قراءة في كتاب "العلاقات المدنية - العسكرية والتحوّل الديمقراطي في مصر بعد ثورة 25 يناير"

شمس الدين الكيلاني

عنوان الكتاب: العلاقات المدنية - العسكرية والتحوّل الديمقراطي في مصر بعد ثورة 25 يناير. المؤلّف: هاني سليمان. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. السنة:.2015 عدد الصفحات: 120

اكتسى موضوع العسكر في الحياة السياسية المصرية أهمّية خاصّة لدى الباحثين منذ وقت مديد. ربّ ا يعود ذلك إلى أنّ ولادة الجيش المصري الحديث قد ارتبطت بتجربة محمد علي التحديثية في منتصف القرن التاسع عشر. فعلى غرار محاولة التحديث العثماني، عملت مصر تحت قيادة محمد علي بتحديث الجيش أولً بصفته مركز القوة في الدولة ومصدرها، قبل أن يفكر في التحديث الثقافي والاجتماعي. ثمّ ما لبثت هذه التجربة أن اصطدمت بأثقال طموحات محمد علي أولً، وبمخاوف الدولة العثمانية من هذه الطموحات ثانيًا، وبالقوة الغربية النافذة ثالثًا. فغدا (المشروع) ضحية تظافر تلك العقبات الثلاث، فانكمشت طموحات محمد على الإمبراطوية لتنزوي داخل مصر، غير أن طموحات سلالة محمد علي لم تخبُ. فموقع مصر بين أسيا وأفريقيا وإطلالتها على البحرين الأبيض والأحمر أورث زعامتها الطموح للقيام بدور أكبر في الإقليم. فبرز الخديوي إسماعيل حامل مشروعًا تحديثيًا طموحًا، كانت قناة السويس إحدى إنجازاته، فكان من نتيجته أن أثقلت التكلفة والمديونية القطر المصري وأخضعته للرقابة الأجنبية التي عملت في النهاية على إزاحة اسماعيل لمصلحة ابنه توفيق الذي سمع دروس الأفغاني ومحمد عبده بلا طائل. فإذا كان الطموح الإمبراطوري قد طوى تجربة محمد علي، فإنّ الطموح التحديثي الكبير للخديوي إسماعيل الذي تجاوز الحد المقبول آنئذ للغرب كان وراء تحطمه، فانتفض الجيش مجددًا بقيادة عرابي، في عهد الخديوي توفيق وردًا على فساده واستبداده، ليقوم بدور قيادي في معركة مزدوجة جمعت بين الديمقراطية الدستورية البرلمانية، والتحرر الوطني من وصاية الغرب، اندمج فيها التحديث الثقافي الديمقراطي الدستوري، فاصطدمت محاولة عرابي التحررية الديمقراطية بتدخل بريطانيا التي لم تتردد في التضحية بقيمها الديمقراطية على مذبح مصالحها. فانطوى ذكر الجيش إلى أن قام بثورة 23 يوليو 1952، فتصدرت المؤسسة العسكرية الدولة وإدارة المجتمع تحت قيادة عبد الناصر، ثمّ جُدد الحديث عن علاقات المدني بالعسكري في مجرى ثورة 25 يناير 2011، إلى أن أمسك الفريق عبد الفتاح السيسي، رمز المؤسسة العسكرية، بالسلطة. يأتي عمل هاني سليمان البحثي في ضوء تجربة ثورات الربيع العربي في نجاحاتها وإخفاقاتها، ودور المؤسسة العسكرية في فصولها. فكانت مصر ميدان دراسته، فتقصى تأثير المؤسسة العسكرية في مجرى ثورة 25 يناير. حاولت هذه الورقة تفحّص موضوعات كتاب سليمان بتحليلاته واستنتاجاته، وتوقعاته لمستقبل مصر، وذلك بالعودة إلى الدور الذي قام به الجيش منذ تنحي مبارك، إلى استلام السيسي، إضافة إلى ذلك تسعى الورقة إلى تفحّص علاقة الجيش بالمجتمع مع استمرار إرادة التغيير الديمقراطي لدى المصريين التي ما تزال تعبّ عن نفسها بأساليب مختلفة.

