوانب متشعبة، لعلّ أبرز المسكوت عنها منه هو تداخل سلطة المعرفة مع معارف السلطة، وهي مسألة نوّه بها ميشيل فوكو، واعتمدها إدوارد سعيد إلى حدٍ ما في تفكيك مناهج الاستشراق. ويبدأ الأمر من سؤال فشل "الخبراء" في التنبؤ بالحدث: فمن أعطى هؤلاء الخبراء السلطة والحق في التنبؤ دون غيرهم وقبل غيرهم؟ هل هم كهّان المعبد؟ وقد أشار ماجد شحادة إلى هذه المسألة في ورقة مهمة، حذّر فيها من أنّ تناول الشأن العربي لا يزال أسير منهج استشراقي أو استشراقي جديد أو مبطن، يتناول العالم العربي دائمًا على أنّه مصدر خطر وفوضى، ويرى أنّ الغرب وحده مصدر العلم والاستنارة والعقلانية. وربط شحادة بين التدخلات الغربية "الفكرية" والعسكرية والاقتصادية، وزاد فزعم أنّ كثيرًا من المفكرين العرب استبطنها وجعلها من المسلمّات30.

ولكنّ هذا جانبٌ فقط من المشكلة، لأنّ الأزمة أعمق. فالعلم هو سلطة حقيقية، و"الروايات" الآسرة لها سلطانها، تمامًا كما أنّ الدولة لها سلطانها. وتمامًا كما أنّ الطريق إلى الأمام في إصلاح السلطة السياسية لا يكون بتدمير الدولة وإسقاطها، وإنما بإصلاح هياكلها وضمان مشاركة أكبر في إدارتها، كذلك فإنّ المشاركة في سلطان العلم الحديث لا تكون بإلغائه والبداية من الصفر، أو بضمان "أسلمة المعرفة" كما كانت حال بعض المشاريع. وعليه، فإنّ الحل لمعضلة العلوم السياسية لا يكون بإلغائها وإنشاء "علوم سياسية عربية" أو عالم - ثالثية، وإنما بجعلها علمية أكثر، والمشاركة في ساحتها وميدانها على قدم المساواة، بتقديم مساهمات حقيقية، على الأقل مساهمات لا تنسى أنّ العرب بشر (وهو إثم يقع فيه كثير من "المفكرين" العرب، قبل نظرائهم الغربيين.) وربما يكون الإشكال الأعمق في الكتابات الناقدة للمركزية الغربية، هو فشلها في إدراك طبيعتها بوصفها مركزية معرفية - روائية في الأساس. فقد سبق الاستعمار الفعلي تفوّق معرفي - تقني في مجالات التسليح والملاحة والجغرافيا والإدارة. ونحن لا نزال حتى اليوم لا نرى صورتنا إلا في الإعلام الغربي وأفلام هوليود، ولا نرى علمً إلا ما صدّقت عليه المؤسسات الغربية أو المؤسسات الدولية المهيمن عليها غربيًا. وإذا كان إشكال النهضة العربية لا يزال قائمًا بسبب عدم تحقق أهدافه في الاستقلال المعرفي والاقتصادي والسياسي، فإنّ ذلك يعود إلى أسباب تتعلق بالتخلف العلمي، وهو تخلف ينعكس حتى في الصراع بين الفئات المهمشة والنخب، وبين الحداثيين والتقليديين (بمن فيهم الإسلاميون.) فالطبقات المهيمنة هي تلك التي نهلت قليلً من المعرفة يكفي لتحوّلها إلى مستعمر داخلي، ولكنّه لا يكفي لجعلها عضوًا كامل العضوية في مجتمع النخب المركزي. وبالقدر نفسه، إن الإسلاميين في الجزائر ومصر وغيرها، لم يمكنهم أن يصبحوا حكّامًا على الرغم من أغلبيتهم الشعبية لأنّهم لم يتمكنوا من دخول عالم المعرفة الحداثية بصورة كافية. وهذه مسألة تحتاج إلى تفكير متعمق، لأنّ "الحداثة المعرفية النسبية" التي تتمتع بها النخب الحاكمة قد تكفي لقمع الغالبية واستعمارها، ولكنّها لا تكفي للخروج بالمجتمعات من وهدة التخلف، بل إنّها قد تفرض استدامة التخلف حتى لا يتطور المجتمع بما يكفي لإزاحتها. فقد كان لمحمد علي (على الرغم من أميته)، تفوقٌ نسبي على المماليك ودولة سنار في السودان وبعض دويلات الجزيرة العربية والشام، ولكنّه لم يكن ندًا حتى لروسيا المتخلفة. ويبدو أنّنا من جهة لا نزال نعيش حقبة محمد علي معرفيًا وفكريًا. من جهة أخرى، يمكن استلهام مقولات دباشي حول سقوط الجدران تحت زلزال الربيع العربي وطوفانه، وبزوغ فجرٍ جديد لا يكون فيه سؤال "اللحاق" بهذا الجانب أو ذاك، ذا موضوع. ولكن هذه المقولة قد تبدو متفائلة أكثر من اللازم ببزوغ فجر كوزموبوليتانية جديدة، وهو أمر يتعارض مع مقولات شانتال موف، استنادًا إلى كارل شميت، بأنّ التعارض والانقسام هو أصل "السياسي"، وأنّ أوهام ما بعد السياسة هي من قبيل الأيديولوجية المسوغة للنيوليبراليات الجديدة. وهو مبحث يحتاج إلى حبرٍ آخر كثير.