هيكل الكتاب ومقاصده ومنهجه

يقسّم الكاتب دراسته أربعة فصول، بدأها بمقدمة يبسط فيها إشكالية البحث وأسئلته، وهدفه. يبحث نظريًا، في فصله الأول، عن العلاقة المدنية - العسكرية وتأثيرها في عملية التحوّل الديمقراطي، ويتبع ذلك في الفصل الثاني بتقصّ جذور العلاقة العسكرية المدنية التي تضرب في عمق التاريخ المصري، وترجع على الأقل إلى تجربة محمد في بناء مؤسسة عسكرية حديثة. ويخصّص الفصل الثالث لتجربة المؤسسة العسكرية بعد ثورة 23 يوليو 1952، وصولً إلى ثورة 25 يناير ومآلات هذه العلاقة الصعبة. لينتقل في الفصل الرابع ليعرض على قارئه العديد من السيناريوهات المستقبلية، والاحتمالات التي يحملها الحاضر. من دون أن يغفل آثار العلاقات الإقليمية والدولية في ترجيح هذا السيناريو أو ذاك.

لا شك في أنّ الإشكالية التي تلح على المؤلّف إنما تتعلق بعلاقة المؤسسة العسكرية بالمجتمع، لاعتقاده أنّ لهذه العلاقة شأنًا مهمًّ "في تحديد مسار عملية التحوّل الديمقراطي في مصر منذ 25 يناير 2011. بل إن لهذا العامل الثقل الأكبر في تحديد النتيجة المستقبلية لهذه العملية، إمّا في اتجاه الديمقراطية الراسخة، وإمّا بالارتداد إلى النظام التسلطي، وإمّا باتجاه النظام الهجين"1. وانطلاقًا من اعتقاده أنّ العلاقات بين العسكري والمدني هي العامل الوازن في فهم مستقبل النظام السياسي في مصر، يتساءل الباحث إن كان هناك من نموذجٍ للعلاقة بين العسكري والمدني تقود إلى تسهيل عبور مصر نحو الديمقراطية. لذا غدا من أبرز أهداف البحث تحليل طبيعة المؤسسة العسكرية المصرية وسماتها وتحولّات دورها في النظام السياسي في تاريخ مصر المعاصر، حتى نهاية حكم مبارك، مرورًا بنظام 23 يوليو 1952. وهذا الهدف يكتسي أهمية خاصة لدى سليمان، وذلك لتأثير العسكر في

  1. هاني سليمان، العلاقات المدنية العسكرية والتحول الديمقراطي في مصر بعد ثورة 25 يناير (الدوحة - بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 20158)، ص -.9

مصير التحولّات السياسية في مصر. وقد اتخذ من المقاربتين الثقافية والسياسية سبيلً لمراقبة تحوّل دور المؤسسة العسكرية. وحاول، في سبيل ذلك، العودة إلى المصادر التي تناولت دور المؤسسة العسكرية المصرية في التنمية والتحوّل الاجتماعي، وأبرزها كتاب أنور عبد الملك "مصر: مجتمع عسكري." وهي دراسة عكست وجهة النظر اليسارية الدارجة التي كانت، وربما ما تزال، تأمل خيرًا من دور العسكر(التقدمي)، وكتاب حازم قنديل "العودة على ظهر الحصان: الجيش بين ثورتين" والذي يعاين الراهن في الثورة وما آلت على يد العسكر، حينما اعتلوا صهوة جواد مصر مجددًا، يفتقدون رؤية مستقبلية تُكسِبهُم شرعيةً ما.

مفاهيم حاكمة للعلاقة المدنية –  العسكرية

يذكّرنا المؤلّف أنّ العلاقات المدنية - العسكرية هي إحدى الفروع المعرفية لعلم الاجتماع السياسي والعسكري الذي شرع في الظهور بعد الحرب العالمية الثانية. وحاول أن يبيّ الطرق التي يمكن أن يهيمن بها المدني على الحقل العسكري. ويرى المؤلّف أنّ أول الأدبيات وأهمها، في هذا العلم، ظهرت عام 1957 وكانت لصامويل هانتنغتون "الجندي والدولة." استمد هانتنغتون معاييره النظرية، مثل نظرائه اللاحقين، من تقاليد الديمقراطيات الغربية. فشدّد على استقلالية المجالين العسكري والمدني، في الوقت الذي بدأت فيه البلدان النامية في تجربة التداخل بين المجالين وهيمنة العسكري على المدني (ص. 20) ويرى هانتنغتون أنّ تحقق السيطرة المدنية على القوات المسلحة في النظام الديمقراطي من خلال ما سماه السيطرة الموضوعية، عن طريق تكريس الاحترافية العسكرية وتبعية فاعلة من الجيش للمؤسسة المدنية الحاكمة. ومؤكدًا الفصل بين المجالين المدني والعسكري. غير أننا نعرف أنّ أهم كتاب عكس وجهة النظر الغربية الليبرالية هو كتاب والت ويتمان روستو "مراحل النمو الاقتصادي الأميركي"، الصادر عام 1960. وافترض أنّ هناك ثلاث مراحل للنمو تواجه البلدان للتنمية، كان هانتنغتون حينها مغمورًا، ويرى المؤلّف أنّ التطور في العالم الثالث كان مغايرًا لهذا التصور الليبرالي، إذ ازداد تدخل الجيش في هذه البلدان، فتباينت تفسيرات هذا التدخل العسكري في الميدانين السياسي والمدني، من مقاربة تعزو الأمر إلى العوامل الثقافية، وأخرى تعيد الأمر إلى التدخل الخارجي. وثالث يرجعه إلى طبيعة الدولة حديثة أم تسلطية، أو التركيز على المعطيات الذاتية للمؤسسة العسكرية. وأشار سليمان إلى بعض المؤلّفات التي تناولت تصاعد دور العسكر وأبرزها كتاب أريك نوردلينغر (ص. 23)، وفي الحقيقة إنّ المؤلّفات التي جذبت الجمهور والأنظمة في المرحلة (اليسارية - القومية) هي مؤلفات قدَّمت وجهة نظر مغايرة لوجهة النظر الليبرالية الغربية، مثل مؤلفات شارل بتلهايم، وبول باران وتوماس سنتش، وأصحاب (نظرية التبعية.) في المقابل قدّم الاتحاد السوفياتي نظرية موازية تسوِّغ له تحالفه مع الأنظمة العسكرية الاستبدادية، وهي نظرية (التطور اللارأسمالي.) ولقد اتسمت تلك المؤلّفات بالطابع اليساري فهي لم تعترض على دور العسكر في السيطرة على السلطة، بل تحبذه، إذا كان العسكر من الطبقات الشعبية، واتخذوا طريق التنمية التقدمية: مركزية سياسية واقتصادية وتنامي دور الطبقات الشعبية، وبناء اقتصاد بعيد عن التبعية، ومعادي للإمبريالية. انطلق المؤلّف من فرضية أنّ الجيش المصري يتّسم بخاصية تاريخية، تتمثل في أنه اضطلع بدور محوري في الحياة السياسية المصرية، فحظي دائمًا "باحترام وتقدير عاليين في الذاكرة الجمعية للشعب المصري"، وساهم بطريقة فعالة في بناء الدولة واستقلالها الوطني، وحماية الوطن. وهي خاصية يرى فيها الباحث شروطًا تاريخية وثقافية ومؤسسية عسكرية تدفع الجيش نحو التدخل السياسي، ومن ثمّ "تجعل السيطرة التامة على المؤسسة مهمة صعبة تتطلب جهدًا ضخمً " من المصريين.

الجيش والسياسة في مصر

على الرغم من أنّ المؤلّف يعرف أنّ تأسيس الجيش المصري يعود إلى عهد محمد علي باشا، ومرَّ في مرحلته الثانية بثورة أحمد عرابي 1881، وفي حلقته الثالثة بثورة الضباط الأحرار 23 يوليو 1952، فإنه يُركّز انتباهه على المرحلة الممتدة بين 23 يوليو وثورة 25 يناير 2011، فراقب التحوّل الذي أصاب موقع الجيش، هيمن الجيش خلال هذه المرحلة على الحكم والسياسة إلى أن وقعت هزيمة 5 حزيران 1967، وهزّت مكانته.

وكان الضباط، خلال هذه الفترة، قد تحوّلوا إلى نخبة حاكمة للبلد، واحتكروا السياسة، وألغو الحياة الحزبية. واحكموا سيطرة الجيش على الدولة والمجتمع، إلى أن أعادت هزيمة حزيران 1967 صوغ البنية المؤسسية للجيش بطريقة تُعزز الحرفية والانضباط العسكري فيه. وهو ما ساهم في نتائج حرب أكتوبر 1973. ثمّ جرت محاولة في زمن السادات لنزع الطابع العسكري عن النظام، وإلى تحييد الجيش. ثم ازداد تراجع دور الجيش السياسي، بعد اتفاقية الصلح، وتقليص الإنفاق العسكري. لكن في مقابل تراجع الدور السياسي والحربي للجيش، كما يرى المؤلّف، تنامى دوره التنموي التحديثي. وهذا "ما جعل النخبة العسكرية تتحالف مع الأوليغارشية التجارية المزدهرة "، إلّ أنّ السادات اختار في النهاية تعيين عسكري (حسني مبارك) نائبًا له (ص. 41)، فتضخمت المصالح الاقتصادية لدى المؤسسة العسكرية حتى كاد الجيش أن يشبه الشركة العسكرية (ص 44 -.)45 وصل سليمان إلى نتيجة مفادها، أنه إذا كانت المؤسسة العسكرية تستمد أهميتها في عهد عبد الناصر من دوريها الاجتماعي والدفاعي، فإنها في عهدي السادات ومبارك لم يتبق لها سوى القيام بدور الحفاظ على النظام. تزامن ذلك مع افتقاد جميع مؤسسات الدولة فاعليتها وقدرتها التنظيمية، لهذا احتفظت المؤسسة العسكرية ب (صورتها الإيجابية) لدى المصريين (ص. 48)

المؤسسة العسكرية بين ثورتين

يرى المؤلّف أنّ هناك عاملين أساسيين يتعلقان بالدولة المصرية، سهلا للثورة تفجّرها: طغيان الدولة الأمنية وتزايد رخاوتها في الوقت نفسه، أطلق مبارك الأجهزة، مع تراجع الدور الاجتماعي للدولة، وانسداد أفق الإصلاح خاصة حين انكشف فساد العملية الانتخابية برمتها عام 2010، إضافة إلى عاملين أخرين زامنا الثورة: الشرارة التي أوقدتها الثورة التونسية، وموقف الجيش التونسي الذي قام بحماية التحرك من العنف والعنف المضاد، فربما قيَّد ذلك سلوك الجيش المصري، فلم ينزلق باتجاه استخدام العنف، وشجعه على ذلك أيضًا أنه لم يكن مؤيدًا لسعي مبارك للتوريث، كما يؤكد: "أنّ المصلحية الفردية والمؤسسية الوطنية تضافرتا في دفع الجيش إلى إقصاء مبارك" (ص. 55) وعلى الرغم من إقصاء الرئيس مبارك، فإنّه فضَّ ل تسليم السلطة إلى المؤسسة العسكرية، معبّ ا بذلك عن طبيعة العلاقة بين السلطة والجيش. وصف المؤلّف الوضعية المأزقية التاريخية ل (المجلس الأعلى) العسكري، حين استلم صلاحيات مبارك، إذ وجد نفسه مطالبًا من القوى السياسية بتفكيك النظام ورعاية التحوّل نحو الديمقراطية "في حين أنه جزء من النظام"، فحقق بعض المطالب مثل حلّ الحزب الوطني، واعتقال رجالات النظام لتقديمهم للمحاكمة؛ غير أنه لم يلغ قانون الطوارئ، ووسع مواقع القوات المسلحة بمنحها صلاحيات واسعة في وثيقة المبادئ الدستورية 6 تشرين الثاني / نوفمبر.2011 لذا كانت صلاحيات الرئيس مرسي، عندما تسلَّم الرئاسة، قد أصبحت مطوّقة، غير أنّ شعبية المؤسسة العسكرية قد تراجعت. وقد واتت مرسي الفرصة، حين استغل حادثة قتل جماعة إرهابية 16 عسكريًّا في آب / أغسطس 2012، فأقال أبرز أعضاء المجلس العسكري بمن فيهم رئيسه الفريق الطنطاوي، وألغى الإعلان الدستوري المثير للجدل، وعيّ اللواء عبد الفتاح السيسي وزيرًا للدفاع (ص. 62)

يعتقد المؤلّف أنّ الرئيس مرسي والإخوان المسلمين، قد توهّموا "أنهم حسموا بتلك التدابير مشكلات العلاقة المدنية العسكرية، إلّ أنّ الحوادث التي تلت ذلك أثبتت سذاجة هذا الظنّ، لماذا؟ يجيب المؤلّف عن ذلك بأنّ الجيش ما لبث أن استرجع مواقع خسرها بسبب أخطاء إدارة الرئيس مرسي. فحدث "تبدل في مكانة الجيش ودوره في المشهد السياسي بحصول الاستقطاب الحاد الذي عرفته البلد على خلفية الإعلان الدستوري الذي أصدره مرسي في 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2012، ويضاف إلى ذلك الشقاق السياسي الذي أثاره إقرار الدستور الجديد الذي مرره الإخوان المسلمون. وهكذا "عاد الجيش المصري لاستعادة ما فقده من شعبية، من خلال تقديم نفسه راعيًا للحوار في أزمة الإعلان الدستوري" (ص. 63) وأصبح الجيش يُعِدّ نفسه "الحَكَم بين القوى المختلفة وأنه صاحب الكلمة الفصل، كما أدى الإعلام وبعض الشخصيات العامة دورًا في استعادة الجيش مكانته من خلال ترسيخ فكرة أنّ الجيش هو منقذ البلاد من الحالة التي وصلت إليها" (ص. 63) ولاحظ الباحث أنّ الجيش وجه إنذارًا، مدته 48 ساعة إلى (جميع الأطراف) للتفاهم، بعد ساعات من بدء التظاهرات المناوئة لمرسي وحكم الإخوان المسلمين، في 30 حزيران / يونيو، بينما كان الإنذار

موجهًا إلى مرسي. إذ ظهر جليًا الاصطفاف السياسي للجيش في الاستقطاب السياسي (ص. 65) وأشار المؤلّف إلى مسؤولية القوى المدنية في تشجيع الجيش على التدخل "فإنّ القوى الشبابية، ممثّلة أساسًا بحركة 6(أبريل)، وحملة (تمرّد) هي التي دعت الجيش إلى (التدخل لحل الأزمة السياسية(")ص.)67 راقب المؤلّف كيف تداعت الأحداث بعد 30 يونيو، وخُتمت بعزل الرئيس محمد مرسي في 3 تموز / يوليو 2013، وانفتح بعدها سجال شاق بين من يرى ما حدث انقلابًا على الشرعية وثورة مضادة، ومن رآه تصحيحًا لمسار أو ثورة ثانية. فينحاز المؤلّف إلى الفكرة القائلة: "إنّ ما حدث في الثالث من يوليو انقلاب عسكري في عرف المبادئ الديمقراطية" (ص. 66) ويرفد هذا الرأي بوقائع فعلية تشير إلى توسع دائرة من شملهم الاضطهاد والملاحقة والاعتقال لتصيب القوى التي ساندت الرئيس السيسي نفسه (ص. 67)، وفي الوقت نفسه، فإن التعديل الدستوري الذي أُقر باستفتاء عام في كانون الأول / ديسمبر 2014، وضع "سلطة الجيش فوق سلطة المدنيين." ثمّ بعد أن تأكد الجيش من تقويض قوة الإخوان المسلمين، وإن لم يقضِ عليها، "سعى إلى التفرّد بقرار الحكم بالتنكّر للقوى السياسية والشبابية التي اصطفت إلى جانبه في مواجهة الإخوان" (ص. 73) ثمّ نتيجة المقدمات التي صنعها العسكر، حصل ما هو متوقّع، من ترشُّح السيسي في 27 كانون الثاني / يناير 2014، "بناء على رغبة الجماهير" على حد تعبير بيان المجلس العسكري! لم ينكر المؤلّف الشعبية النسبية للفريق السيسي، آنذاك، معلّلً ذلك، بأنه في ظل غياب المؤسسات الديمقراطية وهشاشة القوى السياسية المدنية، كان من الطبيعي أن "يتطلع المصريون إلى المؤسسة العسكرية باعتبارها حصنًا للمجتمع... ومصدرًا للفخر الوطني" (ص. 75) ينتهي المؤلّف إلى القول بحسرة: "يبدو أنّ الإخوان المسلمين ليسوا وحدهم من لم يتعلم من تجربتهم مع الجيش، بل كذلك القوى السياسية والمدنية" (ص. 74) لعلّ الحلقة الفيصل في سلسلة تحولّات أحداث ثورة 25 يناير، تتمثَّل بما أشار إليه المؤلّف، أي في الخطأ الذي ارتكبه الرئيس مرسي ومعه الإخوان المسلمون عندما تصوّروا أنهم حسموا الموقف لصالحهم بإقالة قادة المجلس العسكري، في 12 آب أغسطس 2012، وأن باستطاعتهم تشكيل المشهد السلطوي لوحدهم كما يشاؤون، وأن بمقدورهم التفرُّد بالسلطة، وهذا ما بدا للكثيرين من سلوكهم اللاحق. ففي 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2012، انسحب التيار المدني من الجمعية التأسيسية شاكيًا من انعدام الشراكة في صوغ الدستور الجديد، فلم يقتصر سلوك إدارة الرئيس مرسي السياسي على استبعاد القوى والتيارات المدنية الحداثية من الشراكة في السلطة فحسب، بل أبعدهم أيضًا عن الشراكة في التشريع والقانون. ولم يقتصر الاستبعاد على الأحزاب المدنية فحسب، بل استُبعِد أيضًا (حزب النور) من المشهد السلطوي ومن الشراكة في السلطة، في الوقت الذي كان على الرئيس مرسي النظر إلى أن مصر تمرّ بمرحلة انتقال للديمقراطية، تقتضي رص صفوف القوى التي لها مصلحة في التغيير الديمقراطي، والانطلاق من مبدأ الشراكة الشاملة تضمّ كل القوى التي قامت بالثورة وكان لها دور فاعل فيها، إضافة إلى دعم الحريات والمؤسسات الدستورية، وتقوية الصحافة والإعلام بصفتها سلطة رقابة فاعلة، وبهذا كان بالإمكان توسيع دائرة القوى التي تحمي ميدان الثورة من الطامح الأكبر في السلطة:الجيش، وأيضًا كان من الضروري البحث عن إنجاز فعلي يؤثّر في حياة الناس، وفي الاقتصاد، وفي الخدمات، وفي السياسة العربية.

ربّ ا أنّ الخطأ الذي كان له وقع تدميري على الشراكة الوطنية، هو أنّ الرئيس مرسي والإخوان أعطوا انطباعًا، بأنهم فرضوا دستورًا على مقاسهم من دون مراعاة شركائهم في الوطن. فهناك فرق بين البرنامج الانتخابي الذي يخص جماعة سياسية والدستور الذي يخص كل مواطن في مصر. لم يسلك الرئيس مرسي طريق الغنوشي التصالحي في تونس الذي صاغ دستورًا توافقيًا، أرضى جميع الفرقاء التونسيين، بينما فرض التيار الإسلامي بقوة (الأكثرية الإسلامية) الأكثرية البرلمانية، في مصر، دستورًا مفصلً على مقاس الإسلاميين بدلً من أن يكون دستورًا وطنيًا جامعًا يُظلل الجميع ويحميهم، فأوحى ذلك إلى الكثرين بأنهم يتّجهون إلى دولة الحزب الواحد الشمولية، ولا يُخفى ما لأطروحات سيد قطب من تأثير في كوادر الإخوان. لذا، كان لإعلان الرئيس مرسي (الإعلان الدستوري) وقع الصدمة، في 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2012، والذي منح فيه الرئيس صلاحيات واسعة، وما أعقبه في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، من انتهاء الجمعية التأسيسية من صوغ الدستور، وتحديد مرسي 15 كانون الأول / ديسمبر للاستفاء عليه. دفعت هذه الصدمة قطاعًا واسعًا من المصريين إلى التحرك، ومنذ ذلك الحين لم تتوقف الاحتجاجات، وتكرس الانقسام الاجتماعي الكبير. واستمرت الاحتجاجات

خلال الفترة بين إقرار الدستور في 22 كانون الأول / ديسمبر، و 3 حزيران / يونيو 2012، وحينها تعدى الانقسام، في الاجتماع السياسي المصري، الخلاف بين كتل وتيارات سياسية تتنافس على سطح ذلك الاجتماع، بل غدا ما تواجهه مصر انقسامًا عاموديًا شطر المجتمع إلى شطرين، يكاد أن يصبح انقسام هويات كبرى، اصطفت على حدة (الجماعة المصرية) التي تتخذ من الحداثة، بصفة عامة، ومن الحياة المدنية الحديثة مرجعية لها، ومعيارًا لسلوكها، لتظهر حذرها وخشيتها من سلوك سلطة الرئيس مرسي، ومن ورائه الإخوان المسلمين، حينها بدا لهذه الكتلة أنّ تفكير السلطة، في بلدهم، يتركز على أسلمة السلوك الفردي والاجتماعي للمصريين بدل تركيز اهتمامها على الإنجاز في الصعيدين الاقتصادي والسياسي2، ونظر الجمهور المعارض إلى التنقلات التي أجراها الرئيس مرسي في مجال الصحافة وفي الإدارة الثقافية، وتعيين المحافظين، واختيار رئيس وزراء مغمور بتشكك. تصرفت إدارة مرسي بتعارض كبير مع اتجاهات حزب العدالة والتنمية التركي الذي ركَّز على الإنجاز في مجال التنمية ورفع مكانة تركيا الإقليمية والعالمية، وترك المسائل الثقافية والسلوك الشخصي تقرره الإرادة الفردية للمواطن، لذا أثار ردة فعل عنيفة من الإخوان المسلمين، دعوة أردغان المصريين إلى بناء دولة مدنية، وأن العلمانية تحترم الأديان كافة3. ويُضاف إلى هذه كله ما أثاره الرئيس مرسي من شكوك حول سياسته الخارجية تجاه إيران وروسيا. لقد اجتمعت هذه العوامل برمتها لتدفع إلى الأقصى في تعميق الانقسام الاجتماعي، في أبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية التي تمس السلوك الفردي والجماعي معًا فغدت مصر أمام كتلتين اجتماعيتين منقسمتين إزاء الشأن السياسي والسلوك الثقافي، مع وجود اختراقات وتحيزات استثنائية في هذه الكتلة أو تلك. فرضت هاتان الكتلتان وجودهما الكثيف على توازن دقيق للقوى، وقفت سلطة الرئيس مرسي ووراءه جمهور الإخوان المسلمين من جهة، ووقفت من جهة أخرى كتلة القوى السياسية والمدنية وشباب الثورة وفي مقدمتها حركة شباب 6 أبريل، والأقباط وجمهور واسع من المصريين متدينين وغير متدينين، لا يريد أن يُغيِّ سلوكه وقيمه الشخصية تحت الضغط. شرعت هذه القوى السياسية والاجتماعية المعارضة لإدارة الرئيس مرسي، في التحرك بطريقة ديمقراطية، واتسعت دائرة نشاطها إلى أن بلغت ذروتها في 30 حزيران/ يونيو 2013. لعلّ هذه الحركة لو قُيض لها الاستمرار بضغطها على الرئيس مرسي، لكانت توصلت معه إلى عقد سياسي جديد يعيد الأولوية إلى مهمة إنجاز المرحلة الانتقالية للديمقراطية. غير أنّ العسكر كانوا سباقين لاقتناص الفرصة، ومصادرة هذه الحركة الشعبية لمصلحتهم، فانقضوا على السلطة وفرضوا الوصاية مجددًا على المصريين، مستغلين الشقاق في صفوف قوى ثورة 25 يناير، الإخوان المسلمين من جهة، وشباب الثورة والقوى السياسة والمدنية من جهة ثانية. كما استغلوا غياب قادة جامعين لهذه الحركة المدنية الواسعة فلا عمر موسى، أو حمدين صباحي أو غيرهما من الشخصيات المدنية قد وقع عليه الإجماع، أو الثقة، وهو ما دفع جمهور القوى إلى الارتماء في أحضان الجيش، وهي متلهفة لتلمس مخرج يخلّصها من المجهول. فانفتح الطريق أمام الفريق السيسي ليتقدّم لاستلام السلطة من دون صعوبات تذكر، يرافقه تأييد قطاع واسع من جمهور، كما يقول المؤلّف، ما يزال يحمل بقية ثقة بالقوات المسلحة.

مستقبل العلاقات المدنية   –  العسكرية والتحوّل الديمقراطي

يضع المؤلّف ثلاثة عوامل مؤثّرة في مستقبل دور الجيش: أولها أن المؤسسة العسكرية راغبة في البقاء مهيمنة على المجال السياسي الم يرر، وثانيها ضعف القوى السياسية المدنية، وثالثها غياب التزام القوى السياسية المدنية النهج الديمقراطي. وهو ما برهنت عليه مساعدة هذه القوى وتحالفها مع الجيش والأجهزة الأمنية لعزل الرئيس مرسي. ينطلق المؤلّف من هذا الافتراض ليستشرف سيناريوهين اثنين ممكنين لمستقبل هذه العلاقة: أولهما أن يستمر الرئيس السيسي في حكم البلد في غياب الحريات، فيضع البلد أمام مخاطر لا قبل للنظام بمواجهتها. وسيكون لفشل النظام في الاستجابة لتوقعات الناس تداعيات تمسّ مكانة المؤسسة العسكرية نفسها. أمّا ما يسمّيه بالسيناريو المأمول فينطلق من افتراض إمكانية إعادة اللحمة إلى كلّ القوى التي تقف ضد النهج الاستبدادي، ومع القوى السياسية والثورية التي شاركت في ثورة 25 يناير. وهو تحالف

  1. ما بعد الربيع العربي جون آر برادلي،، شيماء عبد الحكيم مترجمة) (القاهرة: كلمات عربية للترجمة والنشر، 201369)، ص: "ففي سبتمبر 2011، دعا السلفيون إلى حجب آثار مصر الفرعونية، أدان الإخوان المسلمون الاقتراح، لكنهم في اليوم نفسه شنوا حملة لحظر ارتداء البكيني بدعوى مخالفة ذلك للإسلام."
  2. أكد أردغان أنّ الدولة العلمانية لا تعنى دولة اللادين، متمنيًا وجود دولة مدنية تقوم على احترام جميع الأديان والشرائح في المجتمع في مصر"، انظر: "أردوغان: لست علمانيًا فأنا مسلم.. والعلمانيةُ تضمن تديُّن الأشخاص"، العربية. نت، 2011/9/14، على الرابط: http://www.alarabiya.net/articles/2011/09/14/166779.html

"يقتضي التوافق على مشروع وطني ديمقراطي يقوم على مدنية الدولة ورفض تدخل الجيش في السياسة. (مع إعطاء دور مميز للجيش في إدارة المؤسسة العسكرية)، الأمر الذي يرجِّح إمكانية إعادة التوازن إلى العلاقات المدنية - العسكرية. تهدف هذه التسوية إلى تكريس الحكم المدني وإعادة عملية التحوّل الديمقراطي"، غير أنّ المؤلّف يشدّد على أنّ هذه التسوية مشروطة بمدى قدرة القوى السياسية والثورية على إعادة الاصطفاف مرة أخرى، "وهو ما يتطلب إنهاء حالة العداوة بين القوى المدنية وحركة الإخوان المسلمين" (ص. 99)

الخاتمة

احتلت المسألة المصرية دورًا مركزيًا في مصائر ثورات الربيع العربي. فإذا كانت تونس قد حظيت بشرف افتتاح مشهد الربيع العربي، ونجحت نسبيًّا في ترتيب حالة توافق سياسي وطني حافظت فيه على آليات النظام الديمقراطي والحريات العامة، فإنّ مصر قامت بدور القاطرة الكبرى في هذا الربيع، فكان لمشهد ميدان التحرير المليوني، والذي جمع العائلة الوطنية المصرية في بوتقة واحدة، وقعه العربي بل العالمي الكبير، حفَّز الملايين العربية على التطلّع نحو التغيير الديمقراطي، وأجبر قوى العنف والتطرف (أمثال الظواهري والبغدادي) على الصمت والتراجع إلى حين. لقد حمل هذا المشهد الوطني إمكانية الولادة الجديدة لشعب مصر، تمكّنه لو نجح أن يساعد الثورات العربية الأخرى، في سورية وليبيا واليمن، على عبور الطريق الصعب إلى الحرية. لكنّ مصر ضيّعت فرصتها في كسب رهان الديمقراطية لافتقارها إلى نموذج زعامة الغنوشي اللاحم للوحدة الوطنية، ولأنّ عسكرها انقضّ وا على السلطة مستغليّن الانشقاق العميق والعمودي للشعب المصري، وأخطاء القادة المنتخبين، وتواطؤ المعارضة السياسية المدنية. فكان لغياب دور مصر من ميدان مجابهة الثورة المضادة أثر سلبي في مستقبل ثورات الربيع العربي. لعلّ المسألة الأهمّ التي تواجه الشعب المصري، حاليًّا، هي استرداد المسار الديمقراطي، وهذا الأمر – كما أشار المؤلّف - يحتاج إلى مصالحة وطنية تاريخية عميقة على أساس مراجعة دروس الماضي، وأن تكون الكتلتان الاجتماعيتان الكبيرتان على استعداد لتقديم التنازلات اللازمة لهذه المصالحة، تُعيد الوئام الوطني في ظلّ نظام ديمقراطي يسمح للجميع بالتعبير عن مقاصدهم وإراداتهم. وتكون المؤسسة العسكرية على استعداد لتسلك درب المؤسسة العسكرية التركية. فقد بدأ الكثيرون يُدركون: "أنّ التحرك السريع إلى حكومة مدنية مطلوب، إن أرادت مصر المضي في إلغاء ضرر الدكتاتورية في الدولة والمجتمع جميعًا. فكلمّا أطال الجيش من مدة النظام القديم، تعاظم الخطر على الدولة التي يدّعي حمايتها وعليه كذلك"4.